In this article
سكريبت اختى كاملة أمانى سيد
سكريبت اختى كاملة أمانى سيد
أختي ظروفها صعبة، وأنا وزوجي حالتنا المادية أفضل، فكل يوم كنت أبعتلها بواقي الأكل ليها ولولادها بدل ما أرميها. واليوم اللي بطلب فيه أكل من بره وماببعتش حاجة، كانت مابتلاقيش أكل كفاية.
وكانت تيجي تقولى:
“ابعتيلي أي حاجة، لو حتى سندوتشين جبنة، أسد بيهم جوع العيال.”
كنت أسألها:
“مرتبك بيروح فين؟”
فتقولى:
“أنا باخد ١٥٠٠ جنيه، يادوب بيكفونا جبنة وعيش. إنتي عارفة الظروف، وأنا مش بطلب منك فلوس، وإنتي عارفة من ساعة ما جوزي مات ومحدش بيساعدني أنا وولادي.”
وقتها اشترطت عليها شرط، إنها كل يوم بالليل لما تيجي من شغلها تجيبلي الخضار وأكل تاني يوم وتجهزه، ولما تيجي من شغلها تقف تطبخ وتنضف المطبخ، وتاخد معاها أكلها وأكل عيالها وهي ماشية.
وقتها أختي وافقت على كده عشان خاطر ولادها، وطلبت مني إن محدش يعرف حاجة، عشان شكل ولادها قدام أصحابهم، وإننا في الآخر أخوات ومساعدتها ليها مش عيب.
بس مع الوقت لقيت الموضوع بيزيد عن حده. بقيت أحس إن وجودها بقى عبء مش مساعدة، ومابقتش عارفة أطلب أكل جاهز، وبدأت أطلب منها طلبات زيادة وهي ماشية، حاجات تخص البيت وتنظيمه.
وكنت ساعات بحس بإحساس غريب إني قادرة أساعد وبأطلب وهي بتنفذ، وهي كانت بتتحمل وتستحمل وتقول:
“معلش عشان خاطر العيال، وبكرة الحال يتصلح.”
لحد ما في يوم جت تعبانة جدًا، وكانت مرهقة من الشغل، وطلبت مني كوباية مية وقعدت شوية على الكنبة.
وقفت قدامها، فقالتلي بصوت متعب ومكسور إنها مش هتقدر تنظف ولا تعمل حاجة اليومين دول لحد ما تخف، وإنها حتى اضطرت تقعد من الشغل من كتر التعب.
بدل ما أرحمها وأقولها:
“ألف سلامة يا شيماء، ارتاحي إنتي والعيال وأنا هبعتلك الأكل لحد عندك.”
لقيتني بصتلها بجفاف وقلتلها ببرود:
“خلاص، لما تخفي ابقي ارجعي اعملي الشغل واطبخي، ووقتها خدي لعيالك.”
بصتلي وهي مش مصدقة، وقالتلي بصوت بيرتعش:
“طيب العيال يا شيماء؟ العيال هاكلهم إيه النهاردة؟ ده من امبارح مفيش أكل في البيت.”
قلتلها بقسوة:
“دي مشكلتك، مش كل يوم هشيل هم عيالك.”
بصتلي بصة عمري ما هنساها طول عمري. نظرة مكسورة، فيها عتاب الدنيا كلها وخذلان كبير.
سكتت ثواني كأنها مش مستوعبة هي سامعة إيه، ومدت إيدها خدت شنطتها وهي بتترعش، وطلعت من الشقة من غير ما تنطق ولا كلمة.
وقبل ما تمشي بصتلي وقالت:
“حقك.”
وسابتني ومشيت.
تاني يوم فضلت مستنية كالعادة. الساعة بقت سبعة بالليل، وهي ماجتش.
فتحت باب الشقة وبصيت بره، لقيت باب شقتها مقفول وساكت.
نزلت عيني على المطبخ عندي، لقيته زي ما سيبته من امبارح. الحوض مليان مواعين، والترابيزة متبهدلة، وكنت سايبة الشغل كله متعمدة إنها تيجي تلاقيه وتخلصه زي ما اتعودنا.
لكنها مجتش برضه!
قعدت في الصالة وقلت لنفسي:
“سيبيها تاخد وقتها في الزعل، بكرة تهدى وترجع تاني. أصلها هتروح فين يعني؟ مالهاش غيري في الدنيا دي كلها يشيل عنها.”
لكن الأيام جرت، والأسبوع جرى ورا الأسبوع، والشهر بحاله عدى!
شهر كامل وأنا قافلة على نفسي، وهي بطلت تيجي نهائي. لا بتعدي، ولا بتخبط، ولا حتى بتبعت تسأل أو تطلب حاجة زي الأول.
وأنا من قسوتي وكبريائي مكنتش برفع سماعة التليفون أسأل عليها، ولا حتى أخبط بابها وأقولها:
“مالك؟”
كنت عايشة في كبريائي الأعمى.
لحد ما في يوم، جوزي كان قاعد بيشرب قهوته بالليل، وبص حواليه باستغراب، وبعدين بصلي وقال فجأة:
“قوليلي يا شيماء، هو إيه الحكاية؟ مال أختك بطلت تيجي خالص ليه الفترة دي؟ ولا حتى بقيت أشوفها طالعة ولا نازلة، ولا حتى بتنزللها الأكل اللي متعودة عليه؟ في إيه؟ زعلتيها في حاجة؟”
قلت ببرود مصطنع وأنا بمسك التليفون في إيدي:
“عادي يعني، مفيش، براحتها، هي حرة.”
لقيته اتعدل في قعدته، وبصلي بنظرة جادة ومليانة عتاب وقال:
“لأ، مش عادي ولا حرة. دي أختك ولحمك ودمك. وجوزها الله يرحمه كان راجل محترم وكان شايل مسؤوليتها، وهي مش متعودة على الظروف الصعبة دي.
لو إنتي في يوم كنتي في ظروفها، والله كانت هتقف جنبك وتشيلك فوق راسها ومكنتش هتسيبك تحتاجي لحد.
قومي البسي وروحي اطمني عليها، حرام اللي بتعمليه ده.”
الكلام نزل على وداني تقيل.
لكن بدل ما أقول لنفسي:
“جوزي راجل أصيل وبيفكرني أرحم أختي.”
لقيت الغيرة بتسري جوايا، وفهمت كلامه بطريقة غلط تمامًا.
اتعصبت فجأة، وحطيت التليفون على الترابيزة بصوت عالي، وقلتله:
“إنت بتقول إيه؟ ومالك بتدافع عنها وواقف في صفها أوي كده؟ مهتم بيها زيادة عن اللزوم ليه؟ من إمتى يعني؟”
وسكت لحظة، وبعدين قلت كلام ندمت عليه بعد كده:
“أيوه، ما إنت أكيد مهتم بيها زيادة وعايز تدافع عنها وخلاص!”
جوزي اتصدم من كلامي. بصلي كأنه مش مصدق الكلام اللي سمعه، وقال بصوت هادي لكنه حازم:
“إنتي بتقولي إيه؟ أنا بقول كلمة حق، ترديها لي باتهام بالشكل ده؟ للدرجة دي القسوة عمت قلبك لدرجة إنك ظلمتي أختك وبتظلمني أنا كمان؟”
سابني ودخل الأوضة وقفَل الباب وراه.
وأنا قعدت مكاني. الدموع اتحبست في عيوني، وحسيت إن الدائرة بتضيق عليا من كل ناحية، وإني بدم بارد خسرت أختي اللي مالهاش غيري.
قعدت أفكر طول الليل. كلام جوزي وإنفعالي عليه فضل يرن في وداني.
حسيت إن الدنيا بتتسحب من تحت رجلي، وإن جوزي ممكن يلومني بعد كده بسبب أختي.
الصبح صحيت، عملت غدا، وخدت بواقي الأكل زي زمان، حطيتها في علبة وروحتلها.
وقفت قدام باب شقتها اللي كان بقاله شهر مقفول، وضربات قلبي زادت.
خبطت خبطات خفيفة متتالية.
ثواني وسمعت صوت خطوات صغيرة جوه، والباب اتفتح نص فتحة.
ظهر ابنها الصغير، وراه إخواته. بصولي بنظرات هادية لكن مفيهاش ترحيب. عيونهم كان فيها تعب وكسرة غريبة على أطفال في سنهم.
ابتسمت بتوتر، ومديت إيدي بالعلبة وقلت بصوت دافئ:
“إزيكم يا ولاد؟ عاملين إيه؟ طب خدوا، الأكل ده عشان تتغدوا. وبعدين فين أمكم يا حبيبي؟”
الولد بصلي بسكوت، وممدش إيده ياخد العلبة، وقال بصوت هادي:
“ماما مش موجودة، بره.”
سألته بقلق وأنا بحاول أخفيه:
“طيب هي راجعة إمتى؟ استنوا، أدخل الأكل المطبخ وأستناها على ما تيجي.”
حط إيده على باب الشقة ومنعني أدخل، وقال بلهجة أكبر بكتير من سنه:
“لأ، شكرًا. ماما قالت محدش ياخد حاجة، ومش هينفع تدخلي. ولما تيجي نبقى نقولها إنك سألتي عليها. سلام يا خالتي.”
وقبل ما ألحق أنطق بكلمة، اتقفل الباب في وشي.
خبطت تاني على الباب، لكن محدش فتحلي.
وقفت قدام الباب المقفول، والعلبة في إيدي بتقل كأنها جبل.
حسيت إن القسوة اللي زرعتها رجعتلي أضعاف. باب شقتها اتقفل في وشي زي ما باب قلبي اتقفل في وشها يوم تعبها.
حسيت بوجع كبير في صدري، ورجعت على شقتي وأنا متضايقة من اللي حصل.
لكن فضل جوايا سؤال واحد مش قادر يسيبني:
يا ترى أختي كانت عايشة إزاي؟ وولادها كانوا بياكلوا منين؟
اختى ٢
طلعت على شقتي وأنا مكسورة من القهرة، رميت بواقي الأكل في الزبالة، وعقلي فضل يودّي ويجيب.. الأفكار والهواجس بقت تاكل في دماغي وتلف حوالين نفسها: هي جابت فلوس منين أصلاً؟ وبتصرف على عيالها منين وهي مرتبها ضعيف كده وبقالها شهر ماخدتش مني حاجة؟.. ده أنا من شهر بس، لما كنت أروح لها بالعلبة، العيال كانوا بيجروا عليّ ويشدوا العلبة من إيدي من شدة الاحتياج، ودلوقتي بيرفضوا الأكل بكل كبرياء وبيقفلوا الباب في وشي!
قعدت على الكنبة وأنا حاطة إيدي على رأسي، والشك رجع يوسوس لي بأفكار جديدة.. معقول لقت حد ثاني يساعدها؟ ولا اشتغلت في السر؟ ولا يمكن حد من الجيران بيقف جنبها وبيساعدهم؟
كل فكرة كانت أصعب من التانية، ولقيت الغيظ والفضول بياكلوا في قلبي.. مبقاش همي هي زعلت ولا لأ، بقيت عايزة أعرف هي جابت العز ده منين وبتصرف على عيالها إزاي وهي بقالها شهر من غير مساعدتي!
وأول فكرة هجمت عليّ كانت: “تلاقيه جوزي! أكيد هو اللي من ورايا بيبعت لها فلوس وأكل عشان يطيب خاطرها ويظهر قدامي في دور البطل على حسابي!”.
بدأت أراقب جوزي بحذر.. أستغفله وهو نايم وأدور في موبايله، وأفتش في جيبه من غير ما يحس، وأراقبه وهو نازل وطالع وعينه رايحة فين، وأركز في كل حركة وكل كلمة بيقولها.
لكن بعد مراقبة وتفكير استمروا أيام، اتأكدت تمامًا وبما لا يدع مجالًا للشك إنه ملوش أي يد في الموضوع.. الراجل لا بيبعت لها حاجة، ولا بيدخل في سكتها أصلًا، وطلعت ظنوني وشكي فيه كلها غلط.
وقفت مع نفسي وقفة، ولقيت الفضول والغيظ بيأكلوا في قلبي: “أمال مين؟ جابت منين وبتصرف على العيال إزاي؟”.
قررت ساعتها إني مش هسكت، وإني أفضل وراها لحد ما أعرف الحقيقة وأفهم هي جابت الفلوس أو الأكل ده منين.. بقيت أراقب شقتها بعيوني، وأستنى أي حركة أو فرصة تدلني على الحقيقة اللي مجننانِي.
مقدرتش أستحمل الأسئلة اللي بتدور في عقلي، ولقيت نفسي باخد القرار الصعب.. خلاص، مفيش قدامي غير إني أواجهها بنفسي وأعرف السر ورا اللي بيحصل ده.
لبست هدومي بسرعة، ونزلت استنيتها تحت الشارع قدام البيت على الناصية، واقفة مدارية ورا عربية عشان محدش ياخد باله مني، وعيني لازقة في أول الشارع مراقبة اللي رايح واللي جاي.
الساعة بقت تمانية بالليل، وأنا واقفة على أعصابي، دقات قلبي سريعة وكلها غيظ وفضول، مستنية لحظة ما تظهر عشان أوقفها وأعرف هي جابت الفلوس وسترت عيالها منين!
وفجأة.. لقيتها طالعة من أول الشارع وماسكة في إيديها شنط خضار وطلبات كتير شكلها يوزن، وخطواتها رغم التعب كانت سريعة وفيها لهفة.
في اللحظة دي، بصيت لفوق لقيت ولادها واقفين في البلكونة بيبصوا تحت بعيون مليانة لهفة وفرحة، وأول ما شافوها هللوا، ونزلوا يجروا على السلم ورا بعض زي العصافير، وفتحوا باب البيت وجريوا عليها.
اتنافسوا بحب مين فيهم اللي يشيل الشنط الكتيرة من إيديها.. كل واحد خطف شنطة بفرحة كأنهم لاقيين كنز، وهي كانت بتبصلهم بحنان دافئ وابتسامة تعبانة بس مليانة رضا، ومدت إيدها ومسحت على شعرهم بحب.
استنيتها لحد ما طلعت السلم ودخلت شقتها هي وولادها، وطلعت وراها بخطوات بطيئة والخوف والفضول بياكلوا في قلبي.
لقيت باب الشقة مردود ومقفلش كويس، وقفت ثواني أخد نفسي، وبعدين زقيت الباب ودخلت وراها من غير استئذان، وعيني بتلف في الشقة وعايزة ألقط أي إجابة تطفي النار اللي في صدري!
أول ما دخلت وخبطت عيني في الصالة، لقتها وقفت مكانها فجأة وبصتلي باستغراب شديد ودهشة مالية عيونها، وقالت بصوت ناشف وحاد:
— إيه جابك هنا؟ في حاجة ولا إيه؟!
بلعت ريقي بتوتر، وداريت ارتباكي وبصلتلها وقلت بصوت عالي شوية وفيه نبرة تحقيق:
— لا أبدًا.. لقيتك اختفيتي وبطلتي تظهرِي خالص، فجيت أسأل عنك.. عايشة إزاي بقى الفترة دي كلها؟ وبتاكلي إنتي وعيالك منين وبتجيبي الخير ده كله منين وإنتي قاعدة من الشغل؟!
بصتلي ببرود عجيب، ورفعت حاجبها وسابت الشنط من إيدها على الترابيزة، وقالت بصوت هادئ وموجع:
— وهيفرق معاكي في إيه أصلًا.. تفرق معاكي في إيه عايشة ولا مش عايشة؟
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أجمع حتت كبريائي المكسورة وأنا بقولها بنبرة مصطنعة فيها شوية من حنية زمان:
— في الأول والآخر إنتي أختي يا شيماء.. ولحمي ودمي، ويهمني أمرك، وأي مشكلة أو تصرف منك ممكن يأثر علينا إحنا الاتنين قدام الناس!
كلمتي نزلت عليها بقوة.. لقيتها بصتلي بابتسامة سخرية وجع ماليها، عيونها لمعت بدموع قهر محبوسة، وقالت بصوت ثابت وحاد قطع قلبي:
— متخافيش على نفسك أوي كده وما تقلقيش، أنا مربية عيالي كويس ومابعملش حاجة غلط تكسف أو تجيب سيرتك.
كلماتها خبطت في صدري، بس فضولي كان مسيطر عليّ خالص، مكنتش قادرة أتقبل إنها استغنت عني وعدت الأزمة لوحدها.
وقفت قدامها وابتسمت بسخرية مريرة، وفضلت أزن عليها وأزن كأني بحاول أفهم الحقيقة:
— بتعملي إيه يعني يا شيماء عشان تجيبي الشنط دي كلها لوحدك؟ من غير الشغل القديم ومن غير مساعدتي؟! فهميني بتجيبي الفلوس منين؟ بتشتغلي إيه؟ عيب عليا لما أكون أختك وما أعرفش ظروفك الجديدة جاية منين!
شيماء سابت الشنط اللي في إيدها على الأرض، واتعدلت في وقفتها، وبصتلي بنظرة كلها ثقة وقوة غريبة أول مرة أشوفها في عينيها.
مكنتش الضعيفة المكسورة اللي بتترعش من شهر.. الوجع والقهرة صنعوا منها ست تانية خالص.
قربت خطوة مني، وقالت بصوت هادئ وثابت خلى ريقي ينشف:
— عايزة تعرفي بشتغل إيه وبجيب فلوس منين يا هبة؟ تعالي.. ادخلي شوفي بنفسك!
وقبل ما ألحق أرد، مسكت إيدي وشدتني وراها لحد أوضة الصالون، فتحت الباب وراحت على الركن البعيد وشالت غطاء قديم كان مفرود على ترابيزة صغيرة.
فتحت عيوني على آخرها من الصدمة والذهول.. لقيت ترابيزة متروسة علب بلاستيك فيها مخللات متنوعة، وورق عنب محشي ومجهز، وعلب تانية فيها أكلات منزلية ومخبوزات مجمدة، وجنبها مجموعة من أكياس التوابل المعطرة والمرتبة بعناية، وفوق الحيطة كيس كبير متعلق فيه بطاقات صغيرة عليها اسمها وأرقام التليفونات!
بصتلها ولساني انعقد ومش مصدقة نفسي، لقيتها بتقولي بنبرة جافة وكلها عزة نفس:
— من يوم ما طردتيني وقلتيلي “دي مشكلتك”، ومن يوم ما كرامتي اتأذت بسبب احتياجي للأكل.. قعدت مع نفسي وقلت مستحيل أسيب أولادي محتاجين ولا أطلب المساعدة كل مرة.
— نزلت اشتغلت في تجهيز طلبات أكل بيتي ومجمدات منزلية لجيران المنطقة والموظفات اللي زي حالاتي، اللي بينزلوا شغلهم الصبح ومش بيلحقوا يطبخوا.. بقيت أعمل ده كله بالليل وأنا تعبانة، وببيع للناس اللي بتقدر تعبي وتحترم شغلي، مش بتمن عليّ بالمساعدة!
كلماتها نزلت على دماغي زي الصاعقة، حسيت إن الأرض بتميد بيا، وإني قدام صمودها وقوتها بقيت أصغر إنسانة في الدنيا، وإني بإيدي هدمت سندي وضيعت أختي.
لكن كلام أختي اللي قالته بعد كده، واللي حصل بعدها، خلاني أفوق.
اختى ٢
وقفت قدامها ودموع الندم محبوسة فى عيونى، وبصتلها بكسرة وأنا مش مصدقة حجم الظلم والقسوة اللى ارتكبتهم فى حقها. بصتلى بهدوء، وملامح وشها كان فيها رضا وشموخ يكسف، وقالت بصوت دافئ كله ثقة وعزة نفس:
— “استغربتي وجيتي تدوري عليا وفاكرة إني هضيع من بعدك؟.. أحب أطمنك يا هبة، ربنا سبحانه وتعالى أرحم بكتير على عباده وكان رحيم بيا. الناس الغريبة هى اللى وقفت جنبى وسندتني.. بتاع الخضار، وبتاع الفراخ، والجزار، وحتى جيرانى اللى هنا.. كلهم عاملونى بما يرضى الله، إدوني الحاجة اللى طلبناها وحاسبونى عليها بالآجل وبراحتي، من غير ما يذلوني بكلمة!”
سكتت ثوانى تاخد نفسها، وكملت وهى باصة لى بعيون لامعة:
— “ومرة فى مرة.. الحمد لله ربنا كرمنى، وبقيت أعمل أوردراتى وأكسب، وبقيت أنا وولادي بناكل أحلى وأطيب أكل من تعب إيدي وشغلى الحلال.. ده غير إنى سبت الشغل القديم اللى كنت بطلع روحي فيه بمقابل بسيط، واشتغلت فى مكان تاني أحسن بكتير بمرتب أكبر، وواحدة جارتنا هنا هى اللى دلتني عليه وساعدتنى أقدم فيه!”
ابتسمت بابتسامة وجع قديمة، وقالت وهى بتبص فى عينى دغري:
— “ويوم ما كنت عندك، ومشيت من بيتك وأنا منكسرة ومقهورة، وتعبانة وجسمي سخن من المرض، الجيران شافوني وأنا طالعة عيوني غرقانة دمع وشكلي يصعب على أي حد. ما استنوش ولا ثانية، عملولي أكل سخن ليا ولولادي وكفونا وزيادة عشان صعبت عليهم.. مش عشان باخد بواقي أكل وببص لها على إنها فضل!”
كلماتها نزلت على قلبى زى أقوى صدمة.. حسيت إنى أصغر مخلوق على وجه الأرض، وإني بدل ما أكون ضهرها وسندها، كنت أكتر إنسانة قست عليها وكسرتها.. بس للأسف، بعد ما فات الأوان وفهمت الدرس بالطريقة الصعبة.
وقفت مكانى، حاسة كأن جبل وقع فوق راسى.. الكلام نزل عليا تقيل ومؤلم. بصيت لها وهى واقفة قدامى بشموخها وعزتها اللى كبرت فى عينى أضعاف مضاعفة، وفى نفس اللحظة حسيت إن دموعى نزلت لوحدها على خدودى بلا كبرياء وبلا غرور.
حسيت إن لسانى اتقل فى بؤقى، ووقفت أبلع ريقى وأحاول أنطق بحرف واحد أتبرر بيه وأقول أى كلام يصلح شوية من القسوة اللى ارتكبتها، بس الحروف هربت منى ومكنتش عارفة أقول إيه ولا أبدأ منين.
قبل ما ألحق أطلع كلمة، لقتها كملت كلامها وهى باصة لى بعيون ثابتة، وقالت بصوت هادئ قطع قلبى:
— “دوري على تبريرات براحتك يا هبة، وماتتعبيش نفسك فى الكلام.. اللى بينى وبينك عضم التربة ودم أبونا وأمنا.. لكن أنا خلاص، مابقتش معتبراكى أختى، واللى اتكسر جوايا مش هيتصلح.. الغريب لما بيشوف حد مكسور بيحن عليه ويقف جنبه، لكن إنتى.. كنتِ أقرب الناس وكنتِ أقسى منهم كلهم!”
كلماتها نزلت على صدرى كأنها الحكم الأخير.. مكنش فيه كلام أقدر أرد بيه، ولا عذر يصلح اللى عملته، وخرجت من شقتها وأنا حاسة إن الندم والقهرة هما اللى هيخلصوا عليّ.
رجعت شقتى وأنا تايهة، كأن رِجلي مش شايلانى. بالليل، قعدت قصاد جوزى ودموعى على خدى، وحكيت له على كل اللى حصل وشافته عينى هناك.. من المفرزنات والشغل، لحد الكلمات القاسية اللى قفلت بيها الباب فى وشي.
بصلى بملامح لامة وجمود، وقالها بكل صراحة من غير مجاملة:
— “تستاهلى.. اللى زرعتيه حصدتيه بإيدك، وربنا جاب حقها وحق عيالها قدام عيونك عشان تحسى بالوجع اللى خليتيها تعيشه، بدل ما تكونى ستر وغطا عليها.”
الكلام كان قاسي، بس حقيقى. حاولت بعدها بكذا يوم أرجع لها تانى، أروح أخبط بحجة أتطمن، أو أبعت حاجة مع العيال، بس مكنتش بشوف منها غير صد وجمود، ونظرة ثابتة بتقولى: “ارتاحى، اللى اتكسر مات”.
بابها بقى يتفتح على جيرانها وناسها اللى عرفوا قيمتها، ويتقفل فى وشى أنا.
وقتها بس عرفت إني خسرت كل حاجة.. خسرت أختى، خسرت سندي الحقيقي، وخسرت راحة ضميرى بسبب حبة كبرياء وقسوة فارغة ما تسوش حاجة.
ومرت الأيام والشهور، وبيت شيماء بقى عامر بالخير والرزق.. بفضل تعبها وشقاها، شغلها فى المفرزنات والأكل البيتي كبر وبقى ليه اسم وسمعة وسط الجيران والمنطقة كلها، وبقت تنزل تودي الأوردرات بنفسها وهى مرفوعة الراس.
ولادها بقوا ماشيين فى الشارع مفتوحين العيون والقلوب، لابسين أحسن لبس وواكلين أحسن أكل، ومن غير ما يحتاجوا لقطمة عيش من مخلوق.
أما أنا.. ففضلت قاعدة فى شقتى، وسط نعيم ملوش أى طعم. كل ما أبص من البلكونة وأشوف زباين رايحين جايين على بابها، أو أسمع ضحكات ولادها وهما نازلين ورايحين مدارسهم بفرحة، أحس بحرقة فى صدرى.
جوزي بقى مبيكلمنيش تقريبًا إلا فى الضرورة، كأن النظرة اللى فى عينه ليا بقت كلها جفا، وإنه مش قادر يتعامل معايا بنفس الصورة بعد اللى شافه من قسوتى على أختى.
قالى:
— “إذا كان مابقيش فيكي خير فى أختك، هيكون ليكي خير فيا؟”
بقيت أشرب من كاس الندم لوحدي كل يوم.. عرفت ساعتها إن الفلوس والرفاهية بلا سند ولا أخ ولا رحمة، ما هى إلا سراب.
ضيعت أختي وضلعي الوحيد عشان شوية أكل وكلمات استعلاء فارغة، وبقيت غريبة فى بيتي، ماليش لا أخت تشيلني، ولا ضمير يرتاح، ولا حتى عذر أواجه بيه نفسي.
قدام مرايا الندم، فهمت أخيرًا إن أقسى خسارة مش خسارة المال، لكن خسارة الإنسان اللى كان ممكن يفضل سندك طول العمر.
Keep up with محمد
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article


Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment