في هذا المقال
وحمة وش ابني كامله حكايات انجى الخطيب
وحمة وش ابني كامله حكايات انجى الخطيب
شوفوا هي جابت إيه للعيلة! بصوا على الطفل ده جايبة طفل مشوه … ومفيهوش نقطة شبه واحدة من ابني!"
كنت لسك في أوضة الإفاقة في مستشفى كبير في الجيزة، والجو كله كان هادي إلا من صوت أجهزة المراقبة اللي بتطلع صفير منتظم.
كانت سلمى، عندها 28 سنة، نايمة على سرير المستشفى، جسمها كله مهدود من تعب ولادة استمرت حوالي 19 ساعة، وانتهت في الآخر بعملية قيصرية طارئة.جنب سريرها كان موجود سرير أطفال شفاف صغير، جواه ابنها المولود من كام ساعة، آدم، ملفوف في بطانية بيضا ونايم بهدوء.
جوز سلمى، محمود، كان خرج من الأوضة من حوالي عشرين دقيقة عشان يجيب شنطة المستشفى من العربية ويجيب لها حاجة ساقعة تشربها.ومن كتر التعب والألم، سلمى غصب عنها راحت في نوم تقيل.#انجي_الخطيب
لكن فجأة…
فزعت من النوم على إحساس بضغط خانق، وبعده مباشرة سمعت صرخة عالية قطعت هدوء الدور كله.فتحت عينيها بالعافية، ولسه مش مستوعبة هي فين ولا إيه اللي حصل، لقت حماتها نوال داخلة الأوضة بعصبية، وفتحت الباب بعنف لدرجة إنه خبط في الحيطة.
وراها كانت أم سلمى، سناء، ومعاها خالتين من قرايب العيلة.نوال ما بصتش حتى لسلمى، واتجهت على طول ناحية سرير الطفل.طلعت من شنطتها برطمان صغير فيه معجون أسود غامق، وقربت من آدم وهو نايم، وبدأت تدهن المادة السودا على جبهته وخدوده وإيديه وصدره، لحد ما لون جلده اتغطى بالبقع السودا، وحتى البطانية البيضا اتلطخت.
وفجأة صرخت بأعلى صوتها:
"بصوا كلكم! اصحوا وشوفوا هي جابت إيه للعيلة! شوفوا الطفل ده… ده مش فيه نقطة دم واحدة من ابني!"
سلمى شهقت وحاولت تقوم من السرير، لكن أول ما اتحركت، الألم ضرب مكان العملية بقوة، فصرخت ووقعت تاني على المخدة.
"آه… ابني! إنتِ بتعملي فيه إيه؟!"
لكن قبل ما سلمى تلحق تفهم أي حاجة، أمها سناء اندفعت ناحية السرير، وكانت عينيها مليانة غضب وصدمة، ومن غير ما تسأل بنتها حتى أو تسمع منها كلمة، رفعت إيدها وضربتها بالقلم على وشها.
"إنتِ فضحتينا! عملتي فينا إيه يا سلمى؟!"
دموع سلمى نزلت غصب عنها، مش من وجع الضربة بس، لكن من الصدمة إنها لقت أمها نفسها واقفة ضدها.وفي نفس اللحظة، آدم بدأ يعيط… عياط ضعيف ومخنوق، كأنه حاسس إن في حاجة غلط حواليه.
سلمى مدت إيديها المرتعشة ناحية سرير الطفل وهي بتبكي:
"هاتولي ابني! ابعدوا عنه! إنتوا عملتوا فيه إيه؟!"
لكن نوال وقفت قدام السرير ومنعتها، وحطت إيديها على صدرها وهي بتبص لها باحتقار."إياكي تلمسيه دلوقتي! ابني لازم يشوف بعينه إنتِ اتجوزتيه ليه وجبتي له إيه!
"
سلمى بصتلها وهي مش فاهمة، وصرخت:
"إنتِ بتقولي إيه؟! ده ابني! ابني أنا ومحمود!"
نوال ضحكت بسخرية:
"ابنك؟! ده لو ابني فعلاً، يبقى لازم يكون شبهه! لكن الطفل ده… مفيهوش منه حاجة!"
سلمى حاولت تصرخ فيهم، لكن صوتها كان بيضعف من شدة الألم."محمود فين؟! أنا عايزة جوزي!"
"محمود هييجي دلوقتي… وساعتها هتسمعي بنفسك اللي هيعمله فيكي."
في اللحظة دي، الباب اتفتح.دخل محمود وهو شايل شنطة زوجته، وفي إيده زجاجة مية.وقف مكانه أول ما شاف أمه واقفة جنب سرير الطفل، والطفل جسمه متلطخ بالأسود، وسلمى بتعيط ومش قادرة تتحرك."إيه اللي حصل هنا؟
!"
نوال لفت له بسرعة وصاحت:
"ابنك مش ابنك يا محمود! بص عليه كويس… وقولي، هو شبهك في إيه؟!"
محمود قرب من الطفل، ووشه اتجمد.سلمى كانت بتبص له وهي بتنهار:
"محمود… بالله عليك صدقني، أنا معرفش هي عملت كده ليه… آدم ابنك، والله ابنك!
"
لكن نوال سبقت أي رد، وطلعت من شنطتها ورقة مطوية وحطتها قدامه."أنا كنت شاكّة من قبل ما تولد… وعملت اللي لازم يتعمل."
محمود فتح الورقة، وعينيه بدأت تتحرك بين السطور.سلمى بصت له بخوف:
"إيه الورقة دي؟!"
نوال ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت:
"تحليل نسب."
سلمى حسّت إن الدنيا لفت بيها.لكن اللي محدش كان يعرفه وقتها… إن التحليل ده هيكشف سر أكبر بكتير من مجرد سؤال: آدم ابن مين؟لأن النتيجة اللي كانت نوال متأكدة إنها هتدمر سلمى… كانت في الحقيقة هتفتح باب لحقيقة هتزلزل العيلتين بالكامل.#انجي_الخطيب
محمود إيده كانت بترتعش وهو ماسك الورقة، عينيه رايحة جاية على الكلام المكتوب بلغة طبية معقدة، لحد ما أمه حطت إيدها على كتفه وشفاهيا بتهز رأسها بثقة مريضة "أنا عارفة إن الصدمة تقيلة يا حبايب قلبي، بس الحق لازم يبان.
. التقرير بيقول إن الطفل ده نسبه 0% ليك يا محمود!".سناء، أم سلمى، لطمت على وشها وقعدت تعيط بحسرة وهي بتبص لبنتها بقرف "يا فضيحتنا وسط الناس! يادي العار اللي جبتيهولنا يا سلمى! أودّي وشي فين من قرايبنا؟".
سلمى كانت بتنزف وجع في جسمها ونفسيتها، مسكت في لحاف السرير بإيدين بتترعش وحاولت تجمع نفسها بالعافية، صوتها خرج مخنوق ومتقطع من كتر الدموع "محمود.. بص في عيني يا محمود! أنت عارفني كويس.. والله العظيم ما حد لمسني غيرك، والله ده ابنك!
الورقة دي مزورة.. أمك بتفتري عليا!".نوال زعقت وهي بتبتسم بشر وشاورة على الطفل المتلطخ بالمعجون "مزورة؟! دي من أكبر معمل تحليل في الجيزة يا خاينة! وشوفي الطفل عامل إزاي، المعجون ده خلطة شبّة ومحلب عشان يبان لونه الحقيقي اللي خبيتيه، وشوفي ملامحه.
. ده مش شبه ابننا ولا بياخد من عيلتنا فتلة!".في اللحظة دي، دخل دكتور التوليد المعالج ومعاه الممرضة بعد ما سمعوا الصريخ اللي مالا الدور. الدكتور اتصدم من المنظر، شاف الطفل المرمي في السرير وجلده غرقان بالمادة السودا، والممرضة جريت بسرعة رفعت آدم اللي كان بيصرخ بصوت أبحّ ومخنوك.
الدكتور بحدة وغضب شديد "إيه المهزلة دي؟! أنتوا بتعملوا إيه في العيل؟! مين اللي هبب وش الطفل بالمادة دي؟ إنتوا متخلفين؟ الطفل ده ممكن يجيله تسمم أو حساسية جلدية قاتلة!".محمود رفع الورقة في وش الدكتور وصوته كان بيتخنق بالدموع والغضب "سيبك من العيل يا دكتور!
الطفل ده ممكن يجيله تسمم أو حساسية جلدية قاتلة!".محمود رفع الورقة في وش الدكتور وصوته كان بيتخنق بالدموع والغضب "سيبك من العيل يا دكتور! التقرير ده بيثبت إن ده مش ابني.. هاتو لي إدارة المستشفى فوراً، أنا اتضحك عليا!
".الدكتور مسك التقرير من إيد محمود ببرود، وبدأ يقرأ بتركيز، وفجأة ملامح وش الدكتور اتغيرت تماماً.. حواجبه اتعقدت، وبص للورقة تاني وتالت، وبعدين بص لنوال اللي كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها ومستنية لحظة طرد سلمى.الدكتور بص لمحمود وقال بصوت ثابت وشارح "يا أستاذ محمود.
. أنت قريت الورقة دي إزاي؟".نوال اتدخلت بسرعة "قراها زي ما أنا قريتها! مكتوب إن الطفل مش ابنه!".الدكتور هز رأسه بالنفي وبص لنوال بقرف "الورقة دي فعلاً عينة DNA تم تحليلها.. بس التحليل ده طالع باسم طفل اتولد من أسبوعين! مش طفل اتولد من أربع ساعات!
العينة دي متاخدة من مسحة فم لحديث ولادة مكتوب عليه تاريخ قديم، ومكتوب هنا إن الفصيلة O سلبية.. بينما الطفل اللي قدامنا ده، أنا لسه عامل له تحليل فصيلة دم سريعة من ساعة واحدة بس عشان الحضّانة وتأمين الولادة، وفصيلة دمه AB أيجابي.
. زي فصيلة دمك أنت وزوجتك بالظبط!".السكوت نزل على الأوضة زي الصاعقة. صرخات سناء وقفت، ومحمود اتسمر مكانه.الدكتور كمل وهو بيبص لنوال بغضب "أنتي جايبة تحليل قديم ومعمول لوريث تاني أو عيل تاني خالص وجاية تتبلي بيها على وحدة لسه طالعة من قيصرية! والأنكح من كده.
. التقرير ده عليه اسم معمل، وعليه توقيع دكتور أنا أعرفه شخصياً، مكتوب تحت خالص إن العينة اتسحبت في عيادة خاصة باسم نوال عبد الحميد.. يعني أنتي اللي رايحة تدفعي فلوس عشان تطلعي ورقة نتيجتها مزورة ومجهزة من قبل ما سلمى تدخل أوضة العمليات أصلًا!
".محمود بص لأمه والذهول ماليه، الورقة وقعت من إيده على الأرض "أمي.. أنتي.. أنتي عملتي كده ليه؟ أنتي جايبة تحليل مزور من قبل ما سلمى تولد؟!".نوال وشها اصفر والارتباك ظهر على عينها، بدأت تتلجلج وترجع لورا "أنا.
. أنا كنت خايفة عليك.. أنا كنت حاسة إنها بتمثل عليك.. أنا مش قصدي..".سلمى بكت بحرقة وهي بتشاور على ابنها اللي الممرضة كانت بتنظف وشه بسرعة بالمية والقطن "أني كنت بتموت تحت إيد الدكاترة وهي كانت بتخطط تطعنني في شرفي!
بتكرهيني للدرجة دي يا نوال؟ عايزة تخربي بيت ابنك وتدمري حياتي عشان نسيب بعض؟".محمود قرب من أمه، عينيه كانت مليانة صدمة وكسرة مش طبيعية، مسك إيدها بقوة وسألها بصوت واطي وموجوع "ليه يا أمي؟ ليه تعملي فيا أنا كده؟ أنا اللي وثقت فيكي وسبتك تسندي مراتي..
تروحي تزوري تحليل وتلطخي جسم ابني بمادة زبالة وتفضحيني قدام أهل مراتي والناس؟".سناء أم سلمى جرت على بنتها وهي بتبكي وبتبوس إيدها وراسها باعتذار وندم "سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا سلمى يا ضنايا، أنا العتبة دخلت في عقلي وعميتني، الحق عليا إن صدقت العقربة دي وما وقفتش جنبك في أضعف لحظة في حياتك!
سلمى سحبت إيدها من أمها بالراحة وبصت للجميع بعينين مكسورة بس فيها قوة وليدة "أنا مش هسامح.. لا أنتي يا أمي اللي ضربتيني وأنا حتة لحمة حمرا في السرير، ولا محمود اللي سكت وسابهم ينهشوا فيا وفي ابنه.. خدو ابنكم واخرجوا كلكم برة!".
في اللحظة دي، الممرضة قربت بالطفل بعد ما نظفت وشه تماماً وظهرت ملامحه البيضا الصافية، وعينيه الصغيرة اللي فتحت بالراحة، وحطته في حضن سلمى.محمود حاول يقرب منها ويمسك إيدها بدموع "سلمى.. أنا أسف، أنا اتعميت، والله العظيم أنا..".
سلمى قطعت كلامه وهي حاطة إيدها على آدم ومتبتة فيه بكل قوتها، وبصت لمحمود بعينين مفيهاش أي مشاعر غير برود طالع من قاع الجرح "من اللحظة دي يا محمود.
. ابنك معايا، وأنت مالكش مكان في حياتنا تاني. اللي يسيب أمه ترمي شرف مراته في الأرض وهو واقف يتفرج، ما يلزموش يكون أب ولا راجل في بيتي.. برة!".
محمود كان واقف مش قادر يأخد نفسه، عينيه رايحة جاية بين أمه اللي كانت بتبص للأرض بذل، وبين سلمى اللي حاطة إيدها على آدم ومتبتة فيه كأنها بتحميه من العالم كله.
"سلمى.. استهدي بالله بس، أنا مصدوم زيك والله، أنا مظلوم!"
سلمى ما بصتلوش حتى، لفت وشها الناحية الثانية ودعت برأسها للممرضة، الممرضة فهمت الإشارة وقربت بثبات وقالت بصوت جاف وحازم "لو سمحتوا كلكم برة الأوضة فوراً.. المريضة حالتها الحرجّة ومحتاجة راحة، وأي توتر ثاني هيسبب لها نزيف ومضاعفات خطيرة، والشرطة ممكن تتدخل لو الوضع استمر كده."
سناء، أم سلمى، قربت بدموعها وتحايلت "يا بنتي يا سلمى.. حقك عليّ يا ضنايا، قطع إيدي قبل ما تترفع عليكِ، أنا اتعميت لما شفت الورقة والزفت اللي حطته على الواد.."
سلمى قطعت كلامها بنبرة صوت ميتة ومفيهاش أي أمل "اطلعي برة يا أمي.. اطلعي مع الناس اللي صدقتيهم عليا."
سناء بصت لنوال بغل وشتمتها بصوت واطي، ومسكت إيد اختها وخرجوا وهما بيجروا أذيال الخيبة. نوال حاولت تتكلم وتكابر "أنا كنت خايفة على ابنك يا محمود.. أنا.
."
محمود صرخ فيها بصوت هز الدور كله، صوت طالع من قهر وكسرة نفس "اسكتي! اسكتي خالص وما تنطقيش ولا كلمة! أنتي دمرتي بيتي.. أنتي مسحتي بكرامتي الأرض!"
مسك محمود أمه من ذراعها بقوة وخرجها برة الأوضة وزق الباب وراه، وقف في الطرقات برة والمستشفى كلها بتبص عليهم. نوال كانت بتبص له بخوف لأول مرة في حياتها "أنت بتزقني يا محمود؟ عشان واحدة غريبة؟"
"دي مش واحدة غريبة! دي مراتي اللي شالت ابني تسع شهور! دي اللي سيبتك تخوضي في شرفها وأنا زي العبيط واقف مستني التقرير! أنتي مش أمتي.. أنتي عقربة!"
نوال سابت المكان ومشيت بسرعة وهي بتتحاشى نظرات الممرضات والدكاترة اللي كانوا وافقين على مكتب التمريض بيتهامسوا بقرف.
جوة الأوضة، الهدوء رجع تاني، بس ما كانش هدوء سلام.. كان هدوء ما بعد العاصفة.
الممرضة كانت بتغير البطانية الملطخة بالمعجون الأسود، ورشت معقم بالراحة على جلد آدم الصغير اللي بدأ يهدا ونومه يرجع يتقل تاني. سلمى كانت بتبص لملامح ابنها الصافية، وبتمشي صباعها المرتعش على خدّه الناعم.
"آدم.. حقك عليا يا حبيب أمك.. والله ما حد هيلمسك ولا يئذيك طول ما أنا حية."
الباب اتفتح بالراحة خالص، محمود دخل ووشه أحمر من العياط، أطرافه بتترعش وهو يقرب من السرير خطوة بخطوة كأنه خايف من خيالها.
"سلمى.."
سلمى ما رفعتش عينها. "أنا قلت برة يا محمود."
"مش همشي.. اطلبيلي السكيورتي، اطلبيلي البوليس، بس مش همشي وأنتِ فاكرة إني بعتك. أنا اتصدمت.. أنا أمي لعبت بيا وعملت التمثيلية دي كلها من ورايا عشان هي من الأول مش عايزاكي.. أنا عبيط، أنا حمار إني صدقتها، بس والله العظيم بحبك وبحب آدم!"
سلمى رفعت عينها وبصت له بثبات يرعب، عينين مفيهاش ولا دمعة، بس فيها جدار عالي اتمهد بين يوم وليلة."الحب مش كلام يا محمود.. الحب مواقف.
وأنت في أول موقف حقيقي، في أضعف لحظة ليا وأنا مبنجة ودمي على السرير، سيبت أمك تتهم شرفي وتلطخ ابني بالوساخة وأنت وافق تتفرج وترتعش."
"أنا أهو.. مستعد أعمل أي حاجة! هرفع قضية على أمي، هعمل بلاغ بالتزوير والاعتداء على طفل، هقطع علاقتي بيها تماماً.. والله ما هتشوف وشها تاني طول العمر!"
سلمى ابتسمت بسخرية ومرارة "أنت هتعمل كده عشان خايف من الفضيحة وعشان عرفت إن التقرير مزور.
. لكن لو الدكتور ما كانش كشفها؟ لو التحليل المزور ده عدى عليك؟ كنت رمتني في الشارع ورجمتني صح؟"
محمود سكت، لسانه اتعقد ومش قادر ينطق كلمة واحدة.
سلمى اتدلت ورجليها لمست الأرض بالعافية، الألم كان بيقطع في بطنها بس مسكت نفسها وقعدت على حافة السرير وهي ماسكة آدم بين إيديها.
"الورقة دي اللي أمك زورتها.. قطعت اللي بيني وبينك للأبد. بكره لما أخرج من المستشفى، أختي هتجيب لي هدومي وهروح بيت أبويا.. وورقة طلاقي تجيلي لحد هناك، من غير شوشرة ومن غير محاكم.. عشان آدم بس."
"سلمى أرجوكي.. بلاش تهدمي بيتنا!"
"بيتنا اتهدم خلاص يا محمود.. اتهدم من اللحظة اللي سمحت فيها لأمك تفتشي في شرفي وأنت واقف تتفرج. اطلع برة دلوقتي.. وما تورينيش وشك تاني."
محمود بصلها بقلة حيلة، شاف القسوة والجفاء في عينها وعرف إن المحاولة مالهاش لازمة. رجع لورا ببطء، وعينيه مثبتة على ابنه آدم اللي كان نايم في حضن أمه بسلام، لحد ما خرج وقفل الباب وراه.
سلمى ضمت آدم لصدورها جامد، ونزلت دمعة واحدة حامية على راسة.. دمعة مسحت كل الضعف اللي كان جواها، وبدأت قصتها الجديدة.. هي وابنها بس.
عدت ست شهور على اليوم ده..
سلمى كانت قاعدة في الصالة الصغيرة في شقة أبويا القديمة في منطقة الدقي، الشمس داخلة من البلكونة ونازلة على آدم وهو بيلعب على المفرش بألعابه البلاستيك. الواد كبر، ملامحه وضحت وبقت أصفى من الأول، بياض بشرته وعينيه العسلي الواسعة كانوا كافيين يخلوا أي حد يبتسم أول ما يشوفه.
سلمى ضمت آدم لصدورها جامد، ونزلت دمعة واحدة حامية على راسة.. دمعة مسحت كل الضعف اللي كان جواها، وبدأت قصتها الجديدة.. هي وابنها بس.
عدت ست شهور على اليوم ده..
سلمى كانت قاعدة في الصالة الصغيرة في شقة أبويا القديمة في منطقة الدقي، الشمس داخلة من البلكونة ونازلة على آدم وهو بيلعب على المفرش بألعابه البلاستيك. الواد كبر، ملامحه وضحت وبقت أصفى من الأول، بياض بشرته وعينيه العسلي الواسعة كانوا كافيين يخلوا أي حد يبتسم أول ما يشوفه.
سلمى جسمها رد، ورجعت صحتها، بس في عينها كانت في لمعة جدية وقوة جديدة، كأنها اتولدت هي كمان مع آدم في اليوم ده. كانت ماسكة اللابتوب بتابع شغلاها الجديد في شركة ترجمة أونلاين، بتوفر منها مصاريفها ومصاريف ابنها، رافضة أي قرش يدخل بيتها من محمود.
الباب خبط ببطء. أمها سناء قامت من المطبخ وهي حاطة إيدها على المصدور، بصت لسلمى بتردد وقالت بصوت واطي: "ده محمود يا بنتي.. جه في ميعاده زي كل أسبوع عشان يشوف الولد.
"
سلمى هزت رأسها بالراحة من غير ما ترفع عينها من على الشاشة: "افتحي له يا أمي، بس زي ما اتفقنا.. ساعة واحدة وبس، وفي الصالة قدامك."
سناء فتحت الباب. دخل محمود، وشه كان باين عليه التعب، خس كتير عن زمان، وهدومه دبلانة كأنه مش مهتم بنفسه. شايل في إيده شنطة مليانة لعب ومستلزمات لآدم. أول ما عينه جت على سلمى، وقف لحظة وسكت، بعدين اتجه ببطء ناحية السجاد وقعد على ركبه قدام آدم.
"حبيب بابا.. آدم.." محمود مد إيده المرتعشة ولمس خد الواد، آدم بص له وضك ضحكة طفولية بريئة هزت قلب محمود من الجوة. دمعة نزلت من عين محمود مسحها بسرعة وهو بيحاول يمسك نفسه قدامهم.
سناء دخلت المطبخ تسيبهم، فالجو بقى هادي، إلا من صوت المروحة وصوت مناغاة آدم.
محمود بص لسلمى ونطق بنبرة جافة ومكسورة: "المحكمة حددت ميعاد جلسة القضية اللي رفعتها على أمي.. التزوير والاعتداء."
سلمى وقفت كتابة على اللابتوب وبصت له ببرود: "وأنت عملت إيه؟
"
"رحت للنيابة واعترفت بكل حاجة.. قلت إن التقرير كان معاها وهي اللي زورته، وإنها هي اللي دخلت المادة دي على وش آدم. المحامي قال إن احتمال تاخد حكم بالحبس."
سلمى سكتت ثواني، بصت لابنها وقالت: "دي مش شطارة منك يا محمود.. ده أقل حاجة تعملها عشان تكفر عن غباءك في اليوم ده."
محمود قرب خطوة وهو قاعد على الأرض، وبص لها برجاء: "أنا بعت شقة الجيزة يا سلمى.. سيبت المنطقة كلها، وقطعت علاقتي بأمي تماماً، مش بتكلم معاها ولا بروح لها.. أنا عايش لوحدي في مكان بعيد، وبشتغل شغلانتين عشان أجمع فلوس للمؤخر والمؤونة ورسم القضية.
. أنا مش عايز حاجة من الدنيا غير إنك تسامحيني وترجعيلي.. نبتدي صفحة جديدة عشان خاطر الواد ده."
سلمى قفلت اللابتوب بالراحة وقامت وقفت قدامه، كانت باصة له من فوق بنظرة مفيهاش لا كره ولا غضب.. كان فيها مجرد استغناء تام.
"أنت فاهم غلط يا محمود.. القصة مش قصة شقة بعتها ولا أم قطعتها. القصة إن السند لما يتكسر في أكتر لحظة أنت محتاجة فيها، عمره ما بيرجع يتصلح تاني.
أنا يوم ما كنت بين الحياة والموت، وعرضي بيترمى في الأرض، أنت اختارت تصدق وتتفرج. لو رجعتلك.. هفضل طول عمري خايفة من الموقف الجاي اللي هتتخلى فيه عني."
"والله العظيم اتعلمت الدرس! والله ما هسيبك تاني!" محمود بصوت مخنوق ودموعه نزلت علناً.
"الدرس ده اتعلمته على حساب كرامتي ودمي يا محمود.. والتمن كان غالي أوي." سلمى وطت رفعت آدم وحطته على حجرها، وبصت للكسة اللي في ساعة الحيطة: "الساعة خلصت يا محمود. خذ حاجتك واتفضل.. والمحامي بتاعك يكلم المحامي بتاعي عشان نخلص أوراق الطلاق الرسمية من غير مشاكل."
محمود قعد باصص لها فترة طويلة، حاول يلاقي في عينها أي رمق ضعف أو تردد، بس مالقاش غير جدار من صلب. قام وقف ببطء، مسح دموعه، وبص لآدم ومسح على رأسه للمرة الأخيرة.
"ماشية يا سلمى.. اللي تشوفيه. بس افتكري دايماً.. إني عمري ما حبيت ولا هحب حد زيك أنتِ وآدم، وأني هفضل ندمان على اللحظة دي لحد ما أموت."
محمود لف وخرج وقفل الباب وراه بالراحة.سناء خرجت من المطبخ وبصت لبنتها بأسى: "قلبك جامد أوي يا سلمى.. ده اتبهدل يا بنتي باين عليه الندم."
سلمى قطعت كلام أمها وهي بتبتسم لآدم وتبوس رأسه: "الندم بيداوي صاحبه يا أمي.
. لكن الجرح بيفضل مع اللي اتظلم. أنا مش هعيش بقية حياتي خايفة.. أنا وآدم هنيش مرفوعين الراس."
ضمّت آدم لصدرها جامد، والولد حط راسة الصغير على كتفها ونام بسلام، في الوقت اللي كانت الشمس فيه بتشرق على بداية حياة جديدة مالهاش علاقة بالماضي.
عدت خمس سنين..
الشمس كانت طالعة دافية في صبيحة يوم الجمعة، وصوت التكبيرات جاي من الجامع القريب. سلمى كانت واقفة في صالة شقتها الجديدة في المعادي، شقة هادية ودافية، كل حيطة فيها ناطقة بتعبها وشقاها طول السنين اللي فاتت.
اتترقت في شغلتها وبقت مديرة قسم الترجمة في شركة دولية، وربت ابنها بعرق جبينها ومن غير ما تحتاج لقرش من حد."يا مامي! شوفي الرسمة دي!"
آدم دخل بيجري، عنده دلوقتي خمس سنين وشوية، زي الفل، شعره ناعم وعينيه بتلمع بالذكاء، ماسك كراسة رسم ورسم فيها بيت صغير ومسك إيد ست وجنبها ولد صغير.
سلمى وطت وقعدت على ركبتها، ضمته وبست خدّه بحب: "الله يا حبيبي! دي جميلة أوي.. مين دول بقى؟"
"دي أنتِ وده أنا يا مامي.. أحنا أبطال البيت!"
سلمى ضحكت من قلبها، ضحكة صافية مفيهاش أي أثر للوجع القديم. وفي اللحظة دي، جرس الباب خبط.
آدم جرى يفتح، كانت جدته سناء داخلة وفي إيدها أكياس الفاكهة والأكل اللي بتحبه. سناء اتغيرت كتير،قت متواضعة وبتحاول بكل الطرق تعوض بنتها عن اللحظة اللي تخلت فيها عنها.
"حالته تصعب على الكافر يا بنتي.. عايش لوحده، طلق وشايل همومه، ومش بيعمل حاجة في حياته غير إنه بيسأل عن آدم وعنك من بعيد لبعيد.. ونوال أمه اتنقض عليها الحكم والمحكمة حبستها سنة في قضية التزوير والتعدي، وخرجت من السجن مكسورة ومحدش بيبص في وشها من القرايب كأنها مجذوبة."
سلمى سكتت لحظة، صبت العصير وقعدت على الكرسي، وبصت لأمها بثبات: "كل واحد بيحصد اللي زرعه يا أمي. نوال زرعت شر وزور فحصت سجن وفضيحة، وممحود زرع ضعف وتخلي فحصت وحدة وندم.. وأنا زرعت شرفي وكرامتي وحبي لابني، وربنا كرمني وأديني بحصد راحة البال."
"يعني قلبك ما حنش خالص يا سلمى؟"
سلمى ابتسمت ابتسامة رضا حقيقية وبصت لآدم وهو بيلعب في الصالة: "بالعکس يا أمي، أنا سامحتهم بيني وبين ربنا عشان أعرف أعيش ونفسي تتنفس سلام.. بس المسامحة حاجة، والرواح للماضي حاجة ثانية خالص.
محمود بقى بالنسبة لي مجرد أب لآدم في الأوراق الرسمية، وبياخد حقه في رؤيته في النادي زي ما القانون بيقول.. لكن حياتي أنا مقفولة، ومفيهاش باب للي سابني أكسر."
سناء هزت رأسها ودمعة نزلت من عينها، مسحتها وقالت: "عندك حق يا بنتي.
. أنتي طلعتِ أرجل وأقوى مننا كلنا."
في الصفرة، آدم نادى بصوته العالي البريء: "مامي! يلا عشان ناكل وننزل النادي نلعب كورة!
"
سلمى قامت ووقفت بثبات، بصلت لنفسها في المراية الطويلة اللي في الصالة.. شافت ست قوية، مرفوعة الراس، خدودها نضرة وعينيها مليانة أمل ومفيهاش كسرة.
مسكت إيد آدم الصغيرة، ومسكت إيد أمها، وفتحت باب الشقة ونزلت وهي بتبتسم للدنيا.. كانت النهاية مش مجرد خروج من مأساة، لكن كانت بداية حقيقية لحياة شريفة، أبطالها سلمى وابنها، والكرامة اللي عمرها ما تتباع ولا تشتري.
تمت
حكايات انجى الخطيب
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق