ثمن الرحيل كاملة محمد نور

ثمن الرحيل كاملة محمد نور

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات


ثمن الرحيل كاملة محمد نور

 

 

 

دفع لي زوجي 40 مليون ريال مقابل أن أرحل عن قصره… فوافقتُ دون أن أبكي.
الدفع لم يكن تعويضاً… بل كان ثمن الرحيل الذي لم يكتمل
قضيتُ ثلاث سنوات إلى جوار إبراهيم العلي.
عشتُ في قصره الفاره، قدتُ أفخم سياراته، استخدمتُ بطاقاته المصرفية المفتوحة، وأنجبتُ له طفلين.
لكنني خلال تلك السنوات الثلاث لم أنَم في غرفته ليلة واحدة.
لم يُقدّمني يوماً لأحد على أنني زوجته.
وحين قرر أن يمنحني أربعين مليون ريال لأبتعد، لم يملك حتى الشجاعة ليواجهني بنفسه… بل أرسل محاميه.
— الآنسة مريم؟ لقد قرر السيد إبراهيم أن تحتفظي بحضانة الطفلين —قالها المحامي وهو يضع ملفاً ضخماً على الطاولة—، سيتم تحويل المبلغ إلى حسابكِ اليوم. وفي المقابل، عليكِ إخلاء القصر خلال ثلاثة أيام وتوقيع اتفاقية السرية.
كنتُ أُعدّ زجاجة الحليب لابنتي الصغيرة.
ثلاث ملاعق من الحليب المجفف.
ماء دافئ.
ثم رجّ الزجاجة ببطء.
على السجادة، كان "عمر"، ابني ذو العامين، يبني برجاً من المكعبات. أما "سارة"، التي لم تتجاوز أربعة أشهر، فكانت تبكي بشجن داخل مهدها.
— الآنسة مريم؟ —أعاد المحامي التذكير بصوت حذر.
— سمعتك.
— ألا ترغبين في مراجعة الشروط؟
— لا داعي لذلك.
أعطيتُ الزجاجة لسارة ورَفعتُ عينيّ نحو المحامي:
— بمجرد ظهور المبلغ في حسابي، سأغادر.
رمش المحامي عدة مرات بذهول واضح. ربما كان قد أعدّ خططاً لمفاوضات شاقة، أو توقع أن يرى دموعاً، أو توسلات، أو حتى تهديدات.
لكنه لم يحصل على شيء من ذلك.
— السيد إبراهيم قال إنه إذا لم يكن المبلغ كافياً…
— إنه أكثر من كافٍ.
— وهو يرغب أيضاً في زيارة الطفلين مرة كل شهر.
— يمكنه ذلك.
— وسأل إن كان لديكِ أي رسالة تودين إبلاغها له.
فكّرتُ لثوانٍ معدودة.
ثلاث سنوات من الصمت الجاف.
ثلاث سنوات وأنا أنتظر أن ينظر إليّ ولو لمرة واحدة كأكثر من مجرد أم لورثته.
ثلاث سنوات وأنا أدّعي أن التجاهل لا يؤلمني.
— ليس لديّ ما أقوله له.
في ذلك المساء، جمعتُ كل أمتعتي.
عندما أتيتُ إلى القصر قبل ثلاث سنوات، كنتُ أحمل حقيبتين فقط.
وحين غادرته، كنتُ أملك الحقيبتين ذاتهما… الشيء الوحيد الذي ازداد كان أغراض أطفالي.
في تمام السابعة، كانت السيارة تنتظر أمام البوابة الرئيسية.
أجلستُ عمر في مقعده، وضمتتُ سارة إلى صدري.
في تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف في يدي.
كان إبراهيم.
— هل وقّعتِ؟
— نعم.
— هل وصلكِ المبلغ؟
تفقدتُ إشعار البنك. كان هناك عدد من الأصفار جعلني أعيد عدّها مرتين.
— وصل.
جاء رده بعد ثوانٍ قليلة:
— إذن، ارحلي.
لم أرد.
بينما كانت السيارة تبتعد، كان عمر يراقب القصر من النافسة.
— أمي… هل بابا لا يريدنا في بيته بعد الآن؟
ضممته بقوة وأنا أقول:
— نحن من لم نعد بحاجة إلى بيته يا بني.
— لماذا؟
نظرتُ للمرة الأخيرة إلى أضواء ذلك القصر المهيب:
— لأن أمك تعبت.
لم يكن طفلي يفهم معنى أن يتعب المرء من الحب من طرف واحد.
لكنه رأى بريق الدموع في عينيّ، فصمت ولم يسأل مجدداً.
لم تكن بيني وبين إبراهيم قصة حب قط.
أول مرة دخل فيها غرفتي كانت بسبب والدته التي كانت تطالبه بإلحاح بأحفاد يحملون اسم العائلة.
كنتُ حينها متخرجة حديثاً، بلا عمل، وعاجزة عن دفع إيجار شقتي لثلاثة أشهر.
طرَق بابي وجاء مباشرة إلى الهدف:
— أمهليني طفلاً، وسأمنحكِ نصف مليون ريال.
وافقتُ.
وفي تلك الليلة اليتيمة، حملتُ بعمر.
وعندما ولد، احتفلت عائلة "العلي" بالوريث الجديد.
لكن أحداً لم ينادِني "زوجة"، ولا "كنّة".
بعد عامين، أرادت والدته حفيداً آخر.
فعاد إبراهيم إلى غرفتي مرة أخرى.
هذه المرة، لم يعرض حتى المال.
— أريد طفلاً آخر.
ولم أرفض.
ليس لأني أحبه… بل لأني أصبحتُ أسيرة حياة مريحة جداً لدرجة يصعب التخلي عنها، وفارغة جداً لدرجة يصعب تحمّلها.
وعندما ولدتُ "سارة"، لم يكلف إبراهيم نفسه حتى عناء القدوم إلى المستشفى.
ألقت والدته نظرة على الطفلة وقالت ببرود: "بنت… لا بأس بها"، ثم انصرفت.
وقّعتُ أوراق الخروج من المستشفى بنفسي.
في ذلك اليوم بالذات، أدركتُ أنني لا أستطيع الاستمرار هكذا.
ليس لأن إبراهيم لا يحبني… بل لأنه لم يعد يكلف نفسه حتى التظاهر بذلك.
بعد ثلاثة أيام من مغادرة القصر، أخذتُ طفليّ إلى فندق يطل على البحر.
لم أشترِ بيتاً، ولم أضع خططاً للمستقبل.
ولأول مرة منذ سنوات، كنتُ أريد فقط أن أتنفس.
بينما كان عمر يلعب قرب المسبح وسارة تنام إلى جواري، تصفحتُ هاتفي.
نشر مساعد إبراهيم صورة لمكتب الشركة وقد انقلب رأساً على عقب معلقاً: "على الجميع توخي الحذر اليوم… السيد إبراهيم فاقد للسيطرة تماماً".
وضعتُ إعجاباً للصورة دون تفكير.
وبعد ثلاث ثوانٍ فقط، حُذفت التغريدة!
ثم وصلتني رسالة نصية من إبراهيم:
— أين أنتِ؟
قرأتها ولم أجب.
أتبعها برسالة أخرى:
— مريم… أرجوكِ عودي.
ابتسمتُ بمرارة.
ثلاث سنوات نعيش تحت سقف واحد ولم يطلب مني يوماً البقاء… والآن بعد أن ابتعدت، يريدني أن أعود؟
أغلقتُ الهاتف.
لكن بعد دقيقة واحدة فقط، رنّ هاتف الغرفة.
— السيدة مريم؟ —قالت الموظفة بصوت متوتر—، هناك رجل في البهو يسأل عنكِ بشدة.
نظرتُ نحو مدخل الفندق.
كان إبراهيم يقف هناك.
بلا سترته الرسمية…
بلا ربطة عنق…
وبقبضات يدمّيها الجرح!
وكان يمسك بيده نسخة من العقد الذي وقّعتُ عليه.
— مريم… —قالها وهو ينظر إليّ وكأنه ركض أميالاً للوصول إليّ— لماذا قبلتِ المال؟
— لأنك أنت من طلب مني الرحيل.
شحب وجهه تماماً وزال منه اللون:
— هل هذا ما قاله لكِ المحامي؟!
— هذا ما نصّ عليه الاتفاق.
ضغط إبراهيم على الوثيقة بقوة حتى تجعدت بين يديه، وقال وعيناه تفيضان بالدموع:
— أربعون المليون لم تكن لتبتعدي عني…
اقترب مني خطوة واحدة وهو يهمس بصوت متهدج:
يتبع .....
صلي على رسول الله وتابع اول تعليق 👇 👇 

 

 

الدفع لم يكن تعويضاً… بل كان ثمن الرحيل الذي لم يكتمل

قضيتُ ثلاث سنوات إلى جوار إبراهيم العلي.

عشتُ في قصره الفاره، قدتُ أفخم سياراته، استخدمتُ بطاقاته المصرفية المفتوحة، وأنجبتُ له طفلين.

لكنني خلال تلك السنوات الثلاث لم أنَم في غرفته ليلة واحدة.

لم يُقدّمني يوماً لأحد على أنني زوجته.

وحين قرر أن يمنحني أربعين مليون ريال لأبتعد، لم يملك حتى الشجاعة ليواجهني بنفسه… بل أرسل محاميه.

— الآنسة مريم؟ لقد قرر السيد إبراهيم أن تحتفظي بحضانة الطفلين —قالها المحامي وهو يضع ملفاً ضخماً على الطاولة—، سيتم تحويل المبلغ إلى حسابكِ اليوم. وفي المقابل، عليكِ إخلاء القصر خلال ثلاثة أيام وتوقيع اتفاقية السرية.

كنتُ أُعدّ زجاجة الحليب لابنتي الصغيرة.

ثلاث ملاعق من الحليب المجفف.

ماء دافئ.

ثم رجّ الزجاجة ببطء.

على السجادة، كان “عمر”، ابني ذو العامين، يبني برجاً من المكعبات. أما “سارة”، التي لم تتجاوز أربعة أشهر، فكانت تبكي بشجن داخل مهدها.

— الآنسة مريم؟ —أعاد المحامي التذكير بصوت حذر.

— سمعتك.

— ألا ترغبين في مراجعة الشروط؟

— لا داعي لذلك.

أعطيتُ الزجاجة لسارة ورَفعتُ عينيّ نحو المحامي:

— بمجرد ظهور المبلغ في حسابي، سأغادر.

رمش المحامي عدة مرات بذهول واضح. ربما كان قد أعدّ خططاً لمفاوضات شاقة، أو توقع أن يرى دموعاً، أو توسلات، أو حتى تهديدات.

لكنه لم يحصل على شيء من ذلك.

— السيد إبراهيم قال إنه إذا لم يكن المبلغ كافياً…

— إنه أكثر من كافٍ.

— وهو يرغب أيضاً في زيارة الطفلين مرة كل شهر.

— يمكنه ذلك.

— وسأل إن كان لديكِ أي رسالة تودين إبلاغها له.

فكّرتُ لثوانٍ معدودة.

ثلاث سنوات من الصمت الجاف.

ثلاث سنوات وأنا أنتظر أن ينظر إليّ ولو لمرة واحدة كأكثر من مجرد أم لورثته.

ثلاث سنوات وأنا أدّعي أن التجاهل لا يؤلمني.

— ليس لديّ ما أقوله له.

في ذلك المساء، جمعتُ كل أمتعتي.

عندما أتيتُ إلى القصر قبل ثلاث سنوات، كنتُ أحمل حقيبتين فقط.

وحين غادرته، كنتُ أملك الحقيبتين ذاتهما… الشيء الوحيد الذي ازداد كان أغراض أطفالي.

في تمام السابعة، كانت السيارة تنتظر أمام البوابة الرئيسية.

أجلستُ عمر في مقعده، وضمتتُ سارة إلى صدري.

في تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف في يدي.

كان إبراهيم.

— هل وقّعتِ؟

— نعم.

— هل وصلكِ المبلغ؟

تفقدتُ إشعار البنك. كان هناك عدد من الأصفار جعلني أعيد عدّها مرتين.

— وصل.

جاء رده بعد ثوانٍ قليلة:

— إذن، ارحلي.

لم أرد.

بينما كانت السيارة تبتعد، كان عمر يراقب القصر من النافسة.

— أمي… هل بابا لا يريدنا في بيته بعد الآن؟

ضممته بقوة وأنا أقول:

— نحن من لم نعد بحاجة إلى بيته يا بني.

— لماذا؟

نظرتُ للمرة الأخيرة إلى أضواء ذلك القصر المهيب:

— لأن أمك تعبت.

لم يكن طفلي يفهم معنى أن يتعب المرء من الحب من طرف واحد.

لكنه رأى بريق الدموع في عينيّ، فصمت ولم يسأل مجدداً.


لم تكن بيني وبين إبراهيم قصة حب قط.

أول مرة دخل فيها غرفتي كانت بسبب والدته التي كانت تطالبه بإلحاح بأحفاد يحملون اسم العائلة.

كنتُ حينها متخرجة حديثاً، بلا عمل، وعاجزة عن دفع إيجار شقتي لثلاثة أشهر.

طرَق بابي وجاء مباشرة إلى الهدف:

— أمهليني طفلاً، وسأمنحكِ نصف مليون ريال.

وافقتُ.

وفي تلك الليلة اليتيمة، حملتُ بعمر.

وعندما ولد، احتفلت عائلة “العلي” بالوريث الجديد.

لكن أحداً لم ينادِني “زوجة”، ولا “كنّة”.

بعد عامين، أرادت والدته حفيداً آخر.

فعاد إبراهيم إلى غرفتي مرة أخرى.

هذه المرة، لم يعرض حتى المال.

— أريد طفلاً آخر.

ولم أرفض.

ليس لأني أحبه… بل لأني أصبحتُ أسيرة حياة مريحة جداً لدرجة يصعب التخلي عنها، وفارغة جداً لدرجة يصعب تحمّلها.

وعندما ولدتُ “سارة”، لم يكلف إبراهيم نفسه حتى عناء القدوم إلى المستشفى.

ألقت والدته نظرة على الطفلة وقالت ببرود: “بنت… لا بأس بها”، ثم انصرفت.

وقّعتُ أوراق الخروج من المستشفى بنفسي.

في ذلك اليوم بالذات، أدركتُ أنني لا أستطيع الاستمرار هكذا.

ليس لأن إبراهيم لا يحبني… بل لأنه لم يعد يكلف نفسه حتى التظاهر بذلك.

بعد ثلاثة أيام من مغادرة القصر، أخذتُ طفليّ إلى فندق يطل على البحر.

لم أشترِ بيتاً، ولم أضع خططاً للمستقبل.

ولأول مرة منذ سنوات، كنتُ أريد فقط أن أتنفس.

بينما كان عمر يلعب قرب المسبح وسارة تنام إلى جواري، تصفحتُ هاتفي.

نشر مساعد إبراهيم صورة لمكتب الشركة وقد انقلب رأساً على عقب معلقاً: “على الجميع توخي الحذر اليوم… السيد إبراهيم فاقد للسيطرة تماماً”.

وضعتُ إعجاباً للصورة دون تفكير.

وبعد ثلاث ثوانٍ فقط، حُذفت التغريدة!

ثم وصلتني رسالة نصية من إبراهيم:

— أين أنتِ؟

قرأتها ولم أجب.

أتبعها برسالة أخرى:

— مريم… أرجوكِ عودي.

ابتسمتُ بمرارة.

ثلاث سنوات نعيش تحت سقف واحد ولم يطلب مني يوماً البقاء… والآن بعد أن ابتعدت، يريدني أن أعود؟

أغلقتُ الهاتف.

لكن بعد دقيقة واحدة فقط، رنّ هاتف الغرفة.

— السيدة مريم؟ —قالت الموظفة بصوت متوتر—، هناك رجل في البهو يسأل عنكِ بشدة.

نظرتُ نحو مدخل الفندق.

كان إبراهيم يقف هناك.

بلا سترته الرسمية…

بلا ربطة عنق…

وبقبضات يدمّيها الجرح!

وكان يمسك بيده نسخة من العقد الذي وقّعتُ عليه.

— مريم… —قالها وهو ينظر إليّ وكأنه ركض أميالاً للوصول إليّ— لماذا قبلتِ المال؟

— لأنك أنت من طلب مني الرحيل.

شحب وجهه تماماً وزال منه اللون:

— هل هذا ما قاله لكِ المحامي؟!

— هذا ما نصّ عليه الاتفاق.

ضغط إبراهيم على الوثيقة بقوة حتى تجعدت بين يديه، وقال وعيناه تفيضان بالدموع:

— أربعون المليون لم تكن لتبتعدي عني…

اقترب مني خطوة واحدة وهو يهمس بصوت متهدج:

— بل كانت المهر الذي أردتُ أن أطلب به يدكِ للزواج!

للمزيد من القصص الحصرية في جروب : روايات محمد نور

الجزء الثاني والختامي


لعدة ثوانٍ ظننتُ أنني سمعتُه خطأ.

خلفي، كان “عمر” يرشش الماء بطفولية في مسبح الأطفال. وكان الطفل الآخر “سارة” تنام تحت ظل المظلة، غير مدركة لغياب الرجل الذي قطع توّاً نصف البلاد ليقول أكثر جملة عبثية سمعتها في حياتي.

— نتزوج؟ —كررتُ الكلمة بذهول.

كان إبراهيم يتنفس بصعوبة.

لم أره يوماً بهذا المنظر.

هو الذي كان دائماً شديد الأناقة…

دائماً بارداً ومبتعداً…

ودائماً مُسيّطراً على كل شيء.

حتى عندما ولد “عمر”، اكتفى بالنظر إليه لثوانٍ معدودة قبل أن يسأل الطبيب ببرود عما إذا كنا كلينا بخير.

بلا لمسة حنون…

بلا كلمة دافئة…

بلا أي مشاعر.

أما الآن، فقد كان يقف أمامي بقميص مجعد، وشعر ثائر، ودم جاف يكسو قبضتيه.

— دعيني أشرح لكِ.

— محاميك شرح كل شيء بوضوح تام.

— لا! لم يكن يفترض به أن يطلب منكِ الرحيل!

— العقد كان ينص بوضوح على إخلاء القصر خلال ثلاثة أيام.

— لأن القصر كان سيعاد ترميمه وتجديده!

أطلقتُ ضحكة خالية من التصديق:

— وهل كنتَ ستعيد ترميم حياتي أيضاً؟ ألهذا أدرجتَ بند السرية؟

خفض إبراهيم نظره نحو الأوراق:

— ليس هذا العقد الذي أعددتُه بنفسي.

رفعت الرياح البحرية طرف الورقة، فقلّب الأوراق بسرعة وأشار إلى الصفحة الأخيرة:

— هذا البند لم يكن موجوداً. ولا هذا الشرط المتعلق بالزيارات. العقد الأصلي كان ينص على أن الأربعين مليون ريال ستودع في صندوق باسمكِ قبل توقيع عقد الزواج!

— هل تقصد أن محاميك قام بتغيير العقد؟

— بل أقول إن هناك من كان يريدكِ أن ترحلي بأي ثمن!

سرت برودة في جسدي.

طوال سنوات عشتُ محاطة بالخدم، والحراس، وأفراد عائلة إبراهيم. كانوا جميعاً يعاملونني بلباقة، لكن أحداً منهم لم يعاملني كفرد من العائلة.

كنتُ المرأة المناسبة في الوقت المناسب…

الأم المستأجرة…

الفتاة الفقيرة التي حظيت بأكثر مما تستحق.

— حتى لو كان ذلك صحيحاً —قلتُ بحزم—، كان بإمكانك أن تأتي بنفسك.

سكت إبراهيم ولم يجب.

تابعُت:

— كان بإمكانك أن تتحدث معي، أن تسألني عما أريده! لكنك فعلت ما تفعله دائماً: أرسلتَ المال وانتظرتَ أن يُحل كل شيء تلقائياً!

— ظننتُ أنكِ ستفهمين.

— وكيف لي أن أفهم؟

— الأسبوع الماضي سألتكِ عن طراز البيت الذي يعجبكِ.

— ظننتُ أنك تنوي شراء عقار استثماري آخر!

— وسألتكِ عن المدرسة التي تفضلينها لعمر.

— ظننتُ أنك ترتب لمستقبله!

— وأرسلتُ خاتم جدي ليُعاد ترميمه…

— لكنك لم ترني إياه قط!

أغمض إبراهيم عينيه. كان يبدو كرجل اكتشف للتو أن كل إشاراته ورسائله كانت تعيش داخل رأسه فقط.

— أنا لا أعرف كيف أفعل هذه الأشياء يا مريم.

— أعلم ذلك.

— لا، أنتِ لا تعلمين! —تحشرج صوته وانكسر وهو يتابع—: كان والدي يستغل كل عاطفة ضدنا. إن بكت أمي أهانها، وإن أظهرتُ الخوف عقابني. تعلمتُ منذ صغري أن الشعور بأي شيء هو خطأ جسيم وخطير.

— هذا يفسر تصرفاتك، لكنه لا يبررها.


— أعلم.

فاجأني رده. إبراهيم الذي أعرفه لم يكن يعترف بخطئه أبداً.

قبل أن أرد، خرج عمر من المسبح وركض نحونا:

— بابا!

جثا إبراهيم على ركبتيه فوراً، وارتمى ابني في أحضانه مبتلاً بماء المسبح، فضمه إبراهيم بقوة لم أره يعانقه بها من قبل.

— لقد غادرت البيت يا بابا —قال عمر.

— أعلم يا حبيبي.

— أمي قالت إننا لم نعد بحاجة لبيتك.

رفع إبراهيم عينيه نحوي وقال:

— أمك على حق.

قطب عمر حاجبيه:

— إذن، أين ستعيش أنت؟

ولأول مرة، بدا إبراهيم عاجزاً عن الإجابة:

— لا أعرف بعد.

تأمله ابني لثوانٍ ثم لمس يده المدماة:

— هل سقطت؟

— بل ارتكبتُ خطأً.

— أمي تقول إننا عندما نخطئ يجب أن نعتذر.

ابتلع إبراهيم غصته، ثم وقف ونظر إليّ:

— أنا آسف يا مريم.

لم يكن اعتذاراً منسقاً، لم تكن هناك زهور ولا خطب معدة مسبقاً، لكنه كان حقيقياً… وهذا ما جعله خطيراً جداً.

لأنني طوال ثلاث سنوات كنتُ أتمنى سماع هذه الكلمة.

— الاعتذار لا يصلح ما حدث —أجبتُه.

— أعلم.

— ولن أعود معك.

شدّ على كتفيه وقال بقلة حيلة:

— حسناً.

— والطفلان سيبقيان معي.

— لن أحاول أبداً أخذ هما منكِ.

— لم يكن هذا ما نص عليه العقد.

— ذلك العقد سيُلغى اليوم!

أخرج هاتفه وأجرى مكالمة سريعة:

— اطردوا المحامي “عادل”، وجمدوا وصوله إلى جميع ملفات العائلة، وأرسلوا العقد إلى أمن الشركة. أريد أن أعرف من أذن بكل تعديل فيه!

ثم أغلق الخط قبل أن يسمع الرد.

حذرته قائلاً:

 

 

 

 

— لا ينبغي أن تتخذ قرارات هكذا دون تثبت.

— لقد تحققتُ أثناء رحلة الطيران… المحامي عادل استلم ثلاث تحويلات مالية من حساب مرتبط بوالدتي.

توقف الهواء في حلقي:

— والدتك؟

أومأ إبراهيم:

— هي لم تتقبلكِ يوماً.

تذكرتُ ابتساماتها المصتنعة، وملاحظاتها المغلفة بالنصائح، وكيف كانت تأخذ عمر من بين ذراعيّ دائماً في المناسبات العائلية.

— لكنها هي من طلبت الأحفاد!

— كانت تريد ورثة يحملون اسم العائلة… لم تكن تريدكِ أن تصبحي زوجتي.

قسوة التفرقة تلك أورثتني غثياناً.

في تلك اللحظة، بدأت سارة بالبكاء.

تحركتُ نحوها، لكن إبراهيم سبقني وانحنى على العربة بارتباك:

— هل يمكنني حملها؟

تسمرتُ في مكاني، فلم يسبق له أن طلب إذناً قط. فأومأتُ له.

رفع ابنتنا بحركات غير واثقة، وظلت سارة تبكي حتى أسند رأسها الصغير إلى صدره، فتهدأت فوراً.

نظر إليها وكأنه يتأمل شيئاً مقدساً:

— لم أكن أعلم أنها تحب أن تُحمل هكذا.

— لأنك لم تقضِ معها وقتاً كافياً لتعرف ذلك.

سقطت الكلمة عليه كالصفعة، لكنه لم يدافع عن نفسه.

طوال بقية الظهيرة، بقي إبراهيم مع الطفلين. لعب مع عمر، غير حفاضة سارة للمرة الأولى، وتركها تنام على صدره.

كنتُ أراقبه من بعيد، متمنية ألا أرقّ له… لكن رؤية الرجل الذي كان يمكنه أن يكون أباً صالحاً لو قرر التواجد فقط كانت مؤلمة.

عند غروب الشمس، سألته أين سينزل:

— هنا.

— الفندق مكتمل.

— حجزتُ الجناح العلوي.


— بالطبع فعلت.

— لن أدخل غرفتكِ ولن أقترب منكِ دون إذنكِ، أريد فقط أن أكون قريباً من الصغيرين.

— أسبوع واحد.

— ماذا؟

— يمكنك رؤيتهما لمدة أسبوع، وبعدها نتحدث مع المحامين ونحدد جدولاً للزيارات.

أومأ إبراهيم:

— شكراً لكِ.

في تلك الليلة لم أنَم إلا قليلاً.

وفي الصباح التالي تلقيتُ مكالمة من رقم غير مسجل.

كانت والدته “أم إبراهيم”.

— مريم… يجب أن نتحدث.

— ليس بيننا ما نتحدث عنه.

— ابني يدمر سنوات من العمل من أجل امرأة تخلت عنه!

— ابنك هو من طلب مني الرحيل.

— أنتِ تعلمين جيداً أن إبراهيم لم يكن يريد ذلك.

شددتُ قبضتي على الهاتف:

— لا يا سيدتي، لم أكن أعلم! لأن ابنكِ خلال ثلاث سنوات لم يقل لي يوماً ماذا يريد!

ساد صمت قصير، ثم قالت:

— أنتِ قبلتِ الاتفاق الأصلي!

— قبلتُ أن أمنحه وريثاً، لم أقبل أن يُتعامل معي وكأنني لستُ إنسانة!

— حصلتِ على كل ما تحلم به فتاة مثلكِ!

— البيت ليس عائلة يا سيدتي.

— مشاعركِ هذه ستدمر مستقبل أطفالكِ.

— أطفالي بحاجة إلى الحنان، لا إلى اسم منقوش على مبنى!

أصبح صوتها بارداً كالإبر:

— أعيدي المال واختفي من حياتنا.

— لا.

— هذا المال ملك لآل العلي!

نظرتُ عبر الباب الزجاجي إلى إبراهيم الذي كان يجلس على أرضية الصالة يبني برجاً مع عمر ويحمل سارة بيده الأخرى:

— المال حُوّل قانونياً إلى حسابي.

 

 

 

— ستندمين.

— ربما… لكن ليس على قراري بالرحيل.

وأغلقتُ الخط.

بعد دقائق، خرج إبراهيم إلى الشرفة:

— كانت أمي، أليس كذلك؟

— تريد مني إعادة المال.

— لا تفعلي.

— لماذا أعطيتني مبلغاً ضخماً كهذا من الأساس؟

وضع إبراهيم المكعب على الطاولة:

— لأنني ظننتُ أنكِ لن تقبلي الزواج مني دون الأمان المالي.

— وهل كنتَ تظن أنني معكِ من أجل المال؟

— في البداية… نعم.

جرحتني صراحته، فتدارك قائلاً:

— لكنني فهمتُ بعد ذلك أن الأمر ليس كذلك.

— متى؟

— عندما مرض عمر.

تذكرتُ تلك الليلة… كانت حرارته مرتفعة جداً، وقضيتُ ساعات إلى جواره في المستشفى بينما كان إبراهيم في اجتماع عمل في العاصمة.

— لم تكن موجوداً حينها.

— وصلتُ الساعة الرابعة فجراً.

نظرتُ إليه بذهول:

— لم أرك!

— كنتِ نائمة على الكرسي وعمر بين ذراعيكِ. بقيتُ واقفاً خارج الغرفة.

— ولماذا لم تدخل؟

— لأنني سمعتكِ تهمسين له: “طالما أمك على قيد الحياة، فلن يتخلى عنك أحد”.

تنفس إبراهيم ببطء ومسح وجهه:

— كانت أمي تقول دائماً إن الناس يبقون طالما يستفيدون. لكنكِ كنتِ متعبة، بلا تبرج، ولا تعلمين إن كنتُ سأعطيكِ قرشاً واحداً بعد ذلك، ومع ذلك وعدتِ بالبقاء. في تلك الليلة أدركتُ أنكِ الوحيدة في ذلك القصر التي لا تريد منا شيئاً.

— بل كنتُ أريد شيئاً!

— ما هو؟

— أن تختارني ولو لمرة واحدة!

تغشت عينيه الندم:

— اخترتكِ متأخراً جداً.

— بل اخترتني في صمت… والاختيار الصامت لا يفيد من قضى سنوات وهو يشعر بأنه مطرود.

جلس إبراهيم أمامي:


— قولي لي ماذا أفعل؟

— لا يمكنك تحويل الأمر إلى صفقة تجارية جديدة.

— هذه هي الطريقة الوحيدة التي اعرفها لحل المشكلات.

— إذن تعلم طريقة أخرى!

خلال الأسابيع التالية، فعل إبراهيم ما لم يتوقعه أحد.

استقال مؤقتاً من إدارة الشركة.

استأجر شقة بالقرب من البيت الذي استأجرته.

بدأ بجلسات العلاج النفسي.

 

 

تعلم كيف يعد زجاجات الحليب، وكيف يهدي الكوابيس، وكيف يلتزم بمواعيد أطباء الأطفال.

لم يرسل لي مجوهرات…

لم يهدِني عقارات…

لم يحاول شراء غفراني…

بل كان يكتفي بالتواجد فقط، كل يوم.

عندما كان لعمر أول عرض في الروضة، ألغى إبراهيم اجتماعه مع المستثمرين وجلس في الصف الأول.

وعندما بدأت سارة تحبو، كانت خطواتها الأولى باتجاهه هو.

كنتُ أحاول الحفاظ على المسافة بيننا… لكن كل تغيير صغير منه كان يهدم جزءاً من الجدار الذي بنيتُه حول قلبي.

بعد ستة أشهر، انتهى التحقيق في أمر العقد.

تبين أن والدته هي من دفعت للمحامي عادل لتعديل الوثائق. كانت خطتها تقتضي إقناعي بأن إبراهيم يريد التخلص مني، وإقناع إبراهيم في الوقت ذاته بأنني أخذتُ المال وغادرتُ دون تردد لأنني لم أحبه يوماً.

وكادت الخطة تنجح تماماً.

رفع إبراهيم دعوى على المحامي وأبعد والدته عن مجلس الإدارة.

لكنني لم أحتفل.

— ستخسر عائلتك كلها بسبب هذا —قلتُ له.

— لا… أنا فقط أتوقف عن خسارة العائلة التي تهمني بحق.

— لا تجعل الأطفال يحملون وزر هذه الحرب.

— لن أتحدث عن جادتهم بأسوء أمامهم أبداً، لكنني لن أسمح لها باستغلال أحد مجدداً.

في تلك الليلة، وبعد أن نَام الطفلان، وجدتُ علبة على الطاولة.

داخلها كان خاتم جده المرمم.

— قلتُ لك إنني لا أريدك أن تشتريني.

— ليس لكِ.

قطبتُ حاجبَيّ، فأخذ إبراهيم الخاتم وأعاده إلى مكانه:

— كنتُ أنوي أن أطلب يدكِ بهذا الخاتم… لكنني أفهم الآن أنه يمثل عائلة لم تشعركِ يوماً بالترحيب.

أخرج كِيساً قماشياً صغيراً، وبداخله خاتم بسيط للغاية، بلا ألماسات ضخمة ولا نقش لعائلته.

— هذا الخاتم اختاره عمر.

لم أستطع منع نفسي من الابتسام:

— إنه في الرابعة من عمره!

— أُدرك ذلك، ولهذا اختار حجراً أزرق… قال إنه يشبه البحر الذي التقينا عنده مجدداً.

لم يجثُ إبراهيم على ركبتيه، ولم يمد الخاتم نحوي، بل اكتفى بوضعه في راحة يده:

— لن أطلب منكِ الزواج اليوم.

— إذن ماذا تفعل؟

— أقول لكِ إنه عندما تكونين مستعدة، أود أن أبني حياة معكِ… ليس في قصري، ولا تحت شروط عائلتي… بل حياة تكون لنا نحن فقط.

— وماذا إن لم أكن مستعدة أبداً؟

تشنج وجهه، لكنه أومأ:

— سأظل الأب الذي كان يجدر بي أن أكونه منذ البداية.

— وماذا إن التقيتُ برجل آخر؟

أخذ وقتاً أطول ليجيب هذه المرة:

— سيؤلمني ذلك جداً… وسأكرهه على الأغلب… لكنني سأحترم قراركِ.

تأملته في صمت.

هذا الرجل لا يشبه إبراهيم الذي أمرني بإنجاب طفل مقابل المال.


لقد تعلم كيف يستأذن…

كيف يعتذر…

وكيف يبقى دون أن يطالب بالمقابل.

أخذتُ الخاتم:

— هذا لا يعني أنني وافقت.

— أعلم.

— ولن أكون معتمدة عليك مادياً بعد اليوم.

— المال حقكِ.

— سأستثمره في مشروعي الخاص.

— يمكنني مساعدتكِ.

— لا.

— مفهوم.

أسستُ جمعية خيرية لمساعدة أمهات الصغار في الحصول على التأهيل المهني، والسكن المؤقت، والدعم القانوني، وأسميتها “بداية جديدة”.

بالضبط ما كنتُ بحاجة إليه قبل سنوات.

لم يمول إبراهيم المشروع، لكنه كان حاضراً يوم الافتتاح، يجلس في الصف الأخير ويصفق بحرارة وكأنني غَزوتُ العالم.

بعد عام من فراقنا، عدنا مع الطفلين إلى شاطئ البحر.

كان عمر يبني قلعة من الرمل، وسارة التي بدأت تمشي تلاحق النوارس بينما يركض إبراهيم خلفها.

كنتُ أرتدي الخاتم الأزرق في سلسلة حول عنقي.

رآه إبراهيم مراراً، لكنه لم يسألني يوماً لمَ ليس في أصبعي.

عند الغروب، جلسنا أمام البحر:

— هل أنتِ سعيدة؟ —سألني.

فكّرتُ في المرأة التي خرجت من ذلك القصر بحقيبتين وطفلين وأربعين مليون ريال.

كنتُ أظن أن الحرية هي الهروب… أما الآن فأعلم أنها القدرة على الاختيار.

— نعم —أجبتُه—، أخيراً أنا سعيدة.

ابتسم إبراهيم:

— إذن، كان كل شيء يستحق العناء.

— ليس كل شيء.

— معكِ حق.

خلعتُ الخاتم من السلسلة.

تتبعت عينوه كل حركة من يدي.

— أنا لا أثق بكَ كلياً بعد.

— أعلم.

— ولستُ مستعدة لأكون السيدة التي تنتظرها عائلتك.

— لا أريدكِ أن تكونيها.

— سأحتفظ باسم عائلتي.

— يُعجبني اسمكِ.

— وإذا اتخذتَ يوماً قراراً مهماً دون مراجعتي… سأرحل.

— وسأستحق ذلك.

أدخلتُ الخاتم في أصبعي.

توقف إبراهيم عن التنفس لثوانٍ.

— هذا ليس غفراناً مطلقاً —حذرته.

— لا أحتاج غفراناً مطلقاً.

— إنها فرصة.

اغرورقت عيناه بالدموع:

— وهي أكثر مما أستحق.

لمحنا عمر من الشاطئ وركض نحونا:

— أمي ارتدت الخاتم!

صفقت سارة دون أن تفهم، ولم يقبلني إبراهيم… بل انتظر، كما تعلم أن يفعل.

فكنتُ أنا من اختصر المسافة بيننا.

وبينما كان أطفالنا يضحكون عند أطراف الموج، فهمتُ أخيراً الحقيقة وراء تلك الأربعين مليوناً.

لم تكن تعويضاً، ولا حتى عرض زواج تقليدي…

بل كانت المحاولة الأخيرة واليائسة لرجل عاجز عن التعبير عن مشاعره.

لكن المال لم يكن السبب في عودتي…

عدتُ لأن إبراهيم، ولأول مرة، توقف عن محاولة شراء العائلة…

وبدأ يتعلم كيف يستحقها.

تمت

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد Pro تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

6

متابعهم

9

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-