أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

ماساة المستشفى كاملة

اتجوزت واحد بعد جوزي ما مات وعشنا في شقة المرحوم، وبعد اقل من شهرين بنتي اتطلقت وجات عاشت ويانا هيه وبنتها ، البيت اتكركب فجأه وحصلت خناقه لرب السما وقعت ضحيتها بنتها الصغيره ،واللي حصل في المستشفى وقتها كان

محمدمحمدالكاتب 13 د للقراءة 5.01 المراجعات
ماساة المستشفى كاملة


ماساة المستشفى كاملة حكايات زهرة حصري

image about ماساة المستشفى كاملة

اتجوزت واحد بعد جوزي ما مات وعشنا في شقة المرحوم، وبعد اقل من شهرين بنتي اتطلقت وجات عاشت ويانا هيه وبنتها ، البيت اتكركب فجأه وحصلت خناقه لرب السما وقعت ضحيتها بنتها الصغيره ،واللي حصل في المستشفى وقتها كان كارثه اكبر بكتير خلتني هفقد صوابي !
!!!!

بعد ما جوزي الله يرحمه مات، الدنيا اسودت في وشي، بس استقويت ببنتي الوحيده، وقلت مفيش حد فاضلها غيري. كبرتها وربيتها وعلمتها ، ولما تمت عشرين سنة، وهي لسة بتدرس، جوزتها لواحد حبها وحبته. قلت كدة رسالتي خلصت، والبنت بقت في بيت جوزها.
بس اللي ما عملتش حسابه هو الوحدة.
الأربع حيطان دول كانوا بيطبقوا عليا كل ليلة. البيت فاضي، ملوش صوت، وبنتي دراستها وحياتها وجوزها خدوها مني وحتى زيارة كل فين وفين مبقتش بتيجي. كنت بحس إني هتجنن لحد ما ظهر في حياتي "جمال".
جمال كان شغال مشرف فني في الإدارة اللي أنا بشتغل فيها.
راجل رزين وشخصيته حلوة، وبدأ كلام بيننا، وشوية بشوية لقيت نفسي بتعلق بيه  كنت محتاجة حد جنبي.... حد يحسسني إن لسة فيا روح، لما صارحني إنه عايز يتجوزني، الدنيا ما كانتش سيعاني من الفرحة، بس هو كان عنده مشكلة.. كان متجوز، وعنده مشاكل مع مراته الأولى، وماكنش ينفع يخليها تسيب شقته عشان اولاده منها... وفي نفس الوقت ظروف الإيجارات برة كانت نار بالنسبة له وميقدرش عليها.
أنا قلت له: "الشقة عندي فاضية وواسعة، وبنتي اتجوزت وما بتجيش، تعالى ونعيش سوا هنا." وبالفعل، اتجوزنا.. بنتي وقتها باركت لي وقالت لي "ربنا يسعدك يا ماما"، وأنا حسيت إن الدنيا أخيرًا ابتسمت لي بعد طول انتظار.
عشنا شهرين ولا أحلى.. جمال رجّع لي شبابي، البيت بقى فيه روح، وبقيت بحس إني عايشة بجد. بس الحلو ما يكملش.
بعد شهرين بالكتير، لقيت بنتي داخلة عليا بشنطة هدومها والبكاء مغرق وشها، وفي إيدها بنتها الصغيرة اللي عندها ٤ سنين. عرفت إنها اتخانقت مع جوزها خناقة كبيرة ، وسابت له البيت وجات لي غضبانة.

أنا استقبلتها  وقلت لها البيت بيتك يا بنتي.. بس من أول يوم، والجو بدا يكسره التوتر.
جمال كان واخد راحته في الشقة زي العادة، يلبس لبس مريح بيطلع بيه الصالة والمطبخ، وعادته لما يجي يقعد يسمع التلفزيون ينادي عليت اقعد معاه وهو بيتفرج، ويظهر لي حبه واهتمامه زي ما متعودين. هو اه كان يذودها شويه بس احنا كنا متجوزين جديد وكنت شايفه ان ده حقه ..لكن بنتي بدأت تتخنق. كانت حاسة إن جمال بيعمل كدة قاصد عشان يضايقها ويقول لها إن الشقة دي مش بتاعتك.
هو فعلا جمال مكانش طايق وجودها وكان دايما يلمحلي .
..بس كنت اقوله دي بنتي هعمل ايه يعني
لحد ما جه يوم وبنتي جاتلي وقالت لي بضيق: "ياماما ياريت تحتفظو باوقاتكم، مش قدامي!"
انا اتعصبت وقلت لها: "أوقات إيه اللي خاصة يا بنت أنتِ؟! اتعلمي تحافظي على كلامك وأنتِ بتكلمي أمك!"
ردت عليا بعصبية وأسلوب أشرس: "الأوقات اللي كل دقيقة بتعملوها قدامي وقدام طفلة صغيرة! عيب كدة، أنتِ مش صغيرة ولا هو صغير لحركات المراهقين دي!"
الكلمة طيرت عقلي و خرجتني عن شعوري تمامًا.. لقيت نفسي بزعق وبقول لها  "الحركات دي لو كنتِ اتعلمتيها وعملتيها مع جوزك مكنتيش اتطلقتي وجيتي لي غضبانة!"
البنت اتصدمت، ووشها جاب ألوان، وقالت لي وصوتها بيترعش: "أنتِ بتعايريني يا أمي؟!"
قلت لها بضيق : "أنتِ اللي بتقلّي أدبك! ولو مش عاجبك الوضع، جدتك قاعد لوحدها ومتمنية حد يقعد معاها يخدمها.
. خدي بنتك واقعدي معاها! كدة كدة أصلاً جمال مضايق من وجودك هنا!"


 


البنت برقت عينيها وقالت بصدمة: "هو يضايق من وجودي؟! ده بيت ابويا!
هو قاعد فيه ليه أصلاً؟!"
وفجأة، الباب اتفتح وخرج جمال على الكلمتين دول.. كان سامع كل حاجة. وشُه كان أحمر من الغضب وقالي بعصبية: "أنا مش صغير عشان اتهان كدة! من النهاردة أنا هسيب الشقة وأمشي، اقعدي مع بنتك خليها تنفعك!"
انا اتبرجلت لما قال هيسيبني.. مسكت في إيده وقلت برجاء : "لا يا جمال! عشان خاطري لا.. دي عيلة ومتقصدش، أنت عارف إني مستغناش عنك ولا أقدر أعيش من غيرك!"
بنتي قالت بغضب وهي بتبص لجمال: "لا والله؟! وأنت لما راجل كدة وقوي، قاعد هنا من الأساس ليه؟ مشوفتلهاش شقة ليه وجاي تعيش في ملك غيرك؟!"
جمال اتجنن، هجم عليها وهو بيصرخ: "اخرسي يا بت! أنا أرجل منك ومن أبوكي!"
البنت بقيت تزعق فيه وما سكتتش، وتقوله متجبش سيرة ابويا على لسانك 
وأنا وقفت في النص بينهم، عمالة أزق فيه وأتحايل عليه، وهو عايز يوصل لها يضربها ومش طايلها بسببي.. الصوت كان علّي، والبيت اتكركب
في وسط الهيصة دي كلها، كانت بنتها الصغيرة، واقفة في النص بين رجلين الكبار، بتبكي بحرقة ومش فاهمة إيه اللي بيحصل حواليها.. من شدة العصبية والعمى اللي كان فيه جمال، رفص البنت برجله في وسط الزعيق عشان يزيحها من طريقه، وهو بيصرخ في بنتي:
"خدي بنتك وغوري من وشي!"
الدفعة كانت قوية وجاهلة.. البنت طارت واتخبطت دماغها في حرف الحيطة الرخام!
صوت الخبطة بيرن في ودني لحد النهاردة.. البنت صرخت صرخة مكتومة، ووقعت على الأرض، والدم بدأ يسيل منها.
سكتنا كلنا فجأة. وجمال فاق من العصبية، وقف مصدوم ووشه اصفر، مكانش قاصد طبعًا إنه يؤذي الطفلة.. وبنتي صرخت صرخة تخض، وجريت على بنتها وشالتها بين إيديها وهي بتبكي وتدعي على جمال.

 

 

 


أخدناها وجرينا على المستشفى زي المجانين، والدموع مغرقة وشوشنا كل همنا نلحقها..
بس كل اللي فات ده كوم، واللي حصل في المستشفى كوم تاني خالص  .. مصيبة خلتني أتمنى لو كنت مت قبل اليوم ده وما شفتش اللي شفته هناك واللي طلبه جوزي مني العن بكتير!!!!
وصلنا المستشفى والدموع مغرقة وشوشنا، الأرض كانت بتلف بيا والدنيا بتظلم في عيني. الدكاترة اتلموا حوالين الطفلة وأخدوها جري على أوضة الطوارئ، وأنا وبنتي وجمال واقفين برة، ضربات قلوبنا زي الطبول، وكل ثانية بتمر كأنها سنة كاملة. بنتي كانت ماسكة في حديد السرير والدم مغرق هدومها، بتصرخ وتدعي، وأنا واقفة مش قادرة أقف على رجلي.. مرعوبة على حفيدتي، وفي نفس الوقت مرعوبة من اللي جاي.
بعد دقائق كانت أطول من العمر كله، خرج الدكتور ووشه يقطع الخلف. بصلنا بأسف وهز رأسه بقلة حيلة وقال بصوت واطي: "شدوا حيلكم.. الخبطة كانت قوية جداً وحصل نزيف حاد في المخ.. البقاء لله."
الكلمة نزل عليا زي الصاعقة، حسيت إن الروح بتتسحب مني. بنتي صرخت صرخة شقت السقف، صرخة ألم وعجز، وانهارت على الأرض ودخلت في حالة هستيريا.
الدكاترة حاولوا يمسكوها، بس هي زقتهم كلهم وجريت دخلت الأوضة اللي فيها بنتها، مسكتها بين إيديها وحضنتها بقوة وهزت جسمها الصغير وهي بتبكي بدموع تحرق الحجر: "قومي يا جودي.. قومي يا قلب أمك.. متسبنيش يا ناهد، قومي يا حبيبتي عشان خاطري!"
في اللحظة دي، لقيته بيتسحب وبيشدني من دراعي على جنب. وشه كان أصفر زي الميت، وعرقان، وصوته بيترعش من الخوف. ناداني بصوت واطي ومخنوع وقال لي: "يا حبيبتي.. أنتِ أكيد عارفة إن مش قصدي.. أنا كنت بعصبية، وربنا يعلم إني ما أردتش أؤذيها! دلوقتي المستشفى أكيد هتبلغ البوليس والظابط يجي، وأنا كدة مستقبلي يضيع وأروح في داهية.. خلي بنتك تقول إنها عيلة ووقعت وهي بتلعب! ماشي يا حبيبتي؟ قولي لها تقر بكدة عشان تحميني!
"
أنا كنت مصدومة.. دماغي مش قادرة تستوعب حجم الكارثة، ولا الخوف اللي تملك مني. كنت حزينة ومكسورة على حفيدتي اللي راحت في لحظة طيش، بس في نفس الوقت... العمي والضعف خادوني، وما كنتش عايزة أخسر جمال، الراجل اللي حسيت معاه إن ليَّ قيمة ووجود بعد سنين وحدة. بصلت له بعيون زايغة، وجسمي بيترعش، وهزيت رأسي بالموافقة من غير ما أنطق كلمة.
مشيت بخطوات تقيلة ومترددة لداخل الأوضة. بنتي كانت لسة منهارة، حاطة وشها في صدر بنتها المتوفية وبتبكي بحرقة تكسر القلب. قربت منها بتوتر شديد، وحطيت إيدي على كتفها وقلت لها بصوت مخنوق وبيترعش: "اهدي يا قلبي.. اهدي يا ناهد عشان خاطر ربنا، البكاء مش هيرجعها.."
ناهد رفعت رأسها ببطء، وبصت لي بحدة وعيون حمرا زي النار.. نظرة كأنها بسكينة بتدبحني في صدري، نظرة كانت بتقول لي فيها بكل وضوح: "أنتِ السبب.. أنتِ اللي جبتيه البيت، وأنتِ اللي بعتيني عشان خايفة تضيعيه من إيدك."
أنا ارتبكت جداً من نظرتها، وما استحملتش الشك اللي في عينيها، فرديت بقلة حيلة وأسلوب اندفاعي يحمي موقفي وموقف جمال: "أنا ذنبي إيه بس يا ناهد؟! اللي حصل ده قدر ومكتوب!
ياريت تكبري عقلك وتفكري في اللي جاي.. لما يجي الظابط، قولي له إنها كانت بتلعب ووقعت على حرف الحيطة.. محدش قاصد يقتلها يا بنتي!"
 

 

 


أنا ارتبكت جداً من نظرتها، وما استحملتش الشك اللي في عينيها، فرديت بقلة حيلة وأسلوب اندفاعي يحمي موقفي وموقف جمال:
"أنا ذنبي إيه بس يا ناهد؟! اللي حصل ده قدر ومكتوب! ياريت تكبري عقلك وتفكري في اللي جاي.. لما يجي الظابط، قولي له إنها كانت بتلعب ووقعت على حرف الحيطة.. محدش قاصد يقتلها يا بنتي!"
ناهد بصت لي بصدمة رهيبة.. الصدمة شلت لسانها لثواني، وكأنها مش مصدقة إن الكلام ده طالع من أمها! وقفت على حيلها ببطء، وبصت لي بذهول وقالت بصوت مكسور ومحمل بوجع أعمق من الموت نفسه: "ده كل همك؟! خايفة عليه هو ومهمكيش دم بنتي اللي سال على الأرض؟! أنقذ جوزك على حساب حق بنتي الصغيرة؟!.. أنا من النهاردة معنديش أم!"
الكلمة نزلت على قلبي قطعت عروقه.
الكلمة كانت أتقل وأقسى من الموت نفسه.. "معنديش أم". حسيت بسكينة اتمشّت في أحشائي، بس الكبرياء والعمى كان لسة مكتفني.
وفجأة، الباب اتفتح بقوة، ودخل "طليق بنتي" - أبو الطفلة - لما المستشفى كلموه وعرف الخبر. الراجل دخل ووشه شاحب، مش مصدق إن بنته الوحيدة راحت. أول ما شاف جثة بنته الملفوفة على السرير، انهار ووقع على ركبه، وجري على بنتي ناهد وزعق فيها بصرخات مكتومة ودموع قاسية: "عملتي إيه في البنت؟! أنا غلطان إني سبتك تمشي بيها وجبتيها الشوم ده! بنتي راحت بسببك وبسبب استهتارك!"
لكن ناهد وقتها... ما ردتش عليه ولا حتى بكلمة. كانت مش حاسة بأي حاجة حواليها، قاعدة في الصدمة الرهيبة، عينيها مبلمة في الفراغ، مش بتبكي ولا بتصرخ، كانت حرفياً على وشك إنها تتجنن! هيئتها وصمتها المريب كان يصعب على الكافر.. لدرجة إن طليقها لما شاف منظره ده، نسي غضبه، وقرب منها وهو بيعيط وبيقعد جنبها على الأرض ويحاول يواسيها ويمسك إيدها ويقولها:
"خلاص يا ناهد.. خلاص يا حبيبتي، ادعي لها بالرحمة.. ربنا يصبرنا."
في اللحظة دي بالذات.. وأنا واقفة متفرج في الزاوية، شايف طليقها بيواسيها بعد كل اللي اتقال، وشايفة بنتي بتنتهي وتضيع قدام عيني، وكأنها شمعة بتسيح وتنطفي..

حسيت بقرف من نفسي معقوله طليقها بيصبرها وانا امها واقفه بعيد  الغشاوة بدأت تتقشع عن عيني.
الأنا الغبية والخوف الرخيص على جمال بدأوا يختفوا، وظهرت الحقيقة المرة المجرّدة: أنا ضحيت بدم بنتي وحفيدتي عشان راجل أناني ما يسواش!
المشهد كان بيتقطع في قلبي. حست باللي عملته، حسيت بحجم الكارثة والجريمة اللي شاركت فيها بالسكوت والمساومة. بنتي كانت بتموت بالبطيء قدامي، وأنا السبب الرئيسي في كل نقطة دم ونقطة وجع!
وفجأة.. دخل ظابط المباحث معاه أمين شرطة، والهدوء ساد المكان. الظابط بصلنا بجدية وقال: "البقاء لله يا جماعة.. إحنا محتاجين نعرف إيه اللي حصل بالضبط عشان تقرير النيابة ومعاينة الطب الشرعي.
"
جمال وقف ورايا بسرعة، وبص لي بنظرة رجاء وخوف، كأنه بيفكرني باتفاقنا الشيطاني.



لكن في اللحظة دي.. أنا بصيت لبنتي ناهد اللي كانت حاضنة جثة بنتها كأنها قطعة منها، ودموعها نازلة من غير صوت.
. وبصيت لجثة الطفلة البريئة اللي طارت روحها بسبب طيش وشهوة ووجود راجل غريب في بيت أبوها.
الدم يغلي في عروقي، وحسيت بصوت ضميري بيصرخ أخيرًا ويصحيني من الكابوس. بعت كل حاجة، وخوفي طار، وما بقتش شايفة غير بنتي وحق الطفلة اللي راحت.
رديت على الظابط بصوت جهوري وواضح، والدموع مغرقة وشي: "اللي حصل يا حضرت الظابط إن الراجل ده.." وأشرت بصابعي مباشرة على جمال اللي وشه اصفر وأسود في لحظة ".. الراجل ده هو اللي دفع الطفلة بقسوة وبكل غل أثناء خناقة معانا، ودماغها اتخبطت في الرخام وماتت! هو القاتل!"
جمال صرخ بذعر: "أنتِ بتقولي إيه يا مريضة؟! أنتِ اتجننتي؟!"
بس الظابط أدى إشارة فورية لأمين الشرطة، وفي ثواني كان الكلبش بيقفل على إيدين جمال وهو بيزعق وبيشتمني، واقتادوه برة الأوضة زي الكلب.
أنا مشيت بخطوات مكسورة، ووقعت على ركبي جنب ناهد على الأرض.. قربت منها وأنا بكي بدموع العجز والندم، وحضنتها هي وبنتها الميتة مع بعض.
. أخدتهم في حضني بقوة، ودموعي بتنزل على وش بنتي وعلى دراع الطفلة الصافية.
كنت ببوس رأس بنتي وبقول لها بصوت مكسور: "سامحيني يا ناهد.. سامحيني يا بنتي، أنا السبب.. أنا اللي عمتني الدنيا.. سامحيني يا حبيبتي."
بس للأسف.. ناهد ما تحركتش، ولا ردت عليا، ولا حتى بصلت لي. كانت نظرتها متثبتة في السقف، وجسمها بارد كأنه ميت هي كمان. حضنتها بكاءً وندماً، بس كان خلاص... الحضن جه بعد فوات الأوان. خسرت حفيدتي، وخسرت بنتي، وخسرت نفسي.. والبيت اللي حاربت عشان أملأه بالدفء، بقى أقسى وأبرد من المقابر.
وبعد اليوم الأسود ده، الدنيا اسودت أكتر، والعمر وقف بيا عند لحظة خروجي من المستشفى. جمال أخد جزاءه واتحكم عليه بالسجن، بس السجن الحقيقي هو اللي أنا حبت نفسي جواه... سجن الندم والذنب اللي بياكل في قلبي كل ثانية.
ناهد بنتي... من لحظة ما سحبوا جثة بنتها من بين إيديها، عقلتها وقفت، ومبقيتش تنطق ولا كلمة. الصدمة كانت أكبر من قدرة استيعابها، ودخلت في حالة ذهول وتجمد نفسي تام. الدكاترة قالوا إنها صدمة عصيبة حادة أدت لذهان واكتئاب جسيم، وما كانش قدامنا غير إننا ننقلها لمستشفى الصحة النفسية والعصبية عشان تكون تحت الرعاية على مدار 24 ساعة.
بقالي شهور طويلة على الحال ده.. حياتي اتحولت لطقس يومي مرير. أصحى الصبح على السكوت الموحش اللي مالك الشقة الشوم، نفس الشقة اللي فضّلت راجل غريب فيها على راحة بنتي وبنتها.
ألم هدومي وأحضر شنطة صغيرة فيها الأكل اللي ناهد كانت بتحبه، وأمشي بخطوات تقيلة رايحة المستشفى.
أقعد قصادها في الأوضة البيضا الباردة، هي قاعدة على الكرسي جنب الشباك، بتبص في الفراغ ويديها ملمومة على صدرها كأنها لسة شايلة بنتها. عينيها فاضية، مش بتترمِش، ولا بتسجل وجودي أصلاً. أقرب منها، أحط إيدي على دراعها، وأتحايل عليها تأكل لقمة واحدة، بس هي ولا هنا... حيطة سد، لا بتصرخ ولا بتعيط ولا بتتكلم.
كل يوم بقعد تحت رجليها على الأرض، أبوس إيديها ورجليها وأبكي بدموع تحرق وشي وأولها:
"ردي عليا يا ناهد.. شتميني، اضربيني، اخنقيني بإيدك بس انطقي! قوليلي أي حاجة يا بنتي، بلاش العذاب ده!"... بس السكوت بيكون هو الرد الوحيد. السكوت اللي بيقطع في قلبي زي المشرط.
أرجع بيتي بالليل، أقعد في الصالة اللي شهدت الجريمة، وألعن نفسي وألعن الساعة اللي فكرت فيها في جواد أو جربت أهرب بيها من الوحدة. ألعن اليوم اللي اتجوزت فيه جمال، واليوم اللي صدقت فيه إن راجل غريب ممكن يعوضني أو يملى عليا دنيتي. يا رتني فضلت وحيدة، يا رتني قفلت الباب عليا وعشت على ذكرياتي، ولا إني أكون السبب في قتل حفيدتي وضياع بنتي بالمنظر ده!
أنا خسرت كل حاجة... خسرت أمومتي، وخسرت عفتي وصنت بيتي، وخسرت بنتي الوحيدة اللي بقت جسد بلا روح عايش بين حيطان مستشفى المجانين. كل ليلة بمر فيها على أوضتها الفاضية في الشقة، بمسك لعبتها وصورتها وأبكي لحد ما عيني تعمى، وأتمنى لو الموت يجي ياخدني ويخلصني من نار الذنب دي... بس حتى الموت مش راضي يريحني،
وسايبني عايشة في جحيم الدنيا، أصحى كل يوم عشان أزور بنتي في المستشفى، وأشوف بعيني ثمن أنانيتي وغبائي اللي هد حياتنا كلها
 

تابع جديد محمد

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق