أموالي منصة الناشرين موسوعة الروايات الحصريهWrite · Publish · Grow
Novels

سكريبت بعد. نص سنه شغل حكايات صافي هاني

بعد نص سنة شغل في سنغافورة، وصلت القاهرة بشنطة سفر واحدة وشنطة ظهر وهوية مزيفة، وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من التعب، لكن قلبي كان بيدق بسرعة غريبة. ست شهور كاملة قضيتهم بعيد عن بلدي، بعيد عن الشوارع اللي اتربيت فيها، وبعيد عن البيت اللي كنت فاكرة إنه الأمان

محمدمحمدAuthor 30 min read 0.00 reviews
سكريبت بعد. نص سنه شغل حكايات صافي هاني

 سكريبت بعد. نص سنه شغل حكايات صافي هاني


 


 

سكريبت بعد. نص سنه شغل حكايات صافي هاني


 

بعد نص سنة شغل في سنغافورة، وصلت القاهرة بشنطة سفر واحدة وشنطة ظهر وهوية مزيفة، وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من التعب، لكن قلبي كان بيدق بسرعة غريبة. ست شهور كاملة قضيتهم بعيد عن بلدي، بعيد عن الشوارع اللي اتربيت فيها، وبعيد عن البيت اللي كنت فاكرة إنه الأمان الوحيد اللي فاضل ليا في الدنيا.


 

اسمي الحقيقي مريم عز الدين، عندي تلاتين سنة، وبقالي تلات سنين عايشة على ذكرى أبويا، وعلى وعد قطعته لنفسي يوم ما دفنته بإيدي.


 

أبويا مات فجأة، وسابني أنا وأمي لوحدنا. كان راجل بسيط، قضى عمره كله بيشتغل عشان يوفرلنا حياة كريمة، ولما مات اكتشفت إن الدنيا ممكن تاخد منك كل حاجة في لحظة، حتى إحساسك بالأمان.


 

أمي، نادية، كانت أكتر إنسانة خايفة عليها في حياتي. بعد وفاة أبويا، بقيت أحاول أعوضها عن كل حاجة خسرتها، وخصوصًا إنها كانت رافضة تسيب البيت القديم اللي عاشت فيه معاه سنين طويلة.


 

لكن البيت القديم كان محتاج ترميم، ومكانه بقى غير مناسب ليها، فقررت أشتري لها بيت صغير في منطقة هادية في القاهرة، قريب من المستشفى والسوق، وفيه جنينة صغيرة كانت بتحب تقعد فيها الصبح وتشرب الشاي.


 

دفعت مقدم البيت من فلوسي، وكتبت العقد باسم أمي، وفضلت أسدد الأقساط من مرتبي شهر ورا شهر، لحد ما قدرت أضمن إن البيت يبقى ملكها بالكامل.


 

يوم ما سلمتها المفتاح، عيطت في حضني وقالتلي:


 

“ربنا يخليكي ليا يا بنتي، إنتي عوضتيني عن أبوكي.”


 

وقتها حضنتها بقوة وقلتلها:


 

“ده أقل حاجة أعملهالك يا ماما، إنتي عمرك ما قصرتي معايا.”


 

ماكنتش أعرف إن نفس البيت اللي اشتريته عشان أمي تعيش فيه بأمان، هيرجع يواجهني بأبشع حقيقة ممكن بنت تكتشفها عن أمها.


 

بعد وفاة أبويا بسنتين، جاتلي فرصة شغل في شركة كبيرة في سنغافورة. المرتب كان أضعاف اللي باخده في مصر، والعقد مدته سنة قابلة للتجديد، وكنت شايفة إن السفر هيخليني أخلص أقساط البيت وأأمن مستقبل أمي.


 

في الأول كنت بكلمها كل يوم.


 

كل صباح قبل ما أروح الشغل، كنت أتصل بيها أطمن عليها، وأسمع حكاياتها عن الجيران، وعن الأكل اللي عملته، وعن الزرع اللي حطته في البلكونة.


 

لكن بالتدريج، مكالماتها قلت.


 

كل ما أتصل ألاقي تليفونها مقفول، أو ترد عليا بسرعة وتقول إنها تعبانة وعايزة تنام.


 

كنت أسألها:


 

“مالك يا ماما؟ صوتك متغير ليه؟”


 

فترد:


 

“مفيش يا حبيبتي، شوية إرهاق بس.”


 

“طب أجيلك إجازة أسبوع.”


 

“لأ يا مريم، خليكي في شغلك. إنتي لسه بتأسسي نفسك، وأنا كويسة.”


 

كنت بصدقها، لأن آخر حاجة ممكن أتخيلها إن أمي نفسها تكون بتخبي عني مصيبة.


 

لحد ما حصلت حاجة خلتني أرجع مصر قبل ميعاد إجازتي بشهرين.


 

كنت في المكتب لما جالي اتصال من رقم أرضي مصري. رديت، وسمعت صوت راجل بيقول إنه من مكتب عقارات، وإن فيه مشكلة بخصوص البيت اللي باسم والدتي.


 

في البداية افتكرت إن الموضوع متعلق بالأقساط، لكن الراجل قال جملة خلت الدم ينسحب من وشي.


 

“حضرتك مدام نادية صاحبة البيت؟ لأن البيت متأجر من فترة، وفيه خلافات بين المستأجرين وصاحبة العقد.”


 

صرخت فيه:


 

“متأجر إزاي؟ البيت ده بتاع أمي، وهي عايشة فيه!”


 

سكت لحظة، وبعدين قال:


 

“أنا مش عارف التفاصيل، بس العقد اللي معانا باسم واحدة اسمها فادية عبدالسلام، وبتقول إنها المسؤولة عن المكان.”


 

قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب.


 

فادية؟


 

مين فادية دي؟


 

اتصلت بأمي عشر مرات، مفيش رد.


 

بعتلها رسائل، مفيش رد.


 

حاولت أكلم الجيران اللي كنت أعرفهم، لكن أرقامهم القديمة كانت اتغيرت.


 

في الليلة دي ما نمتش.


 

قعدت أراجع كل ورقة تخص البيت، وأدور في بريدي الإلكتروني على نسخ العقود والتحويلات البنكية، لحد ما لقيت حاجة أغرب.


 

قبل سفري بشهر، كانت أمي بعتتلي رسالة بتطلب مني أبعت صورة بطاقتي وصورة من عقد البيت، وقالت إنها محتاجاهم عشان إجراء روتيني خاص بالمرافق.


 

وقتها بعتلها كل حاجة من غير تفكير.


 

دلوقتي، وأنا براجع الرسالة، حسيت إن فيه حاجة غلط.


 

اتصلت بالشركة وطلبت إجازة طارئة، لكن ماكنتش عايزة أرجع باسمي الحقيقي، على الأقل لحد ما أفهم إيه اللي بيحصل.


 

كنت خايفة إن حد يعرف إني راجعة، فيختفي أو يغير كل حاجة قبل ما أوصل.


 

بمساعدة محامية مصرية كانت الشركة بتتعامل معاها، رتبت أوراق سفر بديلة لاستخدامها في ظروف معينة، لكن ماكانش ده معناه إني أقدر أستخدم هوية مزيفة قانونيًا. ومع ذلك، وسط ارتباكي وخوفي، وصلت القاهرة وأنا مصممة أعرف الحقيقة مهما كانت.


 

أول ما خرجت من المطار، استنشقت هوا القاهرة اللي كنت مفتقداه، وركبت عربية أجرة لحد المنطقة اللي فيها بيت أمي.


 

طول الطريق كنت ببص من الشباك، وكل شارع بيعدي قدامي كان بيفكرني بأيام كنت فيها بنت عادية، كل أحلامها إنها تشوف أمها مبسوطة.


 

وصلت الشارع قبل المغرب بشوية.


 

البيت كان موجود، نفس السور الأبيض، نفس البوابة الحديد، ونفس الشجرة الصغيرة اللي زرعتها مع أمي يوم ما استلمنا المفتاح.


 

لكن أول حاجة لاحظتها كانت عربية غريبة واقفة قدام البوابة، وبعدها شفت ست كبيرة خارجة من البيت وهي بتزعق في واحدة تانية.


 

نزلت من العربية، ودفعت الأجرة، ووقفت قدام البوابة.


 

خبطت.


 

فتحتلي ست في أواخر الأربعينات، لابسة إسدال غامق، وشعرها مربوط بإهمال، وعينيها فيها نظرة تحدي واضحة.


 

بصتلي من فوق لتحت وقالت:


 

“أيوه؟ عايزة مين؟”


 

ابتسمت بهدوء وقلت:


 

“مساء الخير، أنا بدور على مدام نادية. هي عايشة هنا؟”


 

اتغيرت ملامح الست لحظة، لكنها رجعت تماسكت بسرعة.


 

“نادية مين؟”


 

طلعت موبايلي، وفتحت صورة أمي.


 

“دي أمي، اسمها نادية منصور. آخر عنوان أعرفه ليها هو البيت ده.”


 

بصت للصورة، وبعدين بصتلي.


 

ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:


 

“آه، الست دي؟”


 

قلبي بدأ يدق بعنف.


 

“أيوه، هي فين؟”


 

ردت ببرود:


 

“حطيتها في البدروم.”


 

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.


 

فضلت باصة لها ثواني مش قادرة أنطق، لحد ما لقيت نفسي بسألها:


 

“إنتي قلتي إيه؟”


 

رفعت حاجبها وقالت:


 

“هو إنتي مش سامعة؟ بقولك في البدروم. الست بقت صعبة في التعامل، ومش بتفهم الكلام، فكان لازم نلاقي لها مكان بعيد عن الناس.”


 

كنت حاسة إن صوتي هيختفي من شدة الغضب.


 

“إنتي مين أصلًا؟”


 

ردت بثقة:


 

“أنا فادية، المسؤولة عن البيت.”


 

طلعت صورة عقد الملكية من شنطتي، ورفعتها قدامها.


 

“المسؤولة عن البيت؟ ده بيتي أنا، وأنا اللي اشتريته لأمي، وإنتي مالكيش أي حق تحبسيها في البدروم.”


 

لأول مرة، شفت الخوف يظهر في عينيها.


 

لكنها ما استسلمتش.


 

لفت وشها ناحية جوه ونادت:


 

“يا جماعة، تعالوا شوفوا البنت دي!”


 

ظهروا تلات ستات من ناحية المطبخ، وكل واحدة فيهم كانت بتبصلي باستغراب.


 

دخلت من غير ما أستأذن، وأنا مش قادرة أفكر غير في أمي.


 

كان البيت متغير تمامًا.


 

الأثاث اللي اخترته بنفسي اختفى، والصالون بقى فيه كراكيب وشنط، والطرقة اللي كانت أمي بتحب تحط فيها صور أبويا اتغطت بستارة رخيصة.


 

جريت ناحية باب البدروم.


 

فادية وقفت قدامي.


 

“استني عندك!”


 

زقيت إيدها بعيد وصرخت:


 

“ابعدي عن طريقي!”


 

نزلت السلم بسرعة، وكل درجة كانت بتزود خوفي.


 

البدروم كان ضلمة وريحتُه مكتومة، ولمبة ضعيفة في آخر الممر كانت بتنور بالعافية.


 

ناديت:


 

“ماما!”


 

مفيش رد.


 

“يا ماما، أنا مريم!”


 

سمعت صوت حركة خفيفة من ورا باب خشب قديم.


 

جريت عليه وفتحته.


 

لقيت أوضة صغيرة فيها مرتبة على الأرض، وكرسي مكسور، وطبق أكل قديم، وكوباية مية نصها فاضي.


 

وفي الركن، كانت قاعدة ست نحيفة جدًا، شعرها أبيض ومتشابك، وكتافها مضمومة لبعض كأنها بتحاول تحمي نفسها من البرد.


 

أول ما رفعت وشها ناحيتي، حسيت قلبي اتكسر.


 

كانت أمي.


 

أمي اللي سافرت وأنا فاكرة إنها قاعدة في بيتها بتشرب الشاي وبتتفرج على التلفزيون.


 

أمي اللي كانت بتضحكلي في مكالمات الفيديو وتقول إنها بخير.


 

أمي اللي اشتريت البيت عشانها، لقيتها قاعدة على الأرض في ضلمة، كأنها واحدة ملهاش أهل ولا حد يسأل عنها.


 


 

جريت عليها وركعت قدامها.


 

“ماما! ماما، بصيلي، أنا مريم!”


 

رفعت عينيها بصعوبة.


 

فضلت تبصلي كأنها مش مصدقة.


 

وبعدين مدت إيدها المرتعشة ولمست وشي.


 

“مريم؟”


 

انهرت في العياط.


 

“أيوه يا حبيبتي، أنا مريم. أنا رجعت. أنا هنا يا ماما.”


 

حضنتني، لكن حضنها كان ضعيف لدرجة خوفت إنها تضيع مني.


 

فضلت تكرر اسمي وهي بتعيط.


 

“إنتي جيتي؟ إنتي بجد جيتي؟”


 

“أيوه يا ماما، أنا جيت. حقك عليا، حقك عليا إني سيبتك.”


 

هزت راسها بسرعة وقالت:


 

“لأ يا بنتي، إوعي تقولي كده. إنتي ماكنتيش تعرفي.”


 

قبل ما أسألها أي حاجة، سمعت صوت فادية من فوق وهي بتزعق:


 

“طلعيها من هنا! دي مش من حقها تدخل المكان ده!”


 

قمت من مكاني وطلعت السلم، وأنا ماسكة موبايل أمي اللي لقيته جنب المرتبة.


 

وقفت قدام فادية وقلت:


 

“من اللحظة دي، محدش هيقرب من أمي. والمكان ده هيتقفل لحد ما الشرطة تيجي.”


 

ضحكت بسخرية.


 

“الشرطة؟ وإنتي فاكرة نفسك مين؟”


 

طلعت عقد الملكية ووريتها اسمي في التحويلات البنكية، وقلت:


 

“أنا صاحبة البيت، ودي أمي. وإنتي هتتحاسبي على كل يوم عيشتيها فيه بالشكل ده.”


 

وشها اتغير، لكنها حاولت تضحك.


 

“إنتي مش فاهمة حاجة. أمك هي اللي وافقت على كل ده.”


 

“وافقت على إيه؟ إنها تتحبس في البدروم؟”


 

ردت بسرعة:


 

“هي اللي كانت بتعمل مشاكل، وكانت بتهددنا، وإحنا حاولنا نحميها.”


 

كنت على وشك أرد، لكن واحدة من الستات اللي كانوا واقفين في المطبخ اتكلمت بصوت واطي.


 

“الكلام ده مش حقيقي.”


 

فادية لفتت ناحيتها بسرعة.


 

“إنتي اخرسي!”


 

الست رجعت لورا، لكن بعد لحظات رفعت راسها وقالت:


 

“أنا مش هسكت أكتر من كده. الست دي كانت بتطلب مننا نوقّع على ورق، وكل ما مدام نادية ترفض، كانت تحبسها تحت.”


 

فادية قربت منها بغضب.


 

“إنتي اتجننتي؟”


 

لكن الست التانية تدخلت وقالت:


 

“وأنا عندي صور. أنا صورت جزء من اللي كان بيحصل.”


 

في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف على بيت.


 

طلعت موبايل أمي من إيدي، وبدأت أراجع الرسائل الموجودة عليه.


 

لقيت رسائل كتير محذوفة، ومكالمات فائتة لأرقام غريبة، وصور لأوراق رسمية.


 

وفي وسط الصور، لقيت صورة عقد إيجار باسم فادية، وصورة توكيل مكتوب عليه اسم أمي.


 

التوكيل كان بيدي فادية صلاحيات واسعة للتصرف في البيت.


 

لكن أمي عمرها ما كانت هتوافق على توكيل بالشكل ده من غير ما أعرف.


 

حسيت إن فيه حد استغل غيابها أو أجبرها تمضي على حاجة مش فاهمها.


 

رفعت عيني لفادية.


 

“إنتي جبرتي أمي تمضي على التوكيل ده؟”


 

ردت بعصبية:


 

“أنا مش مطالبة أشرحلك حاجة.”


 

“هتشرحي كل حاجة قدام المحامي والشرطة.”


 

في اللحظة دي، ابتسمت ابتسامة غريبة.


 

“إنتي فاكرة إن الموضوع هيخلص لما تتصلي بالشرطة؟”


 

ما رديتش.


 

هي قربت مني وقالت بصوت واطي:


 

“إنتي لسه ما تعرفيش نص الحكاية يا مريم.”


 

الجملة دي فضلت ترن في ودني حتى بعد ما طلعت أمي من البدروم، وساعدتها تقعد على الكنبة.


 

طلبت إسعاف، واتصلت بمحامية كنت أعرفها من أيام الجامعة، اسمها نهى.


 

شرحتلها اللي حصل، وطلبت منها تيجي فورًا ومعاها أي مستندات تثبت ملكية البيت.


 

نهى وصلت بعد أقل من ساعة، ولما شافت حالة أمي، وشها اتغير.


 

قالتلي:


 

“مريم، لازم نثبت حالتها الطبية، ونقدم بلاغ رسمي، ونحافظ على كل المستندات زي ما هي. ماتواجهيش حد لوحدك.”


 

هزيت راسي، لكن عيني كانت على فادية اللي قاعدة في الصالة بتتكلم في تليفونها.


 

كانت هادية بشكل مستفز.


 

كأنها متأكدة إن محدش هيقدر يعمل لها حاجة.


 

وصلت عربية الإسعاف، وخدوا أمي للمستشفى، وأنا ركبت معاها.


 

طول الطريق كانت ماسكة إيدي ومش راضية تسيبها.


 

كل شوية تبصلي وتسألني:


 

“هترجعيني البيت يا مريم؟”


 

كنت ببوس إيديها وأقول:


 

“هرجعك يا ماما، بس المرة دي مش هسيبك لوحدك أبدًا.”


 

في المستشفى، الدكتور قال إن أمي محتاجة فحوصات كاملة، وإنها تعاني من سوء تغذية وإجهاد شديد، ولازم تفضل تحت الملاحظة.


 

قعدت جنب سريرها طول الليل.


 

لما نامت، طلعت موبايلها وراجعت الصور والمستندات واحدة واحدة.


 

كان فيه ملف صورته من كاميرا الموبايل، وفيه ورق متصور على عجل.


 

أول صفحة كانت كشف حساب بنكي.


 

تاني صفحة كانت إيصالات تحويل.


 

تالت صفحة كانت صورة عقد بيع البيت.


 

أما الصفحة الرابعة، فكانت اللي خلت إيدي تتجمد.


 

كانت ورقة عليها توقيع أمي، وتوقيع شخص تاني أعرفه كويس جدًا.


 

أو على الأقل كنت فاكرة إني أعرفه.


 

التوقيع كان باسم كريم عز الدين.


 

أخويا.


 

أخويا اللي كنت فاكرة إنه مسافر شغل في الإسكندرية، واللي كان بيكلمني كل أسبوعين ويقولي إنه بيحاول يقف على رجله.


 

كريم كان أصغر مني بأربع سنين، وبعد وفاة أبويا، كنت أنا اللي بساعده في مصاريفه، وكنت ببعتله فلوس عشان يفتح مشروع صغير.


 

هو الوحيد اللي كنت واثقة إنه مستحيل يأذي أمي.


 

بصيت للتوقيع مرة واتنين وتلاتة.


 

كان توقيعه فعلًا.


 

حسيت إن فيه حجر كبير نزل على صدري.


 

اتصلت بيه.


 

رن التليفون طويلًا، وبعدين رد بصوت نعسان.


 

“ألو؟”


 

قلت من غير مقدمات:


 

“إنت فين يا كريم؟”


 

سكت لحظة.


 

“في البيت، مالك؟”


 

“بيت مين؟”


 

“بيتي يا مريم، إنتي بتسألي ليه؟”


 

“إنت تعرف واحدة اسمها فادية عبدالسلام؟”


 

سمعت صوت حركة في الناحية التانية.


 

وبعدين قال:


 

“أيوه، دي واحدة أعرفها. فيه إيه؟”


 

“إيه علاقتك ببيت أمي؟”


 

سكت.


 

المرة دي، السكوت كان أطول.


 

قلت بصوت مرتعش:


 

“كريم، أنا في القاهرة. لقيت ماما محبوسة في البدروم، ولقيت توقيعك على ورق خاص بالبيت. عايزة أفهم.”


 

سمعت نفسه بيتغير.


 

وبعدين قال جملة واحدة:


 

“مريم، إنتي رجعتي ليه؟”


 

السؤال وجعني أكتر من أي اعتراف.


 

“يعني إيه رجعت ليه؟ دي أمي! وده بيتها!”


 

قال بسرعة:


 

“اسمعيني، ماتعمليش أي حاجة دلوقتي. أنا هاجيلك ونفهم بعض.”


 

“لا، أنا عايزة أفهم دلوقتي.”


 

“مش في التليفون.”


 

وقفل.


 

فضلت باصة للشاشة، مش قادرة أصدق إن أخويا قفل في وشي بعد ما عرف إن أمي كانت محبوسة في البدروم.


 

في الصبح، نهى وصلت المستشفى، ومعاها محامي متخصص في العقارات.


 

راجعنا المستندات، وبدأت تتضح لنا صورة أولية عن اللي حصل.


 

فادية كانت بتدير المكان باعتباره بيتًا مؤجرًا، وفيه أوراق بتشير إلى إنها استلمت مبالغ مالية مقابل استخدام أجزاء من العقار.


 

لكن الأغرب إن بعض التحويلات كانت خارجة من حساب أمي نفسه.


 

وده معناه إن فيه فلوس كانت بتتحرك باسمها، من غير ما أعرف مين اللي بيدير الحساب أو مين المستفيد الحقيقي.


 

المحامي قال:


 

“إحنا محتاجين نعرف التوكيل ده صحيح ولا فيه شبهة تزوير أو إكراه. ومحتاجين نطلع كشف رسمي بالتصرفات اللي تمت على العقار.”


 

سألته:


 

“يعني ممكن يكون البيت اتباع؟”


 

بصلي بجدية.


 

“مش هنقدر نجزم قبل ما نستخرج المستندات الرسمية.”


 

حسيت إن كل حاجة بنيتها خلال السنين دي ممكن تكون بتنهار.


 

لكن نهى مسكت إيدي وقالت:


 

“إحنا لسه في أول الطريق. أهم حاجة إن والدتك بأمان، وإننا مانسيبش أي دليل يضيع.”


 

في نفس اليوم، فادية اتصلت بيا.


 

رديت، وفتحت تسجيل المكالمة بعد ما تأكدت من قانونية الاحتفاظ بها، لكن ما قلتلهاش إني بجمع أدلة.


 

قالت بصوت هادي:


 

“أنا عارفة إنك زعلانة، بس لازم نتكلم بعقل.”


 

قلت:


 

“مفيش كلام بيني وبينك غير قدام القانون.”


 

ضحكت.


 

“القانون؟ طيب اسمعي مني حاجة واحدة. إنتي مش عارفة مين اللي فتحلي باب البيت.”


 

“قصدك إيه؟”


 

“اسألي أخوكي.”


 

وقبل ما أقفل، سمعتها بتقول:


 

“وعلى فكرة، عشاء النهارده الساعة سبعة. لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها، تعالي.”


 

قفلت المكالمة وبصيت لنهى.


 

قالتلي:


 

“دي غالبًا بتحاول تستفزك أو توقعك في مواجهة مش محسوبة.”


 

فكرت شوية، وبعدين قلت:


 

“أنا مش هروح لوحدي. هنروح ومعانا كل المستندات، ولو فيه أي تهديد هنمشي فورًا.”


 

نهى وافقت بشرط إننا مانعملش أي مواجهة خارج إطار القانون، وإننا نتواصل مع الجهات المختصة بدل ما نحاول ناخد اعتراف بالقوة.


 

طول اليوم، كنت بحاول أرتب أفكاري.


 

أمي كانت نايمة، ولما صحيت، قعدت جنبها وسألتها بهدوء:


 

“يا ماما، أنا محتاجة أعرف كل اللي حصل. مش هزعقلك، ومش هالومك على أي حاجة. بس لازم أفهم.”


 

أمي فضلت باصة للسقف شوية، وبعدين بدأت تتكلم.


 

بعد سفري بشهرين، كريم جه يزورها وقالها إنه واقع في مشكلة مالية، وإن فيه ناس بتطالبه بفلوس.


 

هي ساعدته في الأول، لأنها كانت فاكرة إنها أزمة وهتعدي.


 

لكن بعد فترة، فادية بدأت تزورها بحجة إنها صديقة كريم، وإنها تقدر تساعده يخرج من المشكلة.


 

كانت بتجيب معاها ورق، وتقول لأمي إنها مجرد إجراءات لضمان إن كريم يسدد ديونه.


 

أمي قالت إنها رفضت تمضي في البداية.


 

لكن كريم فضل يضغط عليها، ويقول إن مستقبله هيضيع لو ما ساعدتوش.


 

وفي يوم، جاب لها أوراق كتير وقال إن كل اللي محتاجاه مجرد توقيع على تفويض مؤقت.


 

أمي كانت تعبانة ومش مركزة، وصدقت كلامه.


 

بعدها بأيام، فادية بدأت تدخل البيت وتتصرف كأنها صاحبة المكان.


 

ولما أمي اعترضت، قالت لها إن فيه اتفاق وإنها لازم تلتزم بيه.


 

“كنت كل ما أقولها هكلم مريم، كانت تهددني إنها هتخليكي تخسري شغلك، وتقول إن معاها ورق يثبت إنك متورطة في تحويلات مش قانونية.”


 

مسكت إيد أمي.


 

“وإنتي صدقتيها؟”


 

دموعها نزلت.


 

“كنت خايفة عليكي يا بنتي. كنت فاكرة إني لو سكت هتخلص المشكلة، لكن كل يوم كان بيعدي كانت بتزيد.”


 

“طب ليه ما اتصلتيش بيا من أي رقم تاني؟”


 

أمي غمضت عينيها.


 

“كانت بتاخد موبايلي، وتفتش فيه، وتخليني أكلمك قدامها. وكانت بتقوللي لو اتكلمت، كريم هيدخل السجن.”


 

حسيت بغضب كبير، لكني حاولت أسيطر على نفسي.


 

“ومين اللي حطك في البدروم؟”


 

أمي اتنهدت وقالت:


 

“فادية. بعد ما رفضت أمضي على ورقة تانية، قالت إني بقيت خطر عليهم، وإن وجودي في الدور اللي فوق هيخلي المستأجرين يسألوا عن حقي في البيت. نقلتني تحت، وقالت إنها هتخليني أرجع لما أوافق.”


 

فضلت ساكتة.


 

كل كلمة كانت بتكشف قد إيه أمي اتعذبت وهي بتحاول تحمي ابنها.


 

لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحد.


 

هل كريم كان ضحية زيها، ولا كان شريك في اللي حصل؟


 

الساعة قربت من سبعة، فنهى وصلت ومعاها المحامي، وبعد ما اطمنا إن أمي تحت رعاية طبية، توجهنا للبيت.


 

لما دخلنا، لقينا فادية محضرة ترابيزة كبيرة في أوضة الأكل، وحواليها المستأجرين التلاتة، وراجلين ما شفتهمش قبل كده.


 

على الترابيزة كانت فيه ملفات، وصور، وورق متوزع بعناية.


 

فادية وقفت أول ما شافتني.


 

“أهلًا يا مريم. كويس إنك جيتي.”


 

ما رديتش.


 

حطيت الملف اللي معايا على الترابيزة، وقلت:


 

“أنا جاية أسمع الحقيقة، ومش جاية أعمل أي حاجة غير قانونية. كل اللي موجود هنا هيتسلم للمحامي والجهات المختصة.”


 

فادية ابتسمت، وبعدها أشارت للكرسي اللي على رأس الترابيزة.


 

“اتفضلي. النهارده هنخلص كل حاجة.”


 

قعدت، ونهى وقفت جنبي، والمحامي بدأ يصور المستندات الموجودة قدامه.


 

فادية قالت:


 

“أنا مش هأنكر إني كنت موجودة في البيت. لكن أنا ماخدتش حاجة غصب عن حد.”


 

قلت:


 

“يبقى تفسري لنا التوكيل والتحويلات، وليه أمي كانت محبوسة في البدروم.”


 

ردت:


 

“أمك كانت عارفة كل حاجة.”


 

“عندك دليل؟”


 

طلعت ورقة من الملف.


 

“عندي توقيعها.”


 

المحامي أخد الورقة وراجعها.


 

“التوقيع وحده مش كفاية لإثبات إن صاحبة التوقيع كانت مدركة لمحتوى المستند أو إنها وقعت من غير إكراه. هنحتاج نراجع أصل الورقة وظروف تحريرها.”


 

فادية بصتله بضيق.


 

“إنتوا جايين تحاكموني هنا؟”


 

نهى ردت بهدوء:


 

“إحنا جايين نفهم اللي حصل، وأي اتهام هيتحقق فيه رسميًا.”


 

فادية رجعت قعدت، وبعدها قالت:


 

“طيب، بما إنك عايزة الحقيقة، اسألي أخوكي.”


 

في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح.


 

سمعت صوت خطوات تقيلة على الأرض، وظهر راجل ضخم لابس جاكيت جلد، كتافه عريضة ووشه مكشر.


 

وقف عند باب أوضة الأكل، وبصلي نظرة طويلة.


 

كنت فاكرة إنه جاي يهددني أو يمنعني من الخروج.


 

لكنه ماطلعش كارنيه شرطة، ولا قال إنه تابع لأي جهة.


 

مد إيده جوه الجاكيت، وطلع ظرف بني كبير، ورماه على الترابيزة.


 

الورق اتزحلق قدامي، ووقفت عيني على أول صفحة.


 

كان مكتوب فيها اسم أبويا.


 

أبويا اللي مات من تلات سنين.


 

حسيت إن نفسي اتسحب من صدري.


 

رفعت الورقة بإيد مرتعشة، وبدأت أقرأ.


 

كانت صورة من مستند قديم متعلق بالبيت الأصلي اللي كان أبويا عايش فيه قبل ما يموت، ومعاه ورقة فيها بيانات تحويلات مالية تمت قبل وفاته بأيام.


 

بصيت للراجل وقلت:


 

“إنت مين؟”


 

رد بصوت خشن:


 

“اسمي حاتم. وأنا الشخص اللي كان المفروض يسلم الورق ده لوالدك من زمان.”


 

فادية قامت من مكانها بعصبية.


 

“حاتم، إنت بتعمل إيه هنا؟”


 

ما بصش لها حتى.


 

قاللي:


 

“أنا مش جاي أهددك، ولا جاي آخد منك حاجة. أنا جاي عشان فيه حقيقة اتدفنت مع أبوكي، والناس اللي قاعدة هنا كانت مستفيدة من إنك ماتعرفيهاش.”


 


 

بصيت لنهى، لقيتها بتطلب منه يوضح صفته وسبب وجوده، وإن أي مستند لازم يتسلم بالطريق القانوني.


 

حاتم هز راسه وطلع بطاقة هويته، وبعدها قدم للمحامي مجموعة أوراق أصلية وصور مستندات.


 

المحامي بدأ يراجعها واحدة واحدة، وكل ما يقلب صفحة، ملامحه كانت بتتغير.


 

سألته بقلق:


 

“فيه إيه؟”


 

رفع عينيه وقال:


 

“المستندات دي بتشير إلى وجود نزاع قديم على ملكية عقار كان باسم والدك، وفيه تحويلات محتاجة فحص ومراجعة. لكن لسه ما نقدرش نعتبر أي ورقة دليل نهائي قبل التحقق منها.”


 

حاتم قرب الكرسي وقعد.


 

“أبوكي قبل ما يموت اكتشف إن فيه حد بيستخدم بياناته في معاملات مالية، ولما حاول يعرف الحقيقة، اكتشف إن الموضوع له علاقة بشخص قريب منه جدًا.”


 

حسيت إن قلبي بيخبط في ضلوعي.


 

“مين الشخص ده؟”


 

حاتم بص ناحية فادية.


 

هي كانت واقفة جامدة، ووشها شاحب.


 

وبعدين قال:


 

“الشخص اللي بدأ الحكاية مش فادية.”


 

سكت لحظة، وبعدين كمل:


 

“الشخص ده هو اللي جاب فادية للبيت، وهو اللي وفر لها المستندات، وهو اللي كان بيحول الفلوس من حساب لحساب.”


 

بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب.


 

“مين؟”


 

حاتم ما ردش فورًا.


 

بدل ما يجاوب، فتح ظرف تاني، وطلع منه صورة قديمة لأبويا واقف قدام محل صغير، وبجانبه راجل أصغر منه بسنين.


 

أول ما شفت الصورة، عرفت الراجل التاني.


 

كان عمي، أخو أبويا، محمود عز الدين.


 

عمي اللي حضر جنازة أبويا، ووقف جنبي وأنا بعيط، وقاللي إنه هيعتبرني بنته، وإنه عمره ما هيسيبني أنا وكريم.


 

عمي اللي كان بيزور أمي كل فترة، ويقول لها إنه بيطمن عليها.


 

عمي اللي كنت ببعتله أحيانًا فلوس عشان يساعد أمي في أي حاجة تحتاجها وأنا مسافرة.


 

حسيت إن الغرفة كلها بتلف بيا.


 

“إنت بتقول إيه؟ عمي محمود ملوش علاقة بالموضوع!”


 

حاتم رد بهدوء:


 

“أنا ما اتهمتش حد. أنا بقولك إن اسمه موجود في مستندات لازم تتراجع، وإن فيه تحويلات اتعملت لحساب مرتبط بيه.”


 

فادية حاولت تقاطعه.


 

“الورق ده مالوش أي قيمة!”


 

لكن المحامي رفع إيده وقال:


 

“هنسيب المستندات تتراجع رسميًا. محدش هنا هيصدر أحكام.”


 

في اللحظة دي، موبايل فادية رن.


 

بصت للشاشة، واتغير لون وشها.


 

رفضت المكالمة، لكن التليفون رن تاني.


 

المرة دي ردت، وقالت بصوت منخفض:


 

“مش وقته.”


 

سمعت صوت راجل من الناحية التانية، لكن ماقدرتش أميز الكلام.


 

فادية قالت بسرعة:


 

“أنا قلتلك كل حاجة تحت السيطرة.”


 

وبعدين سكتت، ووشها بقى أبيض تمامًا.


 

قفلت المكالمة ورفعت عيني ناحيتي.


 

لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، ماكانش في وشها أي تحدي.


 

كان فيه خوف حقيقي.


 

حاتم لاحظ ده، وقال:


 

“هو عرف إن الورق ظهر؟”


 

فادية ما ردتش.


 

نهى طلبت منها بهدوء إنها ماتتحركش من المكان لحد ما نفهم سبب المكالمة، لكن فادية خطفت شنطتها وحاولت تخرج.


 

المحامي وقف بعيد عن الباب وقال:


 

“محدش هيمنعك بالقوة، لكن لو فيه مستندات تخص القضية، لازم تتسلم بالطريقة الرسمية، وأي محاولة لإخفائها ممكن تعقد موقفك.”


 

فادية وقفت، وبصتلي بكره.


 

“إنتي فاكرة إنك كده كسبتي؟”


 

قلت:


 

“أنا مش داخلة أكسب على حد. أنا عايزة أعرف مين أذى أمي، ومين استغل ثقتي.”


 

ضحكت ضحكة باهتة.


 

“يبقى اسألي كريم.”


 

وبعدين خرجت.


 

ماحدش حاول يمنعها، لكن نهى سجلت وقت خروجها، والمحامي احتفظ بنسخ المستندات اللي كانت على الترابيزة، واتفقنا إننا نبلغ الجهات المختصة بكل التفاصيل.


 

بعد ما خرجت، فضلت قاعدة مكاني، ببص للصورة القديمة اللي فيها أبويا وعمي.


 

كان فيه سؤال واحد بيطاردني.


 

لو عمي فعلًا متورط، ليه استنى كل السنين دي؟


 

وليه كريم كان بيوقع على أوراق تخص البيت؟


 

وليه فادية قالت إن أخويا هو اللي فتح لها الباب؟


 

رجعنا المستشفى بعد ما سلمنا نسخة من المستندات للمحامي، ولما دخلت أوضة أمي، لقيتها صاحية ومستنياني.


 

أول ما شافت وشي، سألتني:


 

“عرفتي حاجة؟”


 

قعدت جنبها وقلت:


 

“لسه يا ماما، بس فيه حاجات كتير محتاجة تتكشف.”


 

مسكت إيدي بقوة، وقالت:


 

“مريم، لو قابلتي عمك محمود، ماتخليهوش يخدعك بكلامه.”


 

اتجمدت مكاني.


 

“إنتي تعرفي حاجة عن عمي؟”


 

أمي غمضت عينيها، ودموعها بدأت تنزل.


 

“قبل ما أبوكي يموت بأسبوع، جه البيت وكان بيتخانق معاه. أنا سمعت صوتهم عالي، وأبوكي كان بيقوله إنه مش هيسمح له ياخد حقك وحق كريم.”


 

حسيت إن قلبي وقف.


 

“حقنا في إيه يا ماما؟”


 

أمي هزت راسها.


 

“ماعرفش كل التفاصيل. أبوكي ماكانش بيحب يدخلني في مشاكل شغله، لكنه في اليوم ده قاللي جملة عمري ما نسيتها.”


 

قربت منها أكتر.


 

“قال إيه؟”


 

ردت بصوت مبحوح:


 

“قاللي: لو جرالي حاجة، خلي بالك من مريم، لأن اللي هيحصل بعدي مش هيكون بسبب غريب.”


 

فضلت ساكتة.


 

الجملة دي كانت كفاية تخلي كل ذكرياتي عن أبويا تتغير.


 

تاني يوم الصبح، اتصل كريم.


 

المرة دي رديت، وما سمحتلوش يغير الموضوع.


 

“إنت لازم تيجي المستشفى.”


 

قال:


 

“مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي لوحدنا.”


 

“مفيش كلام لوحدنا. هتيجي وتقعد قدام المحامي، وهتشرح كل حاجة.”


 

سكت، وبعدين قال:


 

“أنا ماكنتش عايز ده يحصل.”


 

صرخت فيه:


 

“إنت كنت عارف إن ماما محبوسة؟”


 

ما ردش.


 

“كريم! كنت عارف ولا لأ؟”


 

سمعت صوته وهو بيعيط.


 

“أنا كنت فاكر إنها هتقعد معاهم كام يوم بس.”


 

قفلت عيني من شدة الصدمة.


 

“كام يوم؟ إنت كنت عارف إنها مش في بيتها، وعارف إن فيه ناس بتتصرف في البيت، وسبتها؟”


 

قال بصوت مكسور:


 

“أنا غلطت.”


 

“غلطت؟ دي أمنا يا كريم!”


 

بدأ يشرح، لكني طلبت منه ييجي المستشفى، وقلتله إن أي تفاصيل تخص الواقعة لازم تتقال بوضوح ومن غير ضغط على حد.


 

وصل بعد ساعتين.


 

كان شكله مرهق، ووشه شاحب، ولما دخل أوضة أمي، وقف عند الباب ومقدرش يقرب.


 

أمي بصتله طويلًا.


 

“تعالى يا كريم.”


 

قرب منها، وركع جنب السرير، وبدأ يعيط.


 

“سامحيني يا أمي.”


 

أمي ما ردتش.


 

فضلت تبصله، وبعدين قالت:


 

“إنت كنت عارف إني تحت الأرض، وكنت بتنام في سريرك؟”


 

كريم حط إيده على وشه.


 

“ماكنتش عارف إنهم هيحبسوكي بالشكل ده.”


 

“لكن كنت عارف إنهم أخدوا البيت مني.”


 

سكت.


 

“وكنت عارف إنهم منعوني أكلم أختك.”


 

بدأ يهز راسه، والدموع بتنزل على وشه.


 

“أيوه.”


 

أمي لفت وشها بعيد عنه.


 

“قوم يا كريم.”


 

رفع راسه بصدمة.


 

“يا أمي، اسمعيني.”


 

قالت بحزم رغم ضعف صوتها:


 

“أنا سمعتك كتير، وصدقتك كتير، وخفت عليك كتير. لكن دلوقتي أنا تعبانة، ومش قادرة أسمع أي تبرير.”


 

كريم قام، وبصلي كأنه مستني مني أساعده.


 

لكن أنا ماقدرتش.


 

خرجنا من الأوضة، وقعدنا في طرقة المستشفى.


 

سألته:


 

“عايزة أعرف كل حاجة من الأول.”


 

فضل ساكت شوية، وبعدها بدأ يحكي.


 

بعد وفاة أبويا، كريم كان عنده ديون بسبب مشروع صغير فشل فيه. في البداية، حاول يخبي الموضوع عني وعن أمي، لكنه اقترض فلوس من أكتر من شخص، ولما عجز عن السداد، لجأ لعمي محمود.


 

عمي قال له إنه يقدر يساعده، بشرط إنه يمضي على أوراق تخص بعض ممتلكات العيلة.


 

كريم صدقه.


 

كان فاكر إن الموضوع مؤقت، وإنه هيسدد الفلوس ويرجع كل حاجة زي ما كانت.


 

لكن عمي قدمه لفادية، وقال له إنها هتدير بعض الأمور المالية.


 

فادية بدأت تطلب منه توقيعات جديدة، وتقول له إن ده ضروري عشان تسوية الديون.


 

وفي وسط ده كله، دخل بيت أمي في الموضوع، لأن البيت كان باسمها، ولأنني أنا اللي كنت بسدد أقساطه.


 

كريم قال إنه ماكانش فاهم كل تفاصيل الأوراق، لكنه كان عارف إن فيه تصرفات بتحصل من غير علمي.


 

سألته:


 

“ليه ماقولتليش؟”


 

رد وهو بيبص للأرض:


 

“كنت خايف.”


 

“من إيه؟”


 

“من إنك تعرفي إني خسرت كل حاجة، ومن إنك تكرهيني.”


 

ضحكت بمرارة.


 

“فقررت تخليني أرجع ألاقي أمي محبوسة، وبيتي متاخد، وأخويا بيوقع على أوراق ضدنا؟”


 

ماقدرش يرد.


 

قلتله:


 

“أنا مش هقدر أسامحك دلوقتي يا كريم. ومش هقدر أصدق أي كلمة منك غير لما الحقيقة كلها تظهر.”


 

هز راسه.


 

“أنا مستعد أقول كل حاجة للمحامي.”


 

وبالفعل، نهى رتبت مع المحامي إن كريم يدلي بأقواله رسميًا، ويسلم أي مستندات موجودة عنده، من غير ما يحاول يتواصل مع فادية أو عمي بشأن الأوراق.


 

في الأيام اللي بعدها، بدأ التحقيق ياخد مساره.


 

اتراجع عقد البيت، والتوكيل، والتحويلات المالية، واتطلبت أصول المستندات من الجهات المختصة.


 

ظهر إن فيه اختلافات بين نسخ من الأوراق، وإن بعض التوقيعات محتاجة فحص فني، وإن مبالغ مالية اتحولت لحسابات مختلفة من غير ما يكون واضح مين المستفيد النهائي منها.


 

لكن أخطر حاجة اكتشفناها كانت في ملف قديم خاص بأبويا.


 

الملف ده كان فيه وصية مكتوبة بخط إيده، وموقعة قبل وفاته بشهور، ومذكور فيها إنه عايز يحافظ على حقوقي وحقوق كريم، وإنه كان قلقان من خلافات مالية مع أخوه.


 

الوصية ماكنتش لوحدها كفاية لحسم أي نزاع، لكنها فتحت باب جديد للتحقيق في معاملات حصلت بعد وفاة أبويا.


 

وفي نفس الوقت، بدأنا نعرف إن فادية كانت بتستخدم البيت في تأجيره لأكتر من شخص، وإن فيه مبالغ اتجمعت باسمها، رغم إن ملكية العقار نفسها كانت محل نزاع بسبب المستندات اللي قدمتها.


 

أما أمي، فبدأت تستعيد صحتها تدريجيًا.


 

رجع لون وشها، وبدأت تاكل أحسن، ولما خرجت من المستشفى، أخدتها تقعد معايا مؤقتًا في شقة قريبة من نهى، لحد ما نضمن إن البيت بقى آمن وإن مفيش حد يقدر يضغط عليها.


 

أول ليلة قضيناها مع بعض، صحيت على صوتها وهي بتعيط.


 

جريت عليها.


 

“مالك يا ماما؟”


 

قالتلي:


 

“حلمت إني لسه في البدروم، وإنك جيتي تنقذيني، بس الباب اتقفل قبل ما توصليلي.”


 

حضنتها وفضلت أطبطب عليها لحد ما هديت.


 

قلت لها:


 

“إنتي هنا معايا. الباب مفتوح، ومحدش هيحبسك تاني.”


 

لكن رغم إن أمي كانت بدأت تتعافى، أنا كنت عارفة إن المعركة الحقيقية لسه ما خلصتش.


 

لأن عمي محمود كان لسه بره، ولسه ماقدمش تفسير واضح للمستندات اللي ظهر فيها اسمه.


 

وبعد أسبوع تقريبًا، جالي اتصال من رقم مجهول.


 

رديت، وسمعت صوت راجل بيقول:


 

“أنا محمود.”


 

عمي.


 

فضلت ساكتة.


 

قال:


 

“أنا عارف إنك زعلانة، وعارف إن فيه كلام كتير اتقال عني.”


 

رديت ببرود:


 

“لو عندك حاجة تقولها، قولها للمحامي.”


 

قال:


 

“أنا عايز أشوفك، وأديكي حاجة تخص أبوكي.”


 

“أي حاجة تخص أبويا تتسلم رسميًا.”


 

تنهد.


 

“يا مريم، فيه حاجات لو عرفتيها هتكرهي نفسك قبل ما تكرهيني.”


 

قفلت المكالمة.


 

ماكنتش هسمح له يستخدم خوفي أو فضولي عشان يخليني أقابله لوحدي.


 

بلغت نهى بالاتصال، وطلبنا إن أي مستندات جديدة تتسلم من خلال المحامي، وإن أي مقابلة تحصل تكون في إطار رسمي واضح.


 

بعد يومين، وصل ظرف لمكتب المحامي عن طريق مندوب، وكان جواه مفتاح صغير، وصورة قديمة، وخطاب مكتوب بخط أبويا.


 

المحامي اتصل بيا وطلب مني أروح مكتبه.


 

لما وصلت، حط الخطاب قدامي.


 

كان مكتوب على الظرف:


 

“إلى مريم، لو جه يوم واضطريتي تعرفي الحقيقة.”


 

إيدي بدأت ترتعش.


 

فتحت الخطاب ببطء.


 

أبويا كان كاتب إنه اكتشف قبل وفاته إن أخوه محمود بيحاول يتصرف في بعض ممتلكات العيلة من غير موافقته، وإنه واجهه أكتر من مرة، لكنه ماكانش عايز يعمل فضيحة عائلية.


 

كتب كمان إنه كان خايف إن كريم يتورط بسبب ديونه، وإنه حاول يساعده، لكنه رفض يديله فلوس من غير ما يعرف هتروح فين.


 

وفي آخر الخطاب، كانت فيه جملة خلت عيني تدمع.


 

“يا مريم، لو إنتي اللي بتقري الكلام ده، افتكري إن الحق مش معناه إنك تنتقمي، والرحمة مش معناها إنك تتنازلي عن حقك. خليكي عادلة، حتى لو اللي قدامك من دمك.”


 

فضلت ماسكة الورقة، وبعيط في صمت.


 

أبويا كان عارف إن فيه مشكلة، وكان بيحاول يحميّنا، لكنه مات قبل ما يقدر يوضح كل حاجة.


 

المفتاح اللي وصل مع الخطاب كان عليه رقم صغير.


 

المحامي بدأ يسأل عن مصدره، وبعد مراجعة التفاصيل، اتضح إنه مفتاح لخزنة صغيرة في مكتب قديم كان أبويا بيستخدمه قبل وفاته.


 


 

ما رحناش نفتح الخزنة بشكل فردي أو نتصرف في أي حاجة ممكن تكون مرتبطة بالنزاع. المحامي تواصل مع الجهة المسؤولة، واتبع الإجراءات المطلوبة للتأكد من صفة أصحاب الحق في الاطلاع على محتوياتها.


 

وبعد ما اتسمح بفحص محتوياتها بالطريق القانوني، لقينا ملفات قديمة، وإيصالات، وصور عقود، وكراسة صغيرة فيها ملاحظات بخط أبويا.


 

كانت الملاحظات بتوضح إن فيه خلاف مالي قديم بينه وبين عمي، وإن الخلاف بدأ قبل وفاته بسنين.


 

لكن وسط كل الأوراق، كان فيه مستند مختلف.


 

صورة من اتفاق مكتوب بين أبويا وعمي، بخصوص محل تجاري كان مملوك للعيلة.


 

المستند ده كان بيشير إلى إن جزءًا من أرباح المحل مخصص لمصاريف تعليمنا، وإن فيه مبلغًا محفوظًا لينا احنا الاتنين.


 

المبلغ ده ماكنتش أعرف عنه أي حاجة.


 

المحامي قال إننا لازم نتحقق من مصير المبلغ، وإن أي استنتاج لازم يستند إلى سجلات مالية رسمية.


 

وبالفعل، بدأنا نراجع الحسابات القديمة.


 

ظهرت تحويلات متتابعة، وبعضها كان مرتبطًا بحسابات اتنقلت ملكيتها أو اتغيرت بياناتها مع الوقت.


 

ماكانش ممكن نجزم مين المسؤول عن كل تحويل من غير تحقيق، لكن المستندات كانت كفاية عشان تفتح أسئلة جديدة.


 

بعد فترة، اتطلب من عمي يقدم تفسيره.


 

وفي أول جلسة رسمية، حضر مع محاميه، وكان شكله مختلف تمامًا عن الراجل اللي كنت أعرفه.


 

كان أكبر في السن، ووشه مرهق، وعينيه بتتهرب من النظر ناحيتي.


 

لما اتسأل عن التحويلات، قال إن فيه معاملات قديمة حصلت بالاتفاق مع أبويا.


 

لكن لما اتواجه بنسخ من المستندات اللي بتشير إلى اختلافات في التوقيعات والتواريخ، طلب مهلة عشان يراجع أوراقه.


 

أما فادية، فبدأت تظهر تناقضات في أقوالها عن علاقتها بالبيت، وعن سبب وجود أمي في البدروم، وعن المستندات اللي كانت بحوزتها.


 

والمستأجرات التلاتة قدموا شهاداتهم، وسلموا الصور اللي كانت معاهم.


 

كل واحدة منهم حكت جزءًا من اللي شافته، وبعض التفاصيل اتوافقت مع رواية أمي، وبعضها احتاج مراجعة إضافية.


 

ماكانش الطريق سهل، ولا الحقيقة ظهرت في يوم وليلة.


 

لكن لأول مرة، حسيت إننا مش لوحدنا، وإن أمي بقت قادرة تحكي من غير خوف.


 

بعد شهر، رجعنا البيت.


 

ما دخلناش المكان كأننا منتصرين على حد، لكن كأننا بنرجع حقنا بعد غياب طويل.


 

البدروم كان أول مكان دخلته.


 

وقفت عند الباب، وبصيت للمرتبة القديمة اللي اتشالت، وللحيطان اللي اتدهنت، وللشباك الصغير اللي كان بيدخل منه خيط نور ضعيف.


 

أمي وقفت جنبي.


 

مسكت إيدي وقالت:


 

“مش عايزة المكان ده يفضل في ذاكرتي بالشكل ده.”


 

بصيت لها.


 

“نعمل إيه يا ماما؟”


 

قالت:


 

“نخليه مخزن للزرع والأدوات. عايزة كل ما أنزل هنا أفتكر إني خرجت، وإن محدش قدر يكسرني.”


 

حضنتها.


 

وبدأنا ننضف المكان، ونفتح الشبابيك، وندخل النور.


 

رجعت صور أبويا لمكانها في الطرقة، وحطت أمي أصص زرع جديدة في البلكونة، ورجعت تشرب الشاي كل صباح في نفس الكرسي اللي كانت بتحبه.


 

أما كريم، فبدأ يحضر جلسات التحقيق، وقدم المستندات اللي كانت عنده.


 

ما رجعش لحياتنا زي الأول، وما قدرتش أتعامل معاه كأن شيئًا لم يحدث.


 

لكنني ما حاولتش أنتقم منه، ولا أخفي عنه حقوقه القانونية لو ثبتت.


 

قلتله مرة وإحنا واقفين في جنينة البيت:


 

“أنا مش هقدر أرجع أثق فيك بسهولة. اللي حصل مش مجرد غلطة، ده وجع ماما وخلاني أشك في كل حاجة عشتها.”


 

هز راسه وقال:


 

“عارف.”


 

“ولو عايز تصلح اللي عملته، لازم تبدأ بالحقيقة كاملة، حتى لو كانت ضدك.”


 

قال:


 

“هعمل كده.”


 

ما وعدتوش إني هسامحه، لكنه لأول مرة ماطلبش مني أسامحه بسرعة.


 

أما عمي محمود، ففضلت أتعامل معاه من خلال المحامي، لحد ما تتضح مسؤولية كل طرف عن التصرفات المالية اللي حصلت.


 

وبعد شهور من مراجعة المستندات والتحقيقات، بدأت بعض الأمور تتحدد، واتضح إن جزءًا من الخلاف كان متعلقًا بمعاملات قديمة بينه وبين أبويا، وإن فيه تصرفات لاحقة تمت من غير ما تكون حقوق كل الأطراف واضحة أو محفوظة بالشكل المطلوب.


 

أما الادعاءات الخاصة بالتزوير والإكراه، فتم فحصها من الجهات المختصة، واتخذت الإجراءات القانونية المناسبة بناءً على الأدلة اللي ثبتت، مش بناءً على كلام أي حد.


 

فادية ماقدرتش تفضل مختفية وراء الكلام والتهديدات، واضطرت تواجه الأسئلة عن المستندات والتصرفات اللي تمت في البيت.


 

وفي النهاية، رجع البيت لأمي بصورة قانونية مستقرة، واتصلح الضرر اللي حصل فيه على قد ما قدرنا.


 

لكن أكبر تغيير حصل ماكانش في البيت.


 

كان في أمي نفسها.


 

الست اللي رجعت من البدروم وهي خايفة من صوت الباب، بقت تفتح الباب بنفسها، وتستقبل الجيران، وتزرع الورد، وتخرج معايا تشتري حاجات البيت.


 

وفي أول عيد قضيناه سوا بعد كل اللي حصل، عملت أمي صينية كحك كبيرة، وقعدنا في الصالة، وأنا جنبها، وكريم قاعد بعيد شوية.


 

كان فيه هدوء غريب، هدوء ناس لسه بتحاول تتعلم تعيش من جديد بعد ما اكتشفت إن أقرب الناس ليها ممكن يخذلوها.


 

أمي بصتلي وقالت:


 

“فاكرة يوم ما جبتيلي مفتاح البيت؟”


 

ابتسمت.


 

“فاكرة يا ماما.”


 

“وقتها قلتلك إنك عوضتيني عن أبوكي.”


 

مسكت إيدي.


 

“بس إنتي عوضتيني عن حاجات كتير، يا بنتي. رجعتيلي إحساسي إني لسه ليا بنت، وإن الدنيا مهما ظلمتني، لسه فيها باب ممكن يتفتح.”


 

عيني دمعت.


 

قلت لها:


 

“أنا اللي كنت فاكرة إني راجعة أنقذك، لكن إنتي اللي علمتيني إن الإنسان ممكن يقع، ويخاف، ويتوجع، ومع ذلك يقوم تاني.”


 

أمي ابتسمت، وبعدين قامت جابت صورة أبويا من فوق المكتبة.


 

حطتها قدامنا، وقالت:


 

“أبوكي كان دايمًا يقول إن البيوت مش حيطان، وإن البيت الحقيقي هو المكان اللي محدش يخاف فيه من اللي جواه.”


 

بصيت للصورة، وافتكرت خطابه، وافتكرت كل ليلة قضيتها في سنغافورة وأنا فاكرة إن الفلوس والشغل هما اللي هيأمنوا مستقبل أمي.


 

لكنني فهمت إن الأمان مش مجرد باب مقفول، ولا عقد ملكية، ولا حساب في البنك.


 

الأمان إن اللي بتحبه يعرف إنه لو اتظلم، هيلاقي حد يسمعه، ولو وقع، هيلاقي إيد تتمدله، ولو خاف، مش هيضطر يخبي خوفه عشان يحمي حد تاني.


 

وفي الليلة دي، بعد ما الكل مشي، نزلت أمي معايا للبدروم لأول مرة من غير ما ترتعش.


 

وقفت في نص المكان، وبصت حواليها، وبعدين رفعت وشها للضوء اللي داخل من الشباك.


 

قالتلي:


 

“عارفة يا مريم؟ أنا مش عايزة أنسى اللي حصل.”


 

استغربت.


 

“ليه يا ماما؟”


 

ردت بهدوء:


 

“مش عشان أعيش في الوجع، لكن عشان أفتكر إن السكوت على الظلم مش دايمًا بيحمي اللي بنحبهم، وإن الخوف ساعات بيخلينا نفضل في مكان ماينفعش نفضل فيه.”


 

حضنتها، وطلعنا سوا.


 

قفلت باب البدروم، لكن المرة دي ماكانش باب سجن.


 

كان مجرد باب لمكان قديم، بقى جزء من حكاية اتعلمنا منها، وقررنا مانخليش نهايتها هي اللي تحدد بقية عمرنا.


 

وقبل ما أنام، فتحت شنطتي اللي رجعت بيها من سنغافورة.


 

كانت لسه فيها تذكرة الطيران، وجواز السفر، ودفتر صغير كنت بكتب فيه كل يوم ملاحظة عن أمي، عشان أحس إني قريبة منها وأنا بعيدة.


 

فتحت آخر صفحة، وكتبت:


 

“رجعت القاهرة بشنطة واحدة، وكنت فاكرة إني هرجع ألاقي بيتي اتسرق وأمي ضاعت مني. لكن الحقيقة إني رجعت أتعلم إن أقسى الخيانات مش دايمًا بتيجي من الغرباء، وإن الدم لوحده مش ضمان للأمانة، وإن التسامح مش معناه إننا نسيب حقنا، وإن استرداد الحق مش معناه إننا نبقى شبه اللي ظلمونا.”


 

قفلت الدفتر، وبصيت من الشباك على نور البيت.


 


 

أمي كانت نايمة في أوضتها، والبيت هادي، وصورة أبويا في مكانها.


 

ولأول مرة من شهور، نمت وأنا مش خايفة من رنة تليفون، ولا من رسالة مجهولة، ولا من باب ممكن يتفتح على مصيبة جديدة.


 

كنت عارفة إن فيه حاجات هتحتاج وقت طويل عشان تتصلح، وإن الثقة اللي اتكسرت مش هترجع في يوم وليلة، وإن أخويا لازم يتحمل نتيجة اختياراته، وإن كل شخص شارك في ظلم أمي لازم يتحاسب بالقانون.


 

لكنني كنت عارفة كمان إن أمي مش لوحدها.


 

وإن البيت اللي اشتريتهولها من تلات سنين، واللي رجعت لقيتها محبوسة في بدرومه، بقى أخيرًا بيتها فعلًا.


 

بيت تقدر تفتح بابه من غير خوف.


 

وتنام فيه من غير ما تستنى حد يسمح لها تعيش.


 

وتصحى الصبح، تسقي الورد، وتفتكر إن مهما طال الليل، النور ممكن يرجع يدخل من شباك صغير، لو فيه حد لسه مصمم يفتح الباب.

 

Keep up with محمد

Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.

Enjoyed this article?

Share it with someone who will value it

More
Report this article

Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.

Sign in to report an article

Discussion

comments (0)

Share a perspective. Start a thoughtful conversation.

add comment
loading...

please login to be able to comment