في هذا المقال
سكريبت قبل ماطلع الكوشه كامله حكايات صافي هاني
سكريبت قبل ماطلع الكوشه كامله حكايات صافي هاني
قبل ما أطلع على الكوشة، حفيد ي ابو ٣ سنين مسك إيدي وهمس في ودني: “يا جدو.. هي دي اللي ضربت ماما وأنت مش موجود”.
وبعدين شاور بصباعه على الست اللي لسه هاكتب كتابي عليها كمان دقايق.
حاولت أتماسك وأعصابى تهدى.. لحد ما مد إيده جوه جيب بدلة الصغيره وطلع حاجة خلتني أقف مكاني زي المصدوم.
كان ماسك الحاجة جوه كف إيده وكأنه لسه خايف يديهالي.
بدلته الرمادي كانت معوجة، ورباط جزمته مفكوك، والبيبيون طارت على جنب، بس ملامحه مكنتش ملامح طفل بيلعب قبل الفرح.
كانت نظرة جدة أوي زيادة عن اللزوم.
وطيت قدامه على ركبتي.
* في إيه يا بطل؟
نح الناحية التانية عند باب القاعة وبص على الممر اللي واقفة فيه رانيا.
عروسة القولة كانت واقفة جنب الأوضة ومعاها التكتك بتوعها بيضحكوا والمصور بيظبط لها الطرحة.
شيك. هادية. وكأن مفيش أي حاجة خالص.
أنا بقالي سنتين عارفها.
وكمان كم ساعة كنا هنبدأ حياة جديدة قدام العزومة كلها.
ومع ذلك، حفيدي لسه مشاور عليها وقال إنها أذت بنتي.
* مين اللي أذى ماما؟ – سألته بصوت واطي وأنا من جوايا عارف الإجابة.
نوح رجع شاور تاني.
على رانيا.
حسيت قلبي هيوقف من الخبط.
أميرة بنتي كانت كلمتني الصبح وقالت لي عندها صداع نصفي ويمكن تتأخر على الفرح. طول الشهر اللي فات تقريبًا مكنتش بتتكلم مع رانيا كتير، بس أنا كنت فاكرها غيرة بنات عشان الجوازة.
رانيا نفسها قالت لي إن أميرة لسه مش متقبلة فكرة إني أتتجوز تاني بعد خمس سنين من وفات مراتي.
وأنا صدقتها.
لحد اللحظة دي.
* يا نوح، عايزك تقولي بالظبط إيه اللي حصل.
بص وراه الأول وبعدين مد إيده تاني جوه جيب بدلته.
صوابعه الصغيرة خدت ثواني على ما طلع الحاجة اللي كان مخبيها.
كانت فلاشة سوداء.
بصيت لها وأنا مش فاهم حاجة.
دي مش لعبة. ومش حاجة طفل عنده ٣ سنين هيحطها في جيبه صدفة يوم فرح.
* جبت دي منين؟
نوح ووطى صوته أكتر.
* ماما هي اللي قالت لي أحبيها هنا.
لقيت جسمي كله شط وطلع فيه قشعريرة.
مديت إيدي.
نوح بص لرانيا آخر بصه، وقرب مني خطوة وحط الفلاشة في كف إيدي.بس الي عمله بعد كده صدم الكل
قبل ما أطلع على الكوشة، حفيدي نوح، اللي عنده 3 سنين، مسك إيدي وهمس في ودني:
“يا جدو… هي دي اللي ضربت ماما وإنت مش موجود.”
وبعدين شاور بصباعه الصغير على رانيا، الست اللي كنت هكتب كتابي عليها كمان دقايق.
حاولت أتماسك وأهدّي أعصابي، وقلت لنفسي يمكن الطفل فهم حاجة غلط، يمكن سمع كلمة من حد وركّب عليها حكاية من دماغه.
لكن نظرة عينيه مكنتش نظرة طفل بيهزر.
وطيت قدامه على ركبتي.
ـ في إيه يا بطل؟
نوح بص ناحية باب القاعة، وبعدين شاور على رانيا.
كانت واقفة وسط صاحباتها، لابسة فستانها الأبيض، ووشها هادي جدًا، والمصورة بتظبط لها الطرحة.
من بعيد، مفيش أي حاجة تخلي حد يشك فيها.
أنا بقالي سنتين عارف رانيا.
اتعرفنا بعد وفاة مراتي بخمس سنين، ولما قربنا من بعض، كنت مقتنع إني أخيرًا لقيت إنسانة تقدر تساعدني أبدأ حياتي من جديد.
أما بنتي أميرة، فكانت رافضة الجواز من البداية.
وكنت فاكر إن رفضها سببه إنها متعلقة بأمها، ومش قادرة تتقبل إني أتجوز بعد وفاتها.
رانيا نفسها كانت دايمًا بتقول لي:
“سيبها على راحتها… هي محتاجة وقت.”
وأنا صدقتها.
لحد اللحظة دي.
مسكت إيد نوح وقلت له:
ـ مين اللي أذى ماما؟
رفع إيده وشاور على رانيا تاني.
ـ هي.
اتنفست ببطء.
ـ عملت إيه؟
نوح بص حوالين نفسه كأنه خايف حد يسمعه، وبعدها مد إيده جوه جيب بدلته الصغيرة.
فضل يدور جواه ثواني.
وبعدين طلع فلاشة سوداء صغيرة.
بصيت لها باستغراب.
ـ دي جبتها منين؟
قرب مني أكتر وقال:
ـ ماما قالتلي أخبيها هنا.
قلبي اتقبض.
ـ ماما قالتلك؟
هز راسه.
ـ وقالتلي لو جدو سألني… أديهاله.
مد إيده وحط الفلاشة في كفي.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، حصلت حاجة خلت القاعة كلها تسكت.
نوح لف جسمه ناحية رانيا، ورفع صوته لأول مرة وقال:
ـ متزعقيش لماما تاني!
الناس كلها بصت علينا.
رانيا اتجمدت مكانها.
وشها اتغير في لحظة.
وبصراحة…
دي كانت أول مرة أشوف الخوف في عينيها.
قربت مني أختي وقالت:
ـ في إيه يا أخويا؟ الولد بيقول إيه؟
مقدرتش أرد.
كنت ماسك الفلاشة في إيدي، وببص لرانيا.
هي كمان كانت باصة للفلاشة.
وساعتها فهمت إن الموضوع مش خيال طفل.
رانيا كانت عارفة الفلاشة دي.
وده كان أخطر شيء ممكن يحصل.
رفعت عيني لها وقلت:
ـ إنتِ تعرفي دي؟
رانيا حاولت تبتسم.
ـ أعرف إيه؟
رفعت الفلاشة قدامها.
وشها شحب.
ـ دي بتاعة مين؟
قالتها وهي بتحاول تثبت صوتها.
ـ أنا اللي بسألك.
سكتت.
واحدة من صاحباتها قربت منها وقالت:
ـ رانيا، إنتِ كويسة؟
رانيا مسكت إيدها وقالت بسرعة:
ـ أنا كويسة.
لكنها مكانتش كويسة.
وأنا كنت حاسس إن الأرض نفسها بتتحرك من تحتي.
قبل الفرح بساعات، بنتي كانت بتكلمني وتقول عندها صداع وممكن تتأخر.
دلوقتي حفيدي بيقول إن رانيا أذتها.
وفلاشة كانت مخبّية عند طفل عنده 3 سنين.
قلت بصوت واضح:
ـ محدش يدخل القاعة.
الكل سكت.
ـ ومحدش يطلع بره.
رانيا قربت مني.
ـ إنت بتعمل إيه يا حاتم؟
دي كانت أول مرة تناديني باسمي بدل “يا حبيبي”.
بصيت لها وقلت:
ـ أنا مش هكتب كتابي النهارده.
سادت القاعة حالة من الصمت.
واحدة من قرايبها قالت:
ـ ليه يا حاتم؟ حصل إيه؟
رديت:
ـ لسه مش عارف.
وبصيت لرانيا.
ـ بس هعرف.
رانيا بدأت تتوتر.
ـ إنت مصدق كلام طفل عنده 3 سنين؟
قلت:
ـ لا.
وسكت شوية.
ـ أنا مصدق الخوف اللي شفته في عينيكي لما شوفتي الفلاشة.
وشها اتغير.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كانت أميرة.
بصيت على الشاشة.
اسم بنتي.
رديت فورًا.
ـ أميرة؟
لكن مفيش رد.
سمعت صوت نفسها وهي بتتنفس بصعوبة.
ـ بابا…
ـ إنتِ فين؟
ـ متروحش معاها.
جسمي كله اتشد.
ـ معاها مين؟
سكتت.
وبعدين قالت:
ـ رانيا.
بصيت لها من بعيد.
رانيا كانت واقفة مكاني، ومش عارفة تسمع المكالمة.
ـ أميرة، حصل إيه؟
قالت بصوت متقطع:
ـ أنا كنت خايفة أقولك.
ـ من إمتى؟
ـ من شهور.
ـ ليه؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
ـ عشان كل مرة كنت بحاول أقولك، كانت بتسبقني.
ـ تعمل إيه؟
ـ كانت بتخليك تشوفني أنا الغلطانة.
حسيت بغصة في حلقي.
ـ أميرة، إنتِ فين دلوقتي؟
قالت:
ـ في البيت.
ـ طب تعالي فورًا.
ردت بسرعة:
ـ لأ.
ـ ليه؟
ـ لأن لو رانيا عرفت إني راجعة، هتتصرف.
بصيت لرانيا.
كانت واقفة بعيد، لكنها بتراقبني.
ـ إنتِ عايزة تقوليلي إيه؟
قالت:
ـ افتح الفلاشة.
ـ فيها إيه؟
ـ كل حاجة.
وسكتت.
ـ بابا… افتحها قدام حد تثق فيه.
وبعدين قفلت.
فضلت ماسك الموبايل في إيدي.
والناس حواليّا ساكتين.
نوح قرب مني وشد طرف بدلتي.
ـ جدو…
وطيت له.
ـ نعم يا بطل؟
قال:
ـ ماما قالتلي متخليش طنط رانيا تمشي.
رفعت عيني.
رانيا كانت بالفعل بتتحرك ناحية باب القاعة.
قلت بصوت عالي:
ـ رانيا.
وقفت.
ـ رايحة فين؟
ردت:
ـ محتاجة أتنفس.
قلت:
ـ اتفضلي اقعدي.
ـ حاتم، أنا مش هقبل الأسلوب ده.
ـ وأنا مش هقبل إني أكتب كتابي وأنا مش فاهم بنتي بتقول إيه.
رانيا بصت للناس.
ـ بنتك من البداية مش بتحبني.
ـ ممكن.
ـ وكانت بتحاول تبوظ الجوازة.
ـ ممكن.
ـ ودي حكاية طفل صغير.
ـ وممكن يكون الطفل شاف حاجة إحنا مش شايفينها.
سكتت.
قربت منها خطوة.
ـ هتفضلي هنا لحد ما أعرف الحقيقة.
قالت بانفعال:
ـ وإنت فاكر نفسك بتحتجزني؟
رديت بهدوء:
ـ لأ.
وبصيت للباب.
ـ أنا بس بطلب منك تستني.
في اللحظة دي، ابن أخويا وصل.
كان مهندس كمبيوتر، وكنت بثق فيه.
ناولته الفلاشة.
ـ خد دي.
رانيا حاولت تمنعني.
ـ لأ.
الكل بص لها.
قالت بسرعة:
ـ قصدي… يمكن يكون عليها فيروسات.
ابن أخويا بص لي.
أنا قلت:
ـ افتحها.
طلع اللابتوب من شنطته.
وصل الفلاشة.
ظهر عليها ملف واحد.
اسمه:
“لو حصل لي حاجة”
القاعة كلها سكتت.
بصيت لابن أخويا.
فتح الملف.
طلع تسجيل فيديو.
ظهر فيه وش أميرة.
كانت قاعدة في العربية، ووشها عليه آثار إرهاق واضح.
قالت:
“بابا… لو إنت بتتفرج على الفيديو ده، يبقى أنا مقدرتش أوصل لك بنفسي.”
قلبي وجعني.
أميرة كملت:
“أنا حاولت أكلمك أكتر من مرة، بس كل مرة كانت رانيا بتعرف قبل ما أوصلك.”
رانيا قالت بسرعة:
ـ دي كذبة.
لكن محدش رد عليها.
التسجيل كمل.
“أنا مش عايزة أقولك إن رانيا شخص وحش لمجرد إني مش مرتاحة لها. أنا عايزاك تعرف الحقيقة بنفسك.”
وبعدين رفعت ورقة قدام الكاميرا.
“دي أول حاجة.”
الصورة قربت على الورقة.
كانت شكوى رسمية.
ضد رانيا.
والسبب كان اعتداء داخل البيت.
شهقت واحدة من الموجودين.
أنا حسيت إني مش قادر أتنفس.
التسجيل كمل:
“أنا مكنتش هقدمها لو الموضوع وقف عند خناقة.”
وبعدين ظهرت صورة تانية.
“لكن حصل أكتر من مرة.”
رانيا قالت:
ـ الفيديو متفبرك.
ابن أخويا رد:
ـ لسه بدري نحكم.
الفيديو استمر.
أميرة قالت:
“بابا، رانيا كانت بتضغط عليا عشان أبيع البيت القديم.”
اتصدمت.
البيت القديم كان بيتنا أنا ومراتي.
ومكنتش ناوي أبيعه.
أميرة كانت عايشة فيه بعد وفاة أمها.
رانيا كانت بالفعل سألتني قبل كده عن البيت.
وقالت لي:
“بيتنا الكبير ده هيبقى حمل علينا بعد الجواز.”
وأنا وقتها اعتبرت كلامها طبيعي.
لكن أميرة قالت:
“هي عايزة البيت عشان سبب تاني.”
ظهر ملف تاني.
ثم قالت:
“أنا اكتشفت إن فيه توكيل قديم باسم رانيا.”
أنا بصيت لرانيا.
وشها بقى أبيض.
ـ إنتِ كنتِ عايزة توكيليها؟
رانيا سكتت.
التسجيل كمل:
“والأخطر يا بابا إن ماما قبل ما تموت كانت عاملة حاجة.”
وقفت الصورة.
ثم ظهرت أميرة من جديد.
“ماما كانت عارفة إن فيه حد بيحاول يبيع جزء من أملاكها من غير علمنا.”
هنا اتسمرت مكاني.
مراتي ماتت من خمس سنين.
وطول الفترة دي كنت فاكر إن كل أوراقها اتقفلت.
لكن التسجيل كان بيقول غير كده.
أميرة قالت:
“أنا لقيت جواب بخط إيدها.”
وبعدين رفعت ظرف.
“وكان مكتوب عليه اسمك.”
حسيت بدقات قلبي بتعلى.
“ماما كانت بتقول إنك لو فكرت تتجوز تاني، لازم تتأكد الأول من الشخص اللي داخل حياتك.”
رانيا انفجرت:
ـ كفاية!
كل الناس بصت لها.
قالت:
ـ دي مؤامرة.
قلت:
ـ مين اللي عامل المؤامرة؟
مردتش.
التسجيل كمل.
أميرة قالت:
“بابا، أنا مش ضد إنك تتجوز. أنا نفسي أشوفك مبسوط.”
وبعدين دموعها نزلت.
“بس أنا كنت خايفة عليك.”
اتنهدت.
“ولو رانيا قالت لك إني بغير منها أو إني مش عايزاك تتجوز، متصدقهاش.”
التسجيل انتهى.
القاعة كلها كانت ساكتة.
نوح كان واقف جنبي.
وفجأة قال:
ـ ماما قالت الحقيقة.
بصيت له.
ـ إنت كنت عارف؟
هز راسه.
ـ أيوه.
ـ عرفت إزاي؟
قال:
ـ سمعت طنط رانيا وهي بتزعق لماما.
رانيا صرخت:
ـ أنا معملتش حاجة!
نوح بدأ يخاف.
ضمّيته لحضني.
قلت:
ـ محدش هيزعق لك.
رانيا قربت.
ـ حاتم، اسمعني.
قلت:
ـ هسمعك.
ـ أميرة فهمت حاجات غلط.
ـ طيب قولي.
ـ أنا كنت بحاول أصلح علاقتي بيها.
ـ بالضرب؟
سكتت.
ـ مين قال إني ضربتها؟
قلت:
ـ هي.
قالت:
ـ وهي ممكن تكون بتكدب.
بصيت لها طويلًا.
وبعدين قلت:
ـ طب والفلاشة؟
مردتش.
ـ والشكوى؟
سكتت.
ـ والتوكيل؟
بدأت دموعها تنزل.
لكن المرة دي أنا مكنتش قادر أتعاطف.
لأن فجأة كل المواقف القديمة بدأت ترجع في دماغي.
كل مرة أميرة كانت تحاول تحذرني.
كل مرة رانيا كانت بتقول:
“بنتك مش عايزة تشوفك سعيد.”
كل مرة كنت بزعل من بنتي بسببها.
كل مرة كانت أميرة تسكت.
وأنا كنت فاكر إنها بتعاند.
وقتها فهمت إن المشكلة مكانتش إن بنتي رفضت رانيا.
المشكلة إني أنا مكنتش بسمع بنتي.
خرجت من القاعة ودخلت أوضة جانبية.
اتصلت بأميرة.
ـ تعالي.
قالت:
ـ حاضر.
ـ ومتخافيش.
سكتت.
ـ بابا؟
ـ نعم؟
ـ هي قالت لك حاجة؟
ـ مين؟
ـ رانيا.
بصيت ناحية الباب.
ـ لأ.
قالت:
ـ لأنها هتحاول تقنعك إنها مظلومة.
قلت:
ـ مش هحكم قبل ما أسمع الكل.
قالت:
ـ عشان كده أنا واثقة فيك.
بعد أقل من نصف ساعة، أميرة دخلت القاعة.
كانت وشها متعب، وفي إيدها شنطة صغيرة.
نوح أول ما شافها جري عليها.
ـ ماما!
حضنته.
وبعدين بصت لي.
عينيها كانت مليانة دموع.
جريت عليها وحضنتها.
ـ سامحيني.
قالت:
ـ على إيه؟
ـ إني مصدقتكيش.
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
ـ أنا مكنتش عايزة أخسرك يا بابا.
قلت:
ـ وأنا كنت ممكن أخسرك عشان كنت فاكر إني بحمي حياتي الجديدة.
رانيا كانت واقفة بعيد.
أميرة بصت لها.
وسكتت.
رانيا قالت:
ـ أنا عايزة أتكلم.
قلت:
ـ اتكلمي.
ـ أنا غلطت.
القاعة كلها سكتت.
ـ غلطت إني اتدخلت في علاقتك ببنتك.
أميرة بصت لها.
رانيا كملت:
ـ بس عمري ما كنت عايزة أأذيها.
أميرة ردت:
ـ يبقى ليه كنتِ بتقولي لي لو فضلت أتكلم مع بابا، هتخليه يبيع البيت ويبعدني؟
رانيا سكتت.
أنا بصيت لها.
ـ إنتِ قلتي كده؟
مردتش.
أميرة قالت:
ـ وقولتي لي إن لو اتجوزك، أنا مش هكون ليّا مكان في حياته.
رانيا بدأت تبكي.
ـ كنت خايفة.
ـ من إيه؟
ـ أخسر حاتم.
أنا اتوجعت من الكلمة.
مش لأنها بتحبني.
لكن لأنها قالتها كأن الخوف من خسارتي كان مبررًا إنها تخسر بنتي.
قلت:
ـ كان ممكن تقوليلي.
قالت:
ـ كنت فاكرة إن أميرة هتفرق بينا.
رديت:
ـ وأنا كنت المفروض أوقف ده من أول يوم.
رانيا مسحت دموعها.
ـ يعني خلاص؟
بصيت لها.
كنت قبل ساعات مستعد أبدأ معاها حياة جديدة.
دلوقتي كنت حاسس إني أول مرة أشوفها بجد.
قلت:
ـ أيوه.
سألت:
ـ هتسيبني؟
قلت:
ـ كتب الكتاب مش هيتم.
سكتت.
وبعدين قالت:
ـ حاتم…
قاطعتها:
ـ أنا مش هتجوز واحدة خلت بنتي تخاف مني.
رانيا سكتت.
وبعدين خرجت من القاعة.
الفرح اتحول في دقائق من زغاريد وضحك لصمت ثقيل.
الناس بدأت تمشي واحدة ورا التانية.
وأنا فضلت واقف.
أميرة قعدت جنبي.
نوح نام على رجلها.
بصيت له.
الطفل الصغير ده هو اللي وقفني قبل ما أرتكب أكبر غلطة في حياتي.
قلت لأميرة:
ـ هو كان يعرف كل ده؟
ابتسمت وهي بتمسح على شعره.
ـ نوح شاف رانيا وهي بتزعقلي مرة.
ـ وإنتِ ليه ما قلتيليش؟
ـ قلت لك.
ـ إمتى؟
ـ كذا مرة.
سكت.
قالت:
ـ بس كنت دايمًا بتقول إن رانيا مش ممكن تعمل كده.
حطيت إيدي على وشي.
ـ أنا آسف.
أميرة حطت إيدها على إيدي.
ـ المهم إنك سمعتني في الآخر.
بعد يومين، فتحت ملف الأوراق كله مع محامي.
واتضح إن الموضوع أكبر من مجرد مشاكل عائلية.
كان فيه محاولات لتعديل بعض المستندات، وضغوط على أميرة، وأوراق محتاجة مراجعة قانونية.
والفلاشة كانت فيها نسخ من محادثات وتسجيلات وصور ومستندات كانت أميرة محتفظة بيها احتياطيًا.
لكن أميرة ما كانتش عايزة تنتقم.
كانت عايزة تحميني.
وأنا كنت فاكر إنها بتحاربني.
بعد فترة، الإجراءات الرسمية أخدت مجراها، وكل طرف اتصرف من خلال القانون.
أنا مشيت بعيد عن الحكاية كلها.
وغيرت مفاتيح البيت.
وراجعت كل أوراقي.
والأهم…
رجعت علاقتي ببنتي.
وفي يوم، بعد شهور من اللي حصل، كنت قاعد في البلكونة.
نوح جه جري عليا.
وقال:
ـ جدو!
ـ نعم يا بطل؟
ـ أنا أنقذتك.
ضحكت.
ـ إنت؟
هز راسه بفخر.
ـ أيوه.
ضحكت أكتر وحضنته.
ـ أيوه يا سيدي… إنت أنقذتني.
أميرة كانت واقفة على باب البلكونة.
ابتسمت وقالت:
ـ هو فاكر نفسه بطل القصة.
بصيت لها وقلت:
ـ لا.
وسكت شوية.
ـ هو فعلًا بطلها.
قعدت جنبي.
وبصينا لنـوح وهو بيلعب.
قلت لها:
ـ عارفة أكتر حاجة وجعتني؟
ـ إيه؟
ـ إني كنت محتاج طفل عنده 3 سنين عشان أفهم حاجة كان المفروض أفهمها من زمان.
قالت:
ـ إيه؟
بصيت لها.
ـ إن اللي بيحبني بجد مش هيطلب مني أختار بينه وبين بنتي.
وسكتنا.
وبعدها حضنتها.
في اليوم اللي كان المفروض يكون يوم فرحي…
مرجعتش البيت بعروسة.
لكن رجعت بحاجة أهم.
رجعت ببنتي.
ورجعت بثقتها.
ورجعت وأنا فاهم إن بعض الأبواب لما بتتقفل في وشنا، بنزعل عليها…
وبعدين نكتشف إنها كانت بتحمينا من مصيبة أكبر.
أما نوح…
ففضل بعدها كل ما يشوفني يقول:
“جدو… متصدقش أي حد بسرعة.”
وأنا كنت أضحك وأقوله:
“حاضر يا كبير العيلة.”
لكن جوايا كنت عارف إن طفل صغير، ببدلة رمادي ورباط جزمة مفكوك، علّمني في يوم واحد درس عمر كامل:
مش كل اللي بيبتسم لك بيحبك، ومش كل اللي يحذرك بيكرهك… وأحيانًا الحقيقة بتستخبى في إيد طفل صغير، مستني منك بس إنك تسمعها.
مرت شهور طويلة من يوم الفرح اللي ما تمش، لكن اليوم ده فضل محفور في دماغي كأنه حصل امبارح.
كل ما أفتكر وقوفي قدام الكوشة، والناس حواليّا مستنية الزغاريد، ورانيا واقفة بفستانها الأبيض، ونوح ماسك إيدي وبيهمسلي: “هي دي اللي ضربت ماما”… بحس بقشعريرة في جسمي.
لأن الحقيقة إن لو نوح ما اتكلمش في اللحظة دي، كانت حياتي كلها ممكن تاخد طريق تاني.
كنت هكتب كتابي على واحدة معرفتش حقيقتها غير في آخر لحظة.
وكنت هخسر بنتي أكتر.
ويمكن كنت هصحى بعد شهور أو سنين وأكتشف إن كل حاجة كنت فاكرها حب واهتمام كانت مجرد ستارة متغطية وراها حاجات أنا مكنتش شايفها.
بعد اللي حصل، أول حاجة عملتها إني قعدت مع أميرة لوحدنا.
مكنتش عايز محامي، ولا أهل، ولا حد من العيلة.
كنت عايز أسمع بنتي.
بنتي اللي فضلت شهور تحاول توصل صوتها لي وأنا كل مرة كنت بقفل وداني.
قعدنا في الصالة القديمة في بيتنا.
نفس البيت اللي كنت دايمًا بعتبره أمان.
بصيت لها وقلت:
ـ احكيلي كل حاجة من الأول.
أميرة سكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت:
ـ بابا، أنا مش عايزة أكرهك في رانيا.
ـ وأنا مش عايزك تكرهيها.
ـ أنا مش بتكلم عنها.
ـ أمال؟
قالت:
ـ أنا بتكلم عنك.
استغربت.
ـ عني أنا؟
هزت راسها.
ـ أنا عارفة إنك كنت محتاج حد جنبك.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي اتهام.
لأنها كانت فاهمة وحدتي.
فاهمة إني بعد وفاة أمها بقيت برجع البيت ألاقيه ساكت.
فاهمة إني كنت محتاج أتكلم مع حد.
فاهمة إني كنت خايف أقضي باقي عمري لوحدي.
قالت:
ـ عشان كده أنا حاولت أتقبل رانيا.
ـ بس إنتِ رفضتيها من أول يوم.
ـ لأ.
رفعت عيني لها.
ـ أنا رفضت الطريقة اللي دخلت بيها حياتك.
سكت.
كملت:
ـ من أول ما عرفتها، كانت بتحاول تعرف كل حاجة عن البيت والحسابات والأوراق. كنت فاكرة في البداية إنها فضول عادي. لكن بعد كده بدأت أسأل نفسي: ليه كل الكلام عن الفلوس والممتلكات؟
كنت ساكت.
قالت:
ـ ولما سألتها مرة، قالتلي إني مش فاهمة في الدنيا.
وبعدين ابتسمت بحزن.
ـ أنا صدقتها.
ـ صدقتيها؟
ـ أيوه… صدقتها يومين.
ـ وبعدين؟
ـ بدأت ألاحظ.
حكت لي كل حاجة.
مشاهد صغيرة كنت شايفها عادية.
كلمة هنا.
مكالمة هناك.
أسئلة عن البيت.
أسئلة عن الأوراق.
محاولات لمعرفة تفاصيل حسابات.
ومرات كانت رانيا بتدخل في كلام بيني وبين أميرة من غير ما حد يطلب منها.
وفي كل مرة كنت بفسر الموضوع بطريقة مختلفة.
“رانيا خايفة عليا.”
“رانيا عايزة تتقرب من بنتي.”
“أميرة حساسة.”
“يمكن أميرة مش متقبلة الجواز.”
لكن الحقيقة كانت أبسط.
أنا كنت بسمع اللي يريحني.
ومش بسمع اللي يخوفني.
وأصعب اعتراف عملته لنفسي كان إني كنت عايز أصدق إن رانيا هي بداية جديدة.
وعشان كده كنت مستعد أتجاهل كل حاجة ممكن تعطل البداية دي.
بعد ما خلصت أميرة كلامها، قلت:
ـ ليه مخبيتي الفلاشة عند نوح؟
ابتسمت لأول مرة.
ـ عشان كنت عارفة إنك هتسمع له.
ضحكت رغم حزني.
ـ يعني إنتِ استغليتي نقطة ضعفي؟
ـ أيوه.
ـ يا بنتي!
ضحكت.
وقالت:
ـ نوح بيقدر يوصلك في ثانية.
وبعدين بصت لي بجدية.
ـ وأنا كنت خايفة لو الفلاشة معايا، حد ياخدها.
ـ كنتِ خايفة من مين؟
سكتت.
ـ من رانيا؟
هزت راسها.
ـ كنت خايفة من أي حد ممكن يعرف إني محتفظة بأدلة.
قلت:
ـ كان لازم تقوليلي.
قالت:
ـ كنت بقول لك يا بابا.
ـ أنا عارف.
ـ لأ، إنت دلوقتي بس عرفت.
الجملة دي فضلت ترن في ودني أيام.
“إنت دلوقتي بس عرفت.”
بعدها بفترة، بدأت أرتب حياتي من جديد.
مش زي الأول.
المرة دي من غير استعجال.
راجعت كل أوراقي.
قفلت أي صلاحيات مش محتاجها.
وخليت كل حاجة واضحة ومكتوبة.
مش عشان أنا بقيت شكاك.
لكن عشان فهمت إن حسن النية لوحده مش كفاية.
لازم الواحد يكون واعي.
وفي نفس الوقت، قررت إني مش هخلي اللي حصل يخليني أقفل قلبي.
لأن الغلط مش في الحب.
الغلط إن الإنسان يلغي عقله عشان يحب.
وبعد حوالي ست شهور، حصل موقف صغير لكنه غير حاجة جوايا.
كنت رايح أجيب نوح من الحضانة.
لقيته واقف مستنيني، وفي إيده رسمة.
قال:
ـ جدو، دي ليك.
بصيت للرسمة.
كانت رسمة غريبة.
ثلاث أشخاص ماسكين إيد بعض.
أنا.
وأميرة.
ونوح.
وفوقهم شمس كبيرة.
ضحكت.
ـ وإنت فين؟
أشار لنفسه.
ـ هنا.
قلت:
ـ طب ومين دي؟
كان فيه شكل رابع على طرف الورقة.
قال:
ـ دي تيتة.
اتجمدت.
كان يقصد جدته، أمه أميرة.
مراتي اللي ماتت من سنين.
بصيت للرسمة طويلًا.
نوح قال:
ـ ماما قالتلي إنها بتحبنا.
حضنته.
وفضلت ساكت.
لأني في اللحظة دي افتكرت حاجة.
مراتي قبل ما تموت بفترة قصيرة قالتلي:
“خلي بالك من أميرة… هي أمانتك.”
وقتها كنت فاكرها وصية أم.
لكن بعد كل اللي حصل، بقيت أفهم معنى كلامها أكتر.
أميرة مكانتش عايزة تتحكم في حياتي.
ولا كانت عايزة تمنعني من الجواز.
هي كانت بتحاول تحميني.
وفي نفس الوقت، كانت بتحاول تحافظ على بيتنا.
في ليلة من الليالي، أميرة قعدت معايا وقالت:
ـ بابا، إنت ممكن تتجوز تاني.
ابتسمت.
ـ يعني أخد إذنك؟
ضحكت.
ـ لأ.
وبعدين قالت:
ـ بس خد نصيحة بنتك.
ـ قولي.
ـ المرة الجاية، متختارش حد عشان خايف من الوحدة.
سكت.
ـ اختار حد عشان وجوده في حياتك يخليك أهدى.
الكلام دخل قلبي.
لأن ده بالضبط اللي كنت محتاج أفهمه.
الوحدة ساعات بتخلي الإنسان يمسك في أول إيد تمتد له.
مش لأنها الإيد المناسبة.
لكن لأنه تعبان.
وأنا كنت تعبان.
ومحتاج حد.
فأي اهتمام كان بيبان لي حب.
وأي اعتراض كان بيبان لي تهديد.
دلوقتي بقيت أفهم الفرق.
بعد سنة تقريبًا، حياتنا رجعت هادية.
أميرة بدأت شغل جديد.
ونوح كبر شوية.
وأنا بقيت أقضي وقت أكتر معاه.
وكان كل أسبوع تقريبًا ييجي ينام عندي.
وفي كل مرة قبل ما ينام، كان يطلب مني نفس الحكاية.
ـ احكيلي حكاية الفلاشة.
أقوله:
ـ يا ابني إنت سمعتها مية مرة.
يرد:
ـ عايز أسمعها تاني.
وأبدأ أحكي.
لكن كنت دايمًا بغير نهاية الحكاية.
مرة أخليه بطل.
مرة أخلي أميرة بطلة.
ومرة أقول إن البطل الحقيقي هو الصدق.
وفي يوم قال لي:
ـ لأ يا جدو.
ـ نعم؟
ـ البطل إنت.
استغربت.
ـ أنا؟
ـ أيوه.
ـ ليه؟
قال بكل براءة:
ـ عشان سمعتني.
سكت.
الكلمة دي كانت أثقل من أي كلام.
لأن الطفل اللي أنقذني مكانش محتاج مني بطولة.
كان محتاج إني أصدقه.
بس.
وفي النهاية، ده كان كل المطلوب.
إن حد يسمع.
إن حد يصدق إن الطفل ممكن يشوف حاجة الكبار مش واخدين بالهم منها.
إن الأب يصدق بنته حتى لو كلامها مش على هواه.
وإن الإنسان يعرف إن الاعتذار مش ضعف.
أنا اعتذرت لأميرة.
واعتذرت لنفسي.
وعرفت إن بعض القرارات لما بنأجلها، بنخسر حاجات.
لكن بعض القرارات لما بنقف قبلها بثواني، ممكن تنقذ عمر كامل.
أما رانيا، فمشيت من حياتنا.
واللي حصل بعدها أخد طريقه الطبيعي من خلال القانون.
وأنا مكنتش عايز أنتقم.
كنت عايز أقفل الباب.
بس.
لأن الانتقام كان هيفضل رابطني بالحكاية.
وأنا كنت عايز أعيش.
كنت عايز أصحى الصبح من غير ما أسأل نفسي مين بيكدب ومين بيقول الحقيقة.
عايز أقعد مع بنتي من غير ما أحس إنها لازم تثبت لي أي حاجة.
عايز أشوف نوح بيجري في البيت من غير ما أخاف عليه من كلمة أو موقف.
وعايز أرجع أفتكر مراتي من غير ما أحس إني خذلت وصيتها.
وفي يوم، وقفت قدام صورتها.
وقلت:
ـ سامحيني.
وبعدين ضحكت.
ـ بس متقلقيش… أميرة طلعت أذكى مني.
حسيت براحة غريبة.
كأن حمل كبير اتحط من فوق صدري.
مرت الأيام.
وفي عيد ميلاد نوح الرابع، عملنا له حفلة صغيرة في البيت.
لبس بدلة صغيرة شبه البدلة اللي كان لابسها يوم الفرح.
لما شوفته، ضحكت.
قلت:
ـ إيه يا بطل؟ هتخبي فلاشة تاني؟
ضحك وقال:
ـ لأ.
ـ ليه؟
ـ الفلاشة خلصت.
أميرة ضحكت.
وأنا حضنته.
وبعدين بصيت لبنتي.
قلت:
ـ عارفة؟
ـ إيه؟
ـ لو في يوم من الأيام حد قال لي إن أسوأ يوم في حياتي كان يوم فرحي اللي ما تمش…
سكت.
ـ هقوله غلط.
ـ ليه؟
ـ لأنه كان اليوم اللي رجعت فيه لبنتي.
ابتسمت أميرة.
وسندت راسها على كتفي.
وساعتها عرفت إن بعض النهايات مش نهايات.
دي بدايات جديدة.
يمكن الفرح اتلغى.
يمكن الناس اتكلمت.
يمكن ناس قالت إني اتسرعت.
وناس قالت إني اتخدعت.
وناس قالت إن كان لازم أعرف من الأول.
لكن محدش كان عايش جوايا.
محدش كان شايف الوحدة اللي كنت عايشها.
ولا شايف خوفي من إني أكبر لوحدي.
ولا شايف قد إيه كنت محتاج حد يمسك إيدي.
لكن الحياة علمتني إن مش كل إيد تتمد لك لازم تمسكها.
أحيانًا لازم تبص كويس.
وتسأل.
وتسمع.
وتفكر.
وأهم حاجة…
متخليش خوفك من الوحدة يخليك تدخل الشخص الغلط حياتك.
وفي آخر يوم من السنة، كنت واقف في البلكونة.
نوح واقف جنبي.
أميرة في المطبخ.
والبيت مليان صوت وضحك.
بصيت للسما وافتكرت اليوم اللي كنت واقف فيه قدام الكوشة.
افتكرت رانيا.
افتكرت الفلاشة.
افتكرت نظرة نوح.
وافتكرت الجملة اللي قالها:
“هي دي اللي ضربت ماما.”
وقتها فهمت إن ربنا أحيانًا بيبعت لنا النجدة في صورة بسيطة جدًا.
طفل.
كلمة.
مكالمة.
ورقة.
إشارة.
لكن المشكلة إننا ساعات بنكون مشغولين بالحياة اللي رسمناها لنفسنا، لدرجة إننا مش بنشوف النجاة وهي جاية.
أنا كنت فاكر إن فرحتي مستنياني قدام الكوشة.
لكن فرحتي الحقيقية كانت مستنياني في البيت.
مع بنتي.
ومع حفيدي.
ومع راحة البال.
ومع الحقيقة.
ومن يومها، كل ما نوح يسألني:
ـ جدو، إنت ليه مفيش عروسة؟
أضحك وأقوله:
ـ عشان عندي عيلة أغلى من أي عروسة.
فيقول:
ـ أنا؟
أقوله:
ـ إنت وأمك.
فيجري يحضن أمه.
وأنا أبص لهم وأبتسم.
لأن في النهاية…
مش كل فرح بيبدأ بزغروطة، ومش كل فرح بيحتاج فستان أبيض وكوشة.
أحيانًا الفرح الحقيقي يبدأ في اللحظة اللي تكتشف فيها إنك كنت على وشك تمشي في طريق غلط، وربنا وقفك قبل أول خطوة.
وأحيانًا أكبر هدية ممكن تاخدها في حياتك…
تكون كلمة صغيرة من طفل.
كلمة توقفك.
تخليك تبص حواليك.
وتخليك تسأل.
وتخليك تكتشف الحقيقة.
نوح يومها كان عنده تلات سنين.
مكنش يعرف يعني إيه مستندات.
ولا يعني إيه فلوس.
ولا يعني إيه جواز.
ولا حتى كان فاهم ليه الناس متجمعة في القاعة.
لكنه كان عارف حاجة واحدة:
إن أمه كانت خايفة.
وإن جده لازم يعرف.
فمسك إيدي.
وقال لي:
“يا جدو…”
ومن بعدها، حياتي كلها اتغيرت.
وعشان كده…
كل ما أفتكر الحكاية دي، مبتأسفش على الفرح اللي ما تمش.
بالعكس.
بحمد ربنا عليه.
لأن في بعض الأبواب لما بتتقفل قدامنا، بنفتكر إننا خسرنا.
لكن بعد سنين، بنبص ورا ونكتشف…
إن الباب اللي اتقفل كان هو أكتر باب ربنا كان بيحمينا منه.
والحمد لله إن نوح مسك إيدي قبل ما أطلع على الكوشة.
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق