في هذا المقال
سكريبت ليلة فرحي كاملة حكايات انجى الخطيب
سكريبت ليلة فرحي كاملة حكايات انجى الخطيب
في ليلة فرحي، وبعد ما خلص الفرح بساعتين، وأنا لسه بفستاني الأبيض والمكياج على وشي، حماتي دخلت عليا الأوضة وهي شايلة جردل غسيل كبير، ورمته قدامي وقالت بمنتهى البرود:
— من النهارده بقيتي مرات ابني، ومرات ابني هنا بتخدم رجالة البيت.
بصيت للجردل، وبعدين بصيت لجوزي اللي كان واقف بيتفرج عليا كأني أنا اللي عاملة مصيبة.ماعيطتش... مازعقتش... بس مسكت شنطتي واتصلت بمحاميتي.لكن وأنا بفتح اللابتوب، لقيت فولدر باسمه: «بعد الفرح»... والفولدر ده كان كفيل إنه يقلب حياتي كلها رأسًا على عقب.
كان الفرح بتاعي في قاعة فخمة في مصر الجديدة، وأهل جوزي اختاروا إننا نقضي أول ليلة في جناح كبير في فندق قريب من المكان.كنت فاكرة إن دي هتكون أسعد ليلة في حياتي.كنت لسه مخلصة أغير الجزمة العالية وقاعدة على طرف السر,,ـــــير، لما باب الأوضة اتفتح من غير خبط.
دخلت حماتي، سعاد، وهي شايلة جردل بلاستيك كبير مليان هدوم متسخة.رمته على الأرض قدامي، وقالت:
— خلاص يا بنتي، من بكرة الفطار الساعة ٨، والغسيل ده يتغسل قبل ما الرجالة تصحى.فضلت أبص للجردل كام ثانية مش فاهمة.
كان فيه قمصان عرقانة، شرابات، هدوم جوزي، هدوم حمايا، وحتى هدوم أخوه الكبير.رفعت عيني ليها وقلت:
— هو حضرتك بتتكلمي جد؟ضحكت وقالت:
— طبعًا بتكلم جد. إنتِ دلوقتي بقيتي واحدة من البيت.في اللحظة دي دخل جوزي، كريم، وكان لسه لابس البدلة بتاعته.
بص للجردل وبعدين بصلي، وكأنه مستني يشوف هعمل إيه.قلت له:
— كريم، إيه اللي بيحصل؟رد وهو بيفك الكرافتة:
— ماما قالت لك تعملي الغسيل وخلاص يا نادين. ماتكبريش الموضوع.بصيت له بعدم تصديق:
— غسيل هدوم أبوك وأخوك؟قال بكل بساطة:
— أيوه، ماما كانت بتعمله طول عمرها.
رديت عليه:
— هي اختارت تعمل كده، أنا لأ.حماتي قربت مني وقالت:
— اسمعي يا بنتي، عندنا الست هي اللي بتخدم الرجالة. دي عاداتنا، ومش هتغيريها من أول يوم.بصيت لكريم وقلت:
— خليها تخرج من الأوضة.سكت.ولا قال كلمة واحدة.ساعتها فهمت إن المشكلة مش في حماتي لوحدها...
المشكلة إن جوزي موافق.قرب مني وقال بصوت واطي:
— ماتعمليش مشكلة ليلة فرحنا.قلت له:
— المشكلة مش أنا اللي عملتها.فجأة مسكني من دراعي.قلت له:
— سيب إيدي يا كريم.شد أكتر وقال:
— بطلي تعاندي.حاولت أبعد عنه، لكنه رفع إيده وضــ,,ـــــربني على وشي.
اتجمدت مكاني.حتى هو نفسه وقف لحظة كأنه استوعب اللي عمله.لكن حماتي مااتصدمتش.بالعكس، بصتلي وقالت بمنتهى الهدوء:
— عشان تعرفي من أول يوم إن البيت له كبير.رفعت إيدي على وشي، وبصيت لهم الاتنين.
ماكنتش قادرة أصدق إن الشخص اللي من ساعتين كنت واقفة جنبه قدام كل الناس وبقوله «جوزي» هو نفسه اللي مد إيده عليا في أول ليلة.لكن الغريب إني ماعيطتش.قربت من الجردل، مسكته من إيديه، وحماتي ابتسمت وهي فاكرة إني استسلمت.لكن بدل ما أدخل الحمام وأغسل الهدوم.
..قلبت الجردل كله على كريم.الهدوم المبلولة وقعت فوق بدلته، وعلى الجزمة الجديدة، واتناثرت على أرضية الجناح.حماتي شهقت:
— إنتِ اتجننتي؟!بصيت لكريم وقلت:
— دي آخر مرة إيدك تلمسني فيها.روحت ناحية الدولاب وطلعت شنطتي.كريم حاول يقف قدام الباب.قال بعصبية:
كريم حاول يقف قدام الباب.قال بعصبية:
— إنتِ رايحة فين؟رديت وأنا بحط اللابتوب والشاحن وبعض الورق في الشنطة:
— راجعة بيتي.ضحك بسخرية:
— بيتك؟ ده بيت جوزك.بصيت له في عينه وقلت:
— لا... بيتي أنا.مد إيده ناحية الشنطة، لكني طلعت موبايلي ورفعته قدامه:
— خطوة واحدة كمان، وأنا هطلب أمن الفندق والشرطة.وقف مكانه.خرجت من الجناح وأنا لسه بفستان فرحي.دخلت الأسانسير، ونزلت اللوبي وسط نظرات الناس.كان فيه كام واحد من المعازيم لسه موجودين، ولما شافوني بفستان الفرح وأنا نازلة لوحدي، بدأوا يبصوا لبعض باستغراب.مااهتمتش.
خرجت من الفندق، ركبت عربيتي، وقعدت جوه وقفلت الأبواب.لأول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية، سمحت لنفسي آخد نفس.مسكت الموبايل واتصلت بمحاميتي، الأستاذة منال.أول ما ردت قلت لها:
— منال، أنا محتاجة أقابلك حالًا.سألتني:
— حصل إيه؟بصيت في المراية على وشي، وبعدين قلت:
— جوزي ضــ,,ـــــربني في أول ليلة.سكتت ثواني، وبعدين قالت:
— ماتتحركيش من مكانك، وأنا هتصرف.قفلت معاها وفتحت اللابتوب عشان أدور على نسخة من أوراقي المهمة.لكن أول ما سجلت الدخول، ظهر قدامي إشعار إن فيه مجلد جديد اتزامن تلقائيًا مع الجهاز.فتحت المجلد.كان فيه صور، مستندات، رسائل، وملفات كتير.
لكن اسم المجلد نفسه خلاني أحس بقشعريرة في جسمي:
«بعد الفرح».فضلت باصة للاسم من غير ما أقدر ألمس حاجة.إيه اللي كان مخبيه كريم وأهله؟وليه المجلد متسمي بالاسم ده تحديدًا؟فتحت أول ملف...وفي اللحظة دي، اكتشفت إن اللي حصل الليلة دي ماكانش مجرد إهانة عابرة.
..كان جزء من خطة متحضرة من قبل الفرح بوقت طويل.والأخطر من كده...إن اسمي أنا كان مكتوب جوه الملف.لكن مش بالاسم اللي أهل كريم يعرفوه.كان مكتوب باسمي الحقيقي...نادين رأفت المصري.والسر اللي كنت مخبياه عن كريم وعيلته، واللي كنت فاكرة إني مخبياه عشان أحمي جوازي.
..كان هو نفس السر اللي هم كانوا بيدوروا عليه من شهور.رفعت عيني عن الشاشة، وهمست لنفسي:
— يا نهار أبيض... هما كانوا عارفين أنا مين؟وساعتها فتحت الملف اللي بعده...وكان جواه أول دليل على إن جوازي من كريم من البداية ماكانش صدفة.
فتحت الملف التاني وإيدي بتترعش، ضوء الشاشة الأزرق كان ضارب في وشي وسط ضلمة العربية. الملف كان عبارة عن عقد تنازل متأرخ من ست شهور... عقد بيع وشراء لأرض أبايا الله يرحمه في التجمع، الأرض اللي المفروض إنها تحت التحفظ العقاري ومحدش يعرف عنها حاجة إلا أنا ومحاميتي.
اسم المشتري في العقد كان "كريم عبد الحميد"، وبصمة التوقيع كانت بصمتي أنا... بصمة مزورة، معمول لها سكان بصورة احترافية من توكيل قديم.
المفاجأة ماكانتش بس في العقد، كان فيه ملف صوتي مدته عشر دقائق. دوست على زرار التشغيل والصوت طلع نقي جداً من سماعات العربية... صوت حماتي سعاد وهي بتتكلم مع كريم بصوت واطي ومخطط:
"البنت فاكرة نفسها أذكى مننا يا كريم، فاكرة إن اسمها المستعار اللي دخلت بيه الشركة وهي بتشتغل معاك هيحميها.. هي فاكرة إننا ما نعرفش إنها بنت رأفت المصري الوحيدة ووريثته السرية."
رد كريم بصوت فيه جشع واطي:
"يا أمي العقد ده لو اتقيد في الشهر العقاري بعد الفرح بيومين، الأرض هتتنقل باسمي فوراً بصفتي الزوج والشريك الشرعي.. هي مش هتقدر تتكلم ولا تبلغ، لأنها لو بلغت هتنكشف هويتها الحقيقية والمشاكل اللي كانت هربانة منها من عيلة أبوه هتفتح عليها أبواب جهنم."
سعاد ضحكت ضحكة جافة:
"عشان كده لازم تكسر عينها من أول ليلة.. جردل الهدوم ده مش غسيل يا كريم، ده الكارت اللي هنعرف بيه هي هترخس وتستسلم ولا لسه فاكرة نفسها بنت رأفت المصري. لو سكتت وغسلت، يبقى العقد هيتم بنعومة وناخد الأرض. لو اتنططت، تضــ,,ـــــربها وتهينها وتجيبها تحت جزمتك عشان تعرف إن مالهاش ظهر."
دموعي اللي حبستها طول الليلة نزلت مرة واحدة، مش ضعف، لكن من صدمة البشاعة. هم كانوا مرتبين كل حاجة.. الضــ,,ـــــرب، الإهانة، جردل الغسيل، حتى التمثيلية بتاعة الحب اللي عشتها مع كريم سنتين كاملين في الشركة، كل ده كان مجرد مسرحية عشان يوصلوا لأرض قيمتها مئات الملايين.
فجأة، خبطة قوية على زجاج عربيتي خلتني أصرخ وأقفل اللابتوب بسرعة.
بصيت بره، كان كريم واقف، وش حزين ومضروب بالأرض، وبدلتوا لسه عليها أثر المية والهدوم المبلولة. كان بيحاول يفتح الباب بس الأبواب كلها كانت مقفولة بالسنتر لوك.
نزلت الإزاز سم واحد بس وقلت بصوت حاد زي الموس:
"عايز إيه يا كريم؟"
اتكلم بلهفة وتمثيل متقن:
"نادين.. افتحي يا حبيبتي، أنا آسف.. والله العظيم ما كنت في وعيي، أمي هي اللي ضغطت عليا، إنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه، يرضيكي نسيب الفندق بالشكل ده وناس الفرح يتكلموا علينا؟ افتحي ونتفاهم فوق في الجناح، مش هخلي أمي تفتح بقها بكلمة تاني!"
بصيت في عينيه، الشرير اللي كان من نص ساعة بيضــ,,ـــــربني بقى بيعيط ودلوقتي لابس ماسك الحمل الوديع عشان خايف الخطة تطير من إيده.
قلت له وأنا ببتسم ابتسامة ميتة:
"الأرض يا كريم؟"
تعلثمه، عينيه اتوسعت من الصدمة، خطوة لورا خدها وكأنه اتكهرب.
"إيه.. إنتِ بتقولي إيه؟"
"فولدر 'بعد الفرح' يا عريس.. الملفات الصوتية، عقد الأرض المزور، وتوقيعي اللي زورته. كل حاجة عندي دلوقتي على السيرفر بتاع محاميتي منال."
وشه اتخطف، ألوانه اتغيرت والتمثيلية انتهت في ثانية. ملامحه تحولت لغل أسود، ومسك مقبــ,,ـــــض الباب وبيحاول يكسره بكل قوته وهو بيصرخ:
"افتحي يا نادين! افتحي بدل ما أقسم بالله أدفــ,,ـــــنك هنا! فاكرة نفسك هتعرفي تخرجي من تحت إيدنا؟ الأرض دي حقي وحق تعبي معاكي، أباكي مات وسابلك ملايين وإنتِ قاعدة عاملة لي فيها موظفة غلبانة!"
ما ترددتش ثانية واحدة. دورت عربيتي، الدفع الرباعي صرخ صوته في جراج الفندق، ودست بنزين بكل قوتي. العربية تحركت للوراء بسرعة، وكريم اترمى على الأرض وهو بيلعن ويصرخ. طلعت من جراج الفندق وأنا بشوفه في المراية وهو بيحاول يقوم ويدور على مفاتيح عربيته عشان يطاردني.
مسكت الموبايل ودست على السماعة الخارجية وأنا سايقة بسرعة جنونية في شوارع مصر الجديدة الفاضية:
"ألو.. أستاذة منال؟"
جاني صوت منال القوي والمهني:
"نادين، أنا قدام بيتك القديم دلوقتي ومسبقة عربية حراسة معاكِ.. إنتِ فين؟"
"أنا سايقة، وكريم بيجرى ورايا.. الملفات معايا يا منال، طلعوا عارفين كل حاجة، تزوير، ابتزاز، وعقد الأرض معاه."
سكتت منال ثانية واحدة وقالت بصوت ثلج:
"ممتاز.. كده اللعبة اتغيرت من قضايا أحوال شخصية وتعدي، لقضية جنايات وتزوير وعصابة منظمة. اسمعيني كويس يا نادين.. متدخليش بيتك، هاتي العربية واطلعي فوراً على مكتب النائب العام، أنا جهزت البلاغ، والشهود والملفات الصوتية كافية إنها تحبس كريم وأمه من بكرة الصبح."
في المراية اللي ورا، شفت أنوار عربية كريم العالية بتنور وتطفي ورايا بسرعة رهيبة، بيحاول يزنق عليا في الشارع الفاضي.ابتسمت وسط دموعي، وضغطت على دواسة البنزين لأخرها.
نادين القديمة اللي كانت بتستخبى ورا اسم مستعار ماتت مع مسحة المكياج وفستان الفرح المبهدل.. واللي سايقة العربية دلوقتي هي بنت رأفت المصري، واللعبة يلا بدأت.
دوت بنزين وكسرت الملف شمال، العربية صرخت مع الأسفلت وصوت الكاوتش يرن في الشارع الفاضي. كريم كان ورايا زي المجنون، ينور النور العالي ويلفي أفقياً بيحاول يزنق عليا ويجبرني أقف على جنب.
موبايلي رن، كان رقمه هو. فتحت المايك وراميته على الكرسي اللي جنبي:
"افتحي السبيكر يا نادين واستوعبي اللي بتعمليه! فاكرة نفسك هتهربي بالسهولة دي؟ وربنا لو ما وقفتِ لأكون قايل لعيلة أباكي على مكانك الليلة، وتشوفيهم هما هيعملوا فيكي إيه!"
ضحكت بصوت عالي، ضحكة طالعة من وسط وجع مكتوم، وقلت له بثبات مش قادرة أصدق إنه عندي:
"قولهم يا كريم.. بلّغهم إن بنت رأفت المصري صاحية، وإن اللي أخدته منك ومن أمك الليلة كفيل يوديكوا ورا الشمس قبل ما هما حتى يفكروا يتحركوا خطوة واحدة."
قفلت في وشه، وقبل ما يلحق يكسر عليا عند تقاطع الثورة، ظهرت عربية جيب سودة كبيرة، دخلت من الشارع الجانبي وقفت بالعرض تماماً بيني وبينه. عربية الحراسة اللي أستاذة منال بعتتها.شفت في المراية عربية كريم وهي بتفرمل بالعافية، وصوت صريخ الكاوتش مالي الشارع وهو بيلف حوالين نفسه عشان يبعد عن الجيب.
دقيقة واحدة وكنت على الطريق الدائري، طايرة بالعربية ورايحة على العنوان اللي أستاذة منال بعتتهولي.
وصلت المقر، نزلت من العربية بفستان الفرح المبهدل، الشيكارة البلاستيك بتاعة جردل الغسيل كانت لسه سايبة أثر مية على أطراف الفستان من تحت. مسكت اللابتوب والشنطة، ودخلت.
أستاذة منال كانت منتظراني، أول ما شافتني بالطريقة دي، جابت شال أسود كبير وحطته على كتفي، ومسكت إيدي وقالت:
"شدي حيلك يا نادين.. اللي الجبن ده عمله هيتدفع تمنه بالقانون، ومن الليلة دي مفيش خوف."
فتحت اللابتوب قدامها، وحطيت الفلاشة. الملفات بدأت تفتح واحد ورا التاني.
لكن وأنا بقلب في باقي الفولدر، ظهر ملف مضغوط مخفي جوه المجلد بتاعه، ومكتوب عليه تاريخ بكرة: "بعد الفرح - خطة التنفيذ".
فتحت الملف، وعينيا اتوسعت من الصدمة.ماكانش بس عقد الأرض المزور.. كان فيه صورة لتوكيل عام بشخصي مسبق باسم حمايا "عبد الحميد"، ومستندات تحويلات مالية باسم حسابي البنكي القديم لشركات وهمية بره مصر.
هما ماكانوش عايزين الأرض بس.. هما كانوا بيستخدموا هويتي عشان يلبسوني قضايا غسيل أموال واختلاس بملايين، ويساوموني بعد كده: يا إما أتنازل عن كل حيلتي، يا إما أترمي في السجــ,,ـــــن باقي عمري!
أستاذة منال بصت للشاشة ووجهها اتغير تماماً، رفعت سماعة التليفون واتكلمت بنبرة حازمة:
"ألو.. يا فندم، البلاغ مش هيستنى للصبح. إحنا قدام جريمة تزوير واستيلاء وتشكيل عصابي متلبس.. المحاضرزم تتفتح حالاً."
بعد ساعتين، وتحديداً الساعة أربعة الصبح..
كنت قاعدة في المكتب، شربت بق مية، والمكياج كان خلاص اتمسح كله من وشي.
موبايل منال رن، ردت وفتحت السبيكر.
صوت الضابط جه من الناحية التانية:
"يا فندم، قوة من المباحث تحركت على جناح الفندق بناءً على إذن النيابة وسجلات المكالمات والتفريغ. المتهم الأول كريم عبد الحميد والمتهمة الثانية سعاد محمود مقبوض عليهم حالاً وفي طريقهم للقسم.. وكان معاهم لاب توب تاني عليه أصل التوكيلات المزورة."
غمضت عينيا وأنا باخد نفس عميق، لأول مرة بحس إن صدـ,,ـــري بيتفس بعد كتمة سنين.
رفعت الشال الأسود على كتفي، وقفت وبصيت لمنال وقلت لها:
"يالله بينا يا أستاذة منال.. حان الوقت إن بنت رأفت المصري تنزل بنفسها تحضر التحقيق.
وصلنا قسم الشرطة في المطرية قبيل الفجر بشوية. الشارع كان هادي، بس جوه النيابة والقسم الحركة ما بتهداش. نزلت من عربية أستاذة منال، وأنا لسه لافة الشال الأسود حوليا، بس المرة دي خطوتي كانت ثابتة، وراسي مرفوعة.
أول ما دخلنا الممر المؤدي لمكتب النيابة، شفتهم.
كريم وحماتي سعاد كانوا قاعدين على دكة خشب في الممر ومحروسين بآمين شرطة. كريم كان ببدلته المبهدلة، شعره منكوش، ووشه أصفر زي الليمونة. سعاد كانت قاعدة بتترعش، العصبية والغل باينين في عينيها، ولابسة عباية بيت أخدوها بيها من الفندق بسرعة لما القوة دخلت عليهم.
أول ما سعاد شافتني ماشية وبجنبي أستاذة منال وفريق المحامين، قامت وقفت فجأة وصصرخت بصوت هيستيري:
"أهي الحية أهي! يا بيه دي نصابة ومجرمة! هربت ليلة فرحها وسرقت ورق ابني وفلوسه! افتشوها!"
أستاذة منال ما إدتهاش عقاد نافع، وبصت لأمين الشرطة ببرود:
"يا حارس، لو سمحت انصح المتهمة تلتزم الهدوء عشان ما نضيفش لملفها تهمة سب وقذف وتعدي داخل منشأة شرطية."
كريم رفع عينه في عينيا. ماكانش في عينيه أي أثر للشر اللي كان في الجراج، كان نظرة رجاء وخوف.. نفس الوش المزيّف اللي خدعني بيه سنتين.
قرب خطوة وناداني بصوت مكسور:
"نادين.. عشان خاطر ربنا، اسمعيني.. أمي هي اللي تورطت في كل ده، أنا ماليش دعوة، هي اللي ضغطت عليا!"
سعاد بصت له بصدمة وصصرخت فيه:
"بتقول إيه يا روح أمك؟! بقى أنا اللي ضغطت عليك؟ ده أنت اللي جايب لي صور توكيلها من ست شهور وتقولي الأرض دي هي اللي هتغنينا!"
بدأوا يكسحوا في بعض ويرموا التهم على بعض قدام العساكر والمحامين، المنظر كان رخيص بشع.. نفس الناس اللي كانوا من أربع ساعات شايفين نفسهم أسياد البيت وبيأمروني أغسل رج رجلين أهله، نازلين طحن في بعض عشان كل واحد ينجو بجلده.
دخلنا للوكيل النيابة.
مكتب ضيق، وراجل ملامحه حازمة وشديدة. أستاذة منال قدمت "الفلاشة" اللي عليها كل التسجيلات الصوتية، العقود المزورة، الخطة المكتوبة، وصور التحويلات، بالإضافة لتقرير طبي مبدئي بإثبات التعدي والضــ,,ـــــرب اللي في وشي.
وكيل النيابة شغل صوت التسجيلات في المكتب.
صوت كريم وهو بيخطط.. صوت أمه وهي بتقول "جردل الهدوم ده الكارت اللي هنكسر بيه عينها".. صوت التزوير والاتفاق على بيع الأرض.
وكيل النيابة رفع عينه وبص لكريم وأمه، النبرة بتاعته كانت زي السيف:
"أستاذ كريم عبد الحميد.. الحجة سعاد محمود.. التسجيلات دي بصوتكم؟"
كريم اتلعثم وشهق:
"يا فندم.. دي.. دي كانت فبركة.. هي تركبت بالذكاء الاصطناعي!"
أستاذة منال ابتسمت وقالت بثقة:
"سيادة وكيل النيابة، بنطلب إحالة الحواسيب والهواتف المسبوق ضبطها بحوزة المتهمين للأدلة الجنائية لبيان التطابق الحسابي والهندسي للصوت والملفات، ومضاهاة التوقيعات على عقد البيع المزيف."
الساعة ضــ,,ـــــربت سبعة الصبح، والشمس بدأت تطلع وتخش من شباك المكتب.
وكيل النيابة هبد القلم على المكتب، وكتب القرار:
"حبس المتهم الأول كريم عبد الحميد، والمتهمة الثانية سعاد محمود، أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الميعاد، وإحالة الحواسيب للطب الشرعي والأدلة الجنائية، واستدعاء باقي أفراد العائلة المذكورين في التسجيلات."
سعاد صرخت وقعدت على الأرض وهي بتندب، وكريم وشه اتخطف ومسك في إيد الضابط وهو بيترجاه:
"لا يا بيه! حبس إيه؟! أنا مهندس وسمعتي هتضيع! نادين تنازلي وحياة أبوق!"
بصيت له في عينيه بمنتهى الهدوء، وقربت منه خطوة واحدة، وقلت له بصوت واطي سمعوه هما الاثنين بس:
"أبوي الله يرحمه علمني إن اللي يمد إيده على واحدة أو يفكر يسرقها.. ما يلزموش غير السجــ,,ـــــن. الجردل اللي رمتوه تحت رجلي.. هو اللي رمواكم هنا."
لفيت ظهري وخرجت من القسم.
الهوا بتاع الصبح كان ساقع ونظيف. قلعت الشال، وبصيت للسما.
المعركة ما خلصتش، ولسه فيه قضايا وتصفية حسابات قديمة مع عيلة أبايا اللي كريم كان عايز يساومني بيهم.. بس في اللحظة دي، وأنا واقفة بآثار فستان الفرح المبهدل، عرفت حاجة واحدة بس:
نادين رأفت المصري خلاص ما بقتش تخاف من حد.
عديت من باب القسم وشمس الصبح كانت ضــ,,ـــــربت في الشارع. مسكت تليفوني اللي ما وقفش رن من سائر أرقام عيلة كريم وأقربائه. فتحت المكالمات وحظرتهم واحد ورا التاني ببرود تام.
أستاذة منال قربت مني، حطت إيدها على كتفي وقالت:
"كده اللعبة الأولى خلصت يا نادين.. كريم وأمه بقوا في حوزة النيابة والتزوير لبسهم رسمي. بس دلوقتي فيه كارت تاني لازم نلعب بيه صح."
بصيت لها بسؤال:
"عيلة أبايا؟"
منال هزت رأسها بثقة:
"بالظبط. كريم كان ناوي يساومك بيهم، بس بما إن سرك اتعرف خلاص، يبقى المبادرةزم تكون من عندك. أعمامك من سنين يدوروا على أوراق أباك عشان يوضعوا إيدهم على الشركات والأرض اللي في التجمع، وشايفين إنك اختفيتي بالورق. لو عرفوا إنك ظهرتي وفضحي في المحاكم، هيحاولوا يدخلوا على الخط."
طلعت زفير طويل، وركبت عربيتي جنبها وقلت:
"أنا ما هربتش منهم زمان عشان أضعف دلوقتي. أنا استخبيت لحد ما كبرت وفهمت القانون.. ودلوقتي نادين رأفت المصري هي اللي هتروح لعمي فاروق بنفسها."
بعد ساعتين..
في مكتب فخم بوسط البلد، كان عمي فاروق المصري قاعد ورا مكتبه الأبنوس، شغال يقلب في أوراق قدامه، لما السكرتيرة دخلت عليه وهي متوترة:
"فاروق بيه.. فيه واحدة بره مصرة تقابلك، وبتقول لحضرتك قول له بنت أخوك رأفت."
عمي فاروق رفع رأسه بفزع، القلم وقع من إيده.
فتحت الباب ودخلت. ما كنتش لابس الفستان خلاص.. غيرت لبسي لبنطلون أسود وبليزر كحلي حاد، وبصيت له بثبات.
وقف مكانه يتأمل وشي، النبرة بتاعته كانت مشدودة بين الذهول والارتباك:
"نادين؟! إنتِ.. إنتِ عايشة؟ وراجعة بعد السنين دي كلها؟"
قعدت على الكرسي قدامه بثقة وحطيت رجلاً على رجل:
"عايشة وموجودة يا عمي.. وراجعة مش عشان أطلب منك حمايتي، أنا راجعة عشان أقفلك اللعب اللي كان كريم عبد الحميد ناوي يلعبه معاك ومعايا."
فاروق قطم حواجبه:
"كريم مين؟"
رميت قدامه على المكتب ملف كامل فيه صور العقود المزورة وتفريغ تسجيلات كريم وأمه لما كانوا بيتكلموا عن اتصالاتهم بعمي عشان يبيعوا له الأرض بسعر تراب بعد ما يكسروني.
عمي مسك الورق، وعينيه بدأت تتسع من الصدمة والغل.. اكتشف إن الواد اللي كان بيجيب له أخبار عني، كان بيلعب بيه وبيحاول يسرق الأرض لحسابه الشخصي وياخد الملايين ويخلع بره مصر.
فاروق هبد الورق على المكتب وزعق:
"ابن الكلب! كان بيشتغلني؟ كان بيجيلي ويقولي إنه بيدور عليكِ لخاطري عشان يلم الشمل، وهو مرتب وياكِ جوازة وعايز يسرق أرض أباكِ؟!"
قلت له بمنتهى الهدوء:
"هو حالياً بات ليلته في النيابة بتهمة التزوير واستعمال محرر مزور والاعتــ,,ـــــدا.. والنيابة هتستدعي كل اسم اتذكر في التسجيلات. وأنا جيت هنا عشان أقولك كلمتين يا عمي فاروق.. الأرض دي أرض رأفت المصري، وحقي فيها بالقانون وبسندات ملكية مسجلة ومحفوظة. لو فكرت تخش مع كريم في أي محاولة مساومة أو إنك تضغط عليا بالقديم.. الملفات دي كلها بالأسماء والتسجيلات هتكون قدام القضاء الإداري والتجاري من بكرة."
عمي فاروق قعد على كرسيه، بصلي بنظرة مختلفة تماماً عن النظرة اللي كان بيبصلي بيها وأنا طفلة غلبانة. شاف في عينيا نبرة أبايا ورأسه الناشفة.
بلع ريقه وقال:
"إنتِ كبرتي وبقيتي تعرفي تتكلمي يا نادين.. بس كريم وعيلته مش هيسيبوكي، العيلة دي غادرة."
قمت وقفت، وعدلت البليزر بتاعي وابتسمت ابتسامة هادية:
"اللي حاول يكسرني بجردل غسيل في أول ليلة، لبس أكلشات السجــ,,ـــــن قبل ما شمس اليوم الأول تطلع.. ما تقلقش عليا يا عمي، أنا بعرف أربي اللي ينسى نفسه كويس."
سبيته ومشيت، وخرجت للشارع.
التليفون رن، كانت أستاذة منال:
"نادين.. النيابة رفضت الاستئناف، وكريم وأمه اترحلوا على التخشيبة لانتهاء تحريات المباحث والجنايات. وعمه جالي المكتب بيترجى وبيعرض تنازل كامل عن كل حاجة ومؤخر الصداق والشبكة، ومستعدين يدفعوا التعويض اللي تطلبيه بس تنازلي عن قضية التزوير."
وقفت في وسط الشارع، بصيت للسما والشمس مالية المكان، وقلت بصوت صارم ومش تردد:
"قولي له نادين بتقولك: القانون ما فيهوش تنازل.. والجردل اللي اترمى تحت رجلي، مش هيرفعه عن رقابهم أي فلوس في الدنيا. كملي في القضية لأخرها."
بعد أسبوعين من اليوم ده، كانت الحكاية كبرت ورنت في كل مكان.
كريم وأمه تحولوا للجنايات بتهم التزوير في أوراق رسمية، والابتزاز، والشروع في الاستيلاء على ممتلكات غيرهم. وعمه اللي حاول يتدخل قبل كده لم أوراقه واختفى بعد ما عرف إن اسم عيلتهم بقى على كل لسان في المحاكم.
كنت واقفة في صالة المزاد العلني في محكمة التجمع الخامس، لابسة طقم رسمي أنيق، وبجانبي أستاذة منال وفريق Legal قوي.
جلسة اليوم كانت لبيع بعض أصول شركة كريم وممتلكاته اللي المحكمة تحفظت عليها للوفاء بالديون والشرط الجزائي والتعويضات اللي اترفضت أتنازل عنها.
وفجأة، الباب اتفتح، ودخلت المحامية بتاعة كريم وهي شايلة شنطة كبيرة. قربت مني بملامح حزينة ومتوترة وقالت:
"أستاذة نادين.. كريم بيه بيترجاكي للمرة الأخيرة قبل الجلسة. هو ومامته حالياً في التخشيبة وحالتهم الصحية متدهورة جدًا.. أمه جالها جلطة خفيفة، وهو مستعد يوقع على أي شيكات وتنازلات، بس بلاش سجــ,,ـــــنه يوصل لعشر سنين."
بصيت لها بمنتهى الثبات، ومن غير ما اتهز:
"هو لما كان بيزور توقيعي ويرمي فوقي الهدوم المبلولة وكان فاكر إني هكسر واسيّب حقي، فكّر في حالتي؟ القانون أخد مجراه، واللي يعمل العملة يتحمل تمنها يا أستاذة."
المزاد بدأ، ورسيت كل الأصول لصالح رد الحقوق كاملة لي وللأطراف المتضررة من تزويره.
خرجت من المحكمة وأنا حاسة بوزن تقيل قوي انزاح عن كتفي.
ركبت عربيتي ومشيت على أرض التجمع.. الأرض اللي أبايا الله يرحمه سابها لي، واللّي حاولوا يسرقوها بتمثيلية جواز مزيفة. المهندسين والعمال كانوا واقفين هناك، وبيبدأوا يحطوا الأساسات لأول مشروع عقاري كبير باسم "مؤسسة رأفت المصري".
الموبايل رن، كان رقم غريب. فتحت الخط:
"ألو؟"
جاني صوت عمي فاروق، بس المرة دي ما كانش فيه لا استعلاء ولا تحكم.. كان صوت راجل عرف إن البنت اللي حاول يهمشها زمان بقت أكبر منه ومن سطوته:
"نادين.. أنا شفت الإعلانات بتاعة بداية المشروع في التجمع. مبروك يا بنتي.. أباكي لو كان عايش كان هيبص عليكِ ويفتخر."
ابتسمت ابتسامة هادية وقلت له:
"الله يرحمه يا عمي.. هو علمني إن الحق ما بيمــ,,ـــــوتش، وإن الست اللي تعرف قيمة نفسها، مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تكسرها."
قفلت السكة، نزلت من العربية، ووقفت في نص الأرض.. الهوا كان نقي، ورائحة التراب والمباني الجديدة مالية المكان.
بصيت للسما وأنا ببتسم.. الحكاية بدأت بجردل غسيل وإهانة في ليلة فرح، بس انتهت وهي بتكتب بداية حقيقية ولقوة نادين رأفت المصري.
تمت
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق