حكاية مصطفي وجهاد كاملة
حكاية مصطفي وجهاد كاملة

حكايات الكاتبة ملك إبراهيم
ريحة المطهر والدوا كانت خانقة. نور المستشفى الأبيض البارد كان قاسي على العين، وصوت جهاز القلب اللي جنب السرير كان هو الصوت الوحيد اللي بيقطع الصمت التقيل اللي مالي الأوضة.
مصطفى كان قاعد على كرسي بلاستيك، ماسك إيد عواد صاحبه، أو بالأحرى أخوه. إيد عواد كانت ساقعة وعضمها بارز من كتر ما السرطان نهش لحمه. كانوا لسه امبارح بيجروا حافيين في شوارع البلد. والنهاردة واحد فيهم بيموت والتاني مش قادر يعمله حاجة.
عواد وشه كان أصفر زي الورقة، وعينه غايرة لجوة، وبيتنفس بالعافية كأنه بيحارب عشان كل نفس :
“مصطفى…”
مصطفى انتفض وقرب منه أكتر ودموعه متحجرة في عينيه :
“أنا هنا يا عواد، أنا جنبك أهو، متتكلمش كتير عشان متتعبش”
عواد هز راسه ببطء وعينه مليانة دموع متحوشة :
“الدكاترة قالولي… قالولي خلاص يا مصطفى… أنا ماشي”
مصطفى حاول يتماسك وصوته اتخنق :
“متقولش كده، هتقوم وهتبقى زي الفل، انت طول عمرك جامد، ده شوية تعب وهيروح”
عواد شد على إيده بكل القوة اللي فاضلة فيه، شدة واحد بيغرق وبيتعلق بقشاية :
“يا مصطفى انت مش صاحبي… انت أخويا، اللي أمي مجابتهوش، اسمعني عشان خاطري، أنا هاسيب جهاد وعماد لوحدهم، جهاد لسه صغيرة وغلبانة وعماد لسه تلت سنين ومش فاهم حاجة، أنا مليش حد غيرك في الدنيا دي، أهلي هياكلوا ورثها لو عرفوا إنها لوحدها، هياكلوها حية”
مصطفى مقدرش يمسك دموعه خلاص، دموعه نزلت غصب عنه على خده :
“بعد الشر عليك يا عواد، متوصنيش، انت هتخف وهتربى ابنك بنفسك”
عواد بصله بصة أخيرة، بصة كلها رجاء وكسرة وخوف على اللي هيسيبهم وراه :
“أنا موصيك على جهاد وعماد في رقبتك ليوم الدين يا مصطفى، اوعدني، اوعدني إنك مش هتسيبهم”
مصطفى سجد براسه على إيد عواد وبكى زي العيل الصغير :
“أوعدك يا عواد، في رقبتي ليوم ما أموت، جهاد وعماد في عيني، أوعدك”
عواد ابتسم ابتسامة صغيرة مرتاحة وكأنه كان مستني الكلمة دي عشان يمشي، وبعدها بساعتين… مات.
الدنيا اسودت في وش مصطفى. اليومين اللي بعدهم كانوا كابوس. هو اللي حضر الغسل وكان واقف يصب المية بإيده وهو جسمه كله بيترعش، وهو اللي شال النعش على كتفه ومشي بيه في المقابر ورجليه مش شايلاه. جهاد كانت في جنب، ست حلوة وملامحها طيبة بس الحزن كاسرها ميت حتة، لابسة أسود في أسود وبتقع من طولها من العياط، وعماد ابنه ماسك في جلبيتها ومش فاهم ليه أبوه نايم ومش بيصحى.
بعد الدفنة والعزا، مصطفى معتبرش إن الموضوع خلص. بقى كل يوم يعدي عليهم، يجيب طلبات البيت، يصلح الحنفية اللي بتنقط في المطبخ اللي عواد كان كل شوية يقول هصلحها، يجيب لعب لعماد. وعماد اتعلق بيه بطريقة غريبة، بقى أول ما يسمع صوت الموتوسيكل بتاع مصطفى قدام البيت يجري على الباب وهو بيصرخ بفرحة :
“عمو مصطفى جه! عمو مصطفى جه!”
جهاد كانت بتبص للمنظر ده وقلبها موجوع، ممتنة وفي نفس الوقت مكسوفة من تعب مصطفى معاها :
“تاعب نفسك معانا يا مصطفى يا أخويا، كفاية اللي بتعمله”
مصطفى كان بيرد وهو بيحاول يضحك عماد :
“تعب إيه بس يا جهاد، ده عماد ده ابني، وعواد ده أخويا، ده واجبي”
لحد ما جه اليوم اللي قلب كل حاجة. بعد الأربعين بيومين، تليفون مصطفى رن وكانت جهاد بتعيط بصوت يقطع القلب :
“الحقني يا مصطفى، الحقني، أهل عواد هنا وبيزعقوا وعايزين يطردوني من الشقة”
مصطفى ساق الموتوسيكل كأنه مجنون، وصل لقى اتنين رجالة بجلاليب وشنبات، صوتهم عالي وبيهددوا جهاد اللي واقفة في ركن الأوضة وحاضنة عماد اللي بيعيط من الخوف. مصطفى الدم فار في عروقه، دخل زق واحد فيهم :
“انتو بتعملوا إيه هنا؟ صوتكم جايب آخر الشارع، دي حرمة راجل ميت، احترموا الميت اللي لسه دمه منشفش!”
واحد منهم رد ببجاحة :
“وانت مالك انت؟ دي شقة أخونا ومحله وورثنا، والست دي ملهاش حاجة عندنا، احنا أولى بلحم أخونا”
مصطفى قرب منه وعينه بتطق شرار :
“دي مرات أخويا، واللي هيقربلها هقطع رجله، بره، بره من هنا قبل ما أطلب البوليس”
الرجالة مشيوا وهما بيبرطموا وبيهددوا :
“هنوريكم، مش هنسيب حقنا، وبكرة المحاكم بيننا”
بعد ما مشيوا، جهاد قعدت على الأرض منهارة وبتشهق من العياط. مصطفى حس لأول مرة إن الوصية اللي في رقبته تقيلة أوي، تقيلة أكتر من الجبل.
تاني يوم راح للمحامي بتاع عواد، راجل كبير وعجوز. المحامي سمع منه وسكت شوية وبعدين قال :
“بص يا مصطفى يا ابني، عشان أكون صريح معاك، القانون في صف الست بس الإجراءات مقرفة، الشقة لو كانت باسم أبوه أو باسم العيلة ممكن يرفعوا قضية تمكين ويقرفوها، وحتة الأرض اللي عواد كاتبها باسمها هيقولوا إنها فلوس العيلة وإن البيع صوري، هي هتدوخ في المحاكم لوحدها وهي ست لوحدها”
مصطفى سأله بلهفة :
“يعني إيه الحل؟ أسيبها تتاكل؟”
المحامي بصله بصة ذات معنى :
“الحل الوحيد اللي يسكت الكل ويحفظ حقها وحق ابنها، إنها تبقى على ذمة راجل، راجل من طرف عواد ويكون أمين، ساعتها محدش هيقرب منها واهل عواد هيعرفوا إن وراها راجل واقف في ضهرها”
مصطفى روح البيت يومها وهو شايل هم الدنيا فوق دماغه. هو عنده تمانية وعشرين سنة، مهندس في شركة مقاولات وحاله مستور، وأمه كل يوم تقوله :
“اتجوز يا مصطفى يا حبيبي عايزين نفرح بيك بقى”
فضل صاحي طول الليل يفكر، وصوت عواد بيرن في ودنه “في رقبتك ليوم الدين”. قام الصبح راح لجهاد، كانت قاعدة سرحانة وعينيها وارمة من العياط.
قعد قدامها وكان متوتر جدا ومش عارف يبدأ ازاي :
“بصي يا جهاد، أنا عارف إن كلامي ممكن يضايقك أو تفهميني غلط، بس والله العظيم أنا بعمل ده عشان خاطر عواد وعشان خاطر عماد، أنا فكرت في كلام المحامي”
جهاد بصتله باستغراب وقلق :
“كلام إيه يا مصطفى؟”
مصطفى أخد نفس عميق وقال الجملة اللي كانت تقيلة على لسانه :
“أنا هتجوزك على الورق بس، جواز صوري قدام الناس وقدام الحكومة عشان أسد بوق أهل عواد وأحفظ حقك انتي وعماد، وورقة تثبت إنك على ذمتي، وأول ما المحكمة تحكم لك بالورث يتثبت باسمك وباسم الواد، هطلقك وتشوفي حياتك، وعماد هيفضل ابني طول العمر”
الصمت اللي نزل على الأوضة بعد جملة مصطفى كان أتقل من صوت الرجالة اللي كانوا بيزعقوا امبارح.
جهاد كانت قاعدة على طرف الكنبة، ضامة عماد اللي نايم على رجلها، وعينيها وسعت فجأة كأنها سمعت حاجة غلط. وشها اللي كان أصفر من العياط احمر مرة واحدة من الصدمة والكسوف. فضلت ساكتة ثواني طويلة بتبص لمصطفى كأنه واحد غريب أول مرة تشوفه.
مصطفى كان قاعد قصادها، حاطط وشه في الأرض ومش قادر يبص في عينيها من كتر الإحراج. كان سامع دقات قلبه في ودنه، وحاسس إن الكلمة اللي قالها كانت تقيلة زي الجبل :
“أنا عارف… عارف إن الكلام اللي بقوله ده يخض، بس والله ما في نيتي حاجة وحشة يا جهاد، أنا بحلف بعواد”
جهاد شهقت شهقة مكتومة وحضنت ابنها أكتر كأنها بتحميه :
“إيه اللي انت بتقوله ده يا مصطفى! انت اتجننت؟ عايز تتجوزني؟ ده عواد لسه ترابه منشفش، الناس تقول علينا إيه؟ يقولوا اتجوزت صاحب جوزها بعد فترة العدة على طول!”
مصطفى رفع عينه بسرعة وعينه مليانة وجع :
“محدش ليه عندنا حاجة يا جهاد، الناس كده كده بتتكلم، دول أهل جوزك كانوا عايزين يرموكي في الشارع امبارح، لو مكنش فيه راجل واقف في ضهرك هياكلوكي انتي والواد، أنا مش عايز منك حاجة، ده جواز على ورق بس قدام الحكومة عشان نحمي الشقة والمحل والأرض، ورقة تحفظ حق عماد”
جهاد دموعها نزلت تاني، بس المرة دي دموع حيرة وقهرة :
“ورق؟ هو الجواز بقى ورق يا مصطفى؟ وافرض الورق ده اتحول لحقيقة؟ وافرض انت في يوم صحيت وقلت عايز حقوقك كزوج؟ أنا أعمل إيه ساعتها؟”
الكلمة دي وجعت مصطفى كأنه انضرب بالقلم. قام وقف مرة واحدة :
“أنا؟ أنا يا جهاد؟ هو انتي شايفاني كده؟ ده أنا شايل عواد وهو بيموت، ده أخويا، عمري ما أبصلك البصة دي، أنا عامل كده عشان الوصية اللي في رقبتي، عشان عواد اللي قالي انتي أمانة، لو مش واثقة فيا قوليلي وأنا همشي ومش هتشوفي وشي تاني”
جهاد شافت الوجع في عينيه فندمت على كلامها، وطت راسها وهي بتعيط بصوت واطي :
“أنا آسفة… والله آسفة يا مصطفى، أنا مش قصدي، أنا بس خايفة، خايفة من كل حاجة، خايفة من أهل عواد ومن كلام الناس ومن الوحدة، أنا مبقتش عارفة الصح من الغلط خلاص”
مصطفى هدي نفسه وقعد تاني وصوته بقى أحن :
“وأنا جنبك، مش هسيبك تخافي، هنروح للمأذون، هنكتب الكتاب، وهتفضلي في شقتك معززة مكرمة زي ما انتي، وأنا هفضل في شقتي، ومحدش هيلمسك، وعماد هيفضل قدام الناس ابننا احنا الاتنين، ولما كل حاجة تتثبت في المحكمة وتاخدي حقك، هطلقك في نفس اللحظة، ولو عايزة تقطعي الورقة دي قدامي اقطعيها”
فضلت جهاد ساكتة، بتبص لعماد اللي نايم في حضنها وبيتنفس بهدوء، وبتفكر في كلام المحامي وتهديدات أهل جوزها، وإنها فعلا لوحدها في الدنيا. أخيرا مسحت دموعها وهزت راسها بضعف :
“موافقة… بس بشرط”
مصطفى بص لها بلهفة :
“قولي أي شرط”
جهاد بصتله في عينه مباشرة وعينها حمرا من العياط :
“الجواز يفضل على الورق وبس، وعماد ميتعلقش بيك أكتر من كده عشان لو اتطلقنا ميتكسرش، وتوعدني قدام ربنا إنك أول ما أقولك طلقني… تطلقني”
مصطفى من غير تردد :
“أوعدك”
بعد يومين، كانوا عند المأذون. الأوضة كانت ضيقة وحر، وريحة البخور قوية. المأذون راجل عجوز بيسأل أسئلة روتينية ومش حاسس بالزلزال اللي جوة الاتنين اللي قدامه. جهاد كانت لابسة عباية سودة وطرحة سودة، إيدها بتترعش وهي بتمضي، ومصطفى كان لابس قميص وبنطلون وماسك بطاقته وإيده ساقعة تلج.
المأذون بص لهم وابتسم :
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”
الكلمة نزلت على ودن جهاد كأنها حكم محكمة، وعلى ودن مصطفى كأنها أمانة جديدة اتحطت فوق الأمانة القديمة.
أول واحد عرف كان أم مصطفى. الست أول ما سمعت الخبر وقعت من طولها، وبعدين قامت تصوت :
“يا مصيبتي! يا مصيبتي! ابني مهندس قد الدنيا يتجوز أرملة ومعاها عيل! ليه يا مصطفى تعمل في نفسك كده! ده انت لسه عازب!”
مصطفى كان واقف في نص الصالة وبيحاول يهديها :
“يا ماما افهميني، ده جواز على الورق بس عشان أحمي مرات صاحبي وابنه، ده عواد موصيني قبل ما يموت، مينفعش أسيبهم للكلاب تنهش فيهم”
أمه ضربت على صدرها :
“تحميها هي تروح تتجوزها! كنت احميها من بعيد لبعيد، مش تلبسها في رقبتك! الناس هتقول إيه؟ هيقولوا ضحك عليك واخدتك عشان تربي ابن غيرك!”
مصطفى سكت ومعرفش يرد، لأن كلام أمه هو نفس كلام الناس اللي بدأ يظهر في الحارة. الستات في الشارع بقوا يبصوا لجهاد وهي معدية ويتهامسوا :
“شوفتي؟ اتجوزت صاحبه بسرعة ازاي؟”
“ما هو كان داخل طالع عليها من بعد ما مات”
جهاد سمعت الكلام بودانها وطلعت تجري على شقتها وقفلت الباب وقعدت تعيط بحرقة، وحست إنها دخلت سجن جديد بدل ما تخرج من سجن أهل جوزها.
وفي نفس الليلة، مصطفى كان قاعد لوحده في البلكونة، ماسك ورقة قسيمة الجواز اللي لسه طالعة، بيبص فيها وبيفتكر وش عواد وهو بيقوله “في رقبتك ليوم الدين”. لأول مرة يحس إن الورقة دي مش هتحمي جهاد بس، دي هتورطه هو كمان في حاجة أكبر بكتير من اللي كان عامل حسابه.
وفجأة تليفونه رن، كانت جهاد، صوتها بيرتعش وبتعيط :
“مصطفى… عماد سخن مولع ومش عارف ماله وبيترعش، أنا لوحدي وخايفة، تعال بسرعة”
مصطفى نط من مكانه وقلبه وقع في رجليه، ولبس أي حاجة قدامه وجري على الموتوسيكل وهو بيصرخ :
“أنا جاي حالا، متخافيش، خمس دقايق وهبقى عندك”
صوت الموتوسيكل بتاع مصطفى وهو بيفرمل قدام البيت كان عالي ومرعب في عز الليل. طلع السلم جري، تلت سلالم في نطة واحدة، وقلبه بيدق كأنه هيخرج من صدره.
فتح الباب بلهفة، لقى جهاد قاعدة على الأرض في أوضة النوم وحاضنة عماد اللي وشه أحمر مولع وجسمه بيترعش وسخن زي النار. جهاد نفسها كانت بتترعش من الخوف ودموعها مغرقة وشها.
مصطفى قرب منهم بسرعة ونزل على ركبته ومد إيده على قورة عماد، اتلسع من السخونية :
“يا حبيبي يا ابني… ده مولع، بقاله كده كتير؟”
جهاد ردت وهي بتشهق ومش قادرة تاخد نفسها :
“من ساعة ما كلمتك والحرارة عمالة تزيد، أنا عملتله كمادات ومفيش فايدة، أنا خايفة أوي يا مصطفى، لو جراله حاجة أموت”
مصطفى من غير ما يفكر، لف عماد في البطانية وشاله على دراعه كأنه ابنه اللي مخلفه، حضنه جامد في صدره :
“مفيش حاجة هتحصله طول ما أنا موجود، يلا بينا على المستشفى حالا”
جهاد قامت تجري وراه وهي مش لابسة طرحتها حتى، نزلت حافية في الشارع وركبت وراه على الموتوسيكل وهي ماسكة عماد اللي نايم في حضن مصطفى. طول الطريق مصطفى كان سايق بإيد واحدة والإيد التانية حاضن بيها الواد، وبيقول بصوت عالي عشان يطمنها ويطمن نفسه :
“اجمدي يا جهاد، هيبقى كويس، ده شوية برد جامد”
في المستشفى، الدكتور كشف على عماد وقال إنها نزلة شعبية حادة من تغيير الجو ومحتاج يبات الليلة تحت الملاحظة وياخد محاليل. جهاد أول ما سمعت كلمة يبات انهارت وقعدت تعيط.
مصطفى راح جاب كرسيين وقعدها جنبه، وبعدين جاب لها إزازة مية :
“اشربي يا جهاد، اهدي، الدكتور طمنا، قال شوية برد وهيعدي، أنا قاعد معاكم مش هتحرك من هنا”
جهاد خدت المية وإيدها بتترعش وبصتله، أول مرة تبصله مش على إنه صاحب جوزها ولا الراجل اللي متجوزها على الورق، بتبصله على إنه السند الوحيد اللي فاضل لها في الدنيا :
“أنا مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه، كل مرة بقع فيها بلاقيك انت اللي بتشيلني”
مصطفى ابتسم لأول مرة من يوم ما عواد مات، ابتسامة حنينة ومرهقة :
“ما أنا قولتلك من الأول، انتي وعماد في رقبتي، ودي مش وصية عواد بس، ده… ده بقى واجبي أنا”
الليلة دي كانت طويلة. عماد نايم على السرير والمحلول في إيده، وجهاد نايمة على الكرسي من كتر التعب وراسها مايلة على كتف مصطفى غصب عنها. مصطفى كان صاحي، بيبص على عماد شوية وعلى جهاد شوية، وحس بحاجة غريبة بتدخل قلبه، حاجة دافية ومطمنة وخوفتة في نفس الوقت. مكنش شفقة بس، كان حب، حب حقيقي اتولد وسط الخوف والمرض والورق.
تاني يوم الصبح، عماد صحي فايق وبيضحك، وأول ما شاف مصطفى قاله بصوت ضعيف :
“عمو مصطفى… انت نمت هنا؟”
مصطفى باسه من خده وقلبه بيرقص :
“أيوه يا حبيب عمو، كنت بحرسك انت وماما عشان محدش يصحيكم”
بعد شهرين ، قضية الورث اتحكم فيها. المحامي اتصل بمصطفى وهو فرحان :
“مبروك يا مصطفى يا ابني، القاضي ثبت ملكية الشقة والمحل والأرض لجهاد وعماد، خلاص حقهم رجع كامل ومحدش يقدر يقربلهم تاني”
مصطفى جري على جهاد عشان يفرحها، لقاها قاعدة بتحضر شنطة صغيرة. قلبه وقع.
مصطفى سألها بقلق :
“بتعملي إيه يا جهاد؟”
جهاد بصتله وعينيها مليانة دموع بس المرة دي دموع راحة :
“بلم هدوم عماد، خلاص يا مصطفى، وعدك وفيت بيه، الورث رجع والقضية خلصت، جه الوقت اللي تطلقني فيه زي ما اتفقنا، عشان تشوف حياتك وتتجوز وتخلف، كفاية أوي اللي عملته معانا”
مصطفى حس إن الكلمة زي الس/كينة في قلبه، سكت ثواني وبعدين قعد قصادها :
“تفتكري أنا عايز أطلقك؟”
جهاد اتفاجئت :
“مش ده اتفاقنا؟ جواز على الورق وبس؟”
مصطفى خد نفس عميق وبص في عينيها بكل الصدق اللي جواه :
“في الأول كان على الورق، آه، كنت بعمله عشان خاطر عواد، بس دلوقتي… دلوقتي أنا بعمله عشان خاطري أنا، عشان خاطر عماد اللي مبقتش أعرف أنام غير لما أسمع صوته، وعشان خاطرك انتي”
جهاد وشها احمر وقلبها دق بسرعة :
“قصدك إيه؟”
مصطفى مد إيده ومسك إيدها لأول مرة، إيده كانت دافية وثابتة :
“أنا بحبك يا جهاد، بحبك انتي وبحب عماد زي ابني وأكتر، لو عايزة الورقة اللي بيننا تتقطع، بس انا نفسي تبقى جواز بجد، قدام ربنا وقدام الناس، مش عشان نحمي ورث، عشان نحمي بعض”
جهاد مقدرتش ترد، دموعها نزلت بس المرة دي كانت دموع فرح، افتكرت عواد وافتكرت وصيته، وفهمت إن الوفاء للوصية مش إنه يحميها على الورق، الوفاء إنه يخليها تحب الحياة تاني.
وفي نفس اللحظة، باب الشقة خبط، كانت أم مصطفى داخلة ومعاها صينية بسبوسة، وشها مكسوف وبتضحك :
“ما أنا قولت أجي أبارك لمرات ابني وابن ابني، هو أنا هفضل زعلانة طول العمر ولا إيه؟ خلاص يا جهاد يا بنتي، انتي طلعتي ست جدعة وتستاهلي كل خير، ومصطفى طول عمره راجل وعينه مليانة”
عماد جري عليها وحضنها :
“تيتة جت! تيتة جت!”
مصطفى بص لجهاد وضحك ودموعه في عينيه :
“ها… موافقة تكملي معايا بجد؟”
جهاد هزت راسها وهي بتضحك من وسط دموعها :
“موافقة”
والورقة اللي بدأت كذبة عشان تحمي حق، بقت حقيقة عشان تحمي قلبين.
تمت.