أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

سكريبت محامي تعويضات كامله اماني السيد

أنا محامي تعويضات مشهور، اتجوزت المتدربة اللي كانت شغالة معايا في السر، ولما مراتي الأولى دخلت مكتبي وشافتنا مع بعض، قالت كلمة قلبت حياتي كلها! مراتي بصت لإيد سما الممدودة، وبعدين بصتلي، وفضلت واقفة مكانها كأنها مش مصدقة اللي سمعته. الشنطة اللي كانت في

محمدمحمدالكاتب 21 د للقراءة 0.00 المراجعات
سكريبت محامي تعويضات كامله اماني السيد

 سكريبت محامي تعويضات كامله اماني السيد


 


 

سكريبت محامي تعويضات كامله اماني السيد


 

 أنا محامي تعويضات مشهور، اتجوزت المتدربة اللي كانت شغالة معايا في السر، ولما مراتي الأولى دخلت مكتبي وشافتنا مع بعض، قالت كلمة قلبت حياتي كلها!


 

مراتي بصت لإيد سما الممدودة، وبعدين بصتلي، وفضلت واقفة مكانها كأنها مش مصدقة اللي سمعته.


 

الشنطة اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض، وعلبة الأكل اتفتحت، وريحة الأكل اللي كانت عاملاهولي انتشرت في المكتب.


 

أنا قمت من على الكرسي بسرعة، وقلت وأنا بحاول ألم الموقف:


 

ـ نجوى… إنتي إيه اللي جابك هنا؟!


 

نجوى ما ردتش عليا، فضلت باصة لسما، وبعدين رفعت عينيها ليا وقالت بصوت هادي بشكل خوفني:


 

ـ أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده يا منير… إيه اللي بيحصل هنا؟


 

سما ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:


 

ـ واضح إن حضرتك مش عارفة، بس أنا مرات منير، واتجوزنا من فترة، وهو أكيد كان هيقولك في الوقت المناسب.


 

الكلمة الأخيرة كانت زي السكينة في قلبي، مش عشان زعلت على نجوى، لكن عشان كنت عارف إن كل حاجة انتهت، وإن السر اللي كنت مخبيه بقى قدام عينيها.


 

نجوى نزلت بصت للشنطة اللي وقعت، وانحنت بهدوء ولمت علب الأكل، وحطتها تاني جوا الشنطة.


 

وبعدين بصتلي وقالت:


 

ـ أنا كنت جاية أعملك مفاجأة يا منير… كنت عارفة إنك مشغول، وقلت أعدي عليك بالعشا اللي بتحبه، عشان بقالك كتير مش بتاكل معانا.


 

سكتت شوية، ومسحت دمعة نزلت على خدها، وكملت:


 

ـ فاكر يا منير لما كنت بتتأخر في شغلك زمان؟ كنت بستناك بالساعات، وأول ما تدخل البيت كنت أسألك أكلت ولا لأ. كنت بتقولي إنك تعبان، وكنت بجهزلك الأكل بإيدي. حتى لما كنت بتنسى عيد جوازنا، كنت أقول لنفسي معلش، ده راجل عنده مسؤوليات.


 

أنا قربت منها وقلت:


 

ـ نجوى، اسمعيني بس، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.


 

ضحكت ضحكة قصيرة كلها وجع وقالت:


 

ـ مش زي ما أنا فاهمة؟ طب أفهم إيه يا منير؟ إن المتدربة اللي عندك قاعدة على رجلك في مكتبك بعد ما الموظفين مشيوا؟ ولا أفهم إيه من إنها بتقول إنها مراتك؟


 

سما اتدخلت وقالت:


 

ـ مدام نجوى، من فضلك ما تحطيش نفسك في موقف صعب. منير اختارني، وإحنا متجوزين، ودي حياته الشخصية.


 

نجوى بصتلها وقالت:


 

ـ أنا مش هحط نفسي في أي موقف يا بنتي. أنا بس عايزة أعرف حاجة واحدة… إنتي كنتي عارفة إنه متجوز وعنده طفلين؟


 

سما رفعت دقنها وقالت:


 

ـ طبعًا عارفة.


 

نجوى هزت راسها ببطء، وبعدين قالت:


 

ـ يبقى ربنا يسامحك.


 

وبصتلي تاني:


 

ـ وإنت يا منير، ربنا يسامحك على كل يوم خليتني فيه أصدق إنك مسافر شغل، وعلى كل مرة كنت بتقولي فيها ادعيلي ربنا يوفقني، وأنا كنت بدعيلك من قلبي، من غير ما أعرف إنك بتبدأ حياة تانية بعيد عني وعن ولادك.


 

حاولت أمسك إيدها، لكنها رجعت خطوة لورا.


 

ـ ما تلمسنيش يا منير.


 

الكلمة دي وجعتني أكتر مما توقعت.


 

قالت وهي بتبص في عيني:


 

ـ أنا مش جاية أعمل فضيحة، ولا جاية أزعق، ولا حتى أطلب منك تسيبها. أنا جاية أفهم بس إزاي قدرت تبص في عين ولادك كل يوم وتكذب عليهم؟


 

سكتت، وبعدها مدت إيدها في شنطتها وطلعت علبة صغيرة.


 

كانت هدية عيد ميلادي اللي قرب.


 

حطتها على المكتب وقالت:


 

ـ كنت جايبالك دي كمان… بس خلاص، مش هتحتاجها.


 

وبعدين شالت الشنطة ومشيت.


 

فضلت واقف مكاني، وسما قربت مني وحطت إيدها على كتفي.


 

ـ منير، ما تكبرش الموضوع. هي هتهدى، وبعد شوية هتتعود.


 

بصتلها وأنا مش مصدق البرود اللي بتتكلم بيه.


 

ـ إنتي شايفة إن اللي حصل ده عادي؟


 

ـ أمال إيه؟ إحنا متجوزين، وإنت حر في حياتك.


 

ـ بس أنا عندي ولاد يا سما!


 

اتغيرت ملامحها وقالت:


 

ـ وأنا مش هفضل طول عمري في المرتبة التانية يا منير. أنا اتجوزتك عشان أكون مراتك، مش عشان أفضل مستخبية.


 

ما رديتش عليها.


 

لأول مرة حسيت إن الست اللي كنت فاكر إني عارفها كويس، بقت غريبة عني.


 

رجعت البيت متأخر، وكنت متوقع ألاقي نجوى مستنياني، أو حتى أسمع صوتها وهي بتسألني عن سبب اللي حصل.


 

لكن البيت كان هادي بشكل غريب.


 

دخلت لقيت النور في الصالة بس، والتليفزيون شغال من غير صوت.


 

ناديت:


 

ـ نجوى!


 

محدش رد.


 

دخلت أوضة النوم، لقيت الدولاب مفتوح، وشنطة كبيرة محطوطة على السرير.


 

قلبي بدأ يدق بسرعة.


 

لقيت نجوى قاعدة على طرف السرير، وفي إيدها صورة قديمة لينا يوم فرحنا.


 

كانت بتبص للصورة ودموعها بتنزل من غير صوت.


 

قلت:


 

ـ نجوى، إنتي بتعملي إيه؟


 

رفعت عينيها وقالت:


 

ـ بلم حاجتك.


 

ـ حاجتي أنا؟


 

ـ أيوه. أنا مش هسيب البيت، والولاد مش هيتحرموا من بيتهم، لكن إنت من النهارده مش هتنام هنا.


 

قعدت جنبها وقلت:


 

ـ نجوى، خلينا نتكلم بالعقل.


 

بصتلي وقالت:


 

ـ بالعقل؟ إنت فاكرني ما فكرتش بالعقل قبل ما أجي المكتب؟ أنا من فترة طويلة حاسة إن في حاجة اتغيرت. مواعيدك، كلامك، اهتمامك بنفسك، حتى طريقة مسكك للموبايل. بس كنت بكذب إحساسي عشان ما أظلمكش.


 

ـ طب ما كنتيش تسأليني؟


 

ـ سألتك يا منير… سألتك كتير. وكل مرة كنت بتبص في عيني وتقولي إنك مضغوط في الشغل، وأنا كنت بصدقك.


 

وقفت فجأة وفتحت درج الكومودينو، وطلعت مجموعة صور.


 

صور ليا مع سما في مطعم، وصور لينا في مكان تاني، وصورة من يوم فرحنا.


 

اتصدمت.


 

ـ إنتي جبتي الصور دي منين؟


 

قالت:


 

ـ مش مهم. المهم إني عرفت الحقيقة، وعرفت إنك مش بس اتجوزت عليا، إنت كمان كنت بتعيش حياتين، وبتخليني أنا وولادك نصدق إنك أب وزوج مشغول في شغله.


 

قلت بسرعة:


 

ـ أنا ما قصرتش في الفلوس، عمري ما خليتكم تحتاجوا حاجة.


 

نجوى بصتلي بحزن شديد وقالت:


 

ـ هو أنا كنت محتاجة فلوس يا منير؟ أنا كنت محتاجة جوزي. وولادك كانوا محتاجين أبوهم. البنت كانت بتسألك كل يوم هتيجي إمتى، والولد كان مستنيك عشان تساعده في مذاكرته. إنت فاكر الفلوس اللي كنت بتسيبها على الترابيزة كانت هتعوض غيابك؟


 

ما لقيتش رد.


 

قالت:


 

ـ أنا مش همنعك تشوف ولادك، ومش هقولهم إن أبوهم وحش. لكن مش هقدر أكمل أعيش مع راجل اختار يخبي عني حياته بالشكل ده.


 

خرجت من الأوضة وأنا سامع صوتها بتكلم بنتنا.


 

ـ يا حبيبتي، تعالي نامي جنبي شوية.


 

بعد دقائق، دخل ابني الصغير، وكان ماسك لعبته.


 

بصلي وقال:


 

ـ بابا، إنت هتسافر تاني؟


 

نزلت لمستواه وقلت:


 

ـ لأ يا حبيبي، أنا موجود.


 

قال ببراءة:


 

ـ طب هتفضل معانا بكرة؟ عشان وعدتني نروح النادي.


 

حسيت إن الكلام واقف في زوري.


 

ـ أيوه يا حبيبي.


 

ابتسم وجري حضني.


 

أما نجوى فكانت واقفة عند باب الأوضة، بتبص علينا وبتحاول تمنع دموعها.


 

في اللحظة دي فهمت إن أصعب حاجة مش إنك تخسر بيتك، لكن إنك تبص في عين ولادك وتكتشف إنك ضيعت وقت كان ممكن ما يرجعش تاني.


 

عدى أسبوع، وأنا عايش بين بيتين.


 


 

بقيت أروح أشوف ولادي، وأرجع لشقتي اللي عايش فيها مع سما.


 

في البداية كنت فاكر إن الأمور هتستقر، وإن نجوى مع الوقت هتقبل الوضع، لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاتي.


 

سما بدأت تتغير.


 

بقت تسألني كل يوم عن نجوى، وعن أنا قعدت معاها قد إيه، وعن إذا كنت جبت للولاد حاجة، وعن إذا كنت اتكلمت معاها في التليفون.


 

وفي يوم كنت راجع من المحكمة، لقيتها قاعدة مستنياني.


 

قالت:


 

ـ منير، أنا عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم.


 

ـ خير؟


 

ـ أنا مش عاجبني الوضع ده.


 

ـ وضع إيه؟


 

ـ إنك كل يومين تروح لنجوى، وتقعد مع ولادك، وتفضل طول الليل تتكلم معاها في التليفون.


 

ـ دول ولادي يا سما، ودي أمهم.


 

ـ وأنا مراتك برضه، وليا حقوق.


 

ـ محدش قال غير كده.


 

ـ يبقى لازم نحدد موقفك. أنا عايزة بيت مستقل، وعايزة وقتك كله، ومش عايزة أفضل حاسة إن حياتنا متعلقة بمزاج مراتك الأولى.


 

بصتلها وقلت:


 

ـ نجوى مش مراتى الأولى وخلاص، دي أم ولادي، وليها مكانة في حياتهم، وأنا مسؤول عنهم.


 

اتنهدت بضيق وقالت:


 

ـ أنا كنت فاكرة إنك هتكون مختلف.


 

ـ مختلف إزاي؟


 

ـ كنت فاكرة إنك لما تختارني هتكون قادر تقفل الباب القديم.


 

الكلام ده خلاني أسكت.


 

لأنها كانت عايزاني أتعامل مع أسرتي كأنهم صفحة قديمة أقدر أقفلها، وده شيء ما كنتش قادر أعمله، حتى وأنا كنت السبب في كل اللي حصل.


 

في اليوم التالي، رحت المكتب بدري.


 

لقيت السكرتيرة بتقولي إن في عميلة مستنياني من الصبح.


 

دخلت غرفة الاجتماعات، ولقيت نجوى قاعدة هناك.


 

اتصدمت.


 

ـ نجوى؟!


 

قالت بهدوء:


 

ـ صباح الخير يا أستاذ منير.


 

الطريقة الرسمية اللي نادتني بيها خلتني أحس إن بينا سنين مش مجرد أيام.


 

ـ إنتي جاية ليه؟


 

حطت ملف على المكتب وقالت:


 

ـ أنا جاية أتكلم معاك بخصوص حقوقي وحقوق الأولاد، وعايزة كل حاجة تبقى واضحة ومن غير مشاكل.


 

قعدت قصادها وفتحت الملف.


 

كان فيه أوراق تخص مصاريف الأولاد، ومصاريف البيت، واتفاقات مالية كانت بينا.


 

قلت:


 

ـ إنتي مش محتاجة تعملي كده، أنا مش هضيع حقك.


 

قالت:


 

ـ أنا مش بشك في حقي عندك بس، أنا عايزة كل حاجة تبقى واضحة عشان ولادي ما يدفعوش تمن خلافاتنا.


 

فضلت أبص لها وأنا حاسس بالخجل.


 

الست اللي كانت بتسيبني أشتغل براحتى، واللي كانت بتستحمل غيابي، واللي كانت بتحضرلي الأكل بنفسها، قاعدة قدامي دلوقتي بتتكلم معايا كأنها عميلة غريبة.


 

قلت:


 

ـ نجوى، ممكن نرجع نتكلم بعيد عن الشغل؟


 

قالت:


 

ـ أنا اتكلمت معاك كتير في البيت يا منير، وإنت ما كنتش سامعني. دلوقتي خلينا نخلص اللي جايين عشانه.


 

وبعدين قامت، وقبل ما تخرج قالت:


 

ـ على فكرة، بنتك عندها حفلة في المدرسة الأسبوع الجاي. هي طلبت مني أقولك إنك تحضر، بس أنا مش هضغط عليك. القرار ليك.


 

خرجت.


 

فضلت باصص للباب فترة طويلة.


 

جه يوم حفلة المدرسة.


 

كنت مقرر أحضر، واشتريت لبنتي هدية كبيرة، وفضلت أختار فيها لحد ما لقيت حاجة عارف إنها بتحبها.


 

دخلت المدرسة، ولقيت نجوى قاعدة في الصفوف الأمامية، والولد جنبها.


 

أول ما بنتي شافتني من على المسرح، ابتسمت ابتسامة كبيرة، وفضلت تدور بعينيها عليا.


 

بعد انتهاء الحفلة، جريت عليا وقالت:


 

ـ بابا! إنت جيت!


 

حضنتها وقلت:


 

ـ أومال كنتي فاكرة إيه؟


 

قالت:


 

ـ كنت خايفة تنسى زي المرات اللي فاتت.


 

الكلمة دخلت قلبي.


 

قلت:


 

ـ مش هنسى تاني يا حبيبتي.


 

بصت لنجوى، وبعدين رجعت بصتلي وقالت:


 

ـ طب إنت هترجع تعيش معانا؟


 

اتجمدت مكاني.


 

نجوى قربت منها وقالت:


 

ـ يا حبيبتي، بابا بيحبك، ومهما حصل بين الكبار إنتي ومالك مالكوش ذنب.


 

بنتي فضلت باصة لي، وبعدها قالت:


 

ـ أنا مش عايزة هدايا يا بابا، أنا عايزاك تيجي تحضرلي كل حفلاتي.


 

ما قدرتش أتكلم.


 

حضنتها بقوة، ودموعي نزلت لأول مرة قدام ناس كتير.


 

في نفس الليلة، رجعت لشقتي ولقيت سما متضايقة.


 

ـ اتأخرت ليه؟


 

ـ كنت في حفلة بنتي.


 

ـ تاني؟!


 

ـ سما، دي بنتي.


 

ـ وأنا مش بقولك ما تشوفهاش، بس إنت بقيت عايش معاهم أكتر ما إنت عايش معايا.


 

ـ أنا بحاول أعوضهم عن غيابي.


 

قالت بعصبية:


 

ـ وأنا مين يعوضني عن إنك سايبني لوحدي؟


 

ـ إنتي عارفة من البداية إن عندي ولاد.


 

ـ عارفة، بس ما كنتش متخيلة إنك هتفضل متعلق بحياتك القديمة بالشكل ده.


 

وقفت قدامها وقلت:


 

ـ سما، لازم تفهمي إن وجودك في حياتي مش معناه إني ألغى وجود ولادي.


 

قالت:


 

ـ يبقى أنا مش عارفة أنا مكاني فين.


 

دخلت الأوضة وقفلت الباب.


 

وقفت لوحدي في الصالة، وبقيت لأول مرة أسأل نفسي: هو أنا كنت بحب سما فعلًا، ولا كنت بحب إحساس إن في حد جديد مهتم بيا، بيسمعني، وبيستنانى، وبيشوفني راجل ناجح؟


 

وهل كنت فاكر إن السعادة معناها إني أبدأ حياة جديدة من غير ما أتحمل مسؤولية اللي بنيته قبلها؟


 

ما كانش عندي إجابة.


 

بعد مرور شهرين، حصل موقف قلب كل حاجة.


 

كنت في المكتب، وجالي اتصال من نجوى.


 

رديت بسرعة:


 

ـ نجوى، خير؟ الولاد كويسين؟


 

صوتها كان متوتر:


 

ـ منير، محتاجاك تيجي المدرسة حالًا.


 

ـ حصل إيه؟


 

ـ ابنك تعبان، ورافض يتكلم مع حد، وبيسأل عليك.


 

قفلت المكالمة وجريت على المدرسة.


 

لما وصلت لقيته قاعد في غرفة الأخصائية، ونجوى جنبه.


 

أول ما شافني، قام وجري عليا.


 

ـ بابا، إنت ليه مشيت من البيت؟


 

نزلت على ركبتي قدامه وقلت:


 

ـ أنا ما مشيتش منك يا حبيبي.


 

قال وهو بيعيط:


 

ـ بس إنت مش بقيت معانا. أنا كل يوم ببص من الشباك لما أسمع عربية شبه عربيتك، وأفتكر إنك رجعت.


 

نجوى كانت واقفة ودموعها بتنزل.


 

كمل ابني:


 

ـ هو أنا عملت حاجة زعلتك؟ عشان كده روحت تعيش في بيت تاني؟


 

حسيت إن قلبي اتعصر.


 

حضنته وقلت:


 

ـ لأ يا حبيبي، إنت ما عملتش أي حاجة غلط. أنا اللي غلطت، وإنت مالكش ذنب في أي حاجة.


 

قال:


 

ـ طب هترجع؟


 

بصيت لنجوى، لقيتها بتبصلي من غير كلام.


 

قلت له:


 

ـ هفضل موجود في حياتك، وهتشوفني كل يوم لو قدرت، وهفضل أبوك مهما حصل.


 

قال:


 

ـ أنا عايزك تيجي تفطر معانا زي زمان.


 

وعدته إني هعمل كده.


 

لكن وأنا خارج من المدرسة، نجوى وقفتني وقالت:


 

ـ منير، أنا عايزة أقولك حاجة.


 

ـ قولي.


 

ـ أنا مش هفضل أديك وعود لولادك نيابة عنك. لو عايز تكون أب، خليك أب بالفعل، مش بالكلام والهدايا.


 

هزيت راسي وقلت:


 

ـ عندك حق.


 

قالت:


 

ـ وأنا كمان عندي حياة لازم أعيشها. مش هفضل مستنياك تقرر إذا كنت عايز ترجع ولا لأ. أنا بدأت أرتب حياتي، وعايزة أركز في ولادي ونفسي.


 

سألتها:


 

ـ يعني إيه؟


 

قالت:


 

ـ يعني ما تبنيش قراراتك على إني مستنياك. أنا مش هفضل واقفة في نفس المكان يا منير.


 

ومشيت.


 

رجعت البيت لقيت سما قاعدة في الصالة، وقدامها ورق كتير.


 

قالت:


 

ـ كنت مستنياك.


 

ـ خير؟


 

ـ أنا قررت أسيب الشغل.


 

استغربت.


 

ـ ليه؟


 

ـ لأني مش عايزة أكون مجرد متدربة عندك، ولا عايزة حد يقول إني وصلت لمكاني عشان اتجوزتك.


 

ـ طب وإيه اللي مضايقك؟


 

قالت:


 

ـ أنا عايزة أفتح مكتب خاص بيا، وإنت تساعدني أبدأ.


 

ابتسمت وقلت:


 

ـ ده حقك، وأنا ممكن أساعدك.


 

لكنها كملت:


 

ـ وفي حاجة تانية… أنا عايزة ننقل من الشقة دي، ونبدأ حياتنا بعيد عن كل المشاكل دي.


 

قلت:


 

ـ سما، أنا مش هقدر أبعد عن ولادي.


 

اتغير وشها.


 

ـ تاني ولادك؟


 

ـ أيوه، ولادي.


 

ـ طيب، وأنا؟


 

ـ إنتي زوجتي، وليكي حقوقك، بس مش على حسابهم.


 

وقفت وقالت:


 

ـ أنا اتجوزتك وأنا فاكرة إنك راجل عارف هو عايز إيه، لكن واضح إنك مش قادر تختار.


 

قلت بهدوء:


 

ـ يمكن أنا فعلًا ما كنتش فاهم أنا عايز إيه من البداية.


 

بصتلي باستغراب.


 

ولأول مرة ما حاولتش أغير الموضوع أو أرضيها بأي كلام.


 

بعد أيام، بدأت أراجع حياتي كلها.


 

رجعت أروح المدرسة، وبقيت أقضي وقت مع ولادي، وأشارك في تفاصيل يومهم الصغيرة.


 

عرفت إن ابني بيحب الكورة، وإن بنتي بتحب الرسم، وإن في حاجات كتير حصلت في حياتهم وأنا مش موجود.


 

وفي يوم كنت قاعد مع بنتي، وكانت بتوريني رسمة عملتها.


 

كانت راسمة بيت كبير، وفيه أربع أشخاص.


 

أنا ونجوى وهي وأخوها.


 

سألتها:


 

ـ هو ده بيتنا؟


 

قالت:


 

ـ أيوه، أنا رسمته زي زمان.


 

سكتت شوية وبعدين قالت:


 

ـ بس أنا عارفة إنك مش هترجع تعيش معانا.


 

سألتها:


 

ـ ليه بتقولي كده؟


 

قالت:


 

ـ عشان ماما بقت بتضحك أقل لما بتسمع صوتك، وإنت لما بتيجي بتبقى ساكت.


 

بصيت للرسمة، ولقيت إنها رسمتني واقف بعيد شوية عن باقي العيلة.


 

سألتها:


 

ـ طب ليه رسمتني بعيد؟


 

قالت ببراءة:


 

ـ عشان إنت مش بتعيش معانا دلوقتي.


 

ما قدرتش أرد.


 

خدت الرسمة وحطيتها في شنطتي، وخرجت وأنا حاسس إن في حاجات كتير خسرتها بسبب قرارات كنت فاكرها هتسعدني.


 

وفي يوم، جالي اتصال من نجوى.


 

قالت:


 

ـ منير، أنا محتاجة أتكلم معاك في موضوع مهم.


 

ـ خير؟


 

ـ أنا وافقت على شغل جديد.


 

فرحت لها وقلت:


 

ـ ألف مبروك، تستاهلي كل خير.


 

قالت:


 

ـ شكرًا. بس الشغل هيخليني أسافر فترة، وعايزة نتفق على نظام الأولاد.


 

اتخضيت.


 

ـ تسافري؟ وتاخدي الولاد معاكي؟


 


 

قالت:


 

ـ أيوه، لحد ما أستقر وأشوف المدرسة المناسبة ليهم.


 

ـ طب وأنا؟


 

سكتت لحظة وقالت:


 

ـ إنت أبوهم يا منير، ومحدش يقدر ياخد منك حقك. لكن أنا كمان من حقي أعيش وأشتغل وأحقق حاجة لنفسي.


 

حاولت أتكلم، لكنها قالت:


 

ـ أنا مش بعاقبك، ومش باخد الأولاد منك. أنا بس مش هفضل معطلة حياتي عشانك.


 

قفلت المكالمة.


 

فضلت طول اليوم مش قادر أركز في أي قضية.


 

كنت فاكر إن نجوى هتفضل في البيت مستنياني مهما عملت، وإن وجودها في حياتي شيء مضمون.


 

لكن اكتشفت إن الإنسان ممكن يصبر كتير، ولما يقرر يمشي من مكان وجعه، مش شرط يرجع تاني.


 

بعدها بأيام، رحت البيت القديم عشان أتكلم مع نجوى.


 

فتحتلي الباب، وكانت هادية.


 

دخلت، ولقيت شنط الأولاد متجهزة.


 

قلت:


 

ـ هو الموضوع جد؟


 

قالت:


 

ـ أيوه.


 

ـ نجوى، أنا عارف إني غلطت في حقك، وعارف إن الاعتذار مش كفاية، بس أنا مش عايز أخسر بيتي.


 

بصتلي وقالت:


 

ـ بيتك ما كانش مجرد شقة يا منير. بيتك كان أنا والولاد، وكان كل يوم بتدخل فيه وتلاقي حد مستنيك. إنت اللي اخترت تبعد.


 

قلت:


 

ـ أنا ممكن أنهي حياتي مع سما.


 

ردت بهدوء:


 

ـ دي حاجة تخصك، ومش هتغير اللي حصل بينا.


 

ـ يعني مفيش فرصة؟


 

سكتت شوية، وبعدها قالت:


 

ـ أنا مش عارفة يا منير. اللي أعرفه إني تعبت من الوعود. لو عايز تكون أب صالح، اثبت ده. ولو عايز تصلح اللي جواك، اعمل ده عشان نفسك، مش عشان ترجعني.


 

في اللحظة دي سمعت صوت بنتي من الأوضة:


 

ـ ماما، بابا جه؟


 

خرجت وهي بتجري عليا، وبعدها وقفت فجأة.


 

ـ بابا، إنت هتسافر معانا؟


 

حضنتها وقلت:


 

ـ لأ يا حبيبتي، بس هاجي أزوركم وأفضل جنبكم.


 

قالت:


 

ـ أوعى تنسانا.


 

بصيت لنجوى وقلت:


 

ـ عمري ما هنساهم.


 

نجوى ردت بصوت هادي:


 

ـ أتمنى المرة دي يكون كلامك حقيقي.


 

مرت شهور، وسما بدأت تشتغل في مكتب خاص بيها، وبقت حياتنا مليانة خلافات.


 

كانت بتشتكي من انشغالي، وأنا كنت حاسس إن المسافة بينا بتكبر.


 

وفي يوم رجعت البيت، لقيتها حاطة شنطتها عند الباب.


 

سألتها:


 

ـ إيه ده؟


 

قالت:


 

ـ أنا محتاجة أقعد لوحدي شوية.


 

ـ حصل إيه؟


 

قالت:


 

ـ مفيش حاجة حصلت النهارده. بس أنا تعبت من حياة كلها مقارنة وذكريات وغياب.


 

قلت:


 

ـ أنا عمري ما قارنتك بنجوى.


 

ردت:


 

ـ يمكن إنت ما قلتش، لكن أنا حاسة إنك طول الوقت بتفتكر الحياة اللي كنت عايشها قبل ما تتجوزني.


 

سكتت، وبعدين قالت:


 

ـ أنا كمان غلطت لما دخلت حياتك بالشكل ده، وكنت عارفة إن في زوجة وأطفال. كنت فاكرة إن الحب كفاية، لكن اكتشفت إن الحب لوحده مش بيبني بيت.


 

سألتها:


 

ـ إنتي عايزة إيه دلوقتي؟


 

قالت:


 

ـ عايزة أرجع أركز في حياتي وشغلي، وعايزة كل واحد فينا يفكر بهدوء.


 

ما حاولتش أمنعها.


 

لأني لأول مرة بدأت أفهم إن التمسك بحد مش معناه إنك تفرض عليه يكمل معاك.


 

عدت سنة كاملة.


 

نجوى استقرت في شغلها، والأولاد بقوا يزوروني بانتظام، وأنا بقيت ملتزم بمواعيدي معاهم.


 

ما بقيتش أسيبهم بالأيام من غير ما أسأل عليهم.


 

وفي يوم عيد ميلاد ابني، عملتله حفلة صغيرة في البيت اللي عايش فيه مع أمه.


 

كنت واقف بجهز الزينة، وفجأة نجوى دخلت من المطبخ ومعاها التورتة.


 

بصيتلها وابتسمت.


 

ـ تسلم إيدك.


 

قالت:


 

ـ الولد طلبها بالشكل ده.


 

قعدنا كلنا على السفرة، وفضلنا نضحك ونتكلم.


 

ولما خلصنا، الأولاد دخلوا يلعبوا، وفضلت أنا ونجوى لوحدنا.


 

قلت:


 

ـ نجوى، أنا عايز أقولك حاجة.


 

قالت:


 

ـ اتفضل.


 

ـ أنا عارف إن اللي عملته فيكي عمره ما يتصلح بسهولة، وعارف إنك استحملتي مني كتير. أنا مش جاي أطلب منك ترجعي، بس عايزك تعرفي إني ندمان.


 

بصتلي وقالت:


 

ـ أنا صدقت إنك ندمان يا منير، بس الندم مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.


 

ـ عارف.


 

قالت:


 

ـ أنا مش بكرهك، ومش عايزة ولادي يكرهوا أبوهم. لكن أنا كمان اتغيرت. بقيت أعرف إن ليا حياة وكرامة وأحلام، ومش لازم أفضل أضحي بيهم عشان أحافظ على شكل أسرة قدام الناس.


 

هزيت راسي وقلت:


 

ـ عندك حق.


 

وبعد لحظة صمت، قالت:


 

ـ تعرف إيه أكتر حاجة وجعتني؟


 

ـ إيه؟


 

ـ مش إنك اتجوزت عليا… أكتر حاجة وجعتني إني كنت آخر واحدة تعرف إن جوزها بقى عنده حياة تانية. كل الناس كانت عارفة، والموظفين كانوا بيشوفوا، والعملاء كانوا بيتكلموا، وأنا كنت لسه بقول للناس جوزي مشغول في شغله.


 

نزلت عيني للأرض.


 

قالت:


 

ـ كنت أتمنى لو كنت صريح من البداية. كنت أتمنى تحترم العشرة اللي بينا، حتى لو قررت تختار طريق تاني.


 

قلت:


 

ـ أنا ظلمتك.


 

ردت:


 

ـ أيوه يا منير، ظلمتني. بس أنا مش عايزة أفضل عايشة في الظلم ده طول عمري.


 

وفي آخر اليوم، وأنا خارج من البيت، ابني جري ورايا.


 

ـ بابا، استنى!


 

لفيتله.


 

قال:


 

ـ إنت هتيجي بكرة؟


 

ابتسمت وقلت:


 

ـ أيوه يا حبيبي.


 

ـ طب وبعد بكرة؟


 

ضحكت وقلت:


 

ـ وبعده كمان.


 

حضنني وقال:


 

ـ خلاص، أنا هصدقك المرة دي.


 

بصيت من فوق كتفه لنجوى، لقيتها واقفة عند الباب.


 

ما كانش في ابتسامة كبيرة على وشها، لكن كان في هدوء ما شفتوش فيها من شهور.


 

خرجت وأنا عارف إن حياتي مش هترجع زي زمان، وإن في قرارات مهما حاولنا نصلح آثارها، بتسيب جوا الناس وجع ما بيروحش بسهولة.


 

لكن على الأقل، بقيت فاهم إن الأبوة مش تحويل فلوس، وإن الجواز مش مجرد وجود اسمك في ورقة، وإن الإنسان مش من حقه يطلب من اللي بيحبوه يفضلوا مستنيينه طول العمر وهو عايش حياته على مزاجه.


 

وفي نفس الأسبوع، جالي اتصال من سما.


 

رديت.


 

قالت:


 

ـ منير، أنا عايزة أقابلك. في موضوع لازم تعرفه.


 

ـ خير يا سما؟


 

سكتت شوية، وبعدها قالت:


 

ـ الموضوع يخص نجوى… ويخصك إنت كمان.


 

حسيت بقلق.


 

ـ إيه اللي حصل؟


 

قالت بصوت متردد:


 

ـ أنا عرفت حاجة بالصدفة، وكنت مترددة أقولك، بس مش هينفع أفضل ساكتة.


 

ـ اتكلمي يا سما.


 

قالت:


 

ـ فاكر آخر مرة نجوى جتلك المكتب ومعاها ملف الأوراق؟


 

ـ أيوه.


 

ـ هي ما كانتش جاية بس عشان ترتب مصاريف الأولاد يا منير… أنا شفت اسمها في ملف قديم عندي، وافتكرت حاجة مهمة.


 

ـ حاجة إيه؟


 

قالت:


 

ـ القضية اللي إنت كسبتها زمان لوالدها، واللي كانت سبب إنك اتعرفت عليها… القضية دي فيها تفصيلة إنت ما تعرفهاش.


 

اتوترت وقلت:


 

ـ إيه التفصيلة دي؟


 

ردت بعد صمت طويل:


 

ـ والد نجوى كان عارف من زمان إن في خطأ كبير في التعويضات، وإن في مبلغ مستحق ليها هي شخصيًا، وكان سايب مستندات تثبت حقها… ونجوى اكتشفت الموضوع من فترة.


 

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.


 

ـ وإنتي عرفتي الكلام ده منين؟


 

قالت:


 

ـ لأن الملف وصل لمكتبي النهارده، واللي جابهولي كان شخص من عيلتها.


 

سكتت لحظة، وبعدها قالت:


 

ـ بس الصدمة مش في الفلوس يا منير…


 

ـ أمال في إيه؟


 

قالت:


 

ـ الصدمة إن نجوى كانت عارفة من شهور إنك بتخبي عنها جوازك، وكانت معاها فرصة تواجهك من بدري، لكنها كانت مستنية تتأكد من حاجة تانية تخصك.


 

ـ حاجة إيه؟


 

قالت سما بصوت منخفض:


 

ـ نجوى كانت بتدور على الحقيقة في قضية قديمة إنت بنفسك اشتغلت عليها… قضية ممكن تقلب كل اللي إنت بنيته في مكتبك.


 

وقبل ما أقدر أسألها أي سؤال، سمعت صوت رسالة وصلت على موبايلي.


 

فتحتها، لقيت رسالة من رقم نجوى:


 

“منير، لازم نتقابل بكرة، لو سمحت المرة دي اسمعني للآخر، لأن في سر بقاله سنين مستخبي، وآن الأوان تعرفه… والموضوع مش متعلق بيا لوحدي، الموضوع متعلق باسمك وسمعتك ومستقبل أولادك.”


 

فضلت باصص للرسالة، ورفعت الموبايل على ودني عشان أكلمها، لكن لقيت تليفونها مقفول.


 

وفي اللحظة دي، وصلني إيميل من عنوان ما أعرفوش، مرفق معاه صورة مستند قديم، وأول ما فتحت الصورة وقرأت الاسم المكتوب في آخر صفحة، حسيت إن قلبي وقف…


 

كان اسم والدي!


 

يتبع…


 

رجعت قعدت على مكتبي، وفضلت أبص للمستند اللي وصلني، وأعيد قراءة اسم والدي كذا مرة. ما كنتش فاهم إيه علاقة أبويا بالقضية دي، ولا إزاي نجوى عرفت بالمعلومات دي، ولا ليه اختارت تخبي عني كل الفترة دي.


 

اتصلت بيها مرة واتنين، لكن مفيش رد.


 

تاني يوم الصبح، رحت البيت القديم، ولقيتها قاعدة في الصالة، وقدامها ملف كبير وصندوق خشب صغير.


 

أول ما شافتني قالت:


 

ـ اقعد يا منير، المرة دي لازم تسمعني من غير ما تقاطعني.


 

قعدت قدامها وقلت:


 

ـ أنا عايز أفهم إيه حكاية أبويا؟


 

فتحت الملف وطلعت مجموعة مستندات قديمة وقالت:


 

ـ من سنين، قبل ما نتجوز، أبويا اكتشف إن في تعويضات اتصرفت بأسماء ناس متوفية، وإن في مبالغ كبيرة اتسحبت من ملفات قضايا قديمة. وقتها استعان بيك عشان تراجع القضية وتساعده يرجع حقوق الناس.


 

قلت:


 

ـ أيوه، فاكر القضية دي كويس.


 

قالت:


 

ـ أبويا كان محتفظ بمستندات إضافية، وكان عارف إن في حد قريب منه متورط في الموضوع، لكنه ما كانش عايز يظلم حد من غير دليل.


 

سألتها:


 

ـ وكان مين؟


 

فتحت الصندوق وطلعت صورة قديمة لوالدي مع شخص تاني.


 

قالت:


 

ـ الشخص ده كان شريك أبويا في شغل قديم، وكان عنده تعاملات مالية مع والدك.


 

مسكت الصورة وأنا مش مصدق.


 

ـ وإيه علاقة ده بالقضية؟


 

قالت:


 

ـ أبويا قبل وفاته سابلي جواب، وطلب مني ما أفتحوش غير لما أكون متأكدة من كل حاجة. وأنا فضلت أدور لحد ما لقيت المستندات اللي تثبت إن والدك كان شاهد على المخالفات، لكنه رفض يشارك فيها، وإنه حاول يبلغ عن اللي حصل، لكن الموضوع اتقفل قبل ما يقدر يكمل.


 

اتنفست براحة، وقلت:


 

ـ يعني أبويا ما كانش متورط؟


 

قالت:


 

ـ لأ، والدك كان بريء، وده اللي كنت عايزة أتأكد منه.


 

سكتت شوية، وبعدين كملت:


 

ـ لكن في حاجة تانية يا منير. أبويا كان سايب جزء من التعويضات المستحقة لأسرتنا، وكنت أنا صاحبة الحق فيه. وده حقي القانوني، وأنا قررت أطالب بيه.


 

قلت:


 

ـ وأنا هساعدك.


 

ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:


 

ـ المرة دي مش محتاجة منك حاجة يا منير. أنا اتفقت مع محامي تاني يتولى الموضوع.


 

الكلمة وجعتني، لكن ما اعترضتش.


 

بعدها قفلت الملف وقالت:


 

ـ أنا عايزة أقولك حاجة أخيرة. أنا مش عايزة أعيش عمري كله في خصومة معاك. إحنا بينا عشرة وولاد، وهفضل أحترمك عشانهم، لكن مش هقدر أرجع لنفس الحياة اللي كنت فيها.


 

قلت لها:


 

ـ أنا فاهم.


 

قالت:


 

ـ أتمنى تكون اتعلمت إن النجاح مش إنك تكسب كل القضايا، وإنك تعمل ملايين، وإن الناس كلها تناديك أستاذ منير. النجاح الحقيقي إنك ما تخسرش الناس اللي بتحبك وإنت بتجري ورا نفسك.


 

قمت من مكاني، وبصيت لها وقلت:


 

ـ سامحيني يا نجوى.


 

ردت بهدوء:


 

ـ ربنا يسامحك يا منير.


 

خرجت من البيت، وكنت عارف إن دي آخر مرة هطلب منها ترجع.


 

بعد شهور، خلصت نجوى قضيتها واستردت حقها، وبدأت حياة جديدة مع أولادها. وأنا رجعت أركز في شغلي، لكن المرة دي بقيت أخصص وقت ثابت لولادي، وأحضر مناسباتهم، وأشاركهم تفاصيل حياتهم.


 

أما سما، فقررنا ننهي زواجنا بهدوء، وكل واحد فينا يكمل طريقه، بعد ما فهمنا إن العلاقة اللي بدأت على حساب بيت وأسرة، ما كانش ممكن تكون بداية مستقرة زي ما تخيلنا.


 

وفي يوم عيد ميلادي، دخلت مكتبي لقيت ابني وبنتي مستنييني، ومعاهم علبة هدية صغيرة.


 

ابني قال:


 

ـ كل سنة وإنت طيب يا بابا.


 

وبنتي طلعت صورة مرسومة لينا إحنا التلاتة ومعانا أمهم، وقالت:


 

ـ رسمتلك صورة عشان تحطها في مكتبك، وتفتكر إن عندك عيلة بتحبك.


 

حضنتهم، وفضلت أبص للصورة فترة طويلة.


 

كانت أبسط هدية جاتلي في حياتي، لكنها كانت أغلى من كل الملايين اللي كسبتها.


 

وفي آخر اليوم، وصلتني رسالة من نجوى:


 

“كل سنة وإنت طيب يا منير. ربنا يصلح حالك ويهديك، ويخليك لأولادك. أنا مش ناسية العشرة، ومش بتمنى لك غير الخير.”


 

قريتها أكتر من مرة، وكتبت لها:


 

“وإنتي طيبة يا نجوى. شكرًا على كل حاجة عملتيها معايا، وعلى إنك فضلتي أم عظيمة لولادنا رغم كل اللي حصل. حقك عليا.”


 

قفلت الموبايل، وبصيت من شباك المكتب للشارع.


 

كنت زمان فاكر إن الإنسان الناجح هو اللي يقدر يكسب أي قضية ويمشي من المحكمة منتصر، لكن دلوقتي عرفت إن في قضايا الحياة مفيهاش حكم يعوض اللي ضاع، ولا فلوس ترجع سنين راحت، ولا اعتذار يمسح كل دمعة.


 

وأصعب حكم ممكن يصدره الإنسان على نفسه، إنه يكتشف متأخر إنه كسب الدنيا كلها، وخسر بإيده الناس اللي كانوا بيعتبروه دنيتهم.


 

 

 

تابع جديد محمد

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق