في هذا المقال
سكريبت ابني مبقاش ليه أم كامله
ابني مبقاش ليه أم
ابني مابقاش ليه أم.. ساعديني وأنا هصلحلك بيتك كله!.. قالها الأرمل للست المطلقة وهو شايل بنته الرضيعة بين إيديه وبيموت من الخوف!
أرجوكي ساعدي بنتي وأنا هصلحلك البيت كله.. السقف، الشبابيك، أي حاجة تحتاجيها.. بس أرجوكي ما تقفليش الباب في وشنا!
بصت رضوى للراجل الغريب من ورا الباب الصاج..
هدومه كانت غرقانة مية، شايل شنطة أدوات في إيد، وبصة خوف في عينه وهو حاضن لفة صغيرة على صدره.. لما أزاح البطانية ب إيده الترعش، شافت وش حتة لحمة حمرا.. بنت ملهاش كام يوم، وحتى صوت عياطها مكنش طالع من كتر التعب والبرد!
رضوى ضمت ابنها ياسين اللي عنده 5 شهور أكتر، بينما عمر ابنها الكبير صاحب ال 7 سنين مسك في جليبيتها ب خوف.
كانوا لوحدهم في بيتها القديم على أطراف قرية في الفيوم.. المطرة كانت نازلة ب غزارة بقالها 3 أيام، والطريق الموصل للبيت اتقطع بسب السيول.
البنت مالها يا أستاذ؟ سألته رضوى بصوت متهدج.
بلع الراجل ريقه ب صعوبة والدموع في عينه:
مراتي اتوفت بعد الولادة على طول.. كنت بحاول أوصل بيها للمستشفى المركزي بس السيول قفلت الطريق والناس رجعوني.. واحد قال لي إن فيه بيت هنا فيه ست طيبة..
رضوى بصت للطريق الفاضي الغرقان مية، وسألته:
أنت اسمك إيه؟
أحمد.. أحمد عز الدين.
ما حاولش يربط خطوة واحدة للداخل، فضل واقف تحت المطرة مستني قرارها..
في اللحظة دي، ياسين بدأ يتحرك على صدر رضوى عايز يرضع.. أحمد نزل عينه في الأرض ب خجل وقلة حيلة.. رضوى فهمت كل حاجة من غير ما ينطق حرف زيادة.
فتحت الباب على آخره:
ادخل اقعد في التراس برة.. وهات البنت.
البنت كانت تلج.. أخدتها رضوى جوة، لفتها في بطانية دافية وقعدت جنب الشباك ترضعها مع ابنها.. وفي نفس الوقت طلبت من عمر ابنها يجيب الموبايل وسألت الممرضة صاحبتها في الوحدة الصحية اللي أدتها تعليمات تعمل إيه لحد ما الجو يهدى.
أحمد كان واقف برة ما بيتحركش، باصص من ورا إزاز الشباك..
أول ما شاف بنته بدأت ترضع وتاخد نفسها، حط إيده على وشه.. ورضوى شافت أكتافه بتهتز ب بكاء مكتوم.. مكنش راجل متعود يستجدى حد، كان أب خلاص كل حيلته خلصت!
سمحتله يقضي الليلة في أوضة الكراكيب اللي في الجنينة:
الصبح أول ما الطريق يتفتح، تاخدها وتطلع على المستشفى تطمن عليها.
حاضر يا ست الكل..
ولو احتجت أي حاجة قول لي.. ما تستناش لما البنت تتعب.
أحمد هز رأسه كذا مرة ب امتنان عاجز خلّى رضوى تدور وشها من كثر التأثر.
البيت ده كان بتاع جد رضوى.. بيت قديم ب جنينة وشجرة جوافة، وتراس كبير مكسور من الناحية الشمال..
جوزها مصطفى سابها وسافر ليبيا أول ما عرف إنها حامل في ياسين.. قالها هيبعت فلوس ويرجع ياخدهم.. في الأول كان بيكلمها، وبعدين تليفونه اتقفل تماماً وما بقاش يتبعت مليم!
رضوى كانت بتكافح ب بيع المربى والخلطات والمخلل في سوق الجمعة عشان تصرف على الأكل ومصاريف مدرسة عمر ودواه.. والسقف كان دايماً بيتأجل.. لما المطرة تنزل، تحط جردل في الصالة وجردل تاني جنب السرير.
في الليلة دي، رضوى قامت 3 مرات: مرة عشان ترضع ياسين، ومرة تطمن على البنت الرضيعة، ومرة عشان تفضي الجردل اللي اتملى مية من السقف.
مع الفجر.. لقت أحمد واقف في التراس بيبص على الشباك المكسور والضلع المايل:
لو تسمحي لي.. أنا ممكن أصلحلك الشباك والسقف ده.
بس أنا معاييش فلوس أدفعلك حق شغلك يا أستاذ أحمد..
أحمد بص لبنتته اللي كانت نايمة في المهد القديم اللي رضوى جهزتهولها، وقال ب صوت واطي مليان شجن:
وأنا كمان مكنش معايا فلوس أدفع حق اللي عملتيه معايا ومع بنتي إمبارح..
يا ترى إيه السر اللي أحمد مخبيه وعلاقته إيه ب مصطفى جوز رضوى الراجع من السفر فجأة؟ وإيه المفاجأة المرعبة اللي هتتحضر ل رضوى في البيت ده وتغير مجرى حياتها تماماً؟ اللي جاي كشف مستور ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد!
كلامه وقع في قلبي زي الماء البارد.. ردّيت عليه بصوت هادئ حاولت أكون قوية:
اللي عملته واجب يا سيدي.. ما بيننا دين.
بالنسبة لي دين قال وهو يمسك مطرقة ومسمار من الشنطة اللي معاه: البيت ده محتاج حماية.. وأنا أقدر أحميه.
من أول ساعات الصبح، وهو شغال بلا كلل ولا ملل. صعد السقف، أصلح الشباك المكسور، ثبّت العوارض المتآكلة، وغطّى الشقوق بألواح خشب قوية جابها من مكان قريب مش عارفة منين. المطر ما وقفش، بس ما بالاه.. كان بينزل ويعلق ويصعد تاني، وهدومه كلها غرقانة، وما طلبش ولا كوباية شاي غير لما عرضتها عليه بنفسي.
كنت أراقبه من الشباك وأنا قاعدة جنب البنت اللي سميتها أماني.. كانت نايمة بهدوء، وشها بدأ يرد لونه الطبيعي. عمر كان واقف جنبي وبيسأل:
ماما.. هو هيفضل معانا؟
لحد ما الطريق يتفتح يا حبيبي.. وبعدين يمشي.
بس في داخلي كنت حاسة إن حاجة غريبة بتجمعنا.. نظرات أحمد لما بيشوف ياسين، الطريقة اللي بيتكلم بيها عن اللي راح، الأسى اللي في عينيه مش بس بسبب مراتي.. كأنه كان بيتعذب من زمان.
بعد الظهر، المطر خف شوية، بس الطريق لسه مقطوع. أحمد نزل من السقف متعب، عرق ومية مختلطين على وشه، بس ابتسم لما شاف السقف أصبح سليم:
الآن المية مش هتدخل تاني.. إن شاء الله.
تسلم إيدك يا أستاذ أحمد.. تعالى تعشى معانا.
أكل معانا بصمت، وشال أماني من المهد لما بدأت تبكي، وحملها بين إيديه بكل رقة.. كأنه بيحمل أغلى ما يملك.
تشبه أمها؟ سألته بهدوء.
أوي.. نفس العينين السوداوين الواسعين قال بصوت مخنوق: كانت بتحب الحياة.. ما استاهلتش تموت بدري كده.
سكتّ.. ما حبيتش أضايقه بأسئلة تانية. بس هو اللي فتح الكلام من نفسه:
كان المفروض نكون مع بعض في السفر.. أنا كنت شغال في شركة مقاولات برة، وهي سابت البلد تقابلني.. بس حصل ما لم يكن في الحسبان.
الله يرحمها ويربط على قلبك.
نظر لي نظرة طويلة غريبة، كأنه كان عايز يقول حاجة ومتردد:
وأنتِ.. وحدك من ساعة ما سافر جوزك؟
قلت بمرارة:
من يوم ما عرف إني حامل في ياسين.. سافر وقال هيرجع. رجع كلامه وبس.
قبض على كوباية الشاي في إيده لدرجة إن أصابعه ابيضّت:
مصطفى.. اسمه مصطفى صح؟
قلبي اتقبض:
إنت تعرفه؟
سكت فترة طويلة، بص للأرض، ثم رفع رأسه وقال ببطء:
أعرفه.. كنا مع بعض في نفس المكان اللي شغلنا فيه.
دمي اتجمد.. كنت حاسة إن الكلام لسه في أوله:
إيه اللي تعرفه عنه بالظبط يا أحمد؟
هو ما سافر وحده يا رضوى.. قال بصوت ثقيل: هو رجع من زمان.. وعايش هنا في مصر من شهور طويلة.
الكلام ده طعنني في الصدر.. يعني كان قريب طوال الفترة دي؟ وما جاش ولا سأل؟!
متأكد؟ سألت بصوت متهتك.
شفته بنفسي.. وهو مش وحيد يا رضوى. معاه ست تانية، ساكنين في شقة في مدينة تانية.. وبيقول إنكِ أنتِ اللي رفضتي تسافري معاه.. وإنكِ مش عايزة غير الفلوس.
قعدت على الكنبة.. الدنيا لفت بيا. كل اللي كنت بتحمله من أمل إنه راجع.. كل اللي كنت أقوله لعمر عن باباه اللي بيحبوه وبيشتغل عشانهم.. كل ده كان كدب!
ليه مقلتليش من الأول؟
كنت خايف أجرحكِ.. وكنت مستني أتأكد بنفسي. ولسه فيه أكتر من كده.
مدلي صورة من محفظته القديمة.. لما شفتها، كدت أقع من مكاني. مصطفى واقف مبتسم، وجنبه.. أحمد!
كنا شركاء.. وأصدقاء من الصغر. عرفته من واحنا في المدرسة. سافرت معاه بناءً على ثقة عمياء.. واتضح إنه كان بيعمل كل حاجة باسمنا، والفلوس بتتروح لغير مكانها. لما واجهته.. هددني وقاللي ارجع من حيث جيت.
وأماني.. وأمها؟
غمض عينيه بألم:
هي كانت عارفة كل حاجة.. حاولت تقف جنبي، وطلبت من المصطفى يرجعلكِ حقكِ.. فطردنا مع بعض. في الطريق رجعت لبيت أهلها، وهي تعبت فجأة.. وما قدرتش أصل لحد يساعدني.
بكيت بصمت.. مش عشان خيانة مصطفى بس، عشان الثقة اللي كنت حاطاها في شخص ما يستاهلش. أحمد قعد جنبي بحرص:
أنا آسف يا رضوى.. ما كانش لازم أقولكِ الحقيقة بهالطريقة.
لا.. شكرًا ليك.. كنت محتاجة أعرف من زمان.
مرت الأيام التالية ببطء وثقل. الطريق اتفتح بس أحمد ما مشى.. قلتله يروح ويجيبله إذن من المستشفى ويشوف أمور أماني، بس رجع تاني في نفس اليوم ومعاه ورقة طبية وموعد للمتابعة.
المكان اللي أنا ساكن فيه حالياً مش مناسب لطفلة.. قال بتردد: وما أقدرش أسيبكِ وحدكِ بعد ما عرفت كل حاجة عن مصطفى.
يعني إيه؟
عايز أعرض عليكِ اقتراح.. بيتكِ محتاج ترميم كتير، وأنا محتاج مكان مناسب أربّي فيه بنتي. اتفقنا نعيش مع بعض.. كأهل، كشركاء. كل واحد ليه مسؤوليته. أنا أصلح البيت وأصرف عليكم لحد ما تقفي على رجلكِ.. وأنتِ تساعديني في أماني وتربيها مع ياسين. وبعد سنة.. لو شفتي إنك مش عايزة نكمل.. نمشي كل واحد في طريق بسلام.
بصيت لعمري اللي كان بيلعب مع أماني وبيضحك لأول مرة من زمان.. وبصيت لأحمد اللي عينيه صادقة ومليانة رجاء.
والناس؟ قلت بخوف: هيتكلموا علينا.
الناس اللي تعرفنا هتفهم.. والباقي وقتهم يثبت لهم الحقيقة. المهم نحمي العيال ونحمي نفسنا.
اتفقنا.. بس كنت حاطة حدود صارمة. كل واحد فينا في أوضة، والبيت مشاع بس باحترام تام. بدأنا حياة جديدة.. صعبة ومش متوقعة، بس فيها أمل ما كنت حاسّاه من قبل.
أحمد صعد السقف كله، غير الشبابيك، رمم الحيطان، ورصف الأرضية المتآكلة. كل يوم كان يطلع الصبح ويجي بالليل ومعاه أكل وحاجات البيت، وما يبقاش معاه غير القليل.
منين الفلوس دي؟ سألته مرة.
بعت اللي معايا من حاجات قال ببساطة: المهم البيت يبقى جاهز.
في يوم من الأيام، وأنا في السوق، سمعت ناس يهمسوا ورايا: جوزها رجع من السفر بسرعة.. قالوها وحيدة والبيت مليان رجالة.. رجعت البيت قلقة، بس أحمد هدّأني:
الكلام ده بيمشي يا رضوى.. اعملي اللي عليكِ وخلّي الباقي على ربنا.
وبعد أسبوعين بالظبط، الباب خبط في عز الليل. قلبي دق.. عرفت الطريقة دي في الطرق. فتحت الباب ووجدته واقف مصطفى!
كان متغير، شكله أقلق، وملابسه غالية بس مش مرتبة. بص لي بكل وقاحة:
سمعت إنك استقبلتي راجل غريب في بيتي.. ده كلام الناس يا رضوى!
بيت أبوي.. مش بيتك رديت بثبات لم أتوقعه من نفسي: وأنتِ ليه جاي؟ ما كنتش مسافر؟
دخل من غير ما يستأذن:
رجعتلكم.. كفاية بعاد. جهزوا نفسكم، هنروح نعيش مع بعض.
أحمد طلع من المطبخ حيث كان بيجهز حليب لأماني.. لما شافه مصطفى اتغير لونه:
أنتَ هنا بتعمل إيه؟!
أحمي اللي تركتها وراك رد أحمد ببرود: البيت ده مش مكانك تاني.
أنتَ خنتني يا صاحبي.. وسرقت مراتي! صرخ مصطفى.
أنا ما خنتش غير الصداقة اللي كنت أظنها حقيقية. وأنتِ اللي تركتها وتخليت عن عيالك.
تشاجرا بالكلام.. مصطفى هدد واتوعد، وأحمد واجهه بكل هدوء وثبات:
لو عندك حق روح للمحكمة.. بس قبل ما تخرج من هنا، اعرف إن رضوى عرفت كل حاجة. إنك هنا من زمان.. وإنك ما كنتش وحيد.
مصطفى بصلي.. شاف الصدمة في عينيّ والغضب اللي بدأ يملأني. عرف إن الكشوفة حصلت.
هتندموا على ده قال بصوت غاضب: البيت ده ملكي أنا.. وهاخده بكل الطرق!
خرج وترك الباب مفتوحاً وراه. رجعت أرتجف.. أحمد مسك إيدي بحرص:
ما تخافيش.. أنا معاكِ.
عنده حق في البيت يا أحمد.. الورق مسجل باسمه.
الورق اللي بأيده مش كل حاجة.. الحق فين يا رضوى؟ الحق مع من سقى وبنى وحمى.
الأيام اللي جت كانت صعبة جداً. مصطفى بدأ يرسل لي رسائل تهديد: سأحرمكِ من كل حاجة، البيت هيرجع لي، الولد ابني وهاخده. كنت أقراها وأحس بالخوف، بس كنت أحاول أكون قوية قدام العيال.
أحمد أخذني لمحامٍ قديم.. شرحنا له كل حاجة. المحامي هز رأسه بقلق:
السند باسمه فعلاً.. وإن كان اللي دفع تمنه أبوها، بس الورق الرسمي باسمه. هتحتاجوا شهادات وأدلة تثبت إنه ما دفعش قرش واحد.
عندي شهادات قلت بثقة: أهل البلد كلهم شافوا أبويا وهو بيدفع.
ممتاز.. بس مصطفى مش ساكت. خلي بالكم.
وفي يوم الاثنين الصبح، جالنا الخبر الصادم.. المحكمة استجابت لطلب مصطفى بالحجز على البيت لحين الفصل في القضية! جاء الموظفين وعلقوا الإشعار على الباب.
ممكن تخرجوا من البيت خلال أسبوع قال الموظف بكل برود: لو الحكم ليه تملّكوا فوراً.
وقفت قدام الباب المعلق والدموع بتجمّع في عينيّ.. أين أذهب بطفلين وحدي؟
أحمد رجعني للبيت وقعدني:
ما تقلقيش.. لن نخرج من هنا بلا حكم.
وإيه الحل؟ بكيت: كل حاجة ضاعت.
ما ضاعت حاجة.. المعركة لسه في أولها. هنقف قدام الحق ونطالب بحقنا.
بدأنا نجمع الأدلة.. نروح لمن دفع لهم أبويا، نأخذ شهادات الجيران، نسجل كل كلمة قيلت. أحمد كان معايا في كل خطوة، ما تركني وحدي في مكان.
ذات ليلة، كنت قاعدة في الصالة أفكر في كل حاجة.. جاني أحمد وقعد بعيد عني باحترام:
عايز أقولكِ حاجة.. ومش عايزكِ تردي غير لما تكوني مقتنعة.
اتفضل.
لو خسرنا البيت.. عندي مكان نروحله. مش كبير، بس نظيف ومأمون. نبدأ من جديد.. مع بعض.
بصيت له.. شفت في عينيه أمانة وحب حقيقي ما شفته من قبل.
ليه بتعمل كل ده يا أحمد؟ ممكن تسيبنا وتمشي.. محدش يلومك.
لأنكم أهلي قال ببساطة: أماني محتاجة أم.. وأنتِ محتاجة سند. وأنا محتاج أكون إنسان صالح بعد ما كنت ساكت على كتير من الظلم.
في اليوم الموعود، دخلنا قاعة المحكمة.. مصطفى كان واقف بكل ثقة، ومعاه محامٍ كبير. كنت مرتجفة، بس أحمد مسك إيدي تحت الطاولة وضغط عليها بلطف.. طمنّي.
المحامي بتاع مصطفى تكلم أولًا:
السند باسمه، والبيت مسجل له قانونياً. الست رضوى مقيمة فيه بصفة مؤقتة فقط.. والآن تطالب بالملكية بلا أي دليل مكتوب.
المحامي بتاعنا رد بهدوء:
صحيح السند باسمه.. بس من دفع الثمن؟ من سكن وعمر وحمى البيت طوال السنين؟ السيد مصطفى نفسه اعترف إنه سافر وترك زوجته وابنه لمدة تزيد عن السنتين ولم يرسل لهم شيئاً. فكيف يملك ما لم يدفع ثمنه ولا حفظه؟
استدعينا الشهود.. الجيران، صاحب المحل اللي باع أبويا مواد البناء، القريب اللي سلم الفلوس. كلهم شهدوا بالحق.. ومصطفى ما قدرش ينكر.
ولكن في النهاية، القاضي أجل الحكم لمدة أسبوع.. قال يدرس الأوراق جيداً.
خرجنا من المحكمة ومصطفى ناداني بكل شر:
أنا هاخد البيت.. وهسيبكِ في الشارع!
أحمد وقف بيننا:
القاضي بيحكم بالحق.. مش بالصوت العالي.
الأسبوع ده كان أطول فترة في حياتي. كل يوم أصحى وأنا خايفة.. كل ليلة أنام وأنا فاكرة أين سأذهب. أحمد كان يحاول يهدّئني:
مهما كان الحكم.. هنكون مع بعض. ده المهم.
في اليوم المحدد، ذهبنا للمحكمة بقلوب خايفة. دخلنا القاعة.. القاضي وقف ونطق الحكم:
بعد الاطلاع على السندات والشهادات.. المحكمة تقضي بنقل ملكية البيت ل رضوى.. بناءً على أن ثمنه دُفع من مال والدها، وأن زوجها لم يشارك في بنائه ولا صيانته، وتخلى عن أسرته لفترة طويلة.
دموعي نزلت بلا سيطرة.. رفعت راسي وشفت أحمد بيبتسم ودموعه في عينيه. مصطفى صرخ:
ده ظلم! أنا هاستأنف!
الاستئناف مش بيوقف الحكم رد القاضي بهدوء: والحق ما يُلغى.
خرجنا من المحكمة وأشعة الشمس بتضوي في عينينا.. كأن الدنيا كلها اتفتحت.
رجعنا قلت وأنا أمسح دموعي.
رجعنا قال أحمد وابتسامته أضاءت المكان كله.
لكن مصطفى لم يسكت.. بدأ ينتشر الكلام في القرية: أعطوها البيت عشان الراجل الغريب، خانته مع صاحبه، القاضي اتأثر بكلامهم. كلام مؤلم ومسموم.. وصل لي كل كلمة.
في البداية كنت أتألم.. كنت أخجل من الخروج. بس أحمد قال لي كلام غيّرني:
الناس اللي بتحبكِ عارفة حقيقتكِ.. والباقي وقتهم يثبت لهم. ما تعيشي عشان ترضي أحد.. عيشي عشان نفسك وعشان العيال.
بعد شهر، بدأت أعود لسوق الجمعة.. أبيع المربى والمخلل زي ما كنت. في الأول ناس ابتعدوا، بس شيئاً فشيئاً رجعوا.. عرفوا إن كلام الناس مش دليل.
وذات يوم، وأنا راجعة من السوق، شفت مصطفى واقف على الطريق.. كان وحيد، شكله متعب، واللي معاه تركته وخليته وحيد. لما شافني ما نطقش.. بس نزل راسه ومشى.
عرفت إنه خسر كل حاجة.. الفلوس راحت، الست هربت، والناس ابتعدت عنه. قلبي اتألم شوية، بس ما رجعتش في كلامي.. الظلم ما يُنسى.
مرت السنين بسلام.. البيت اتجمل أكتر فأكتر. أحمد ما تركني أبداً، وكل يوم كان يثبت لي إن الحب مش كلام.. هو أفعال.
أماني كبرت وبقت تشبه أمها وأبوها معاها.. ذكية وحنونة، وتحب ياسين ويحبها. عمر كبر وبدأ يفهم الدنيا.. كان بيننا وبين مصطفى انقطاع تام، لحد ما جاني خبر بعد سنوات:
مصطفى مريض جداً.. وحيد في المستشفى.
ترددت كتير.. أروح ولا ما أروحش؟ قلت لأحمد:
مش عارفة أعمل إيه.. هو أذاني كتير.
أنتِ حرة قال بهدوء: السامح كريم.. وما حدش يقدر يلومكِ لو ما سامحتيش.
في النهاية رحت.. دخلت الغرفة ولقيته شبه ميت. لما شافني دمعت عينيه:
رضوى.. جيتِ؟
جيت أسأل عليك.. وبس.
أنا آسف.. قال بصوت مكسور: خسرت كل حاجة.. وما بقاش معايا غير الندم.
الندم بيلغي الألم مش الماضي قلت بهدوء: سامحتك.. عشان أرتاح أنا. بس ما ترجع تاني في حياتنا.
هز رأسه ودموعه تنزل:
شكراً.. خلي بالك من العيال.
خرجت من المستشفى وأنا حاسة براحة عميقة.. مسامحتي له ما كانتش عشان يرجع.. كانت عشان أتخلص من ثقل الكراهية اللي كان جوايا.
توفى مصطفى بعد أسبوع.. لم أحضر الجنازة، بس أمرت بقراءة الفاتحة على روحه.. ووقفت لحظة صمت، مش عليه، بل على كل سنين ضاعت في وهم.
وبعدها.. عشنا. أنا وأحمد وأماني وياسين وعمر.. أسرة صغيرة، لكنها كاملة. كاملة بالحب والصدق والأمان اللي بنيناه بإيدينا.
وحتى اليوم، كل ما أعدي من جنب البيت القديم.. أشوف السقف اللي كان بينقط مية.. وأفتكر الراجل اللي وقف تحت المطرة يستجديني أساعد بنته.. وأحمد ربنا إنه دق بابي في الليلة دي.. لأن اللي دخل من الباب ده.. ما كانش راجل غريب.. كان سند العمر.
الفاتحة له. الحق أخذ مجراه.
في يوم من الأيام، بعد ما كبر العيال، جمعتهم حولي أنا وأحمد
الحياة علمتني دروس كتير قلت لهم علمتني إن المال ممكن يروح والبيوت ممكن تتغير.. بس الأمانة والحب الصادق هما اللي يبقوا. أحمد ما كان أبوكم پالدم.. بس كان وأبوكم بالفعل.
عمر وأماني حضنونا مع بعض.. في تلك اللحظة عرفت إن البيت الحقيقي مش الحيطان والسقف.. هو اللي بيتكون من قلوب بتتحب وتتسامح.
عشت باقي عمري في سلام، في بيت دافئ مليان ضحك العيال والأحفاد. كلما مرّت المطر، أجلس جنب الشباك وأتذكر تلك الليلة.. لما خبط الباب راجل غريب ومعاه طفلة صغيرة، وبدأت حكاية لم أتخيلها أبداً.
وحتى اليوم، لو سألت أحد في القرية عن بيت رضوى وأحمد.. بيقولولك
ده البيت اللي دخلته المطر وطلعت منه السکينة.. ده بيت الحب اللي جاء متأخراً بس جاء صادقاً.
تمت بحمد الله



النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق