أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

سكريبت جاري كاملة

طلبت من جاري اللي ساكن فوقي 3 مرات إنه يبطل يرمي أكياس الشاي المستعملة على بلكونتي. أول مرة اعتذر. تاني مرة تجاهل كلامي وكأنه مش سامعني. تالت مرة ضحك في وشي. فسكت. وقررت أتعامل مع الموضوع بطريقة تانية. كل يوم كان

محمدمحمدالكاتب 24 د للقراءة 0.00 المراجعات
سكريبت جاري كاملة

 سكريبت جاري كاملة حكايات صافي هاني


 


 

سكريبت جاري كاملة حكايات صافي هاني


 

طلبت من جاري اللي ساكن فوقي 3 مرات إنه يبطل يرمي أكياس الشاي المستعملة على بلكونتي. أول مرة اعتذر. تاني مرة تجاهل كلامي وكأنه مش سامعني. تالت مرة ضحك في وشي. فسكت. وقررت أتعامل مع الموضوع بطريقة تانية. كل يوم كان كيس شاي مستعمل بيعدي من فوق السور وينزل عندي.


 

 


 

واحد تقريبًا كان بيوصل الساعة 7 الصبح.


 

وواحد تاني حوالي الساعة 9 بالليل.


 

روتينه كان ثابت لدرجة إني بقيت أعرف الساعة كام من كيس الشاي اللي بينزل عندي.


 

في الأول افتكرت إنها صدفة.


 

لقيت كيس شاي مبلول على أرض البلكونة فشيلته ورميته في الزبالة ومفكرتش في الموضوع.


 

قلت مش مشكلة.


 

لكن بعدها واحد تاني ظهر.


 

وبعده واحد كمان.


 

وفي الأسبوع التاني خرجت البلكونة فلقيت كيس شاي مرمي بالظبط فوق فوطة حمام بيضا كنت ناشراها على السور عشان تنشف.


 

بقعة بنية غامقة انتشرت في القماش.


 

ساعتها قررت أطلع له.


 

شقتة كانت رقم 4 ب.


 

خبطت على الباب.


 

لما فتح لي كنت ماسكة كيس الشاي في إيدي ورفعته قدامه.


 

وقلت له:


 

“ده بتاعك؟”


 

شكله اتكسف فعلًا.


 

وقال:


 

“يا نهار أبيض! ده نزل مني؟”


 

قلت له:


 

“دي حصلت كذا مرة.”


 

حط إيده على جبهته وقال:


 

“أنا آسف والله. أنا الصبح ببقى لسه صاحي بالعافية. ساعات بخلص الشاي وأنا واقف في البلكونة وبرمي الكيس من غير ما آخد بالي.”


 

صوته كان باين عليه الصدق.


 

وقال:


 

“خلاص مش هتتكرر.”


 

شكرته ونزلت شقتي.


 

ولكام دقيقة حتى بدأت أقول لنفسي يمكن أنا كبرت الموضوع أكتر من اللازم.


 

لكن جه تاني يوم الصبح.


 

ونزل كيس شاي جديد على بلكونتي.


 

وبرضه ما طلعتش أواجهه فورًا.


 

استنيت.


 

3 أسابيع كاملين.


 

أنا ساكنة في العمارة دي بقالى 11 سنة.


 

عمري ما كنت الجارة اللي تشتكي عشان حد شغل أغاني بصوت عالي شوية يوم أو عشان كرتونة توصيل فضلت في مدخل العمارة عشرين دقيقة.


 

أنا بحب أعيش في حالي.


 

وبساعد الناس لما أقدر.


 

وعشان كده فضلت أقول لنفسي إن الموضوع مش مستاهل يتحول لخناقة بين الجيران.


 

لحد ليلة من الليالي سمعت صوت خبط خفيف برا.


 

فتحت باب البلكونة.


 

لقيت كيس شاي لسه مبلول واقع بالظبط فوق مخدة الكرسي اللي عندي في البلكونة.


 

السائل كان اتشرب في القماش بالفعل.


 

شيلته بإيدي.


 

وبصيت للبقعة وهي بتنتشر أكتر وأكتر.


 

وساعتها قررت إني استحملت كفاية.


 

طلعت له تاني.


 

فتح الباب.


 

قلت له:


 

“إنت لسه بترمي أكياس الشاي على بلكونتي.”


 

بص لي بمنتهى البرود.


 

وقال:


 

“ده كيس شاي بس.”


 

قلت له:


 

“الكيس بيسيب بقع وبيبوظ حاجتي. واحد قبل كده بوظ الفوطة ودلوقتي مخدة الكرسي اتبهدلت.”


 

اتسند على إطار الباب كأنه زهقان من الكلام كله.


 

وقال:


 

“إنتِ ساكنة تحتي. الحاجات بتقع. دي طبيعة السكن في العمارات.”


 

بصيت له وقلت:


 

“إنت مش بتوقعهم بالغلط. إنت بترميهم عمدًا من فوق السور.”


 

هز كتفه.


 

وبعدين ضحك.


 

وقال:


 

“بصراحة المفروض تشكريني إن اللي بيرميه شاي بس.”


 

لثواني افتكرت إني فهمته غلط.


 

قلت له:


 

“نعم؟”


 

قال:


 

“يعني ممكن الموضوع يبقى أسوأ من كده.”


 

وبعدين قفل الباب في وشي.


 

فضلت واقفة في طرقة العمارة تقريبًا دقيقة كاملة.


 

11 سنة.


 

أنا اللي كنت بسقي زرع الجيران لما يسافروا.


 

وباخد بالي من حيواناتهم الأليفة.


 

وبستلم طلباتهم.


 

وبمضي على الطرود بتاعتهم لما يكونوا مش موجودين.


 

وطول الشتاء كنت باستلم شحناته هو كمان كل ما يكون بره البيت.


 

وساعتها فهمت حاجة مهمة جدًا.


 

هو مش فارق معاه أكياس الشاي.


 

ومش فارق معاه لو الأكياس بوظت حاجة عندي.


 

هو كان عايز رد فعل.


 

كان عايزني أخبط على بابه.


 

وأزعق في طرقة العمارة.


 

وأتعصب لدرجة إنه بعد كده يحكي لكل الناس عن الجارة اللي ساكنة تحته وإنها ست مستفزة وعملت مشكلة كبيرة عشان “كيس شاي صغير”.


 


 

وأنا ما كنتش هديه الحكاية دي.


 

لكن قررت أديه فرصة أخيرة.


 

قلت لنفسي لو بكرة الصبح مفيش كيس شاي نزل على بلكونتي هنسى الموضوع كله.


 

لا شكاوى.


 

ولا خناقات.


 

ولا كلام.


 

خلاص.


 

تاني يوم الصبح خرجت البلكونة وأنا لابسة الروب بتاعي.


 

الساعة كانت 7 و4 دقايق.


 

وبجانب أصص الزرع كان فيه كيس شاي مبلول جديد.


 

بالظبط في نفس المكان اللي كان بينزل فيه تقريبًا كل يوم.


 

رفعت عيني وبصيت لبلكونته.


 

وبعدين بصيت لكيس الشاي.


 

وبدل ما أتعصب ابتسمت.


 

دخلت جوه.


 

شربت قهوتي للآخر.


 

وقبل ما أخلص الكوباية كنت عارفة بالظبط هعمل إيه.


 

مفيش تهور.


 

ومفيش تخريب.


 

ومفيش حاجة ممكن تدخلني أنا أو هو في مشكلة.


 

مجرد رد هادي ومنطقي جدًا يخليه يلاقي صعوبة كبيرة في إنه يفضل يتصرف كأن اللي بيعمله مش بيأثر على حد تاني.


 

خدت يوم كامل وأنا بجهز.


 

وتاني يوم الصبح كنت قاعدة أصلًا في البلكونة قبل الساعة 7.


 

القهوة في إيدي.


 

وتليفوني جنبي.


 

مفيش زعيق.


 

مفيش عصبية.


 

أنا بس كنت مستنية.


 

الساعة 7 و3 دقايق سمعت باب بلكونته بيتفتح فوقي.


 

وبعدها بثواني سمعت خطوات.


 

وبعدين بالظبط الساعة 7 و4 دقايق ظهرت إيده فوق السور.


 

وكان ماسك كيس شاي مستعمل بين صوابعه.


 

لكن المرة دي…


 

أنا كنت مستعدة.😱😱😱


 


 

الساعة 7 و4 دقايق بالظبط ظهرت إيده فوق السور.


 

كان ماسك كيس الشاي بين صوابعه.


 

فضلت قاعدة مكاني من غير ما أتحرك.


 

ثانيتين.


 

تلاتة.


 

وبعدين إيده اتحركت لقدام عشان يرمي الكيس.


 

في اللحظة دي مدّيت إيدي وفتحت المظلة الصغيرة اللي كنت حطاها فوق البلكونة.


 

الكيس خبط في القماش ونزل قدامي على الأرض بدل ما يقع على الزرع أو الهدوم.


 

وفوقي سمعت صوت مكتوم.


 

واضح إنه اتفاجئ.


 

رفعت عيني ناحية بلكونته وقلت بصوت هادي:


 

“صباح الخير يا أستاذ محمود.”


 

مفيش رد.


 

ضحكت بهدوء وقلت:


 

“الكيس وصل.”


 

بعد كام ثانية ظهر وشه فوق السور.


 

بص للمظلة وبعدين بص لي.


 

وقال:


 

“إنتِ كنتِ مستنياني؟”


 

قلت:


 

“آه.”


 

ضحك ضحكة قصيرة وقال:


 

“إيه اللي إنتِ عاملاه ده؟”


 

قلت:


 

“ولا حاجة. بس بما إنك قلت إن الحاجات بتقع طبيعي في العمارات، حبيت أحمي حاجتي من الحاجات اللي بتقع.”


 

سكت.


 

بص للكيس اللي على الأرض.


 

وبعدين قال:


 

“إنتِ مكبرة الموضوع أوي.”


 

قلت:


 

“أنا مش مكبرة الموضوع. أنا بس بطلت أتعامل معاه بالطريقة اللي إنت متعود عليها.”


 

قال بعصبية:


 

“يعني إيه؟”


 

قلت:


 

“يعني من النهارده كل كيس شاي هينزل عندي هيتجمع.”


 

قال:


 

“وبعدين؟”


 

قلت:


 

“ولا حاجة.”


 

“يعني إيه ولا حاجة؟”


 

قلت:


 

“لما يبقى عندي عدد كفاية هطلع لحضرتك بيهم.”


 

اتعصب وقال:


 

“إنتِ بتهدديني؟”


 

رديت بهدوء:


 

“لا. أنا بوصف لك اللي هيحصل.”


 

قعد يبص لي ثواني.


 

وبعدين اختفى من فوق السور.


 

دخلت جوه.


 

ومكملتش قهوتي.


 

كنت عارفة إن الموضوع مش هينتهي هنا.


 

لأن الإنسان اللي بيعمل حاجة صغيرة جدًا بشكل متعمد رغم إنه عارف إنها بتضايق غيره، غالبًا المشكلة عنده مش في الحاجة نفسها.


 

المشكلة في إنه عايز يثبت إنه يقدر يعملها.


 

ومحمود كان واضح إنه بدأ يعتبر الموضوع تحدي.


 

الساعة 9 بالليل وأنا في المطبخ سمعت صوت خفيف على البلكونة.


 

خرجت.


 

لقيت كيس شاي جديد.


 

بس المرة دي كان مربوط بخيط صغير.


 

رفعت الكيس وبصيت لفوق.


 

بلكونته كانت مقفولة.


 

ابتسمت.


 

دخلت.


 

حطيت الكيس في كيس بلاستيك صغير وعلقت عليه ورقة كتبت فيها التاريخ والساعة.


 

“الساعة 9:02 مساءً.”


 

تاني يوم الصبح حصل نفس الشيء.


 

الساعة 7:05.


 

كيس.


 

وبعدها الساعة 9:01.


 

كيس.


 


 

وفي اليوم اللي بعده كمان.


 

وفي اليوم اللي بعده.


 

لحد ما بقى عندي على جنب حوالي عشرة أكياس.


 

كنت كل مرة بحط التاريخ والساعة.


 

مش عشان أنتقم.


 

لكن عشان ما يقدرش بعد كده يقول إن الموضوع كان مرة أو مرتين أو مجرد صدفة.


 

وفي اليوم الرابع وأنا واقفة في البلكونة سمعت صوت جارتي أم خالد من الدور التاني بتناديني.


 

“يا بنتي!”


 

بصيت لتحت.


 

كانت واقفة في بلكونتها.


 

قلت:


 

“نعم يا أم خالد؟”


 

قالت:


 

“هو إنتِ بتجمعي إيه في الأكياس دي؟”


 

بصيت ناحية الأكياس.


 

وقلت:


 

“حاجة بسيطة.”


 

قالت:


 

“أكياس الشاي؟”


 

ضحكت.


 

“آه.”


 

قالت:


 

“محمود لسه بيرميهم؟”


 

سكت.


 

هي بصت لي وقالت:


 

“أنا كنت عارفة.”


 

قلت:


 

“إنتِ عارفة؟”


 

قالت:


 

“ده من زمان.”


 

نزلت صوتها وقالت:


 

“قبل ما إنتِ تيجي العمارة دي أصلًا، كان بيعمل حاجات شبه كده.”


 

سألتها:


 

“زي إيه؟”


 

قالت:


 

“مشاكل صغيرة. حاجات تخلي الواحد يشك إنه بيتعمد يستفزه.”


 

“يعني؟”


 

قالت:


 

“مرة كان بيحط زبالة صغيرة قدام باب حد معين. ومرة كان بيركن موتوسيكل قدام مدخل الجراج. ومرة كان بيحط كراتين عند باب السلم.”


 

قلت:


 

“وبيعمل كده ليه؟”


 

هزت كتفها.


 

“محدش عارف.”


 

سكتنا شوية.


 

وبعدين قالت:


 

“بس خدي بالك منه.”


 

قلت:


 

“أنا مش خايفة.”


 

قالت:


 

“أنا مش بقول لك خافي.”


 

وبصت ناحية شباك محمود.


 

“أنا بقول لك ما تدخليش معاه في لعبة أعصاب.”


 

دخلت شقتي وأنا بفكر في كلامها.


 

كنت طول عمري بكره المشاكل.


 

لكن لأول مرة بدأت أفهم إن السكوت ساعات بيخلي بعض الناس يفتكروا إنهم يقدروا يزودوا.


 

في نفس اليوم بالليل، سمعت خبط على باب شقتي.


 

فتحت.


 

كان محمود.


 

واقف قدامي ووشه متغير.


 

قال:


 

“ممكن نتكلم؟”


 

قلت:


 

“اتفضل.”


 

قال:


 

“إنتِ ليه بتجمعي أكياس الشاي؟”


 

قلت:


 

“عشان أثبت إنها بتوصل عندي.”


 

قال:


 

“تثبتي لمين؟”


 

قلت:


 

“لنفسي.”


 

قال:


 

“إنتِ عايزة تعملي مشكلة؟”


 

قلت:


 

“لأ.”


 

“أمال بتعملي إيه؟”


 

قلت:


 

“بحمي نفسي من مشكلة أكبر.”


 

فضل ساكت.


 

وبعدين قال:


 

“بصي، أنا ممكن أوقف الموضوع.”


 

قلت:


 

“كويس.”


 

قال:


 

“بس بشرط.”


 

بصيت له.


 

“إيه؟”


 

قال:


 

“ما تعمليش فيها محققة.”


 

استغربت.


 

“محققة؟”


 

قال:


 

“التاريخ والساعة والأكياس اللي بتحطيها دي.”


 

قلت:


 

“دي حاجتي.”


 

قال:


 

“إنتِ بتستفزيني.”


 

قلت:


 

“أنا حتى ما كلمتكش من أربع أيام.”


 

قال:


 

“بس بتجمعي.”


 

قلت:


 

“إنت اللي بترمي.”


 

قال:


 

“يعني لو بطلت، تخلصي؟”


 

قلت:


 

“آه.”


 

فضل ساكت لحظة.


 

وبعدين قال:


 

“خلاص.”


 

وقبل ما يمشي قلت:


 

“محمود.”


 

لف.


 

قلت:


 

“أنا فعلًا مش عايزة مشاكل.”


 

قال:


 

“ولا أنا.”


 

قلت:


 

“يبقى خلينا كل واحد يعيش في شقته.”


 

هز رأسه.


 

ومشي.


 

قفلت الباب وأنا لأول مرة أحس إن الموضوع خلص.


 

لكن كنت غلطانة.


 

لأن الساعة 7 الصبح تاني يوم…


 

سمعت الصوت.


 

فتحت البلكونة.


 

لقيت كيس شاي.


 

بس المرة دي كان عليه ورقة صغيرة.


 

فتحتها.


 

كان مكتوب:


 

“اتفضلي.”


 

وقفت أبص للكلمة.


 

حسيت إن دمي غلي.


 

مش بسبب كيس الشاي.


 

لكن بسبب الاستهزاء.


 

دخلت المطبخ وحطيت الورقة قدامي.


 

وبعدين قعدت أفكر.


 

هل أطلع؟


 

هل أواجهه؟


 

هل أكلمه؟


 

وبعد حوالي نص ساعة قررت إني مش هعمل أي حاجة.


 

بس هبدأ أتصرف بطريقة مختلفة.


 

اتصلت ببواب العمارة، عم عبده.


 

قلت له:


 

“عم عبده، ممكن تطلع لي فوق شوية؟”


 

طلع.


 

وريته الأكياس والورقة.


 

قرأها.


 

وبص لي باستغراب.


 

قلت:


 

“أنا مش عايزة خناقة. بس عايزة حضرتك تبقى عارف.”


 

قال:


 

“هو محمود؟”


 

قلت:


 

“آه.”


 

تنهد.


 

وقال:


 

“كنت متوقع.”


 

سألته:


 

“يعني إيه؟”


 

قال:


 

“الراجل ده مش سهل.”


 

قلت:


 

“أنا مش عايزة أضايقه.”


 

قال:


 

“المشكلة إنه لما حد ما يردش عليه بيعتبره ضعيف.”


 

قلت:


 

“وأنا مش هرد عليه.”


 

قال:


 

“وده أحسن.”


 

وبعدين قال:


 

“بس خدي بالك.”


 

قلت:


 

“من إيه؟”


 

قال:


 

“هو مش أول مرة يعمل مشكلة مع حد.”


 

سألته:


 

“حصل إيه؟”


 

قال:


 

“قبل كده كان فيه ساكن في الدور الرابع.”


 

“أيوه؟”


 

“اتخانق معاه على موضوع صغير.”


 

“وبعدين؟”


 

“الراجل مشي من العمارة بعد كام شهر.”


 

“بسبب محمود؟”


 

عم عبده هز كتفه.


 

“مش هقدر أقول لك بسبب محمود.”


 

وبعدين سكت لحظة وقال:


 

“بس المشاكل بدأت بعد ما سكن محمود فوقه.”


 

الكلام فضل في دماغي طول اليوم.


 

وبالليل حصل شيء غريب.


 

وأنا بقفل الشباك سمعت صوت حاجة وقعت في السلم.


 

خرجت أبص.


 

لقيت كرتونة صغيرة قدام باب شقتي.


 

رفعتها.


 

كان عليها اسمي.


 

استغربت.


 

دخلت بيها.


 

ما كانتش طالبة من أي مكان.


 

فتحتها.


 

لقيت جوه مجموعة حاجات قديمة أنا فاكرة إني كنت رميتها من سنين.


 

صور.


 

أوراق.


 

دفتر صغير.


 

وصورة قديمة جدًا للعمارة.


 

مسكت الصورة.


 

وفي ظهرها مكتوب:


 

“الدور التالت كان فاضي.”


 

وقفت مكاني.


 

مين حط الكرتونة دي؟


 

وليه؟


 

قلبت باقي الحاجات.


 

لقيت ورقة مطوية.


 

فتحتها.


 

كان مكتوب:


 

“إنتِ مش أول واحدة.”


 

قلبي دق بسرعة.


 

وقفت أبص للورقة.


 

مين “إنتِ”؟


 

ومين اللي كتبها؟


 

فتحت باب الشقة بسرعة وبصيت في الطرقة.


 

مفيش حد.


 

نزلت الدور الأول.


 

مفيش حد.


 

رجعت.


 

وقبل ما أدخل شقتي سمعت صوت باب بيتقفل فوق.


 

رفعت عيني.


 

باب شقة محمود كان بيتقفل.


 

وقفت.


 

هو كان بيراقبني؟


 

دخلت وقفلّت الباب بالمفتاح.


 

لأول مرة حسيت إن الموضوع خرج من نطاق أكياس الشاي.


 

تاني يوم الصبح ما نزلش كيس.


 

ولا بالليل.


 

ولا اليوم اللي بعده.


 

قلت يمكن خلاص.


 

لكن في اليوم الثالث لقيت ظرف أبيض تحت باب شقتي.


 

فتحته.


 

جواه صورة ليا وأنا واقفة في بلكونتي.


 

الصورة متاخدة من بعيد.


 

وفي أسفلها مكتوب:


 

“لسه مش فاهمة؟”


 

وقفت مكاني وأنا ماسكة الصورة.


 

الموضوع بقى مرعب.


 

اتصلت بأخويا كريم.


 

قلت له:


 

“ممكن تيجي عندي؟”


 

سألني:


 

“فيه إيه؟”


 

قلت:


 

“تعالى بس.”


 

بعد حوالي ساعة وصل.


 

وريته الصورة.


 

وشه اتغير.


 

قال:


 

“إنتِ مصورة؟”


 

قلت:


 

“لأ.”


 

قال:


 

“مين حاططها؟”


 

قلت:


 

“مش عارفة.”


 

سألني:


 

“فيه حد بينك وبينه مشاكل؟”


 

قلت:


 

“محمود.”


 

حكيت له كل حاجة.


 

من أكياس الشاي لحد الورقة والصورة.


 

كريم فضل ساكت.


 

وبعدين قال:


 

“إنتِ لازم توثقي كل حاجة.”


 

قلت:


 

“أنا مش عايزة أعمل محضر.”


 

قال:


 

“مش لازم تعملي محضر دلوقتي. بس لازم يبقى عندك كل حاجة.”


 

صورنا الأكياس.


 

الورقة.


 

الصورة.


 

الكرتونة.


 

وسجلنا التواريخ.


 

وفي نفس اليوم اتكلمت مع اتحاد الملاك.


 

كانت الست نجلاء، المسؤولة عن العمارة.


 

حكيت لها.


 

قالت:


 

“أنا بصراحة كنت مستنية حد يشتكي.”


 

قلت:


 

“يعني؟”


 

قالت:


 

“محمود اتكلمنا معاه قبل كده.”


 

“في إيه؟”


 

قالت:


 

“في حاجات كتير.”


 

طلعت ملف من درج صغير.


 

قالت:


 

“بصي.”


 

كان فيه شكاوى قديمة.


 

مش كلها باسمه.


 

لكن كلها مرتبطة بنفس الشقة.


 

إزعاج.


 

مشاكل في الممر.


 

حاجات بتترمي من البلكونة.


 

مشاجرات على أماكن الركن.


 

حاجات بسيطة منفردة.


 

لكن لما جمعتها كلها قدام عيني فهمت إن اللي حصل معايا مش حالة منفصلة.


 

قلت:


 

“طيب ليه محدش عمل حاجة؟”


 

قالت:


 

“لأن كل مرة كانت المشكلة بتنتهي باعتذار.”


 

قلت:


 

“وهو بيعتذر؟”


 

قالت:


 

“أيوه.”


 

ضحكت بسخرية.


 

“وبعدين يرجع يعمل نفس الحاجة.”


 

هزت رأسها.


 

“بالظبط.”


 

في اليوم ده اتفقنا إن أي واقعة جديدة لازم تتسجل رسميًا عند إدارة العمارة.


 

أنا رجعت شقتي.


 

ولأول مرة حسيت إني مش لوحدي.


 

لكن محمود كان ساكت.


 

أربع أيام.


 

خمسة.


 

ستة.


 

ولا كيس شاي.


 

قلت يمكن أخيرًا الموضوع انتهى.


 

وفي اليوم السابع…


 

الساعة كانت 9 بالليل.


 

سمعت جرس الباب.


 

فتحت من العين السحرية.


 

محمود.


 

فتحت الباب من غير ما أطلع برا.


 

قال:


 

“عايز أتكلم.”


 

قلت:


 

“اتفضل.”


 

قال:


 

“إنتِ وصلتي الموضوع لاتحاد الملاك؟”


 

قلت:


 

“آه.”


 

قال:


 

“ليه؟”


 

قلت:


 

“عشان الورق اللي حطيته تحت بابي.”


 

قال بسرعة:


 

“أنا ما حطتش حاجة.”


 

بصيت له.


 

“إنت متأكد؟”


 

قال:


 

“آه.”


 

سكت.


 

كان شكله متوتر فعلًا.


 

قال:


 

“أنا صحيح كنت برمي أكياس الشاي.”


 

قلت:


 

“عارفة.”


 

“وكنت بهزر معاكي.”


 

قلت:


 

“الهزار خلص من زمان.”


 

هز رأسه.


 

وقال:


 

“بس الصور دي مش بتاعتي.”


 

سألته:


 

“أمال بتاعة مين؟”


 

قال:


 

“مش عارف.”


 

لأول مرة حسيت إن صوته مش فيه استفزاز.


 

كان فيه خوف.


 

قلت:


 

“إنت بتقول إيه؟”


 

قال:


 

“أنا كمان لقيت حاجات غريبة.”


 

سألته:


 

“زي إيه؟”


 

بص حواليه في الطرقة.


 

وبعدين قال:


 

“ممكن أدخل؟”


 

ترددت.


 

وبعدين قلت:


 

“لأ. اتكلم من هنا.”


 

طلع تليفونه.


 

فتح صورة.


 

كان مصور ظرف بني محطوط قدام باب شقته.


 

وقال:


 

“لقيت ده من يومين.”


 

قلت:


 

“فتحته؟”


 

قال:


 

“آه.”


 

وراني صورة ورقة.


 

كان مكتوب فيها:


 

“الساكن اللي تحتك مش هو الهدف.”


 

بصيت له.


 

قال:


 

“أنا مش فاهم.”


 

قلت:


 

“ولا أنا.”


 

قال:


 

“بس فيه جملة تانية.”


 

قلب الصورة.


 

وكان مكتوب:


 

“إنتو الاتنين ساكنين في المكان الغلط.”


 

سكتنا.


 

الطرقة كلها بقت ساكتة.


 

وبعدين سمعنا صوت باب المصعد بيتفتح.


 

بصينا ناحية المصعد.


 

مفيش حد.


 

بس الباب فتح وقفله تاني.


 

محمود قال:


 

“إنتِ عندك كاميرا؟”


 

قلت:


 

“لا.”


 

قال:


 

“أنا عندي كاميرا جوه الشقة بتصور مدخل الباب.”


 

قلت:


 

“ممكن تكون سجلت حد.”


 

قال:


 

“هشوف.”


 

رجع شقته.


 

وأنا قفلت الباب.


 

بعد ساعة خبط تاني.


 

فتحت.


 

كان ماسك موبايله.


 

قال:


 

“تعالي شوفي.”


 

ما دخلتش.


 

وقفت عند الباب.


 

فتح التسجيل.


 

الساعة 2:17 الفجر.


 

شخص لابس هدوم غامقة واقف قدام باب محمود.


 

ما كانش وشه ظاهر.


 

حط ظرف.


 

وبعدين نزل السلم.


 

قلت:


 

“مين ده؟”


 

قال:


 

“مش عارف.”


 

“الصورة واضحة؟”


 

قال:


 

“الوش لأ.”


 

“الجسم؟”


 

“مش كفاية.”


 

بصيت له.


 

قلت:


 

“بلغ الإدارة.”


 

قال:


 

“هعمل كده.”


 

وبعدين قال:


 

“بس فيه حاجة تانية.”


 

“إيه؟”


 

“الشخص ده طلع من السلم اللي ورا.”


 

قلت:


 

“يعني؟”


 

قال:


 

“المدخل الرئيسي فيه كاميرا.”


 

“وأهو؟”


 

“الشخص دخل من باب السلم الخلفي.”


 

اتوترت.


 

لأن السلم الخلفي كان بيفتح على منطقة قريبة من البلكونات الخلفية.


 

رجعت شقتي وقفلت كل الشبابيك.


 

تاني يوم الصبح اتجمعنا أنا ومحمود والست نجلاء وعم عبده.


 

راجعنا التسجيلات.


 

كاميرا المدخل سجلت شخصًا يدخل العمارة قبلها بوقت قليل.


 

لكن ما قدرتش تبين وشه.


 

وفي نفس الليلة ظهر تسجيل تاني.


 

نفس الشخص.


 

دخل.


 

طلع.


 

وقف عند باب محمود.


 

وبعدين نزل.


 

لكن الغريب إن بعد ما خرج من العمارة…


 

ظهر في كاميرا محل صغير قدام الشارع.


 

والكاميرا وضحت إنه ما كانش غريب عن المنطقة.


 

كان شخصًا بييجي للعمارة باستمرار.


 

اتفرجنا على الفيديو أكتر من مرة.


 

وفجأة عم عبده قال:


 

“استنوا.”


 

وقف الفيديو.


 

قال:


 

“الجزمة دي.”


 

بصينا له.


 

قال:


 

“أنا شفتها قبل كده.”


 


 

قلت:


 

“فين؟”


 

قال:


 

“عندنا.”


 

“مين لابسها؟”


 

فضل يفكر.


 

وبعدين قال:


 

“عامل النظافة القديم.”


 

اتصدمنا.


 

عامل النظافة كان اسمه رجب.


 

لكن رجب كان سايب الشغل من شهور.


 

اتصلنا بيه.


 

قال إنه مش موجود في المنطقة من أسابيع.


 

وسألناه عن الشخص.


 

قال:


 

“مش أنا.”


 

لكن عم عبده أصر إن الجزمة شبه جزمة رجب.


 

الموضوع بدأ يكبر.


 

ومحمود لأول مرة بقى بيتعامل معايا باحترام حقيقي.


 

بعد ما مشينا من عند الست نجلاء قال لي:


 

“أنا آسف.”


 

قلت:


 

“على إيه؟”


 

قال:


 

“على أكياس الشاي.”


 

قلت:


 

“خلاص.”


 

قال:


 

“لا. مش خلاص.”


 

وبص في الأرض.


 

“أنا كنت متعمد.”


 

قلت:


 

“عارفة.”


 

قال:


 

“كنت مستمتع إنك بتتعصبي.”


 

قلت:


 

“ليه؟”


 

قال:


 

“مش عارف.”


 

قلت:


 

“يمكن عشان محدش كان بيوقفك.”


 

سكت.


 

وبعدين قال:


 

“يمكن.”


 

رجعت شقتي.


 

لكن الليلة دي ما نمتش كويس.


 

فضلت أفكر في الجملة:


 

“إنتو الاتنين ساكنين في المكان الغلط.”


 

مين كتبها؟


 

وليه؟


 

أنا ومحمود ما كانش بينا أي علاقة غير موضوع أكياس الشاي.


 

فإيه اللي ممكن يجمعنا؟


 

تاني يوم وأنا بنضف دولاب قديم في الصالة افتكرت الكرتونة اللي وصلتني.


 

رجعت فتحتها.


 

الصور القديمة.


 

الأوراق.


 

الدفتر.


 

مسكت الصورة القديمة للعمارة.


 

قلبتها.


 

“الدور التالت كان فاضي.”


 

سألت نفسي:


 

ليه الجملة دي مكتوبة؟


 

اتصلت بأخويا كريم.


 

قلت له:


 

“تعالى.”


 

جه.


 

وريته كل حاجة.


 

وبينما هو بيقلب الصور قال:


 

“استني.”


 

مسك صورة قديمة جدًا.


 

كانت صورة للعمارة وقت ما كانت لسه جديدة.


 

وأشار لشباك في الدور التالت.


 

قال:


 

“ده شباك شقتك.”


 

قلت:


 

“آه.”


 

قال:


 

“طب دي إيه؟”


 

كان فيه شباك صغير في الحائط الجانبي.


 

قلت:


 

“مش واخدة بالي منه.”


 

قال:


 

“أنا كمان.”


 

طلعنا صورة مكبرة.


 

كان فيه باب صغير ظاهر في الصورة.


 

باب حديد قديم.


 

قلت:


 

“ده كان موجود هنا؟”


 

قال:


 

“واضح.”


 

افتكرت إن شقتي اتجدّدت أكتر من مرة.


 

والمالك القديم كان عامل تعديلات.


 

لكن في نفس اللحظة جالي خاطر غريب.


 

طلعت مفتاح المخزن الصغير اللي تحت السلم.


 

نزلنا أنا وكريم.


 

كان فيه جزء قديم جدًا من المبنى.


 

وراء دولاب خشب متهالك.


 

حركناه.


 

ظهر الحائط.


 

وفيه باب حديد صغير.


 

بصينا لبعض.


 

قلت:


 

“ده إيه؟”


 

كريم قال:


 

“افتحيه.”


 

جربنا المفتاح.


 

ما فتحش.


 

جاب عم عبده.


 

أول ما شاف الباب وقف.


 

وقال:


 

“أنا فاكره.”


 

قلت:


 

“إنت فاكره؟”


 

قال:


 

“ده كان مخزن قديم.”


 

“لمين؟”


 

قال:


 

“للمالك الأصلي.”


 

“وبيفتح بإيه؟”


 

قال:


 

“مفتاح كان معاه.”


 

سألته:


 

“إنت عمرك دخلته؟”


 

قال:


 

“مرة واحدة من سنين.”


 

قلت:


 

“وكان فيه إيه؟”


 

قال:


 

“مش فاكر.”


 

كريم بص لي.


 

وقال:


 

“لازم نعرف.”


 

اتصلنا بالمالك الحالي.


 

قال إن المخزن ملوش استخدام وإنه من زمان مقفول.


 

وبعد موافقة الإدارة تم فتح الباب.


 

جوه كان فيه تراب وكراتين قديمة.


 

ما لقيناش كنز ولا حاجة غريبة.


 

لكن لقينا ملفات.


 

ملفات خاصة بالعمارة.


 

عقود قديمة.


 

إيصالات.


 

وأوراق ملكية.


 

وبين الملفات لقيت ملف عليه رقم الشقة بتاعتي.


 

فتحت.


 

لقيت عقد قديم جدًا.


 

كان مكتوب فيه إن الشقة اللي أنا ساكنة فيها كانت جزءًا من شقة أكبر.


 

وبعدين اتقسمت.


 

وده مش غريب.


 

لكن كان فيه ملحق غريب.


 

جزء صغير من المساحة المشتركة كان متسجل في العقد القديم باسم صاحب الشقة.


 

كريم قال:


 

“يعني إيه؟”


 

قلت:


 

“مش فاهمة.”


 

دخل محمود في اللحظة دي.


 

كان جاي يشوف إحنا بنعمل إيه.


 

أول ما شاف الورق وشه اتغير.


 

قلت له:


 

“إنت تعرف حاجة عن الموضوع ده؟”


 

قال:


 

“لأ.”


 

وبعدين سحب ورقة من الملف.


 

قرأها.


 

وسكت.


 

قلت:


 

“فيه إيه؟”


 

قال:


 

“الاسم ده.”


 

وأشار لاسم شخص.


 

“ده أبويا.”


 

اتجمدنا.


 

قلت:


 

“أبوك كان مالك هنا؟”


 

قال:


 

“مش العمارة كلها.”


 

وسكت.


 

“كان مالك جزء.”


 

وبعدين بص للورق وقال:


 

“أنا ما كنتش أعرف.”


 

قلت:


 

“إيه علاقة ده بأكياس الشاي؟”


 

قال:


 

“مش عارف.”


 

لكن في نفس اللحظة سمعنا صوت حاجة وقعت من جوه المخزن.


 

لفينا كلنا.


 

مفيش حد.


 

قرب كريم من آخر المخزن.


 

كان فيه صندوق خشب صغير.


 

فتحه.


 

جواه دفتر قديم.


 

على الغلاف مكتوب:


 

“سكان العمارة.”


 

فتحناه.


 

كان فيه أسماء السكان من سنين طويلة.


 

وتحت اسم كل شقة ملاحظات.


 

وصلنا للدور التالت.


 

وكان تحت رقم شقتي اسم امرأة قديمة.


 

وتحت الاسم مكتوب:


 

“غادرت بعد نزاع على الملكية.”


 

قلبنا الصفحة.


 

كان فيه اسم شقة محمود.


 

وتحته:


 

“العائلة لها حق قديم في الجزء الخلفي.”


 

بصيت لمحمود.


 

هو بص لي.


 

قال:


 

“إيه معنى ده؟”


 

قلت:


 

“مش عارفة.”


 

لكن بعد دقائق ظهر تفسير.


 

في آخر الدفتر كان فيه رسم يدوي للعمارة.


 

الرسم بيبين المساحات القديمة.


 

وكان واضح إن فيه جزء خلفي صغير من المبنى كان ملكًا مشتركًا بين عائلتين.


 

واحدة منهم عائلة محمود.


 

والجزء التاني مرتبط بالشقة اللي أنا ساكنة فيها.


 

كريم قال:


 

“يعني ممكن حد عايز يفتح الموضوع ده من جديد.”


 

محمود قال:


 

“بس ليه أنا وإنتِ؟”


 

عم عبده قال:


 

“عشان إنتوا أصحاب الشقتين اللي الموضوع القديم متعلق بيهم.”


 

سكتنا.


 

وفجأة فهمت.


 

أكياس الشاي.


 

الاستفزاز.


 

الصور.


 

الرسائل.


 

كل ده ممكن يكون هدفه يخلي أنا ومحمود نتخانق.


 

ولو حصلت مشكلة كبيرة بينا…


 

حد تاني يقدر يدخل في الموضوع ويستفيد من الخلاف.


 

لكن مين؟


 

وهنا لقينا ورقة صغيرة جوه الدفتر.


 

كانت أحدث من باقي الأوراق.


 

ومكتوب فيها:


 

“خلوهم يكرهوا بعض.”


 

محمود مسك الورقة.


 

وقال:


 

“أنا عارف الخط ده.”


 

بصينا له.


 

قال:


 

“ده خط عمي.”


 

قلت:


 

“عمك؟”


 

قال:


 

“أخو أبويا.”


 

“فين هو؟”


 

قال:


 

“عايش.”


 

كريم قال:


 

“لازم نعرف منه.”


 

محمود اتصل بيه.


 

لكن عمه ما ردش.


 

حاول تاني.


 

مفيش رد.


 

بعد ساعة عرفنا إنه موجود في بيته.


 

محمود راح له.


 

وأنا فضلت مع كريم.


 

بعد حوالي ساعتين رجع.


 

كان ساكت.


 

قلت:


 

“قال لك إيه؟”


 

قعد.


 

وبعدين قال:


 

“عمي أنكر.”


 

“وبعدين؟”


 

“لكن اعترف بحاجة.”


 

“إيه؟”


 

قال:


 

“إنه كان عايز يشتري شقتي من زمان.”


 

سكت.


 

“ولما أبويا رفض، حصل خلاف بينهم.”


 

سألته:


 

“وإنت؟”


 

قال:


 

“أنا ما كنتش أعرف.”


 

“يعني ممكن هو اللي بيعمل ده؟”


 

قال:


 

“ما عنديش دليل.”


 

ودي كانت أهم نقطة.


 

ما ينفعش نتهم حد لمجرد الشك.


 

لكننا كنا نقدر نعمل حاجة تانية.


 

نوقف اللعبة.


 

اتفقنا أنا ومحمود إننا مهما حصل مش هنتخانق.


 

ولا هنرد على الرسائل.


 

ولا هنسمح لأي حد يوقع بينا.


 

وفي نفس الليلة الساعة 9:03 نزل كيس شاي على بلكونتي.


 

بصيت له.


 

وضعت فوقه ورقة.


 

وكتبت:


 

“وصل.”


 

وبعدين طلعت لمحمود.


 

خبطت.


 

فتح.


 

قلت:


 

“نزل.”


 

قال:


 

“عارف.”


 

“إنت رميت؟”


 

“لأ.”


 

ابتسمت.


 

وقلت:


 

“كويس.”


 

ومن اليوم ده بدأنا نعمل حاجة ما كانش الشخص اللي ورا الموضوع متوقعها.


 

كل مرة يحصل شيء غريب…


 

أنا ومحمود نبلغ بعض.


 

كل رسالة.


 

كل ورقة.


 

كل كيس.


 

كل حركة.


 

والأغرب إن بعد أسبوع بدأ الشخص يغير طريقته.


 

بدل أكياس الشاي…


 

بدأت حاجات تانية تظهر.


 

قطعة قماش متسخة.


 

ورقة مبلولة.


 

علبة صغيرة.


 

وبعدين في يوم لقينا مفتاح قديم مرمي على بلكونتي.


 

كان مفتاحًا حديديًا صدئًا.


 

وفي ظهره رقم.


 

“٣”


 

طلعت لمحمود.


 

ورّيته.


 

قال:


 

“ده مش مفتاح شقتي.”


 

رجعنا للمخزن القديم.


 

جربناه على الباب الحديد.


 

المفتاح دخل.


 

ولف.


 

الباب اتفتح.


 

لكن المفاجأة إن الباب ما كانش مجرد مخزن.


 

كان بيفتح على ممر ضيق داخل الحائط.


 

ممر قديم ممتد ناحية الخلف.


 

مشينا بحذر.


 

الممر انتهى عند باب تاني.


 

وعلى الباب كان مكتوب:


 

“ممنوع الدخول.”


 

محمود بص لي.


 

وقال:


 

“نرجع؟”


 

قلت:


 

“آه.”


 

رجعنا.


 

وقررنا ما نفتحش الباب لوحدنا.


 

لأن أي شيء موجود جوه ممكن يكون خطر أو متعلق بممتلكات العمارة.


 

بلغنا الإدارة.


 

وجابوا فني ومهندس.


 

وبعد الفحص اكتشفوا إن الممر جزء من تصميم قديم للعمارة، وكان في الأصل مخصصًا للوصول لمواسير المياه والخدمات.


 

لكن في نهايته كان فيه تجويف مخفي.


 

والتجويف ده كان فيه صندوق معدني.


 

فتحوه.


 

لقوا أوراق.


 


 

وأهم ورقة كانت خريطة ملكية قديمة جدًا.


 

الخريطة أثبتت إن الجزء الخلفي من المبنى كان موضوع نزاع قديم.


 

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر صفحة.


 

كان فيه تنازل قانوني قديم موقع من جد محمود.


 

التنازل كان واضح.


 

جد محمود كان قد تنازل عن حقه في الجزء ده منذ عشرات السنين.


 

يعني النزاع القديم انتهى أصلًا.


 

كل اللي حصل بعد كده كان مبنيًا على معلومات ناقصة.


 

بمعنى آخر…


 

مفيش حد يقدر يستخدم الورق ده علشان يطردني.


 

ولا محمود يقدر يستخدمه ضدي.


 

الموضوع انتهى من زمان.


 

لكن مين كان عايزنا نصدق إنه لسه موجود؟


 

بعد يومين وصلت الإجابة.


 

الشرطة وإدارة العمارة راجعوا تسجيلات الكاميرات بشكل أوسع.


 

وظهر شخص كان بيدخل العمارة في أوقات متفرقة.


 

وفي إحدى المرات ظهر بوضوح.


 

كان قريبًا من عائلة محمود.


 

ولما اتواجه بالأمر، أنكر.


 

لكن بعد مراجعة التسجيلات والأوراق اتضح إن الشخص كان بيتواصل مع عم محمود.


 

مش بالضرورة إن كل تصرف حصل كان بأمره، لكن الأدلة أثبتت إن فيه محاولة فعلية لإثارة الخلافات بين السكان والاستفادة من النزاع القديم.


 

وفي النهاية اتعاملت الجهات المختصة مع الموضوع بالطريقة القانونية المناسبة.


 

أما عم محمود…


 

فبعد فترة اعترف إنه كان بيحاول يضغط على محمود عشان يبيع شقته.


 

وقال إنه كان فاكر إن لو حصلت مشاكل بين محمود وباقي السكان، محمود هيتعب ويبيع.


 

لكن موضوع أكياس الشاي نفسه…


 

محمود هو اللي اعترف بيه.


 

قال إنه بدأ يرميها فعلًا من باب الاستفزاز.


 

والحاجة اللي ما كانش يعرفها وقتها إن تصرف صغير منه ساعد على كشف مشكلة أكبر كانت مستخبية من سنين.


 

بعد كل اللي حصل، محمود وقف قدام باب شقتي.


 

كان ماسك علبة شاي جديدة.


 

قال:


 

“دي هدية.”


 

ضحكت.


 

“مش هقبلها.”


 

قال:


 

“ليه؟”


 

قلت:


 

“عشان بعد اللي حصل بقيت بشك في الشاي.”


 

ضحك لأول مرة من قلبه.


 

وقال:


 

“معاكي حق.”


 

وبعدين مد لي العلبة.


 

“بس المرة دي هعمل حاجة مختلفة.”


 

قلت:


 

“إيه؟”


 

قال:


 

“هشرب الشاي جوه.”


 

ضحكت.


 

قلت:


 

“ده أحسن قرار أخدته من ساعة ما سكنت فوقي.”


 

ابتسم.


 

وبعدين قال:


 

“أنا آسف بجد.”


 

قلت:


 

“أنا قبلت اعتذارك.”


 

سكت لحظة.


 

وقال:


 

“وعايز أقول لك حاجة.”


 

“قول.”


 

“لو كنتِ اتخانقتي معايا من أول يوم، كان ممكن الموضوع يكبر.”


 

قلت:


 

“وعشان كده أنا سكت.”


 

قال:


 

“لأ.”


 

بص لي.


 

“عشان كده إنتِ كنتِ أذكى مني.”


 

هزيت رأسي.


 

“مش مسألة ذكاء.”


 

“أمال إيه؟”


 

قلت:


 

“أنا بس اكتشفت إن مش كل استفزاز لازم نرد عليه بنفس الطريقة.”


 

قال:


 

“وأكياس الشاي؟”


 

قلت:


 

“دي كانت هتفضل عندي.”


 

ضحك.


 

ومن يومها انتهت حكاية أكياس الشاي.


 

مفيش كيس نزل على بلكونتي تاني.


 

ولا مرة.


 

حتى لما كان بيشرب شاي في البلكونة، كنت أسمع صوته بينادي:


 

“أنا داخل أرمي الكيس في الزبالة!”


 

وأرد عليه:


 

“ربنا يهديك!”


 

وكان يضحك.


 

وبعد كام شهر اتغيرت حاجات كتير في العمارة.


 

اتركبت كاميرات إضافية.


 

واتنظمت قواعد استخدام البلكونات.


 

واتحفظت كل أوراق الملكية القديمة بشكل قانوني.


 

وأهم حاجة…


 

الجيران بدأوا يتكلموا مع بعض بدل ما كل واحد يفضل ساكت ويقول “مش مهم”.


 

أما أنا فاحتفظت بكيس الشاي الأول.


 

مش عشان أفتكر الخناقة.


 

لكن عشان أفتكر درس مهم جدًا.


 

إن أوقات كتير المشكلة اللي بتبدأ بحاجة تافهة جدًا مش بتكون فعلًا عن الحاجة دي.


 

وممكن يكون قدامك شخص مستنيك تنفجري.


 

ولو انفجرتي…


 

إنتِ بتديه بالظبط اللي هو عايزه.


 

لكن لما تهدي وتوثقي وتفكري وتخلي كل خطوة محسوبة…


 

الموضوع كله ممكن يتقلب عليه.


 

وفي آخر مرة شوفت فيها محمود وهو داخل شقته، ناداني من فوق.


 

“يا جارتي!”


 

بصيت له.


 

قال:


 

“الساعة كام؟”


 

بصيت في الموبايل.


 

قلت:


 

“تسعة وربع.”


 

قال:


 

“غلط.”


 

ضحكت.


 

“إزاي يعني؟”


 

قال:


 

“الساعة تسعة وربع وكيس الشاي ما نزلش.”


 

ضحكت وقلت:


 

“الحمد لله.”


 

قال:


 

“أهو كده عرفتِ إني اتعلمت.”


 

دخل شقته.


 

قفلت باب البلكونة.


 

وبصيت للمكان اللي كانت أكياس الشاي بتنزل فيه كل يوم.


 

كان فاضي.


 

نضيف.


 

ولا فيه بقعة واحدة.


 

وساعتها ابتسمت.


 

لأن أحيانًا أحسن انتصار مش إنك ترد الأذى بأذى.


 

ولا إنك تكسب خناقة.


 

ولا إنك تخلي اللي قدامك يندم.


 

أحيانًا أحسن انتصار إنك تخلي المشكلة تنتهي…


 

من غير ما تخسري نفسك.


 

ومن غير ما تتحولي للشخص اللي كنتِ بتشتكي منه.


 

أما كيس الشاي الأخير…


 

فأنا احتفظت بيه في درج صغير.


 

ومكتوب عليه التاريخ والساعة:


 

“الساعة 7:04 صباحًا.”


 

وتحته كتبت جملة واحدة:


 

“كان آخر كيس.”


 

وفعلًا…


 

كان آخر كيس شاي وقع على بلكونتي.


 

لكن الغريب إن بعد شهور طويلة، وأنا بفتح الدرج بالصدفة، لقيت الكيس مكانه.


 

ضحكت.


 

وبعدين رميته في الزبالة.


 

لأن الحكاية انتهت فعلًا.


 

ومبقاش له أي لازمة أفضل محتفظة بحاجة انتهى تأثيرها.


 

وفي اللحظة دي سمعت محمود من البلكونة فوق بيقول:


 

“يا جارتي!”


 

رديت:


 

“نعم؟”


 

قال:


 

“أنا وقعت مني حاجة.”


 

رفعت عيني بسرعة.


 

قلت:


 

“إيه؟”


 

قال:


 

“مفتاح.”


 

قلت:


 

“وقع عندي؟”


 

قال:


 

“أيوه.”


 

بصيت تحت.


 

لقيت مفتاح صغير على أرض البلكونة.


 

مسكته.


 

ورفعته له.


 

صرخ:


 

“ارميه لي!”


 

وقفت لحظة.


 

وبعدين قلت:


 

“لا.”


 

قال:


 

“ليه؟”


 

قلت:


 

“انزل خده.”


 

ضحك بصوت عالي.


 

وأنا كمان ضحكت.


 

وبعدها نزل وأخد المفتاح.


 

ومن يومها كل ما كان يشرب شاي في البلكونة…


 

كان بيحط الكيس في جيبه قبل ما يتحرك.


 

مش خوفًا مني.


 

لكن احترامًا لحدوده وحدودي.


 

والعمارة كلها عرفت الحكاية.


 

بس محدش كان بيحكيها على إنها حكاية عن كيس شاي.


 

كانوا بيحكوها على إنها حكاية عن جارتين أو جارين اتعلموا إن كلمة “مش مشكلة” لازم تتقال في وقتها…


 

وإن السكوت له حدود…


 

وإن أبسط تصرف ممكن يكشف أكبر سر…


 

وإن الإنسان لما يحط حد واضح من البداية، بيوفر على نفسه مشاكل كتير بعدين.


 

أما أنا؟


 

فكل ما أشوف كيس شاي في أي مكان…


 

أفتكر الساعة 7 و4 دقايق.


 

وأفتكر إني وقتها كنت قاعدة مستنية إيده تظهر فوق السور.


 

وكنت فاكرة إني مستنية كيس شاي.


 

لكن الحقيقة…


 

كنت مستنية اللحظة اللي هفهم فيها إن الحكاية كلها ما كانتش عن الشاي أصلًا.


 

كانت عن حد افتكر إن استفزاز الناس لعبة.


 

ولما لقى قدامه حد هادي ومش سهل ينجرّ للخناقة…


 

اللعبة اتقلبت عليه.


 

وفي النهاية…


 

الكيس نزل.


 

لكن الحقيقة طلعت هي اللي كانت مستخبية فوق السور من زمان.عدت شهور على آخر مرة وقع فيها كيس شاي على بلكونتي، ومع الوقت بدأت الحكاية كلها تتحول لحاجة شبه الذكرى القديمة اللي كل ما أفتكرها أبتسم.


 

العمارة نفسها اتغيرت.


 

مش شكلها.


 

ولا عدد السكان.


 

لكن الجو اللي بين الناس.


 

بقى فيه احترام أكتر للحدود.


 

والجيران بقوا يسألوا بعض قبل ما أي مشكلة صغيرة تكبر.


 

ولو حصلت حاجة، محدش بقى يقول:


 

“سيبك.”


 

لأننا كلنا عرفنا إن المشاكل الكبيرة ساعات بتبدأ من حاجات الناس بتعتبرها صغيرة.


 

أما محمود، فكان أكتر واحد اتغير.


 

في الأول كان كل ما يشوفني يبتسم ويقول:


 

“أهو أنا بقيت مواطن صالح.”


 

وأنا كنت أرد عليه:


 

“لسه هنشوف.”


 

ومرة وأنا واقفة في البلكونة، سمعت صوته فوقي:


 

“يا جارتي!”


 

قلت:


 

“نعم؟”


 

قال:


 

“لو كيس شاي وقع بالغلط، هتعملي إيه؟”


 

قلت:


 

“هطلعهولك.”


 

ضحك وقال:


 

“ولو وقع مرتين؟”


 

قلت:


 

“هطلعهولك برضه.”


 

قال:


 

“ولو تلات مرات؟”


 

قلت:


 

“هطلع أنا أعيش فوق عندك.”


 

ضحك بصوت عالي وقال:


 

“خلاص خلاص، فهمت الرسالة.”


 

لكن الحقيقة إن الرسالة ما كانتش لمحمود وحده.


 

كانت ليا أنا كمان.


 

لأني اتعلمت حاجة مهمة جدًا.


 

طول عمري كنت فاكرة إن تجنب المشاكل معناه إني أسكت.


 

أعدي.


 

أطنش.


 

أقول “معلش”.


 

وأفضل أقول لنفسي إن الدنيا مش مستاهلة.


 

لكن اللي حصل خلاني أفهم الفرق بين التسامح وبين السماح للناس إنها تتعدى حدودها.


 

التسامح إنك تقدر تعدي موقف لأنك مش عايز تشيل جواه غضب.


 

لكن السماح بالأذى المستمر من غير حدود مش تسامح.


 

ده استنزاف.


 

وأنا كنت مستنزفة من حاجات كتير من غير ما آخد بالي.


 

كنت بقول:


 

“مش مهم.”


 

لحد ما اكتشفت إن كل “مش مهم” كانت بتزود عندي حاجة اسمها ضغط.


 

ومحمود نفسه اعترف لي بعد فترة إن أكياس الشاي ما كانتش أول حاجة استفز بيها حد.


 

قال لي مرة:


 

“أنا كنت فاكر إن لما أعمل حاجة صغيرة ومحدش يقدر يثبت إنها مقصودة، يبقى أنا كسبت.”


 

سألته:


 

“ودلوقتي؟”


 

قال:


 

“دلوقتي عرفت إني كنت بخسر كل مرة.”


 

قلت:


 

“ليه؟”


 

قال:


 

“عشان كنت بخسر الناس.”


 

الكلمة دي فضلت في دماغي.


 

لأن فعلًا…


 

الناس ساعات بتفتكر إن الفوز إنك تخلي اللي قدامك يتعصب.


 

لكن لما تلاقي نفسك بعد كده محدش بيثق فيك، ومحدش بيحب يتعامل معاك، وكل الناس بتبعد عنك…


 

إنت كسبت إيه؟


 

محمود بدأ يصلح حاجات كتير.


 

بقى يساعد عم عبده في حاجات العمارة.


 

ولو شاف حد كبير شايل حاجة، يساعده.


 

ولو حصل خلاف بين اتنين، بدل ما يتفرج ويضحك زي زمان، كان بيحاول يهدي.


 

وفي مرة شوفته واقف قدام باب واحدة من الجارات، وفي إيده كيس صغير.


 

سألته:


 

“إيه ده؟”


 

قال:


 

“هي كانت مريضة، جبت لها شوية حاجات.”


 

ضحكت.


 

قلت:


 

“مين إنت وإيه اللي حصل لك؟”


 

قال:


 

“أكياس الشاي عملت معايا واجب.”


 

ضحكت.


 

لكن وسط الضحك كنت حاسة إن الحكاية فعلًا غيرته.


 

وأنا كمان اتغيرت.


 

بقيت أتكلم لما حاجة تضايقني.


 

من غير عصبية.


 

ومن غير إهانة.


 

ومن غير ما أستنى لحد ما الغضب يتراكم.


 

لو حد عمل حاجة تضايقني، أقولها في وقتها.


 

بهدوء.


 

وبوضوح.


 

ولو الشخص احترم كلامي، خلاص.


 

ولو ما احترمش…


 

بقيت أعرف إمتى أوقف الموضوع عند حده وألجأ للطريقة المناسبة.


 

مش لازم كل مشكلة تتحول لمعركة.


 

ومش لازم كل معركة نخوضها.


 

لكن لازم الإنسان يعرف قيمة نفسه وحدوده.


 

بعد حوالي سنة من بداية الحكاية، كنا واقفين في مدخل العمارة في يوم جمعة.


 

الجيران كلهم تقريبًا كانوا موجودين.


 

عم عبده كان بيضحك وبيقول:


 

“فاكرين أيام أكياس الشاي؟”


 

محمود حط إيده على وشه وقال:


 

“يا عم عبده كفاية بقى.”


 

الكل ضحك.


 

أم خالد قالت:


 

“أنا من أول يوم قلت إن الولد ده بيحب يعمل مشاكل.”


 

محمود قال:


 

“طب ما أنا اعتذرت.”


 

قالت له:


 

“بعد ما اتفضحت.”


 

رد عليها:


 

“مش اتفضحت.”


 

بصت له وقالت:


 

“أمال إيه؟”


 

قال:


 

“اتعلمت.”


 

سكتت لحظة.


 

وبعدين ابتسمت.


 

وقالت:


 

“ودي أحسن حاجة.”


 

أنا كنت واقفة بعيد وبسمعهم.


 

وفجأة محمود بص لي.


 

وقال قدام الكل:


 

“بس لو هي ما كانتش تصرفت بهدوء، الموضوع كان ممكن يكبر.”


 

قلت:


 

“ولو إنت كنت وقفت من أول مرة، ما كانش الموضوع بدأ أصلًا.”


 

ضحك.


 

وقال:


 

“عندك حق.”


 

عم عبده قال:


 

“يبقى كده القضية اتقفلت.”


 

قلت:


 

“من زمان.”


 

وبالفعل…


 

القضية اتقفلت.


 

كل الأوراق القديمة اتسجلت واتحفظت.


 

والممر القديم اتقفل بطريقة آمنة.


 

والكاميرات بقت شغالة.


 

والناس بطلت تسمح لأي حد إنه يستغل خلاف بسيط عشان يعمل مشكلة أكبر.


 

أما أنا فكان عندي قاعدة جديدة في حياتي:


 

ما أظلمش حد.


 

وما أسمحش لحد يظلمني.


 

لو غلطت أعتذر.


 

ولو حد غلط في حقي، أتكلم.


 

ولو اعتذر بصدق، أقبل الاعتذار.


 

لكن لو استمر في الأذى…


 

ما أديهوش فرصة يحول هدوئي لضعف.


 

وفي ليلة هادية، كنت قاعدة في البلكونة.


 

الجو لطيف.


 

والشارع هادي.


 

عملت كوباية شاي.


 

ضحكت وأنا بفتكر إني زمان كنت بكره أشوف كيس الشاي قدامي.


 

دلوقتي بقيت بشرب الشاي وأنا مطمنة إن الكيس هيروح مكانه الطبيعي.


 

فتحت باب البلكونة.


 

وبصيت فوق.


 

بلكونة محمود كانت منورة.


 

سمعته بيقول:


 

“مساء الخير.”


 

قلت:


 

“مساء النور.”


 

قال:


 

“شاي؟”


 

قلت:


 

“آه.”


 

قال:


 

“أنا كمان.”


 

وبعد ثواني قال:


 

“بس الكيس في الزبالة.”


 

ضحكت.


 

وقلت:


 

“أحسنت.”


 

دخلت شقتي.


 

قفلت باب البلكونة.


 

وحطيت كوباية الشاي على الترابيزة.


 

وبصيت ناحية الدرج اللي كنت محتفظة فيه بكيس الشاي الأول.


 

فتحته.


 

الكيس كان لسه موجود.


 

مسكته بين صوابعي.


 

بصيت له شوية.


 

وبعدين ضحكت.


 

قلت لنفسي:


 

“إنت عملت مشكلة أكبر من حجمك بكتير.”


 

وبدل ما أرجعه الدرج…


 

رميته في الزبالة.


 

لأن خلاص.


 

ما بقاش فيه سبب أحتفظ بحاجة كانت بتفكرني بموقف انتهى.


 

الحياة لازم تكمل.


 

ومش كل حاجة وجعتنا لازم نفضل شايلينها معانا.


 

بعض الحاجات دورها الوحيد إنها تعلمنا.


 

وبعدين نسيبها تمشي.


 

قفلت الدرج.


 

ورجعت أقعد جنب الشباك.


 

وفي اللحظة دي سمعت صوت كيس حاجة خفيف وقع على بلكونتي.


 

اتخضيت.


 

خرجت بسرعة.


 

بصيت على الأرض.


 

كان كيس صغير.


 

قلبي دق.


 

رفعت عيني لفوق.


 

لقيت محمود واقف في بلكونته ووشه مصدوم.


 

قال بسرعة:


 

“والله ما أنا!”


 

بصيت للكيس.


 

وبعدين بصيت له.


 

قلت:


 

“إنت متأكد؟”


 

قال:


 

“أقسم بالله.”


 

ضحكت.


 

وقلت:


 

“خلاص.”


 

نزل محمود من شقته بسرعة.


 

بعد دقيقتين كان واقف في البلكونة عندي.


 

مسك الكيس.


 

قلبه.


 

قال:


 

“ده مش شاي.”


 

قلت:


 

“أمال إيه؟”


 

قال:


 

“كيس نعناع.”


 

ضحكت لحد ما دموعي نزلت.


 

وقلت:


 

“أهو حتى الحاجات بقت بترمي نفسها.”


 

ضحك هو كمان.


 

وفي اليوم ده عرفنا إن مش كل حاجة تقع من فوق تبقى مؤامرة.


 

مش كل موقف غريب لازم يبقى وراه شخص.


 

ومش كل مشكلة تستحق حرب.


 

أحيانًا فعلًا…


 

كيس هو مجرد كيس.


 

لكن لما يكون الإنسان اتعود يفسر كل حاجة على إنها هجوم، بيعيش طول الوقت مستعد للمعركة.


 

وأنا ما بقيتش عايزة أعيش كده.


 

عايزة أعيش هادية.


 

أحط حدودي.


 

أحترم غيري.


 

وأطلب الاحترام لنفسي.


 

وأسيب كل واحد يتحمل نتيجة أفعاله.


 

وده كان آخر درس اتعلمته من حكاية أكياس الشاي.


 

إن القوة مش في إنك ترد على كل حاجة.


 

القوة إنك تعرف إمتى تتكلم.


 

وإمتى تسكت.


 

وإمتى تسامح.


 

وإمتى تحط حد.


 

وإمتى تمشي بعيد عن المشكلة كلها.


 

وفي الآخر…


 

محمود بطل يرمي أكياس الشاي.


 

وأنا بطلت أخاف من المشاكل.


 

والعمارة بقت أهدى.


 

والجيران بقوا أقرب.


 

والباب اللي كان بيتفتح على مشكلة كل يوم…


 

بقى بيتفتح على السلام.


 

أما أنا…


 

فكل ما أعمل كوباية شاي، أبتسم وأقول لنفسي:


 

“الحمد لله إن آخر كيس نزل عندي…


 

كان بداية إن الحقيقة تطلع.”


 

ومن ساعتها…


 

ولا كيس شاي وقع تاني.


 

ولا أنا احتجت أخبط على باب محمود.


 

لأن كل واحد فينا عرف مكانه.


 

وعرف حدوده.


 

وعرف إن راحة البال أغلى من أي انتصار صغير.


 

وأغلى بكتير من إنك تثبت إنك تقدر تستفز اللي قدامك.


 

وفي النهاية، اللي كسب فعلًا ما كانش أنا…


 

ولا محمود.


 

اللي كسب كان درس بسيط جدًا:


 

احترم حدود الناس قبل ما تطلب منهم يحترموا حدودك.


 

والحكاية كلها بدأت بكيس شاي…


 

وانتهت براحة بال.

 

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق