ام نور حكايات زهرة حصري
ام نور حكايات زهرة حصري
عجبتني واحده جارتنا ولما روحت اتقدملها امها اشترطت اغرب شرط قالتلي علشان اتجوز بنتها لازم اتجوز قبلها ، والسبب ميتخيلهوش عقل !!
أنا من يوم ما دخلت العمارة دي وأنا حاسس إن المكان فيه حاجة مش طبيعية، بس عمري ما تخيلت إن الحكاية هتأخد المنحنى الغريب ده!
القصة بدأت لما شغلي اتنقل لفرع جديد في القاهرة. اضطريت أسيب بيت أهلي في المحافظة و أأجر شقة جديدة هناك قريب من مقر الشغل.
الشقة كانت في عمارة هادية، حي راقي وجميل، وكنت فاكر إني رايح أبدأ مرحلة جديدة وسلسة في حياتي، مكنتش أعرف إن دخولي العمارة دي هيغير حياتي كلها، وهيدخلني في متاهة من أغرب ما يمكن لو حد حكاهالي مكنتش هصدقه!
من أول أسبوع ليا في العمارة، لفت انتباهي البنت اللي ساكنة في الدور اللي تحتي على طول. بنت في أوائل العشرينات، قمة في الجمال والهدوء، حاجة كده تشبه بطلات الروايات القديمة. لبسها رزين، حركاتها محسوبة، ووشها فيه البراءة اللي بقت نادرة اليومين دول. عرفت بعد كده إن اسمها "نور"، وتاني سنة ليها في كلية الحقوق.
كنت بشوفها الصبح بدري وهي نازلة رايحة كليتها، وترجع بعد الضهر، خطوتها سريعة، وعينها في الأرض. حاولت أفتح معاها كلام أكتر من مرة، بابتسامة، بكلمة صباح الخير، بأي حجة سريعة وأنا نازل على السلم.. لكن ردها دايماً كان سريع، مقتضب، ومفيش فيه أي مساحة للتمادي.
تبتسم بنصف ابتسامة متواضعة، وتهز رأسها وتعدي فكأنها بتقولي: "لحد هنا وبس".
الرفض الراقي ده بدل ما يبعدني، علقني بيها أكتر. البنت مفيهاش غلطة! أدب، وجمال، وجمال الروح اللي باين في تصرفاتها.
بدأت أسأل عنها بالراحة من غير ما ألفت النظر، سألت البواب، وسألت راجل كبير صاحب سوبر ماركت تحت العمارة. الكل أجمع على حاجة واحدة:
"نور دي بنت مالهاش في القيل والقال، والدها متوفي من سنين، وعايشة هي وأمها لوحدهم.. بس خلي بالك، أمها طباعها غريبة شوية ومحدش بيعرف يتعامل معاها بسهولة!"
لما سألت البواب: "يعني إيه غريبة يا عم أحمد؟ بتزعق؟ بتعمل مشاكل؟"
رد وهو بيهز رأسه باستغراب: "لا يا أستاذ سيف، مش بتاعت مشاكل والله، ست فحالها جداً ومحترمة.. بس تفكيرها غريب، وطريقتها في الكلام تحس إنها عايشة في عالم تاني غير بتاعنا. محدش فاهمها أوي من يوم ما جوزها الله يرحمه اتوفى."
أنا بصراحة مجمعتش الكلام في دماغي ساعتها، قولت في بالي: "عادي، ست كبيرة وأرملة وبتقفل على نفسها وبنتها عشان تحميهم، طبيعي تكون حريصة أو طباعها حادة شوية، المهم البنت نفسها."
فضلت الأيام تعدي وأنا فكرتي عن نور بتكبر كل يوم، ومبقتش قادر أصبر أكتر من كده. قررت إني لازم أكون مباشر وأخد خطوة بجد.
في يوم، كنت نازل وهي كانت طالعة على السلم ومقربة من باب شقتها. وقفت قدامها فجأة.
هي اتخضت وقفت وحطت كتب الكلية على صدرها وبصتلي باستغراب:
"أستاذ سيف! خير في حاجة؟"
بصيت في عينها بثبات وقاطعتها من غير مقدمات:
"نور.. هو أنتِ في حد في حياتك؟"
عينيها وسعت من المفاجأة، وبصت يمين وشمال كأنها خايفة حد يسمعنا، وقالت بصوت واطي ومتردد:
"لا.. مفيش.. ليه بتسأل؟"
ابتسمت وقولتلها بصراحة:
"أنا معجب بيكي جداً من أول يوم شفتك فيه، وشاريكي بالحلال.. وعايز أتقدم لك."
اللحظة دي عمري ما هنسى شكلها فيها.. خدودها احمرت جداً، وابتسمت بكسوف ورقت عينيها، ومن غير ما تنطق ولا كلمة، لفت وطلعت جراي على شقتهم وقفلت الباب بشويش.
الابتسامة دي كانت بالنسبة ليا موافقة صريحة! قولت خلاص، السكة سالكة والباب مفتوح.
طلعت شقتي وأنا طاير من الفرحة، مش مصدق إن البنت اللي حلمت بيها طلعت مش ممانعة. قررت مأخرش الموضوع. قولت هانزل في نفس اليوم بالليل، أخبط على أمها وأخد منها ميعاد رسمي، وأفهمها ظروفي الإمكانية، ولو أبدت موافقة مبدئية هجيب والدي ووالدتي ونيجي فورا نطلبها رسمي.
الساعة جات 8 بالليل، لبست طقم شيك، واشتريت علبة شوكولاتة قيمة، ونزلت ضربت الجرس.
فتحتلي الست "ماجدة" - أم نور. ست في منتصف الأربعينات، شكلها مريح جداً ووقور، وملامحها فيها شبه كبير من نور، لكن عينها كان فيها نظرة عميقة وباردة بشكل يربك.
"مساء الخير يا طنط..
أنا سيف، جاركم في الدور اللي فوق."
"مساء النور يا بني.. خير؟ اتفضل."
دخلت الصالون، كان صالون قديم بس نضيف ومترتب جداً. نور مظهرتش خالص، كنت سامع حركتها الخفيفة في المطبخ بتعمل العصير.
عدت القعدة في الأول هادية، بدأت أعرفها بنفسي:
"يا طنط أنا المهندس سيف، شغال في شركة الكهرباء الكبيرة اللي هنا، وده فرعي الجديد، كسبت ثقة الشركة وبقيت ماسك إدارة القسم.. أهلي من القاهرة ونظراً لظروف شغلي أأجرت هنا، وعندي شقة تمليك في القاهرة جاهزة. أنا داخل البيت ده من بابه عشان طالب إيد أنسة نور."
الست كانت بتسمعني بمنتهى الهدوء، تهز رأسها مبتسمة ابتسامة خفيفة جداً، لحد ما خلصت كلامي عن شغلي ومرتبي وظروفي المالية اللي تعتبر ممتازة لشاب في سني.
أول ما خلصت، لقيتها حطت كباية الشاي على الترابيزة وبصتلي بشرود وقالت جملة بكل بساطة كأنها بتطلب طلب عادي جداً:
"تمام يا بني، ربنا يوفقك.. وطبعاً ضرتها هتكون معاها في نفس البيت؟ ولا هتعمل لها شقة تانية؟"
أنا في اللحظة دي عقلي وقف! رمشت بعيني كذا مرة وضحكت ضحكة خفيفة فاكرها بتهزر أو بتختبرني:
"ضرتها؟! ضرة مين يا طنط؟ ربنا ما يجيب ضرة ولا حاجة! أنا بقول لحضرتك أنا جاي أتجوز نور، مش متجوز اصلاً!"
هنا الست ماجدة ابتسامتها اختفت تماماً، وعينيها وسعت بذهول وصدمة حقيقية، وبصتلي كأني بقول كلام مجنون أو كأني أهنتها! وقالت بصوت حاد ومندهش:
"إيه؟! مش متجوز؟! إزاي مش متجوز وجاي تطلب إيد بنتي؟!
أنا قعدت اتلفت حوالي في الصالون مش فاهم حاجة.. هو أنا سمعت صح؟ هي بتقول إيه؟!
"يا طنط استهدي بالله بس..أنا شاب مش متجوز، طبيعي لما أجي أتجوز هكون مش متجوز! حضرتك تشرطي أي شرط في المهر، في الشقة، في العفش، إنما ضرة ؟!"
ردت عليا بمنتهى الثبات والصرامة، ونبرة صوتها فيها يقين يستفز أي عقل:
"المنطقة كلها والعمارة عارفين شرطي كويس.. بنتي نور مش هجوزها الا لواحد متجوز
لو عايز تتجوز بنتي.. روح اتجوز واحدة تانية الأول، وبعدين تعال اطلب إيد نور وادخل بيها علي ضرتها
أنا اتجمّدت في مكاني! الدم اتجمد في عروقي، وحسيت إن الهوا في الأوضة اختفى فجأة.
الست بتتكلم بجد! عينيها مفيهاش ذرة هزار، ولا نظرة واحدة بتقول إنها بتلعب بيا أو بتمثل سألتها باستغراب...ده بجد يعني....طب ايه السبب!!!!!!
واللي عرفته منها خلاني اتجمدت في مكاني وحسيت رجليا تقلت وبصعوبه قدرت اقوم واسيب البيت فورا من غير ولا حرف
الست ماجدة سكتت لحظة، ونظرة برود شديدة كست وشها، لكن العينين كان فيهم وجع قديم مخبي نفسه بالعافية. اتنهدت تنهيدة طالت كأنها بتطلع نار من قلبها، وقالت وهي بتبص للترابيزة قدامها بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت بتنزل عليا زي المرزبة:
"أنت شايف الست اللي قدامك دي يا سيف؟ أنا أم اتحرق قلبها على بنتها الوحيدة من سنين طويلة ومحدش حاسس بالنار اللي جوايا.. نور لما كانت بنت 12 سنة، حصلها حادثة عربية بشعة وهي راجعة من المدرسه. نزفت كتير، ودخلت العمليات بين الحياة والموت.
. الدكاترة وقتها عشان ينقذوا حياتها ويكتموا النزيف اللي كان هيموتها في دقائق، كشفوا عن الواقع المرير.. النزيف كان ممرمد منطقة الحوض والرحم تماماً، وما كانش قدامهم أي خيار تاني عشان تفضل عايشة إلا إنهم يشيلوا الرحم بالكامل!"
أنا في اللحظة دي حاسس إن السقف بيقع عليا. عينيا اتسعت وجسمي كله اقشعر.. الست كملت وصوتها بدأ يترعش بالدموع، بس ما نزلتمش:
"نور كبرت وبقت عروسة زي ما أنت شايف، بس جواها وجع مالوش دواء.. بنتي مش هتحمل، مش هاتجيب أطفال، محرومة من غريزة الأمومة للأبد.. وأنا عارف الدنيا وعارف الرجالة كويس أوي يا بني! أنت دلوقتي داخل بكام بكيلو حب وشغف، شايف جمالها وأدبها ومبهور بيها.. هتتجوزها سنة، سنتين، ثلاثة.. وبعدين؟ غريزة الأبوة هتحركك، أهلك هيزنوا عليك، أصحابك هيسألوك: 'ما مفيش عيل جاي في السكة؟'.. ساعتها الحب ده هيدوب، وهتبدأ تبص لها على إنها ناقصة، وهتروح تطلب الجواز من واحدة تانية عشان تخلف منها.. ساعتها نور هتحس إنها اتكسرت، وإن جوازتك منها كانت شفقة أو غلطة، وست تانية هتدخل حياتك تاخد منك الأبوة وتكسر قلب بنتي اللي ملوش ذنب في اللي حصاد."
مسحت دمعة فرت منها بسرعة وتابعت وهي بتبص في عيني بمنتهى الحسم:
ام نور حكايات زهرة حصري
"علشان كده أنا قطعت الطريق من أوله.. اللي هيتجوز بنتي لازم يكون متجوز أصلًا، وعنده أولاده ومكتفي، أو يتجوز واحدة تخلف له الأول وبعدين ييجي لنور.. يبقى عارف إنه داخل على ست مش هتخلف، وميكونش عندها هي الحجة إنه يتجوز عليها بعدها عشان الخلفية ويكسرها! يبقى الجوازة من أولها واضحة، وهو جاي
لها وهو شبعان خلفة مش هييجي يوم ويقولها 'أنا عايز عيل' فتنكسر.. ده شرطي اللي مش هتراجع عنه لحد ما أموت، عشان أحمي قلب بنتي من كسرة الستات!"
الكلام نزل عليا كأنه صاعقة. اتجمّدت في مكاني، وعقلي اتوقف عن التفكير. بصيت على باب المطبخ، ولقيت نور واقفة ورا الستارة، دموعها نازلة على خدودها في صمت رهيب.. عينيها جات في عيني، وكان فيها كمية رجاء ووجع وانكسار تقطم الضهر.. كانت بتترجاني بعينيها أفهم، وتعتذر لي عن السر المكتوم اللي شايلينه طول السنين دي.
حسيت إن الهوا اتسحب من الروم.. رجليا تقلت ومبقتش شايلاني. بصيت للأم بصة عجز وتوهة، وقمت بالراحة من غير ما أنطق ولا حرف.. مشيت خطوتين بالعافية للباب، فتحته وخرجت، وطلعت السلم لشقتي وأنا حاسس إن العالم كله اتقلب فوق رأسي.
قعدت في شقتي في الضلمة للصبح.. الفكرة كانت بتاكل في دماغي. أنا بحب نور.. والله العظيم حبيتها بجد! جمالها وأدبها ورقتها، وكل حاجة فيها كانت بتشدني.. بس كلام أمها كان زي السكينة.
أنا شاب في بداية حياتي، مهندس لي مستقبلي، وأنا الابن الوحيد لأهلي.. أهلي اللي بيحلموا باليوم اللي يشوفوا فيه عيالي، ويتمنوا يشيلوا أولاد ابنهم. هل أقدر أضحي بأملي في إنه يكون ليا عيل من صلبي يادي اسمي ويعيش معايا؟ هل أقدر أواجه أهلي وأقولهم إني هتجوز بنت مش بتخلف وعارف من الأول؟
ولا الحل إني أروح أتجوز واحدة تانية الأول عشان أرضي شرط أمها وأرجع أتجوز نور؟! طب وإيه ذنب البنت الأولى اللي هاتجوزها مجرد 'وسيلة' عشان أفوز بنور؟ أظلمها معايا ليه وهي مالهاش ذنب؟ وأعيش
في دوشة البيتين والمشاكل والعدل اللي يهد الجبال؟
الأفكار كانت بتطحن في عقلي طحن.. عدي أسبوع وأنا مابنامش. بشوف نور على السلم، النظرة بيننا بقت كلها ألم وتلميح بالوداع.. هي عارفة إن حلمنا انتهى قبل ما يبدأ، وأنا شايف في عينيها قلة الحيلة والرضا بقضاء الله.
في الآخر، حسمت أمري.. الحقيقة كانت مارة وقاسية، بس كبرت عقلي وقدرت الواقع. أنا مش هقدر أظلم نفسي، ولا أظلم أهلي معايا، ولا أظلم بنت ناس تانية أتجوزها كوبري عشان أوصل لنور.. وفي نفس الوقت، مش هقدر أوعد نور بحاجة وأرجع أكسرها بعد سنين لما حلم الأطفال يلح عليا.
لميت هدومي، وطلبت من الشركة نقل رجوع لفرع المحافظة بتاعتي جنب أهلي.. سلمت الشقة للمالك، وفي أخر يوم ليا، نزلت خبطت على شقتهم.
فتحتلي أمها، بصيت لها بحزن وقالتلي: "فهمت يا بني؟"
هزيت رأسي وقلت لها بصوت مخنوق: "فهمت يا طنط.. وربنا يجبر خاطرها ويعوضها باللي أحسن مني واللي يقدر ظروفها."
نور كانت واقفة بعيد.. بصيت لها أخر بصة، ابتسمت لي ابتسامة باهتة مليانة دموع وراحت هازة رأسها كأنها بتقولي مش زعلانه
نزلت العمارة وركبت عربيتي وسافرت بلدي.. مرت الأيام والسنين، اتجوزت بنت حلال اختاروها أهلي، وربنا رزقني بولد وبنت مالين عليا الدنيا.. بس والله، لحد النهاردة، كل ما بقعد مع نفسي، أو لما أشوف بنت شبه نور، بيمسكني حزن دفين في قلبي.. بفتكر عيونها النقية وضحكتها الخجولة، وبترحم على حلم جميل مات في أوله.. وبدعي ربنا من كل قلبي إن ربنا يرزقها بإنسان يشتريها بجد، يكتفي بيها عن الدنيا كلها، وما يشوفش فيها غير النعمة والعوض.