أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

سكريبت جدي كامله حكايات زهرة حصري

جدي كل ما يجي يزورني يقولي لو جوزك قالك تعالي معايا اهربي ، كنت هتجنن وافهم قصده بس عمره ما جاوبني ، الكل قالولي ده كبر وخرف وانا صدقتهم ، لحد ما فهمت قصده وعرفت انه كان اكتر واحد فاهم وسطنا بس بعد فوات الاوان !!!!

محمدمحمدالكاتب 12 د للقراءة 0.00 المراجعات
سكريبت جدي كامله حكايات زهرة حصري

 سكريبت جدي كامله حكايات زهرة حصري


 


 

سكريبت جدي كامله حكايات زهرة حصري


 

جدي كل ما يجي يزورني يقولي لو جوزك قالك تعالي معايا اهربي ، كنت هتجنن وافهم قصده بس عمره ما جاوبني ، الكل قالولي ده كبر وخرف وانا صدقتهم ، لحد ما فهمت قصده وعرفت انه كان اكتر واحد فاهم وسطنا بس بعد فوات الاوان !!!!

انا علاقتي بجدي كانت اقوى من علاقة اب ببنته .. رغم إنه دخل في التسعين من عمره، ودماغه بدأت ټخونه لحد ما بقى ينسى كل اللي حواليه.. حتى بابااللي هو ابنه الوحيدساعات كان يبصله بجمود ويقوله انت مين يا جدع انت؟، لكن العجيب والمدهش إنه عمره ما نسيني، ولا نسى اسمي ولا ملامحي ولا حتى تفصيلة واحدة تخصني.. كان أول ما يشوفني عينيه تنور وابتسامته الصافية تترسم على وشه المليان تجاعيد، وياخدني في حضنه كأني لسه البنوتة الصغيرة اللي كبرت على إيديه.

بعد ما اتجوزت، كان كل فترة يشتاقلي ويخلي بابا يجيبه يزورني في بيتي. بس في الفترة الأخيرة، بدأت تظهر منه تصرفات غريبة جداً.. كل ما يجي عندي، ألاحظ إنه بيقعد يبص لجوزي ونظراته مش طبيعية.. نظرات فيها ريبة وقلق كأنه شايف حاجة إحنا مش شايفينها.

وفي يوم من الأيام، بعد ما قعدوا معانا وخلصت الزيارة، بابا كان بيلف كرسي جدي المتحرك عشان يمشوا.. جدي فجأة مسك في إيدي بشدة، ومال عليا بظهره المنحني، وهمسلي بصوت واطي ومليان قلق

لو جوزك قالك تعالي معايا.. متروحيش معاه.. اهربي فوراً !

أنا وقتها اتسمرت مكاني..ووشي جاب ألوان.. بصيتله باستغراب وقولتله بهمس متوتر

قصدك إيه يا جدي؟ لو قالي نروح فين يعني؟! 

ما هو على طول بيتقاللي تعالي معايا.. بنروح عند أهله، بنخرج نتفسح، بنطلع نصيف.. إيه المكان اللي جدي قصده عليه ومرحهوش؟!

قبل ما ألحق أخد منه أي إجابة، كان بابا مسك المقابض بتاعة الكرسي المتحرك وسحبه لبره، وجدي عينيه كانت متثبتة عليا وهو بيبتعد

فضلت طول اليوم الأفكار توديني وتجيبني.. لهجته الخاېفة كانت مرعبة. جوزي لاحظ إن بالي مشغول وشارده سألني بابتسامة

مالك يا حبيبتي؟ من ساعة ما جدك مشي وانتِ مش معايا خالص.. فيكي إيه؟

ترددت لحظة، بس حكيتله اللي جدي قالهولي بالنص.. أول ما خلصت كلامي، لقيته ضحك بصوت عالٍ وقال 

يا بنتي انتِ بتفكري في كلام راجل عدى التسعين سنة؟! ده مخه خلاص يا حبيبتي كبر وخرف، ساعات ما بيبقاش عارف هو فين أصلا ولا بيكلم مين.. هتاخدي على كلام واحد مش مجمع؟!

كلام جوزي يبان منطقي وعقلاني جداً.. هزيت رأسي وشوفت إن معاه حق، وقولت لنفسي أنا فعلا كبرت الموضوع زياده عن اللزوم، وده مجرد هلاوس كبر سن.

بس الزيارة اللي بعدها.. الموضوع اتكرر!


 

جدي جه يزورني تاني، وقبل ما يمشي، كرر نفس السيناريو بالحرف.. مسك إيدي، ومال عليا، وهمس بنفس الجملة 

لو قالك تعالي معايا.. اهربي ومتروحيش!

المرة دي ماما كانت لسه بتسحب الكرسي بيه عشان يخرجوا، أنا اټجننت.. حطيت إيدي على الكرسي ومنعتها بسرعة وقولتلها بصوت مخڼوق

استني يا ماما بالله عليكي.. استني!

وطيت على جدي ومسكت إيديه الاثنين وقولتله بقلق

أبوس إيدك يا جدي فهمي.. انت قصدك إيه؟ مروحش فين؟ جوزي قايلك حاجة؟ شايف منه حاجة؟

لكن جدي فجأة سكت تماماً.. وفضل باصص قدامه ساكت

أمي وأبويا اتنهدوا بحزن وبابا طبطب عليا وقال بنبرة مليانة حسرة

يا بنتي انتي بتتكلمي مع مين .

..أبويا مبقاش عارفني أنا شخصياً.. هتاخدي على كلام راجل مريض خرف؟ كبري عقلك بقى.

أخدوا الكرسي ومشوا.. وأنا قعدت مكاني مش قادرة


 


 

أستوعب.

الموقف اتكرر مرة ثالثة ورابعة.. كل ما يشوفني يهمسلي بنفس التحذير، وأنا مع الوقت، ومن كتر كلام أهلي وجوزي، يأست إنه يوضحلي أو يقول كلمة زيادة.. بقيت بطبطب على إيده وأهز رأسي وأقوله بقلة حيلة

حاضر يا جدي.. حاضر، مش هروح متقلقش.

ومع مرور الأيام.. تناسيت، وشيلت الفكرة من رأسي، وأقنعت نفسي تماماً إني كنت بوهِم نفسي بهلاوس راجل مسن، واتأقلمت عادي وعشت حياتي طبيعي جداً.

لحد ما في يوم كنت راجعة من السوق شايلة الشنط وتعبانة، فتحت باب الشقة ولقيت حماتي قاعدة مستنياني.. سلمت عليها بابتسامة، بس لاحظت إن نظراتها مش مريحة، وكان في جو غريب في البيت. بعد لحظات، حماتي وشوشت ابنهااللي هو جوزيوبدأوا يتكلموا مع بعض بصوت واطي جداً، كلام مكتوم ووشوشة وعينيهم بتيجي عليا ويرجعوا يبصوا لبعض.

أنا قولت أدخل أوضتي أغير هدوم السوق وأرتاح شوية ولسه هأدخل الأوضة.. لقيته جوزي بينادي باستعجال

لا يا هدى متغيريش هدومك.. خليكي زي ما انتِ!

لفيت بصيتله باستغراب وقولتله

ليه في إيه؟

رد وهو بيلبس ساعته وبيعدل القميص بسرعة

أنا رايح مشوار مهم دلوقتي حالا، تعالي معايا.. وماما هتقعد هنا تخلي بالها من الأولاد لحد ما نرجع.

الكلمة وترتني.. تعالي معايا!

قلبي انقبض وافتكرت جدي فورا

بصيت لجوزي بقلق وسألته 

مشوار إيه ده اللي دلوقتي؟ ورايحين على فين؟

رد بسرع

هقولك على الطريق.. يلا بينا عشان متأخرين.

كمت هرفض بس ملقتش حجه ...كل ما اجيب سيرة جدي بيقولو ده راجل خرف ومتاخديش على كلامه.. غير إن حماتي كانت واقفةومكانش ينفع أرفض قدامها من غير سبب واضح.

حماتي قربت مني وقالتلي بابتسامة غريبه

روحي يا حبيبتي مع جوزك ومتقلقيش خالص على العيال.. العيال في عينيا، يلا مع السلامة.

نزلت معاه وطول الطريق وأنا قاعدة جنبه في العربيه بقلق، وكل شوية أسأله إحنا رايحين فين؟ وهو يرد بإجابات مبهمة ويقولي سيبسها على الله، قربنا نوصل اهو.

ولما العربية وقفت، ونزلنا ووصلنا للمكان..

الدنيا اسودت في وشي، وعرفت الحقيقة وقتها اتمنيت من كل قلبي لو كنت صدقت جدي من أول يوم، ولو كنت فهمت إن الراجل ده مكانش بيخرف ولا حاجة.. ده كان الوحيد فينا اللي شايف الحقيقه بس للأسف.. فهمت بعد ما بقيت جوه الفخ !!!!

نزلت من العربية ورجلي بتترعش، الهواء كان ساقط وتقيل كأنه بيرفض يخليني أتنفس. المكان كان شبه مهجور، طريق مقطوع في أطراف الجيزة، على جنب منه مبنى قديم لافف حواليه سور عالي مصدي، ومفيش أي يافطة توضح ده إيه.

بصيت لجوزي محمود بذهول، لقيته بيعدل لياقته ونظراته اتغيرت تماماً.. الملامح الهادية والضحكة اللي كنت بحبها اختفت، وحل محلها برود يرعب.


 

إحنا فين يا محمود؟ ده مش مشوار شغل، إيه المكان ده؟!

محمود مسك إيدي بقوة مش طبيعية، قوة حسيت معاها إن عظام صوابعي هتتكسر، وقال بنبرة حادة خاليا من أي رحمة

امشي وأنتِ ساكتة يا هدى.. مش عاوز كلام كتير هنا، الناس مستنيانا جوه.

جرّني وراه، وباب الحديد المصدّي اتفتح بصوت يجرّح الودان. أول ما دخلنا المبنى، شميت ريحة مطهرات حادة مخلوطة برطوبة وعفن.. ممر طويل، إضاءته فلورسنت بترمّش وتعمل صوت زنة توتر الأعصاب. وفي آخر الممر، كان واقف راجل ببالطو أبيض، بس شكله يقطع الخلف.. عيونه زايغة وشعره منكوش، وجنبه اتنين ممرضين أجسادهم ضخمة كأنهم مصارعين.

الراجل اللي بالبالطو بص لمحمود وقال بنبرة تجارية

بحتة

هي دي الحالات المذكورة؟ الورق جاهز والشيك اتصرف، يادوب نمضي الإقرار.

هنا صړخت.. صړخة هزت أركان المكان


 

انتوا بتتكلموا عن إيه؟! محمود افتح الباب ده أنا عاوزة أمشي! عيالي فين؟!

محمود بصلي ببرود قاټل، وطلع من جيبه ملف أصفر، واداه للراجل أبو بالطو وهو بيقوله

دي تقارير من مستشفى خاص تثبت إن عندها نوبات صرع وهلاوس سمعية وبصرية حادة، وشكلها يشكل خطړ على نفسها وعلى العيال.. المحكمة مش هتعرف تتكلم في حضانة ولا في مؤخر ولا شبيكة، وأنا كتر خير منسوبي حطيتها في مصحة تحت الرعاية، مش كده ولا إيه يا دكتور؟

الدكتور ابتسم ابتسامة خبيثة وهز رأسه

طبعاً.. العلاج هنا بيحتاج وقت، والتكلفة شاملة الإقامة لحد ما تهش وتبش.. أو لحد ما تغيب عن الوعي خالص.

في اللحظة دي.. الدنيا لفت بيا، وكأن الزمن وقف!

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. محمود مش بس عاوز يطلقني، محمود عاوز يتخلص مني! عاوز يرميني في مصحة أمراض نفسية غير مرخصة، للناس اللي بياخدوا رشاوى عشان يكتبوا تقارير مزورة! عاوز يترمي ليا التهمة إني مچنونة عشان يضمن الحضانة، وياخد الشقة، وياخد مؤخر الصداق وفلوس ورثي اللي كان بيزن عليا أكتبه باسمه!

وفجأة.. شريط حياتي كله أتعرض قدام عيني في ثانية.

افتكرت جدي!

افتكرت نظرته لمحمود لما كان بيجيلي البيت.. جدي اللي قلبه كان حاسس، جدي اللي رغم إن الزهايمر أكل مخه ونسي ابنه ونسي الدنيا، إلا إن حبه ليا ونقاء روحه كانوا أقوى من المړض!

جدي مكانش بيخرف.. جدي بقلب الصالحين كان قاري محمود من أول لحظة! كان شايف الخباثة والغدر اللي ورا الضحكة المزيفة.. كان حاسس إن محمود بيلتبسلي الفخ وبيعزم على حاجة سودة، وكان بيحاول ينقذني بالجملة الوحيدة اللي قلبه قدر يحتفظ بيها لو قالك تعالي معايا.. اهربي ومتروحيش!

يا ريتني سمعت كلامك يا جدي.. يا ريتني ما صدقتهم لما قالوا عليك كبرت وخرفت! أنت كنت الصاحي الوحيد وسطنا، وإحنا اللي كنا مغميين عينينا وعايشين في الغفلة!

صړخت بعالي صوتي وبدأت أفرك وأضرب في محمود

يا خاېن! يا نذل! عملتلك إيه عشان تعمل فيا كده؟! ده أنا صنتك وصنت بيتك وعيالي.. تبيعني عشان الفلوس؟! عشان تاخد الشقة وترميني في خانة المجانين؟!

محمود زقني بقسۏة في إيد الممرضين الضخام.. الاتنين مسكوني من دراعاتي بقوة كتفتني تماماً.

خلصنا يا دكتور.. أديها أي حُقنة تهدّيها، أنا ماش عشان العيال زمانهم قلقوا.

قالها والټفت عشان يمشي بكل بساطة، كأنه بيرمي قطعة أثاث قديمة مش محتاجها!

الخۏف اتأكل جوايا وحل محله ڠضب أعمى وغل أسرع من البرق. افتكرت إني لو دخلت الأوضة دي، مش هخرج منها حية.. لو اتكتفت هنا، جدي مش هيكون موجود عشان يحميني، وعيالي ضاعوا للأبد تحت إيدين حماتي ومحمود.

الممرض كان بيطلع سرنجة من جيبه وبيفك الغطا بأسنائه.

. في لحظة ذهول منهم، استخدمت كل قوتي، وبكل غل ضړبت الممرض اللي ماسكني من الشمال برجلي في منطقته الحساسة! الراجل أتسطل وصړخ وسابني.. والممرض التاني اتفاجأ، بوعي مچنون مسكت إيده وقطمتها بسناني بأقصى قوة عندي لحد ما الډم جاب من إيده وسابني هو كمان وهو پيصرخ.

جريت!

جريت زي المچنونة.. مش بحس برجلي وهي بتلمس الأرض!

سمعت محمود بيبص وراة وپيصرخ فيهم امسكوها يا غبي منك ليه! هتفضحنا!

الدكتور والممرضين جرو ورايا، ومحمود بيجري ورائهم.. الممر المظلم كان حاساه ملهوش نهاية، بس صوت تحذير جدي كان بيرن في وداني زي الأذان اهربي فوراً!

وصلت للباب الحديد الکسير، كان الراجل البواب واقف بيحاول يقفله لما سمع الصړيخ.

. قبل ما يلحق يقفله، زقيته بكل قوتي وبجسمي كله، الراجل اترمى على الأرض والباب


 


 

اتفتح.

طلعت أجري في الشارع المقطوع.. التراب كان بيطير في وشي، وجزمتي اتخلعت من رجلي، بس مشيت حافية على الشلت والأحجار، مكنتش حاسة بأي ألم.. كان كل همي أبعد عن المبنى الملعۏن ده.

محمود كان بيجري ورايا وبيتفس پعنف، وصوته يقرب

استني يا هدى! مش هتعرفي تهربي! الممرضين ورايا!

وفجأة.. ربنا لما بيريد نجاة حد، بيسخرله الأسباب.

طلعت على الطريق العمومي، ولقيت عربية نقل بضائع كبيرة هادية وهي داخلة على ملف.. بغير تفكير، رميت نفسي قدام العربية، السواق ضړب فرامل بصوت يرعب والعربية هديت تماماً.

السواق فتح الباب ونزل وهو بيزعق

انتِ جنيّة يا ست انتِ؟! بغيتي ټموتي تحت العجل؟!

طلعت أتحايل عليه ونموعي مغرقة وشي وغرقانة في التراب، ومسكت في باب عربيتها

بالله عليك يا أخويا الحقني! بېموتوني! رايحين يخطفوني ويرموني في مصحة! الحقني وحياة عيالك!

السواق بص ورايا، شاف محمود والممرضين جايين بيجروا.. السواق كان ابن بلد وجدع، فهم إن الموضوع فيه إجبار وغدر، صړخ فيا

اركب بسرعة!

نطيت جنبه في الكابينة، والسواق داس بنزين وأخد الملف بأقصى سرعة!

محمود كان بيجري ورا العربية وبيخبط على الصاج وهو پيصرخ هيستيريًا هدىىىى! مش هتهربي مني!.. بس العربية سبقت، وسابته وراها وسط التراب وهو بيتضاءل لحد ما اختفى خالص.

اڼهارت على الكرسي جنبه، عياطي كان مكتوم وصدري بيطلع وينزل پألم رهيب.

السواق بصلي بعطف وقال

ارتاحي يا أختي.. أنتِ في أمان الله دلوقتي.. عاوزة أوديكي فين؟ أوديكي القسم ولا أهلك؟

مسحت دموعي.. ومسحت التراب من على وشي، وفي اللحظة دي حست إن الضعف اللي كان جوايا ماټ واندفن في المصحة دي.

وديني قسم الشرطة يا أخويا.. وديني أعمل بلاغ، وبعدها وديني عند جدي.

وصلت القسم، وهناك دخلت للضابط وحكيت كل حاجة، ووريته أثار الضړب والمسک اللي في إيديا، والبلاغ اتعمل رسمياً بالشروع في الخطڤ والاحتجاز والتزوير. قوة من الشرطة طلعت فوراً مع البلاغ للمكان المشپوه، وجابوا محمود والدكتور والممرضين في نفس الليلة!

بعد ما خلصت الإجراءات في القسم، الشمس كانت بدأت تشرق.. طلعت وأنا حاسة إني اتولدت من جديد.

أول مكان رحتله.. كان بيت جدي.

فتحت الباب ودخلت.. البيت كان هادي، وبابا وماما قاعدين في الصالة وشوشهم أصفر وزي المجانين، محمود كان مكلمهم وقايلهم إني هربت ودماغي طارت! بس أول ما شافوني بدمياتي وهدومي المتبهدلة، وقفوا بذهول.

مبصيتلهمش.. ولا ردت على أسئلتهم الصاړخة.

مشيت بخطوات ثابتة ناحية أوضة جدي.

فتحت الباب.. لقيت جدي قاعد على سريره، ضهره منحني، والكهربا والضوء بتاع الشمس نازل على وشه.. كان باصص للشباك وساكت.

قربت منه ببطء.. وركعت على ركبي قدام الكرسي بتاعه، وحطيت رأسي في حضنه وبكيت.. بكيت بدموع حړقت قلبي، دموع ندم وحسرة وإحساس بالذنب إني شكيت فيه ولو للحظة.

جدي رفع إيده المرتعشة، إيده اللي مليانة تجاعيد، وحطها على شعري ببطء.. وطبطب عليا بحنان الدنيا كله.

رفعت رأسي وبصيت في عينيه.. العينين اللي قالوا عنها خرفت.

لقيت ابتسامته الصافية اترسمت على وشه.. ونظرة عينيه المرة دي كانت حادة، صاحية، ومفيهاش أي أثر للزهايمر!

همسلي بصوت هادي

وواثق

هربتي منه.. صح يا بنتي؟

الدموع نزلت من عينيا أكتر، وهزيت رأسي وأنا ببوس إيده وشه

صح يا جدي.. هربت.. ونفذت كلامك.. أنت الوحيد اللي كنت حاسس بيا وبتشوف الحقيقة.

جدي ابتسم ابتسامة رضاء أخير، وغمض عينيه ومال بظهره لورا، كأنه كان مستني اللحظة دي بس عشان يرتاح.. كأنه كان معافر مع المړض والسن عشان يسلّمني الأمان.

من اليوم ده.. اتغيرت حياتي تماماً.

محمود أخد جزاءه هو والدكتور والممرضين، والقضاء جابلي حقي وحق

عيالي منه، والمصحة المشپوهة اتقفلت والأوراق المزورة اتفضحت قدام الدنيا كلها.

أهلي عاشوا بقية عمرهم في ندم وألم عشان ما صدقوش أبوه، وبقوا يبصوا لذكراه بإجلال واحترام.

أما أنا.. فعرفت إن الحكمة والحب الحقيقي مش بالصحة ولا بالعقل اللي القوانين بتقيسه.. الحب الحقيقي هو روح بتحسك حتى وهي بتفارق الدنيا.


 

رحمة الله عليك يا جدي.. كنت أكتر واحد فاهم وسطنا، ويا بخت اللي يسمع كلام اللي بيحبه من قلب صريح، حتى لو العالم كله قال عليه خرف!

تابع جديد محمد

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق