في هذا المقال
سكريبت عيد ميلاد ابن اخويا 10كامله مني السيد
عيد ميلاد ابن اخويا 10مني السيد
حكايات مني السيد حصري
كنت عند أمي، رايحة أشرب معاها الشاي زي ما بعمل كل كام يوم، لكن أول ما دخلت البيت حسيت إن في حاجة مش طبيعية… أمي كانت قاعدة ساكتة، وشكلها متغير، ولما قربت منها لقيتها متضايقة جدًا. وعينيها حمرا من العياط ومبلمة في الأرض. جهاز الضغط مرمي جنبها على الكومودينو، والشريط مفرود كأنها لسه قايساه حالا.
جريت عليها وأنا قلبي هيقف من الخضة مالك يا أمي؟ في إيه يا حبيبتي حاسة بإيه؟ الضغط عالي تاني ولا إيه؟.
أمي رفعت وشها وبصتلي، شفت في عينيها كمية قهرة تكسر الضهر، مسحت دمعة نزلت غصب عنها وقالت بصوت مخنوق ورايح مفيش يا بنتي.. صداع عادي من السكر، متقلقيش نفسك.
أنا عارفاها وحافظة ملامحها صم، دي أمي اللي ربتنا، عارفة لما بتخبي بيبقى وراها جبل شايل شايل هم. قعدت على ركبي قدامها على الأرض، مسكت إيديها اللي كانت متلجة وقعدت أتحايل عليها، نص ساعة كاملة وأنا بحلفها بغلاوة ولادي وغلاوة إخواتي، لحد ما انفجرت في العياط وكأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية عشان متنهارش.
مرات أخوكي يا بنتي.. مرات أخوكي اللي عايشة في شقة فوق راسي، عملت عيد ميلاد لابنها، حتة مني ومن ريحتي، وعزمت أهلها كلهم من ورا ضهري ومكلفتش خاطرها تقولي كلمة واحدة، ولا حتى تديني خبر إن في ناس طالعة عندي البيت!. حصري على صفحة روايات و اقتباسات.
اتسمرت مكاني ومبقتش مستوعبة. كملت أمي بقهرة وصوتها بيترعش بعد المغرب لقينا أهلها كلهم طالعين ورا بعض، أمها وأخواتها، طالعين يتسحبوا من سكات كأنهم خايفين نعمل صوت. قولت لأختك يمكن طالعين يزوروها عادي ويسألوا عليها ومردتش أضيق عليهم ولا أطلع.. لحد ما أختك طلعت بعد العشا عشان تجيب كيس مانجة كنا مفرزينه عندها في الفريزر، خبطت والباب اتفتح، لقت الصالة متزوقة وبلالين، وتربيزة في النص عليها تورتة كبيرة بشمعها، وأهلها متجمعين وبيهيصوا.. أختك وشها جاب ألوان من الإحراج ونزلت تجري وهي بتعيط من الكسرة. هي دي الأصول؟ ده أنا لحم كتافها وكتاف ابنها من خير ابني وبيتي!.
حكايات_مني_السيد
الدم غلي في عروقي، وحسيت بنار قادت في نافوخي. قومت وقفت وقولت لأمي وحياتك عندي ما هسكت، أنا طالعالها أشوف إيه قلة الأصل دي، هو إحنا غرب في بيتنا ولا إيه؟!.
طلعت السلم خطوتين خطوتين، ورنيت الجرس بقوة. فتحتلي مرات أخويا، أول ما شافتني ارتبكت، بس وشها اتقلب في ثانية لمسكنة ودفاع مستميت قبل حتى ما أفتح بوقي بكلمة. دخلت وراها وقفلت الباب وواجهتها بقى كدة يا ياسمين ؟ تعملي عيد ميلاد لابن أخويا وتجمعي أهلك وتداروا على أمي؟ دي أم جوزك وفي مقام أمك، تهون عليكي قهرتها دي؟.
لقيتها ضربت على صدرها وعينيها دمعت وبدأت تحلف بكل الأيمانات والله العظيم مظلومة يا أختي! والله ما كنت أعرف حاجة ولا رتبت لأي حاجة! ده أهلي هما اللي فاجئوني، أخويا جاب التورتة على غفلة واشترى شوية بلالين وجايين يفرحوا يوسف ابن أختهم على الضيق كدة، وأنا والله اتفاجئت بيهم زيي زيكم، وملحقتش حتى أستوعب عشان أنزل أقول لطنط، كنت لسه هنزلها طبق تورتة أول ما يمشوا!.
كلامها كان مقنع وطريقتها فيها حزن وكسرة تخلّي الحجر يلين، حسيت بلخبطة، طب لو هي مظلومة وأهلها هما اللي كبسوها، هحاسبها هي على إيه؟ بس كان في غصة في قلبي.. حتى لو مفاجأة، مش كان المفروض الصبح على الأقل ألاقيها داخلة بطبق تورتة تراضيها وتقولها حقك عليا؟ مقدرتش أعاتبها بزيادة وسكتّ، خصوصاً وإن جوزها أخويا مش موجود في البيت.
نزلت لأمي تحت، حاولت أهدي النفوس عشان ضغطها ميرفعش أكتر معلش يا ماما، استهدي بالله عليكي.. طلعت مظلومة وبتحلف إن أهلها هما اللي فاجئوها وأخوها هو اللي اشترى التورتة وجايين يفرحوا الواد.
هنا أمي بصتلي بصه عمري ما هنساها، ابتسمت بمرارة وقالتلي بجمود مرعب مظلومة؟ وأخوها فاجئها بالتورتة؟.. أنا كنت واقفة ورا شيش البلكونة وشيفاهم بنفسي وهما داخلين العمارة بعد المغرب يا بنتي.. كانوا طالعين وإيديهم فاضية، مفيش في إيد أخوها غير كيس بلاستيك كحلي خفيف فيه شوية هدوم.. مفيش علبة تورتة دخلت من باب العمارة دي يا بنتي من الشارع أبداً.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. وقبل ما أرد على أمي، سمعنا صوت كركبة ورزع عالي جداً جاي من شقة أخويا فوق، وصرخة مكتومة خلت شعر جسمنا يقف ووو…..!!!!
الصرخة دي شقت سكوت البيت شق، خلت الدم ينشف في عروقي وأنا واقفة متسمرة مكاني قدام أمي. أمي شهقت ولطمت على صدرها بإيديها المرتعشة، وعينيها اللي كانت مليانة كسر وقهرة اتقلبت لرعب حقيقي يا لهوي يا بنتي! الواد جراله حاجة؟! إلحقي يا منى.. إلحقي أخوكي مش فوق والبت لوحدها بالعيال!.
مجريتش.. أنا طرت على السلم. رجلي مكنتش بتلمس الدرج، ضربات قلبي كانت طالعة في وداني زي صوت طبل بيخبط ورا راسي. مكنتش عارفة الصرخة دي صوت ياسمين ولا صوت ابن أخويا الصغير، بس الرزع اللي كان شغال فوق كان وراه مصيبة مش طبيعية، صوت خبط كراسي وحاجة بتتكسر وصوت هدير رجالي مكتوم! رجالي؟! أخويا طارق المفروض مسافر مأمورية شغل ومش راجع إلا بكرة المسا!
وصلت لباب الشقة، لقيت الباب متوارب مش مقفول بالترباس زي ما
سيبته من خمس دقايق بس. زقيت الباب بإيدي الاتنين ودخلت وأنا بنهج وبصرخ يا ساتر يا رب! في إيه يا ياسمين؟!.
المنظر اللي شفته جوة في الصالة شلّ حركتي وخلاني ألجم لساني. الصالة اللي كانت لسه من شوية متزوقة ببلالين العيد ميلاد وشرايط الزينة الملونة، كانت متبهدلة على الآخر؛ تربيزة الصالون مقلوبة على جنبها، وكوبايات العصير مكسورة على السجادة، وياسمين قاعدة على الأرض ساندة ضهرها على الكنبة، حاطة إيديها الاتنين على وشها وبتشهق شهقات تقطع القلب، وشعرها منكوش وطرحتها مفكوكة ومرمية في الأرض.
وفوق راسها… كان واقف طارق!
طارق أخويا الكبير، راجل بطوله وعرضه، الشنطة بتاعة السفر بتاعته كانت مرمية عند عتبة الباب الداخلي، لابس قميصه اللي مفتوح زرايره من فوق من كتر النهجان، وعينيه جاحظة وحمرا زي الجمر، وشرايين رقبته نافرة كأن الدم هينفجر منها. كان ماسك في إيده إزازة مية مثلجة، كأن حد دلقها عشان يفوق حد، وعلى الأرض جنبه كان في تليفون ياسمين المحمول، الشاشة بتاعته متدشدشة مية حتة.
طارق؟!.. نطقت اسمه بصوت مخنوق ومكنتش مستوعبة أنت جيت إمتى يا حبيبي؟ في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ الولد حصله حاجة؟!.
طارق مبصليش أصلاً، كان باصص لياسمين اللي على الأرض بنظرة كره ورعب عمري ما شفتها في عيون أخويا الطيب الهادي اللي طول عمره ماشي جنب الحيط، اللي بيشتغل ليل مع نهار عشان بس يوفر قرشين يستر بيهم بيته ويفرّح مراته.
اسألي الهانم.. صوته طلع واطي ومبحوح، واطي بطريقة ترعب أكتر من الزعيق اسألي بنت الأصول اللي راسي كانت مرفوعة بيها وبقول مربيها على إيدي.. اسأليها مين اللي كان بايت هنا ومين اللي جاب التورتة وفرحان على قفايا!.
ياسمين رفعت وشها فجأة، وشها كان شاحب زي ، وجريت زحف على ركبتها ومسكت في بنطلون طارق والله ما حصل يا طارق! والله العظيم أنت فاهم غلط! اسمعني بس دقيقة واحدة أبوس إيدك ورجلك، متفضحنيش قدام أختك، استر عليا ربنا يسترها على بناتك!.
الكلمة خلت ركبي تسيب تستر عليها؟!. الكلمة تقيلة أوي يا جماعة، تقيلة لدرجة إنها لما تتقال في بيت ناس محترمين البيت كله يتهز ويسقط.
في اللحظة دي سمعت دبة عصاية أمي على السلم. أمي على تعبها وضعفها مفاصلها خانتها وطلعت السلم خطوة خطوة، دخلت الشقة وهي بتسند على الحيطة وعينيها بتدور في المكان طارق؟ أنت رجعت يا ضنايا؟ في إيه يا ولاد؟ صوتكم جايب لآخر الشارع، والناس بدأت تفتح الشبابيك وتبص.. إيه المخروبة اللي قايمة دي؟.
أول ما أمي دخلت، طارق اتلفت ليها، شفت في عينه كسرة راجل الدنيا كلها متساويهاش. نزل لمستوى أمي وباس إيدها وهو بيترعش حقك عليا يا أمي.. حقك عليا يا تاج راسي، الجزاء من جنس العمل.. أنا اللي وطيت راسي وخليت الحريم تكسر هيبتك في بيتك، ربنا مارضيش يبيتها مظلومة ونارها قايدة، فضحها على إيدي وفي ساعتها!.
أمي مسكت وشه بإيديها المرجوفة وقالتله بلهفة الأم اللي نست كل زعلها في ثانية مالك يا طارق؟ فيك إيه يا قلب أمك؟ سيبك من أي حاجة وحصل خير، قولي بس مالك واهدا يا بني الضغط هيقع بيك!.
طارق وقف على حيله، وشاور على ياسمين اللي كانت بتلطم على رجليها في الأرض بصوت مكتوم عارفة يا أمي الهانم دي كانت بتعمل إيه؟ البيه أخوها اللي جه بعد المغرب وما كنش في إيده تورتة زي ما أنتي شوفتي.. التورتة كانت هنا في التلاجة من إمبارح بالليل! الهانم باعت حلق بنتها الصغير.. الحلق الدهب اللي أنتي يا أمي مجيباه للبت في سبوعها وموصياني عليه ميتفرطش فيه.. باعته عشان تدفع جمعية لأمها وتسفر أخوها مصيف مع صحابه، وجابت من الباقي تورتة وحلويات وزينة، وعملت عيد ميلاد، ولمت حبايبها وأهلها عشان يحتفلوا ويضحكوا على خيبتي!.
أنا وأمي بصينا لبعض بصدمة. أمي برقت الحلق الدهب يا ياسمين؟! حلق فريدة بنتك اللي وزنه 4 جرام ونص، اللي كنت شايلاه ليها للزمن؟!.
الدهب وسيلة يا خاينة!.. طارق زعق بعلو صوته لحد ما حبال رقبته بانت الدهب مش هو اللي قاهرني! اللي قاهرني إنك كدبتي، وسرقتي من ورايا، وطلعتي رحتي الصاغة مع أخوكي وإنتي قايلالي إنك عند دكتور السنان، وخدتي فلوس الكشف كمان! واللي قاهرني أكتر وأكتر، إنك بعد ما عملتي كل ده، هنتي أمي في عقر دارها.. عملتي حفلة في البيت اللي أمي بنته بطوبة طوبة على حساب شقاها وشقا أبويا، وعزمتي كل عيلتك وخبيتي على أمي عشان ماتاكليهاش حتة تورتة ولا تبيني إنك مروقة على بيتك؟!.
ياسمين قامت وقفت فجأة، ووشها اتحول من المسكنة والبكا للغل والعدوانية، كأن القناع اللي كانت لابساه سنين وقع مرة واحدة على الأرض أيوا خبيت! خبيت عشان أمك مبتسميش! عشان لو عرفت إني جايبة تورتة ب 400 جنيه هتقعد تقول مسرفة ومبذرة، وهتبص في اللقمة اللي عيالي بياكلوها! خبيت عشان مش عايزة نكد وعايزة أفرح ابني مع أهلي اللي بجد
بيحبوه، مش اللي كل ما يشوفوه يقولوا طالع شبه خواله ومعندهمش غير النقد والتريقة!.
الكلام نزل على أمي زي طعنة خنجر. أمي رجعت خطوتين لورا وسندت على الباب، وشها اصفر وبقت تاخد نفسها بالعافية. أنا مقدرتش أمسك نفسي، قربت من ياسمين وزقيتها في كتفها أمي بتبص في اللقمة يا ياسمين؟! أمي اللي بتنزلك كل أول أسبوع فرختين ولحمة من تموينها وتقول عشان ولاد طارق مياكلوش أقل من الناس؟! أمي اللي وقفت معاكي في ولادتك القيصري وشالت وسختك وإنتي نايمة على السرير وأمك كانت جاية ضيفة تشرب الشاي وتمشي؟! ده أنتي لحم كتاف عيالك من شقا أمي وشقا أخويا!.
بس!.. طارق زعق فينا كلنا، وراح ناحية الأوضة، طلع منها شنطة هدوم قديمة، ورماها على الأرض قدام ياسمين الموضوع خلص. من غير فضايح أكتر من كده ومن غير ما الجيران تتلم علينا.. هتاخدي هدومك وتتصلي بأبوكي ييجي ياخدك دلوقتي، ورجلك متخُطّش العتبة دي تاني لحد ما أعرف أنا هعمل إيه!.
ياسمين هنا حست إن الموضوع جد، وإن المركب بتغرق بجد. الجبروت اللي ظهر في عينيها من ثواني اختفى، ونزلت على رجل طارق تاني تتوسل له طارق لا.. عشان خاطر يوسف وفريدة، بلاش طلاق يا طارق، بلاش تفضحني وسط أهلي والشارع، طب عشان خاطر عيالك طيب، أمك مسامحة والله، أمك قلبها طيب ومش هترضى بخراب بيتي!. ولفت لأمي وهي بتعيط بنحيب قوليله حاجة يا طنط! قولي لابنك ميخربش بيته، عشان خاطر العيال دول حتة من ابنك!.
أمي غمضت عينيها، ودمعة سخنة نزلت على خدها المجعد، وقالت بصوت هادي وموجوع يقطع نياط القلب أنا يا بنتي عمري ما خربت بيت حد، ولا عمري كنت سبب في إن عيل يبعد عن أمه.. بس اللي ملوش خير في أهل جوزه، وبيخبي ويداري ويسرق من مال بيته عشان يدي لبرة ويجرح اللي شالوه.. ربنا بيكشفه من فوق سبع سماوات.. أنا مسمحاكي على قهرة قلبي بتاعت الصبح، ومسمحاكي على العيد ميلاد اللي استكترتي عليا لقمته، لكن بيتك وجوزك.. ده سرهم بينك وبين ربنا وبينه هو، هو صاحب القرار.
أمي لفت ضهرها ونزلت على السلم ببطء شديد، وأنا كنت ماسكة إيدها بسندها، ورجليها كانت بتترعش من الوجع والضغط. وأنا نازلة معاها، سمعت طارق فوق بيقولها بنبرة قاطعة مفيهاش أي رجعة أنا مش هطلقك دلوقتي عشان خاطر العيال والناس متتكلمش.. بس أنتي طالعة من البيت ده بشرفك، تروحي بيت أبوكي وتقعدي هناك، لحد ما ترجعي الحلق اللي سرقتيه، وساعتها نقعد مع الكبار ونشوف الجوازة دي هتكمل إزاي، ده لو كملت!.
نزلنا الشقة تحت، وأمي قعدت على الكنبة زي الكومة الهامدة. دخلت بسرعة المطبخ عملت لها كوباية كركديه بارد، وجبت جهاز الضغط عشان أقيسهولها. إيدي كانت بتترعش وأنا بلف الشريط على دراعها، كان الضغط واصل 170 على 100!
يا أمي، بالله عليكي اهدي، متعمليش في نفسك كده عشان واحدة متستاهلش! قولت الكلام ده وأنا بحاول أداري الرعب اللي في عيني من القراءة العالية دي.
أمي بصت في السقف وقالت بشرود مش عشانها يا منى.. أنا قلبي واجعني على أخوكي.. طارق حنين، وشايل فوق طاقته، متغرب وشقيان في الشمس والمطرة عشان يوفر لقمة حلال، والآخر يتجازى بالغدر من أقرب الناس ليه؟ أنا كنت حاسة يا بنتي، قلبي كان دايماً قارصني من البت دي، بس كنت بقول معلش عشان خاطر الولاد نمشي المركب.. بس المركب اللي تخرمها قلة الأصل لازم تغرق.
في الوقت ده، كان صوت الدوشة فوق هدي تماماً. وبعد حوالي نص ساعة، سمعنا صوت خطوات نازلة على السلم، مش خطوات ياسمين لوحدها.. خطوات كذا حد.
قومت براحة وبصيت من العين السحرية بتاعة الباب، لقيت أبو ياسمين، راجل كبير على المعاش، وشه في الأرض مش قادر يرفعه، ومعاه ياسمين شايلة شنطة هدومها وماسكة إيد بنتها فريدة وبتعيط، وأخوها الشاب اللي كان السبب في كل المصيبة دي ماشي وراهم وشه أصفر زي اللمونة، ومحدش فيهم نطق بحرف ولا حتى خبطوا على باب أمي يعتذروا أو يطيبوا خاطرها. نزلوا في صمت رهيب، كأنهم جنازة ماشية في هدوء الليل.
طارق نزل بعدها بدقائق. دخل شقة أمي، شكله كان متبهدل، عيونه غرقانة دموع وشنبه بيرتعش. أول ما دخل ركع قدام رجلين أمي ودفن راسه في حجرها وانفجر في العياط زي العيل الصغير كسرتني يا أمي.. كسرتني وضيعت تعبي.. كنت فاكر إني بنيت بيت وهي صانته، طلعت بتبني بيت أهلها على أنقاضي أنا وعيالي!.
أمي قعدت تطبطب على ضهره بحنان الدنيا كله، وتمسح على شعره يا بني ارفع راسك، متكسرش نفسك عشان حد، اللي يبيعك بيعه برخيص ومتبكيش عليه، ربنا نجدك وفضح المستور قبل ما العمر يفوت وأنت مغمى عينك.. المهم عندي صحتك وعيالك، العيال ملهمش ذنب في وساخة الكبار.
قعدنا الليل كله صاحيين، مفيش عين فينا غفلت. طارق حكى لنا إنه رجع بدري عشان يعمل هو مفاجأة لياسمين بمناسبة عيد ميلاد ابنهم، كان جايب للواد عجلة جديدة شايلها في شنطة العربية تحت، وأول ما طلع الشقة وفتح بالمفتاح على غفلة، لقى ياسمين وأخوها بيتخانقوا في الصالة بصوت واطي على فلوس تمن الحلق، وأخوها بيقولها اصبري عليا الجمعية هتتأخر أسبوعين،
قومت بسرعة عشان ميرنش كتير ويصحي طارق. رفعت السماعة وقولت بصوت واطي ألو؟.
الصوت اللي رد مكنش صوت ياسمين، ولا صوت أبوها.. كان صوت ست تانية خالص، صوت غريب ومريب، نبرتها كانت خبيثة وبتتكلم بثقة غريبة صباح الخير يا ست هانم.. مش ده برضه بيت الأستاذ طارق فلان؟.
أيوا هو، مين حضرتك؟ سألتها وأنا حاسة بنغزة غريبة في صدري.
الست ضحكت ضحكة صفرا وقالت قولي للأستاذ طارق يلحق نفسه، لأن ياسمين هانم مش عند بيت أبوها زي ما هو فاكر.. الهانم دلوقتي في قسم الشرطة بتعمل فيه محضر ضرب وسرقة تبديد عفش، ومطلعة تقرير طبي بإصابات ملهاش أول من آخر.. ولو فاكرين إن الحكاية خلصت على حلق دهب وتورتة، تبقوا لسه متعرفوش ياسمين وعيلتها مخبيين إيه ورا ضهركم!.
الخط قطع في وشي.. وتوت توت توت كان الصوت الوحيد اللي بيتردد في وداني.
اتسمرت مكاني والسماعة وقعت من إيدي على السجادة، وبصيت لأمي اللي كانت قاعدة مستنية تعرف مين اللي بيتصل، وشفت طارق بيفتح عينيه وبيصحى من النوم على صوت خبطة السماعة…
السماعة كانت بتزن على الأرض بصوت الصفارة المتقطعة، وأنا كنت حاسة إن الحيطان بتلف بيا. طارق فتح عينه بنعاس مكسور، فرك وشه وبصلي باستغراب مين يا منى اللي بيتصل على الصبح كده؟ في إيه وشك ليه؟.
لساني كان متكتف، بلعت ريقي بصعوبة بالغة وقولت وصوتي بيرتعش طارق… البس هدومك بسرعة، ياسمين في القسم!.
طارق من على الكنبة زي الملدوع، حتى التعب والهدة اللي كانت فيه اتبخرت في ثانية في القسم بتعمل إيه؟! بنتي جرالها حاجة؟ ابني حصله حاجة؟!.
لأ يا طارق… بتعمل فيك محضر وتبديد، ومطلعة تقرير طبي!
الجملة نزلت على الصالة زي برميل بارود انفجر. أمي قامت وقفت على رجليها اللي كانت بتشتكي منها طول الليل، صرخت بصوت مكتوم يا مري! ضرب إيه وتبديد إيه؟! دي خارجة من البيت على رجليها ومحدش لمس شعرة منها! ده طارق معمرش إيده عليها في عز ما كان شايط! بتتبلى على ابني؟!.
طلع يجري على شقته فوق عشان يغير هدومه وياخد أوراقه، وأنا نزلت بسرعة رنيت على جوزي وعلى خالتي، وقولت لأمي وحياتك عندي يا أمي ما هتتساب.. الغدر ده ميتسكتش عليه. بس أمي كانت قاعدة بتبكي وبتدعي يا فارج الهم، يا كاشف المستور، اظهر حق ابني المظلوم وانصره على اللي .
طارق نزل، لابس ومستعد، وشه مفيش فيه نقطة دم بس عينيه فيها ثبات راجل ناوي ياخد حقه بالقانون. نزلنا الشارع، وركبنا مع بعض رايحين على قسم الشرطة، وفي السكة اتصلت بمحامي ابن حلال صاحب طارق من زمان اسمه أستاذ عصام، حكيناله السكة في كلمتين، وقالنا سبقوني على هناك ومحدش فيكم يفتح بوقه بكلمة لحد ما أجيلكم، الحركات دي حافظينها صم.
أخوها محروس وقف ونفخ صدره وبص لطارق بغل جاي برجليك يا بطل؟ والله لنسجنك وناخد شقا عمرك كله، مبقاش إلا يمدوا إيدهم على أختي!.
طارق كان هيندفع ناحيته، بس أستاذ عصام شد طارق من كتفه بقوة وهمسله اثبت مكانك، ولا حركة، ولا كلمة، هو عايز يستفزك عشان تعمل مصيبة هنا قدام الأمين.
عصام المحامي قعد وقدم كارنيه النقابة وقال بكل هدوء يا فندم، التقرير ده كيدي والواقعة دي ملفقة جملة وتفصيلاً، وموكلي طارق موظف محترم ومعندوش سوابق، والهانم نزلت من بيتها إمبارح الساعة اتنين بالليل سليمة معافاة، بكامل إرادتها ومعاها والدها وأخوها.
هنا طارق مقدرش يسكت، بص للضابط وقال يا باشا، أنا راجل شقيان على لقمة عيشي، عمري ما مديت إيدي على ست، ولا ربياني أبويا على كده. الست دي مراتي بقالها سبع سنين، إمبارح اكتشفت إنها بايعة دهب بنتي من ورا ضهري، وحصلت مشادة كلامية، نزلت مع أبوها من غير ما ألمس منها شعرة، وربنا شاهد على كلامي.
الضابط بصلهم الاتنين بتمعن، وهو راجل فاهم وخبير في مشاكل الحريم والأزواج الكلام ده كله هيتحقق فيه في النيابة، إحنا هنا بنحرر المحضر بالتقرير الطبي المرفق، والنيابة هي اللي تفصل.
خرجنا من الأوضة والجو مسموم بالغل. أخو ياسمين قرب من طارق وابتسم بخبث وهو بيهمس بصوت واطي ومستفز العفش كله هيتفرش في المحكمة، وقايمة المنقولات ب 600 ألف جنيه، غير المؤخر، غير حبسك في الضرب يا طارق.. هتدفع تمن الحلق ده دم قلبك، وهتركع عشان نبقى نتنازل!.
أنا دمي غلي، وكنت لسه هرد عليه وأمسح بكرامته الأرض، بس طارق مسك إيدي وبص لأخوها في عينه بنظرة وقاله الحق مبيضيعش يا محروس، واللي بيبني بيته بالحرام والكدب، بيته بيقع على دماغه في الآخر.
أمي رفعت إيدها وقالت فجأة يا بني… هو إحنا مش في الشارع بتاعنا ده في كاميرات؟.
الكلمة كانت زي النور اللي نور في أوضة ضلمة!
أنا ضربت على جبهتي يا خبر أبيض يا
أمي! الكاميرات! محل السوبر ماركت اللي قصاد بيتنا على طول، والمدبغة اللي على أول الشارع!.
طارق اتعدل في قعدته كأن الروح ردت فيه أيوا! كاميرا عم جرجس بتاع الماركت جايبة بوابة العمارة كلها من فوق لتحت، بزاوية واضحة جداً!.
عصام المحامي ابتسم وضرب كف على كف الله ينور عليكي يا حاجة! دي لو جابتها وهي نازلة سليمة من غير ما حد يسندها ولا وشها فيه حاجة، التقرير الطبي ده هيتحول ضدها لجريمة بلاغ كاذب وتزوير، والنيابة هتقل الموضوع عليهم جحيم!.
طارق مقعدش دقيقة، نزل جري على عم جرجس. عم جرجس راجل أصيل وجار عمر لأبويا الله يرحمه، أول ما طارق قاله، الراجل قفل دكانه وفتح جهاز التسجيلات من عنيا يا طارق، ده أنت ابني، وأنا عارف أصلك وفصلك، مش البت دي اللي هتتبلى عليك!.
قعدوا يرجعوا في التسجيلات بتاعة إمبارح بالليل… الساعة اتنين ودشر دقايق ظهر باب العمارة بيتفتح. خرج منه أبو ياسمين الأول وهو باصص في الأرض، ووراه ياسمين، بكامل صحتها، لابسة العباية السودة، شايلة الشنطة الكبيرة في إيدها الشمال، وماسكة بنتها الصغيرة بإيدها اليمين اللي بتدعي إنها مكسورة! كانت بتمشي طبيعي جداً، مفيش عرج، مفيش كدمات على وشها لأن نور عمود النور كان ضارب في وشها مباشرة، وأخوها وراها شايل شنطة تانية. وفوق كل ده، التسجيل جاب ياسمين وهي واقفة على أول الشارع مستنية تاكسي، وبتتكلم في التليفون وبتضحك باستهزاء لأخوها!
طارق فرغ الفيديو على فلاشة، بس المفاجأة الكبرى مكنتش في كاميرا عم جرجس بس!
الست اللي رنت عليا الصبح بالرقم الغريب… الست دي رنت تاني على تليفون البيت بعد الضهر!
أنا رديت عليها بسرعة ألو؟ مين معايا وليه بتعملي كده؟!.
الست قالت بنبرة فيها ندم وتردد أنا سحر… جارة أم ياسمين في الحارة اللي هما ساكنين فيها.
وعايزة إيه مننا يا سحر؟.
عايزة أخلص ذمتي قدام ربنا يا أختي… أنا لما كلمتك الصبح كنت فاكرة إن أخوكي مفتري زي ما هما قالوا في الحارة، بس لما شوفت اللي حصل الصبح على السطوح مقدرتش أنام من خوفي من ربنا.
سطوح إيه؟! فهميني!.
ياسمين وصلت بيت أمها الفجر سليمة مفيهاش خدش، وأخوها محروس وأمها فضلوا يسخنوها ويقولولها هنسيبه يطردك كده بشنطة هدومك وناخد إيه؟ محروس هو اللي أقنعها تعمل التقرير الطبي، وهو اللي جاب شفرة موس خفيفة وخربشلها دراعها، وخلاها تخبط راسها في الحيطة علشان تعمل كدمة زرقا تحت عينها، وراحوا لدكتور معرفة بياخد قرشين في المستشفى العام طلع لهم التقرير الملفق ده! أنا سمعت صريخها الصبح وشوفتهم بعيني وهما بيلفقوا الحكاية، والواد محروس عمال يقولها ده إحنا هنخرب بيته وناخد شقته، ضميري أنبني ومقدرتش أسكت.
الدنيا كلها وضحت وبانت. ربنا سبحانه وتعالى لما بيحب ينصر مظلوم، بيسوقله البراءة من وسط النار.
أستاذ عصام المحامي جمع كل الخيوط فلاشة الكاميرات اللي بتثبت خروجها سليمة تماماً في نفس وقت الواقعة المدعى بيها، وبيان تحركات تليفون طارق إنه كان في البيت تحت عند والدته ومخرجش وراهم، وشهادة الست سحر اللي وافقت تيجي تدلي بشهادتها رسمي قدام وكيل النيابة بعد ما طارق حلفلها إنه هيحميها من شرهم.
تاني يوم الصبح في سراي النيابة، كان المشهد لا يُنسى.
ياسمين وأهلها ومحاميهم كانوا قاعدين ومجهزين عريضة الدعوى ورافعين مناخيرهم في السما، فاكرين إن طارق جاي يعتذر ويبوس الأيادي عشان يتنازلوا عن محضر الضرب ويبعدوا شبح الحبس عنه.
دخلنا كلنا قدام وكيل النيابة. محامي ياسمين بدأ يتكلم المسكينة اللي وكيل النيابة بص لطارق إيه ردك يا طارق في الاتهامات دي؟.
عصام المحامي وقف بكل ثقة، وحط الفلاشة والمستندات على مكتب وكيل النيابة ردنا يا فندم في الفيديو ده، اللي مسجل بالوقت والتاريخ بالثانية، ومرفوع من كاميرات مراقبة رسمية لشارع عمومي.
وكيل .
وش ياسمين اتقلب زي الميتين. أخوها محروس بدأ يفرك في إيديه ويتلفت حواليه كأنه بيدور على باب يهرب منه. أمها فتحت بقها ومطلعتش كلمة.
ياسمين بدأت تترعش وتتلعثم يا.. يا باشا.. ده.. ده كان بعدين.. أصل…
مفيش أصل ومفيش فصل! وكيل النيابة خبط على المكتب
الأرض عند رجلين طارق في مكتب النيابة قدام الكل أبوس إيدك يا طارق! اتصالح.. هتحبس أنا وأخويا! والله هما اللي ضحكوا عليا، والله أمي وأخويا هما اللي قالولي أعمل كده عشان نلوي دراعك وناخد قرشين! سامحني يا طارق عشان خاطر عيالك، مين هيربي فريدة ويوسف لو أنا اتسجنت؟!.
طارق رجع خطوة لورا، وبصلها بنظرة برود خالية من أي شفقة، نظرة راجل شال حبيبته من قلبه ورماها في الزبالة عيالي أنا اللي هربيهم، هربيهم بلقمة حلال وفي بيت نضيف ميعرفش الكدب ولا الغدر ولا الحرام. أنتي اللي حطيتي نفسك وأخوك ي في الحبس، واللي يزرع شوك مبيجنيش غير الجراح.
ولف وشه لوكيل النيابة وقال بكل هدوء وثبات يا فندم، أنا برمي عليها يميمني السيد
حكايات مني السيد حصري
كنت عند أمي، رايحة أشرب معاها الشاي زي ما بعمل كل كام يوم، لكن أول ما دخلت البيت حسيت إن في حاجة مش طبيعية… أمي كانت قاعدة ساكتة، وشكلها متغير، ولما قربت منها لقيتها متضايقة جدًا. وعينيها حمرا من العياط ومبلمة في الأرض. جهاز الضغط مرمي جنبها على الكومودينو، والشريط مفرود كأنها لسه قايساه حالا.
جريت عليها وأنا قلبي هيقف من الخضة مالك يا أمي؟ في إيه يا حبيبتي حاسة بإيه؟ الضغط عالي تاني ولا إيه؟.
أمي رفعت وشها وبصتلي، شفت في عينيها كمية قهرة تكسر الضهر، مسحت دمعة نزلت غصب عنها وقالت بصوت مخنوق ورايح مفيش يا بنتي.. صداع عادي من السكر، متقلقيش نفسك.
أنا عارفاها وحافظة ملامحها صم، دي أمي اللي ربتنا، عارفة لما بتخبي بيبقى وراها جبل شايل شايل هم. قعدت على ركبي قدامها على الأرض، مسكت إيديها اللي كانت متلجة وقعدت أتحايل عليها، نص ساعة كاملة وأنا بحلفها بغلاوة ولادي وغلاوة إخواتي، لحد ما انفجرت في العياط وكأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية عشان متنهارش.
مرات أخوكي يا بنتي.. مرات أخوكي اللي عايشة في شقة فوق راسي، عملت عيد ميلاد لابنها، حتة مني ومن ريحتي، وعزمت أهلها كلهم من ورا ضهري ومكلفتش خاطرها تقولي كلمة واحدة، ولا حتى تديني خبر إن في ناس طالعة عندي البيت!. حصري على صفحة روايات و اقتباسات.
اتسمرت مكاني ومبقتش مستوعبة. كملت أمي بقهرة وصوتها بيترعش بعد المغرب لقينا أهلها كلهم طالعين ورا بعض، أمها وأخواتها، طالعين يتسحبوا من سكات كأنهم خايفين نعمل صوت. قولت لأختك يمكن طالعين يزوروها عادي ويسألوا عليها ومردتش أضيق عليهم ولا أطلع.. لحد ما أختك طلعت بعد العشا عشان تجيب كيس مانجة كنا مفرزينه عندها في الفريزر، خبطت والباب اتفتح، لقت الصالة متزوقة وبلالين، وتربيزة في النص عليها تورتة كبيرة بشمعها، وأهلها متجمعين وبيهيصوا.. أختك وشها جاب ألوان من الإحراج ونزلت تجري وهي بتعيط من الكسرة. هي دي الأصول؟ ده أنا لحم كتافها وكتاف ابنها من خير ابني وبيتي!.
حكايات_مني_السيد
الدم غلي في عروقي، وحسيت بنار قادت في نافوخي. قومت وقفت وقولت لأمي وحياتك عندي ما هسكت، أنا طالعالها أشوف إيه قلة الأصل دي، هو إحنا غرب في بيتنا ولا إيه؟!.
طلعت السلم خطوتين خطوتين، ورنيت الجرس بقوة. فتحتلي مرات أخويا، أول ما شافتني ارتبكت، بس وشها اتقلب في ثانية لمسكنة ودفاع مستميت قبل حتى ما أفتح بوقي بكلمة. دخلت وراها وقفلت الباب وواجهتها بقى كدة يا ياسمين ؟ تعملي عيد ميلاد لابن أخويا وتجمعي أهلك وتداروا على أمي؟ دي أم جوزك وفي مقام أمك، تهون عليكي قهرتها دي؟.
لقيتها ضربت على صدرها وعينيها دمعت وبدأت تحلف بكل الأيمانات والله العظيم مظلومة يا أختي! والله ما كنت أعرف حاجة ولا رتبت لأي حاجة! ده أهلي هما اللي فاجئوني، أخويا جاب التورتة على غفلة واشترى شوية بلالين وجايين يفرحوا يوسف ابن أختهم على الضيق كدة، وأنا والله اتفاجئت بيهم زيي زيكم، وملحقتش حتى أستوعب عشان أنزل أقول لطنط، كنت لسه هنزلها طبق تورتة أول ما يمشوا!.
كلامها كان مقنع وطريقتها فيها حزن وكسرة تخلّي الحجر يلين، حسيت بلخبطة، طب لو هي مظلومة وأهلها هما اللي كبسوها، هحاسبها هي على إيه؟ بس كان في غصة في قلبي.. حتى لو مفاجأة، مش كان المفروض الصبح على الأقل ألاقيها داخلة بطبق تورتة تراضيها وتقولها حقك عليا؟ مقدرتش أعاتبها بزيادة وسكتّ، خصوصاً وإن جوزها أخويا مش موجود في البيت.
نزلت لأمي تحت، حاولت أهدي النفوس عشان ضغطها ميرفعش أكتر معلش يا ماما، استهدي بالله عليكي.. طلعت مظلومة وبتحلف إن أهلها هما اللي فاجئوها وأخوها هو اللي اشترى التورتة وجايين يفرحوا الواد.
هنا أمي بصتلي بصه عمري ما هنساها، ابتسمت بمرارة وقالتلي بجمود مرعب مظلومة؟ وأخوها فاجئها بالتورتة؟.. أنا كنت واقفة ورا شيش البلكونة وشيفاهم بنفسي وهما داخلين العمارة بعد المغرب يا بنتي.. كانوا طالعين وإيديهم فاضية، مفيش في إيد أخوها غير كيس بلاستيك كحلي خفيف فيه شوية هدوم.. مفيش علبة تورتة دخلت من باب العمارة دي يا بنتي من الشارع أبداً.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. وقبل ما أرد على أمي، سمعنا صوت كركبة ورزع عالي جداً جاي من شقة أخويا فوق، وصرخة مكتومة خلت شعر جسمنا يقف ووو…..!!!!
الصرخة دي شقت سكوت البيت شق، خلت الدم ينشف في عروقي وأنا واقفة متسمرة مكاني قدام أمي. أمي شهقت ولطمت على صدرها بإيديها المرتعشة، وعينيها اللي كانت مليانة كسر وقهرة اتقلبت لرعب حقيقي يا لهوي يا بنتي! الواد جراله حاجة؟! إلحقي يا منى.. إلحقي أخوكي مش فوق والبت لوحدها بالعيال!.
مجريتش.. أنا طرت على السلم. رجلي مكنتش بتلمس الدرج، ضربات قلبي كانت طالعة في وداني زي صوت طبل بيخبط ورا راسي. مكنتش عارفة الصرخة دي صوت ياسمين ولا صوت ابن أخويا الصغير، بس الرزع اللي كان شغال فوق كان وراه مصيبة مش طبيعية، صوت خبط كراسي وحاجة بتتكسر وصوت هدير رجالي مكتوم! رجالي؟! أخويا طارق المفروض مسافر مأمورية شغل ومش راجع إلا بكرة المسا!
وصلت لباب الشقة، لقيت الباب متوارب مش مقفول بالترباس زي ما
سيبته من خمس دقايق بس. زقيت الباب بإيدي الاتنين ودخلت وأنا بنهج وبصرخ يا ساتر يا رب! في إيه يا ياسمين؟!.
المنظر اللي شفته جوة في الصالة شلّ حركتي وخلاني ألجم لساني. الصالة اللي كانت لسه من شوية متزوقة ببلالين العيد ميلاد وشرايط الزينة الملونة، كانت متبهدلة على الآخر؛ تربيزة الصالون مقلوبة على جنبها، وكوبايات العصير مكسورة على السجادة، وياسمين قاعدة على الأرض ساندة ضهرها على الكنبة، حاطة إيديها الاتنين على وشها وبتشهق شهقات تقطع القلب، وشعرها منكوش وطرحتها مفكوكة ومرمية في الأرض.
وفوق راسها… كان واقف طارق!
طارق أخويا الكبير، راجل بطوله وعرضه، الشنطة بتاعة السفر بتاعته كانت مرمية عند عتبة الباب الداخلي، لابس قميصه اللي مفتوح زرايره من فوق من كتر النهجان، وعينيه جاحظة وحمرا زي الجمر، وشرايين رقبته نافرة كأن الدم هينفجر منها. كان ماسك في إيده إزازة مية مثلجة، كأن حد دلقها عشان يفوق حد، وعلى الأرض جنبه كان في تليفون ياسمين المحمول، الشاشة بتاعته متدشدشة مية حتة.
طارق؟!.. نطقت اسمه بصوت مخنوق ومكنتش مستوعبة أنت جيت إمتى يا حبيبي؟ في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ الولد حصله حاجة؟!.
طارق مبصليش أصلاً، كان باصص لياسمين اللي على الأرض بنظرة كره ورعب عمري ما شفتها في عيون أخويا الطيب الهادي اللي طول عمره ماشي جنب الحيط، اللي بيشتغل ليل مع نهار عشان بس يوفر قرشين يستر بيهم بيته ويفرّح مراته.
اسألي الهانم.. صوته طلع واطي ومبحوح، واطي بطريقة ترعب أكتر من الزعيق اسألي بنت الأصول اللي راسي كانت مرفوعة بيها وبقول مربيها على إيدي.. اسأليها مين اللي كان بايت هنا ومين اللي جاب التورتة وفرحان على قفايا!.
ياسمين رفعت وشها فجأة، وشها كان شاحب زي ، وجريت زحف على ركبتها ومسكت في بنطلون طارق والله ما حصل يا طارق! والله العظيم أنت فاهم غلط! اسمعني بس دقيقة واحدة أبوس إيدك ورجلك، متفضحنيش قدام أختك، استر عليا ربنا يسترها على بناتك!.
الكلمة خلت ركبي تسيب تستر عليها؟!. الكلمة تقيلة أوي يا جماعة، تقيلة لدرجة إنها لما تتقال في بيت ناس محترمين البيت كله يتهز ويسقط.
في اللحظة دي سمعت دبة عصاية أمي على السلم. أمي على تعبها وضعفها مفاصلها خانتها وطلعت السلم خطوة خطوة، دخلت الشقة وهي بتسند على الحيطة وعينيها بتدور في المكان طارق؟ أنت رجعت يا ضنايا؟ في إيه يا ولاد؟ صوتكم جايب لآخر الشارع، والناس بدأت تفتح الشبابيك وتبص.. إيه المخروبة اللي قايمة دي؟.
أول ما أمي دخلت، طارق اتلفت ليها، شفت في عينه كسرة راجل الدنيا كلها متساويهاش. نزل لمستوى أمي وباس إيدها وهو بيترعش حقك عليا يا أمي.. حقك عليا يا تاج راسي، الجزاء من جنس العمل.. أنا اللي وطيت راسي وخليت الحريم تكسر هيبتك في بيتك، ربنا مارضيش يبيتها مظلومة ونارها قايدة، فضحها على إيدي وفي ساعتها!.
أمي مسكت وشه بإيديها المرجوفة وقالتله بلهفة الأم اللي نست كل زعلها في ثانية مالك يا طارق؟ فيك إيه يا قلب أمك؟ سيبك من أي حاجة وحصل خير، قولي بس مالك واهدا يا بني الضغط هيقع بيك!.
طارق وقف على حيله، وشاور على ياسمين اللي كانت بتلطم على رجليها في الأرض بصوت مكتوم عارفة يا أمي الهانم دي كانت بتعمل إيه؟ البيه أخوها اللي جه بعد المغرب وما كنش في إيده تورتة زي ما أنتي شوفتي.. التورتة كانت هنا في التلاجة من إمبارح بالليل! الهانم باعت حلق بنتها الصغير.. الحلق الدهب اللي أنتي يا أمي مجيباه للبت في سبوعها وموصياني عليه ميتفرطش فيه.. باعته عشان تدفع جمعية لأمها وتسفر أخوها مصيف مع صحابه، وجابت من الباقي تورتة وحلويات وزينة، وعملت عيد ميلاد، ولمت حبايبها وأهلها عشان يحتفلوا ويضحكوا على خيبتي!.
أنا وأمي بصينا لبعض بصدمة. أمي برقت الحلق الدهب يا ياسمين؟! حلق فريدة بنتك اللي وزنه 4 جرام ونص، اللي كنت شايلاه ليها للزمن؟!.
الدهب وسيلة يا خاينة!.. طارق زعق بعلو صوته لحد ما حبال رقبته بانت الدهب مش هو اللي قاهرني! اللي قاهرني إنك كدبتي، وسرقتي من ورايا، وطلعتي رحتي الصاغة مع أخوكي وإنتي قايلالي إنك عند دكتور السنان، وخدتي فلوس الكشف كمان! واللي قاهرني أكتر وأكتر، إنك بعد ما عملتي كل ده، هنتي أمي في عقر دارها.. عملتي حفلة في البيت اللي أمي بنته بطوبة طوبة على حساب شقاها وشقا أبويا، وعزمتي كل عيلتك وخبيتي على أمي عشان ماتاكليهاش حتة تورتة ولا تبيني إنك مروقة على بيتك؟!.
ياسمين قامت وقفت فجأة، ووشها اتحول من المسكنة والبكا للغل والعدوانية، كأن القناع اللي كانت لابساه سنين وقع مرة واحدة على الأرض أيوا خبيت! خبيت عشان أمك مبتسميش! عشان لو عرفت إني جايبة تورتة ب 400 جنيه هتقعد تقول مسرفة ومبذرة، وهتبص في اللقمة اللي عيالي بياكلوها! خبيت عشان مش عايزة نكد وعايزة أفرح ابني مع أهلي اللي بجد
بيحبوه، مش اللي كل ما يشوفوه يقولوا طالع شبه خواله ومعندهمش غير النقد والتريقة!.
الكلام نزل على أمي زي طعنة خنجر. أمي رجعت خطوتين لورا وسندت على الباب، وشها اصفر وبقت تاخد نفسها بالعافية. أنا مقدرتش أمسك نفسي، قربت من ياسمين وزقيتها في كتفها أمي بتبص في اللقمة يا ياسمين؟! أمي اللي بتنزلك كل أول أسبوع فرختين ولحمة من تموينها وتقول عشان ولاد طارق مياكلوش أقل من الناس؟! أمي اللي وقفت معاكي في ولادتك القيصري وشالت وسختك وإنتي نايمة على السرير وأمك كانت جاية ضيفة تشرب الشاي وتمشي؟! ده أنتي لحم كتاف عيالك من شقا أمي وشقا أخويا!.
بس!.. طارق زعق فينا كلنا، وراح ناحية الأوضة، طلع منها شنطة هدوم قديمة، ورماها على الأرض قدام ياسمين الموضوع خلص. من غير فضايح أكتر من كده ومن غير ما الجيران تتلم علينا.. هتاخدي هدومك وتتصلي بأبوكي ييجي ياخدك دلوقتي، ورجلك متخُطّش العتبة دي تاني لحد ما أعرف أنا هعمل إيه!.
ياسمين هنا حست إن الموضوع جد، وإن المركب بتغرق بجد. الجبروت اللي ظهر في عينيها من ثواني اختفى، ونزلت على رجل طارق تاني تتوسل له طارق لا.. عشان خاطر يوسف وفريدة، بلاش طلاق يا طارق، بلاش تفضحني وسط أهلي والشارع، طب عشان خاطر عيالك طيب، أمك مسامحة والله، أمك قلبها طيب ومش هترضى بخراب بيتي!. ولفت لأمي وهي بتعيط بنحيب قوليله حاجة يا طنط! قولي لابنك ميخربش بيته، عشان خاطر العيال دول حتة من ابنك!.
أمي غمضت عينيها، ودمعة سخنة نزلت على خدها المجعد، وقالت بصوت هادي وموجوع يقطع نياط القلب أنا يا بنتي عمري ما خربت بيت حد، ولا عمري كنت سبب في إن عيل يبعد عن أمه.. بس اللي ملوش خير في أهل جوزه، وبيخبي ويداري ويسرق من مال بيته عشان يدي لبرة ويجرح اللي شالوه.. ربنا بيكشفه من فوق سبع سماوات.. أنا مسمحاكي على قهرة قلبي بتاعت الصبح، ومسمحاكي على العيد ميلاد اللي استكترتي عليا لقمته، لكن بيتك وجوزك.. ده سرهم بينك وبين ربنا وبينه هو، هو صاحب القرار.
أمي لفت ضهرها ونزلت على السلم ببطء شديد، وأنا كنت ماسكة إيدها بسندها، ورجليها كانت بتترعش من الوجع والضغط. وأنا نازلة معاها، سمعت طارق فوق بيقولها بنبرة قاطعة مفيهاش أي رجعة أنا مش هطلقك دلوقتي عشان خاطر العيال والناس متتكلمش.. بس أنتي طالعة من البيت ده بشرفك، تروحي بيت أبوكي وتقعدي هناك، لحد ما ترجعي الحلق اللي سرقتيه، وساعتها نقعد مع الكبار ونشوف الجوازة دي هتكمل إزاي، ده لو كملت!.
نزلنا الشقة تحت، وأمي قعدت على الكنبة زي الكومة الهامدة. دخلت بسرعة المطبخ عملت لها كوباية كركديه بارد، وجبت جهاز الضغط عشان أقيسهولها. إيدي كانت بتترعش وأنا بلف الشريط على دراعها، كان الضغط واصل 170 على 100!
يا أمي، بالله عليكي اهدي، متعمليش في نفسك كده عشان واحدة متستاهلش! قولت الكلام ده وأنا بحاول أداري الرعب اللي في عيني من القراءة العالية دي.
أمي بصت في السقف وقالت بشرود مش عشانها يا منى.. أنا قلبي واجعني على أخوكي.. طارق حنين، وشايل فوق طاقته، متغرب وشقيان في الشمس والمطرة عشان يوفر لقمة حلال، والآخر يتجازى بالغدر من أقرب الناس ليه؟ أنا كنت حاسة يا بنتي، قلبي كان دايماً قارصني من البت دي، بس كنت بقول معلش عشان خاطر الولاد نمشي المركب.. بس المركب اللي تخرمها قلة الأصل لازم تغرق.
في الوقت ده، كان صوت الدوشة فوق هدي تماماً. وبعد حوالي نص ساعة، سمعنا صوت خطوات نازلة على السلم، مش خطوات ياسمين لوحدها.. خطوات كذا حد.
قومت براحة وبصيت من العين السحرية بتاعة الباب، لقيت أبو ياسمين، راجل كبير على المعاش، وشه في الأرض مش قادر يرفعه، ومعاه ياسمين شايلة شنطة هدومها وماسكة إيد بنتها فريدة وبتعيط، وأخوها الشاب اللي كان السبب في كل المصيبة دي ماشي وراهم وشه أصفر زي اللمونة، ومحدش فيهم نطق بحرف ولا حتى خبطوا على باب أمي يعتذروا أو يطيبوا خاطرها. نزلوا في صمت رهيب، كأنهم جنازة ماشية في هدوء الليل.
طارق نزل بعدها بدقائق. دخل شقة أمي، شكله كان متبهدل، عيونه غرقانة دموع وشنبه بيرتعش. أول ما دخل ركع قدام رجلين أمي ودفن راسه في حجرها وانفجر في العياط زي العيل الصغير كسرتني يا أمي.. كسرتني وضيعت تعبي.. كنت فاكر إني بنيت بيت وهي صانته، طلعت بتبني بيت أهلها على أنقاضي أنا وعيالي!.
أمي قعدت تطبطب على ضهره بحنان الدنيا كله، وتمسح على شعره يا بني ارفع راسك، متكسرش نفسك عشان حد، اللي يبيعك بيعه برخيص ومتبكيش عليه، ربنا نجدك وفضح المستور قبل ما العمر يفوت وأنت مغمى عينك.. المهم عندي صحتك وعيالك، العيال ملهمش ذنب في وساخة الكبار.
قعدنا الليل كله صاحيين، مفيش عين فينا غفلت. طارق حكى لنا إنه رجع بدري عشان يعمل هو مفاجأة لياسمين بمناسبة عيد ميلاد ابنهم، كان جايب للواد عجلة جديدة شايلها في شنطة العربية تحت، وأول ما طلع الشقة وفتح بالمفتاح على غفلة، لقى ياسمين وأخوها بيتخانقوا في الصالة بصوت واطي على فلوس تمن الحلق، وأخوها بيقولها اصبري عليا الجمعية هتتأخر أسبوعين،
قومت بسرعة عشان ميرنش كتير ويصحي طارق. رفعت السماعة وقولت بصوت واطي ألو؟.
الصوت اللي رد مكنش صوت ياسمين، ولا صوت أبوها.. كان صوت ست تانية خالص، صوت غريب ومريب، نبرتها كانت خبيثة وبتتكلم بثقة غريبة صباح الخير يا ست هانم.. مش ده برضه بيت الأستاذ طارق فلان؟.
أيوا هو، مين حضرتك؟ سألتها وأنا حاسة بنغزة غريبة في صدري.
الست ضحكت ضحكة صفرا وقالت قولي للأستاذ طارق يلحق نفسه، لأن ياسمين هانم مش عند بيت أبوها زي ما هو فاكر.. الهانم دلوقتي في قسم الشرطة بتعمل فيه محضر ضرب وسرقة تبديد عفش، ومطلعة تقرير طبي بإصابات ملهاش أول من آخر.. ولو فاكرين إن الحكاية خلصت على حلق دهب وتورتة، تبقوا لسه متعرفوش ياسمين وعيلتها مخبيين إيه ورا ضهركم!.
الخط قطع في وشي.. وتوت توت توت كان الصوت الوحيد اللي بيتردد في وداني.
اتسمرت مكاني والسماعة وقعت من إيدي على السجادة، وبصيت لأمي اللي كانت قاعدة مستنية تعرف مين اللي بيتصل، وشفت طارق بيفتح عينيه وبيصحى من النوم على صوت خبطة السماعة…
السماعة كانت بتزن على الأرض بصوت الصفارة المتقطعة، وأنا كنت حاسة إن الحيطان بتلف بيا. طارق فتح عينه بنعاس مكسور، فرك وشه وبصلي باستغراب مين يا منى اللي بيتصل على الصبح كده؟ في إيه وشك ليه؟.
لساني كان متكتف، بلعت ريقي بصعوبة بالغة وقولت وصوتي بيرتعش طارق… البس هدومك بسرعة، ياسمين في القسم!.
طارق من على الكنبة زي الملدوع، حتى التعب والهدة اللي كانت فيه اتبخرت في ثانية في القسم بتعمل إيه؟! بنتي جرالها حاجة؟ ابني حصله حاجة؟!.
لأ يا طارق… بتعمل فيك محضر وتبديد، ومطلعة تقرير طبي!
الجملة نزلت على الصالة زي برميل بارود انفجر. أمي قامت وقفت على رجليها اللي كانت بتشتكي منها طول الليل، صرخت بصوت مكتوم يا مري! ضرب إيه وتبديد إيه؟! دي خارجة من البيت على رجليها ومحدش لمس شعرة منها! ده طارق معمرش إيده عليها في عز ما كان شايط! بتتبلى على ابني؟!.
طلع يجري على شقته فوق عشان يغير هدومه وياخد أوراقه، وأنا نزلت بسرعة رنيت على جوزي وعلى خالتي، وقولت لأمي وحياتك عندي يا أمي ما هتتساب.. الغدر ده ميتسكتش عليه. بس أمي كانت قاعدة بتبكي وبتدعي يا فارج الهم، يا كاشف المستور، اظهر حق ابني المظلوم وانصره على اللي .
طارق نزل، لابس ومستعد، وشه مفيش فيه نقطة دم بس عينيه فيها ثبات راجل ناوي ياخد حقه بالقانون. نزلنا الشارع، وركبنا مع بعض رايحين على قسم الشرطة، وفي السكة اتصلت بمحامي ابن حلال صاحب طارق من زمان اسمه أستاذ عصام، حكيناله السكة في كلمتين، وقالنا سبقوني على هناك ومحدش فيكم يفتح بوقه بكلمة لحد ما أجيلكم، الحركات دي حافظينها صم.
أخوها محروس وقف ونفخ صدره وبص لطارق بغل جاي برجليك يا بطل؟ والله لنسجنك وناخد شقا عمرك كله، مبقاش إلا يمدوا إيدهم على أختي!.
طارق كان هيندفع ناحيته، بس أستاذ عصام شد طارق من كتفه بقوة وهمسله اثبت مكانك، ولا حركة، ولا كلمة، هو عايز يستفزك عشان تعمل مصيبة هنا قدام الأمين.
عصام المحامي قعد وقدم كارنيه النقابة وقال بكل هدوء يا فندم، التقرير ده كيدي والواقعة دي ملفقة جملة وتفصيلاً، وموكلي طارق موظف محترم ومعندوش سوابق، والهانم نزلت من بيتها إمبارح الساعة اتنين بالليل سليمة معافاة، بكامل إرادتها ومعاها والدها وأخوها.
هنا طارق مقدرش يسكت، بص للضابط وقال يا باشا، أنا راجل شقيان على لقمة عيشي، عمري ما مديت إيدي على ست، ولا ربياني أبويا على كده. الست دي مراتي بقالها سبع سنين، إمبارح اكتشفت إنها بايعة دهب بنتي من ورا ضهري، وحصلت مشادة كلامية، نزلت مع أبوها من غير ما ألمس منها شعرة، وربنا شاهد على كلامي.
الضابط بصلهم الاتنين بتمعن، وهو راجل فاهم وخبير في مشاكل الحريم والأزواج الكلام ده كله هيتحقق فيه في النيابة، إحنا هنا بنحرر المحضر بالتقرير الطبي المرفق، والنيابة هي اللي تفصل.
خرجنا من الأوضة والجو مسموم بالغل. أخو ياسمين قرب من طارق وابتسم بخبث وهو بيهمس بصوت واطي ومستفز العفش كله هيتفرش في المحكمة، وقايمة المنقولات ب 600 ألف جنيه، غير المؤخر، غير حبسك في الضرب يا طارق.. هتدفع تمن الحلق ده دم قلبك، وهتركع عشان نبقى نتنازل!.
أنا دمي غلي، وكنت لسه هرد عليه وأمسح بكرامته الأرض، بس طارق مسك إيدي وبص لأخوها في عينه بنظرة وقاله الحق مبيضيعش يا محروس، واللي بيبني بيته بالحرام والكدب، بيته بيقع على دماغه في الآخر.
أمي رفعت إيدها وقالت فجأة يا بني… هو إحنا مش في الشارع بتاعنا ده في كاميرات؟.
الكلمة كانت زي النور اللي نور في أوضة ضلمة!
أنا ضربت على جبهتي يا خبر أبيض يا
أمي! الكاميرات! محل السوبر ماركت اللي قصاد بيتنا على طول، والمدبغة اللي على أول الشارع!.
طارق اتعدل في قعدته كأن الروح ردت فيه أيوا! كاميرا عم جرجس بتاع الماركت جايبة بوابة العمارة كلها من فوق لتحت، بزاوية واضحة جداً!.
عصام المحامي ابتسم وضرب كف على كف الله ينور عليكي يا حاجة! دي لو جابتها وهي نازلة سليمة من غير ما حد يسندها ولا وشها فيه حاجة، التقرير الطبي ده هيتحول ضدها لجريمة بلاغ كاذب وتزوير، والنيابة هتقل الموضوع عليهم جحيم!.
طارق مقعدش دقيقة، نزل جري على عم جرجس. عم جرجس راجل أصيل وجار عمر لأبويا الله يرحمه، أول ما طارق قاله، الراجل قفل دكانه وفتح جهاز التسجيلات من عنيا يا طارق، ده أنت ابني، وأنا عارف أصلك وفصلك، مش البت دي اللي هتتبلى عليك!.
قعدوا يرجعوا في التسجيلات بتاعة إمبارح بالليل… الساعة اتنين ودشر دقايق ظهر باب العمارة بيتفتح. خرج منه أبو ياسمين الأول وهو باصص في الأرض، ووراه ياسمين، بكامل صحتها، لابسة العباية السودة، شايلة الشنطة الكبيرة في إيدها الشمال، وماسكة بنتها الصغيرة بإيدها اليمين اللي بتدعي إنها مكسورة! كانت بتمشي طبيعي جداً، مفيش عرج، مفيش كدمات على وشها لأن نور عمود النور كان ضارب في وشها مباشرة، وأخوها وراها شايل شنطة تانية. وفوق كل ده، التسجيل جاب ياسمين وهي واقفة على أول الشارع مستنية تاكسي، وبتتكلم في التليفون وبتضحك باستهزاء لأخوها!
طارق فرغ الفيديو على فلاشة، بس المفاجأة الكبرى مكنتش في كاميرا عم جرجس بس!
الست اللي رنت عليا الصبح بالرقم الغريب… الست دي رنت تاني على تليفون البيت بعد الضهر!
أنا رديت عليها بسرعة ألو؟ مين معايا وليه بتعملي كده؟!.
الست قالت بنبرة فيها ندم وتردد أنا سحر… جارة أم ياسمين في الحارة اللي هما ساكنين فيها.
وعايزة إيه مننا يا سحر؟.
عايزة أخلص ذمتي قدام ربنا يا أختي… أنا لما كلمتك الصبح كنت فاكرة إن أخوكي مفتري زي ما هما قالوا في الحارة، بس لما شوفت اللي حصل الصبح على السطوح مقدرتش أنام من خوفي من ربنا.
سطوح إيه؟! فهميني!.
ياسمين وصلت بيت أمها الفجر سليمة مفيهاش خدش، وأخوها محروس وأمها فضلوا يسخنوها ويقولولها هنسيبه يطردك كده بشنطة هدومك وناخد إيه؟ محروس هو اللي أقنعها تعمل التقرير الطبي، وهو اللي جاب شفرة موس خفيفة وخربشلها دراعها، وخلاها تخبط راسها في الحيطة علشان تعمل كدمة زرقا تحت عينها، وراحوا لدكتور معرفة بياخد قرشين في المستشفى العام طلع لهم التقرير الملفق ده! أنا سمعت صريخها الصبح وشوفتهم بعيني وهما بيلفقوا الحكاية، والواد محروس عمال يقولها ده إحنا هنخرب بيته وناخد شقته، ضميري أنبني ومقدرتش أسكت.
الدنيا كلها وضحت وبانت. ربنا سبحانه وتعالى لما بيحب ينصر مظلوم، بيسوقله البراءة من وسط النار.
أستاذ عصام المحامي جمع كل الخيوط فلاشة الكاميرات اللي بتثبت خروجها سليمة تماماً في نفس وقت الواقعة المدعى بيها، وبيان تحركات تليفون طارق إنه كان في البيت تحت عند والدته ومخرجش وراهم، وشهادة الست سحر اللي وافقت تيجي تدلي بشهادتها رسمي قدام وكيل النيابة بعد ما طارق حلفلها إنه هيحميها من شرهم.
تاني يوم الصبح في سراي النيابة، كان المشهد لا يُنسى.
ياسمين وأهلها ومحاميهم كانوا قاعدين ومجهزين عريضة الدعوى ورافعين مناخيرهم في السما، فاكرين إن طارق جاي يعتذر ويبوس الأيادي عشان يتنازلوا عن محضر الضرب ويبعدوا شبح الحبس عنه.
دخلنا كلنا قدام وكيل النيابة. محامي ياسمين بدأ يتكلم المسكينة اللي وكيل النيابة بص لطارق إيه ردك يا طارق في الاتهامات دي؟.
عصام المحامي وقف بكل ثقة، وحط الفلاشة والمستندات على مكتب وكيل النيابة ردنا يا فندم في الفيديو ده، اللي مسجل بالوقت والتاريخ بالثانية، ومرفوع من كاميرات مراقبة رسمية لشارع عمومي.
وكيل .
وش ياسمين اتقلب زي الميتين. أخوها محروس بدأ يفرك في إيديه ويتلفت حواليه كأنه بيدور على باب يهرب منه. أمها فتحت بقها ومطلعتش كلمة.
ياسمين بدأت تترعش وتتلعثم يا.. يا باشا.. ده.. ده كان بعدين.. أصل…
مفيش أصل ومفيش فصل! وكيل النيابة خبط على المكتب
الأرض عند رجلين طارق في مكتب النيابة قدام الكل أبوس إيدك يا طارق! اتصالح.. هتحبس أنا وأخويا! والله هما اللي ضحكوا عليا، والله أمي وأخويا هما اللي قالولي أعمل كده عشان نلوي دراعك وناخد قرشين! سامحني يا طارق عشان خاطر عيالك، مين هيربي فريدة ويوسف لو أنا اتسجنت؟!.
طارق رجع خطوة لورا، وبصلها بنظرة برود خالية من أي شفقة، نظرة راجل شال حبيبته من قلبه ورماها في الزبالة عيالي أنا اللي هربيهم، هربيهم بلقمة حلال وفي بيت نضيف ميعرفش الكدب ولا الغدر ولا الحرام. أنتي اللي حطيتي نفسك وأخوكي في الحبس، واللي يزرع شوك مبيجنيش غير الجراح.
ولف وشه لوكيل النيابة وقال بكل هدوء وثبات يا فندم، أنا برمي عليها يمين الطلاق قدام معاليك دلوقتي، وورقتها هتوصلها في الحبس مع المأذون، وحقي في بنتي وابني هاخده بالقانون وبحكم المحكمة، ومش هتنازل عن محضر البلاغ الكاذب والتزوير.
الصرخات والنواح بتاع أم ياسمين ملوا طرقة النيابة وهي بتلطم على وشها وبنتها وابنها بيتكلبشوا مع بعض ورايحين على الحجز. المحامي بتاعهم سابهم وانسحب من القضية بعد ما شاف والتزوير العيني.
خرجنا من باب المحكمة، كانت شمس الظهر طالعة دافية، الهوا كان نضيف ونقي كأننا كنا محبوسين في كابوس وخرجنا منه للدنيا الواسعة.
طارق أخد نفس عميق وطويل، حسيت بكتفيه اللي كانوا مشدودين بقالهم أيام بيهدوا، والهم التقيل اللي كان على صدره انزاح. ركبنا العربية ورجعنا على بيت أمي.
أول ما فتحنا الباب، لقينا أمي قاعدة على سجادة الصلاة، ماسكة سبحتها ودموعها بتنزل في صمت وبتدعي. أول ما شافت طارق داخل بابتسامة راضية ورافع راسه، رفعت إيديها الاتنين للسما وصرخت بفرحة الحمد لله! الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده! حقك رجع يا ضنايا؟.
طارق نزل على ركبه وحضن أمي حضن طويل، وباس راسها وإيديها ورجليها رجع يا أمي.. ربنا مبيسبش حق حد بيتقي الله. كيدهم اتقلب في نحورهم، وربنا نجدني من بيت كان هيخرب حياتي وديني ودنيتي.
أنا قعدت جنبهم ومسحت دموع الفرحة اللي نزلت من عيني شوفي يا أمي، سبحان الله، لو مكنتيش وقفتي في البلكونة وشوفتي إنهم داخلين من غير تورتة، مكنش طارق شك، ومكنش الدهب اتعرف إنه اتسرق، ومكنش الغدر ده كله اتكشف! لقمة التورتة اللي استكتروها عليكي كانت السبب في إن ربنا يرفع الغطا عن البير كله.
أمي ابتسمت ابتسامتها الحنينة وقالت بحكمة السنين يا بنتي، اللي يبص في لقمة أمه، ولا يستكتر الفرحة على أهل بيته، ربنا مبيباركلوش في عيشة. الأصول مبتتشريش بفلوس، والقلب الخبيث لازم نفسه مهما دارى وتخبى ورا المسكنة.
بعد أسبوعين من الواقعة دي، النيابة قررت إخلاء سبيل ياسمين بكفالة مالية على ذمة قضية البلاغ الكاذب، مع استمرار حبس أخوها محروس التحريض والمشاركة في التزوير. ياسمين رجعت بيت أبوها مكسورة، محنية الضهر، الشارع كله عرف حكايتها ، وبقت سيرتها على كل لسان بعد ما كانت بتتباهى بأصلها وعيلتها.
وفي يوم جمعة مبارك، بعد شهرين من كل اللي حصل، البيت كان منور ومملي دفا. ريحة البخور كانت مالية الشقة، وصوت القرآن شغال في الراديو.
فريدة ويوسف الصغيرين كانوا بيجروا في الصالة ويضحكوا، يوسف ماسك العجلة الجديدة اللي أبوه كان جايبهاله، وفريدة لابسة حلق دهب جديد طارق اشتراهولها ولبسهولها في ودنها بإيده، وقالها ده من خير أبوكي يا حبيبة أبوكي، ومحدش في الدنيا يقدر يمد إيده عليه تاني.
أنا كنت في المطبخ بعمل صينية كيكة بالشوكولاتة كبيرة، وطلعت بيها على الصالة وحطيتها على التربيزة قدام أمي وطارق والولاد.
أمي بصت للكيكة وبصت لعيال ابنها وهما فرحانين وبيسقفوا، ضحكت من كل قلبها ووشها كان منور رضا ونور تسلم إيدك يا منى يا بنتي.. شوفي يا سبحان الله، الكيكة البيتية اللي معمولة بحب ورضا وبركة، أحسن وأطعم من مية تورتة معمولة بالغدر والسرقة والكبرياء.
طارق قطع أول خرطة، وحطها في طبق، وراح باس راس أمي وقدمهالها بإيده كلي يا أمي واتهني.. البيت ده بيتك، وعيال طارق هما عيالك، ومفيش لقمة هتدخل البيت ده من هنا ورايح إلا وإنتي راضية عنها ومباركاها.. إنتي الخير والبركة، ومن غير رضاكي ملناش في الدنيا دي عازة.
أمي أكلت اللقمة ودعت لأولادها، والصالة اتملت بضحكات الولاد ولمة العيلة الصافية اللي مفيهاش غل ولا نفاق.
النهاية حكايات مني السيد حصري



النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق