سكريبت لعبـة نسـب كاملة بقلم انـجي الخطيب
سكريبت لعبـة نسـب كاملة بقلم انـجي الخطيب
لعبـة نسـب كاملة بقلم انـجي الخطيب
الفصل الاول
إسكندرية في شهر سبتمبر كانت عاملة زي ما تكون مدينة اتنست طول الليل في حوض مليان مايه رمادية. المطر مغبش الشبابيك. الشجر اللي على طول الشارع الهادي بتاعي قريب من البحر كان ثابت ومضلم، فروعه المبلولة مايلة ناحية الرصيف، وشقتي الصغيرة اللي أجرتها بعد الطلاق كانت عاملة زي ملجأ بنيته من التعب، والخوف، وعزة النفس الصافية.
بقلم انجي الخطيب
من خمس أيام، ولدت قيصري.
ابني كان نايم في سريره الصغير جنب الكنبة، متلفف ببطانيتين ناعمين وطبقة من القلق اللي مكنتش قادرة أتخلص منها أبداً. سميته ياسين. في ورق المستشفى، اسمه كان لسه مكتوب بالرصاص طفل ذكر، بس في قلبي كان ياسين مازن الشناوي، رغم إني مكنتش لسه قررت إذا كان هيشيل اسم أبوه في الورق الرسمي ولا لأ.
جه للدنيا قبل ميعاده بعشر أيام، أحمر وصغير وضعيف بشكل يخوف، بشرته شبه شفافة، وصوابعه مش أكبر من عيدان الكبريت. دكتور الأطفال اتكلم بنبرة هادية بس حاسمة. دفيه كويس. امنعي الزيارات. راقبي الصفرا. تابعي كل رضعة. مفيش خروج من البيت من غير لزوم. مفيش زحمة حواليه. ومفيش شيل وحط عمال على بطال.
الكلام بيبقى سهل لما دكتور مرتاح يقوله تحت إضاءة المستشفى القوية.
بس مبيبقاش سهل خالص الساعة تلاتة الفجر لما جرح الولادة يكون بيحرقني كأنه سلك نار تحت جلدي، ولما أكون دايخة من نزيف الدم وقلة النوم، ولما صدري يكون واجعني، ولما ياسين يأن في نومه وكل صوت صغير يخليني أنطر من مكاني عشان أتأكد إنه لسه بيتنفس.
أنا عديت بوجع الطلق لوحدي. مضيت إقراراتي بنفسي. ضغطت بإيدي على سور سرير المستشفى لما الانقباضات بقت شرسة. لا زوج. ولا عيلة من ناحيته. ولا تليفون بيرن باهتمام من الراجل اللي وعدني زمان إنه مش هيسيبني أشيل الأيام الصعبة لوحدي.
مازن الشناوي طلقني من ست شهور بنفس الكفاءة الباردة اللي بيستخدمها في شغله.
خلينا نقف لحد هنا، قالها في مكتب المحامي، وهو بيظبط أسورة قميصه في الوقت اللي حياتي كلها كانت بتتشق نصين قدامي. ده أحسن لينا إحنا الاتنين.
في كلام بيبان عقلاني ومنطقي، بس بيفضل يهد فيك.
مشاني وسابني ببدلته المتفصلة بالملي، ووقفته المظبوطة، وتوقيته المثالي. وقتها، كنت حامل ومكنتش أعرف. ولما عرفت، أخدت القرار اللي حتى دلوقتي في ناس ممكن تسميه قسوة، أو أنانية، أو تلاعب، أو جنون.
مقلتلوش.
مش عشان أنتقم.
عشان كنت مرعوبة.
مرعوبة يبص للبيبي على إنه عقبة، أو الأسوأ، التزام لازم يتدبر. مرعوبة إن عيلته الغنية تعتبر ابني وريث ليهم، ويعاملوني أنا كأني مجرد وعاء مؤقت جابله الولد. مرعوبة إن مازن يرجع بدافع الواجب مش الحب، ويمشي تاني أول ما الواجب ده يبقى تقيل عليه.
أنا اتخلي عني مرة. ومكنتش هبني حياة ابني على كلمة يمكن.
عشان كده اختفيت.
عزلت لشقة صغيرة في شارع جانبي مليان شجر وتاريخ. غيرت رقمي. قصرت شغلي في التصميم على الشغل عن بُعد. اشتريت هدوم أطفال مستعملة ومتقفلة بعناية، ومقلتش لأي حد أي حاجة إلا مروة.
مروة كانت أعز صاحبة ليا وأقرب حاجة ليا للعيلة.
كانت فاتحة كافيه صغير بيبيع فطار الصبح ووجبات غدا بعد الضهر، وعايشة حياتها كأنها ست شايلة تلات سيوف مخفية طول الوقت.
ضحكتها عالية، قلبها كبير، وولائها يخلي غضبها كأنه شيء مقدس. اليوم اللي رجعت فيه من المستشفى، جاتلي بشوربة، عيش، أدوية مسكنة، ونظرة واحدة مستعدة تفتك بأول شخص يصعب حياتي.
تاكلي، أمرتني. تخفي. ترضعي البيبي. وأي حد تاني يروح في داهية.
كنت هعيط جوه طبق الشوربة.
في الصباحية دي، كنت لسه منيّمة ياسين بعد رضعة صعبة. وقفت فوق سريره دقيقة كاملة بتابع حركة صدره الصغير وهو بيتنفس، لأني مكنتش بثق في الهدوء، ولا بثق في السكوت، ولا بثق في أي حاجة حلوة لدرجة إني أخاف أخسرها.
وبعدين قعدت على الكنبة بحذر واحدة قدي في العمر مرتين، ولافة إيدي حوالين بطني.
جرس الباب رن.
اتسمرت مكاني.
مش مجازاً. كل عضلة في جسمي اتخشبت.
محدش بيجيلي من غير ميعاد. مروة دايماً بتبعت رسالة الأول. ومطلبتش طلبات. ويدوب أعرف الجيران. لثانية واحدة مرعبة، جه في بالي إن يمكن ورق من المستشفى، أو حد وصلني من عيلة مازن، أو يمكن قلة النوم لحست عقلي وخلتني أسمع أجراس مش موجودة.
وبعدين رن تاني.
قمت، حركتي بطيئة وبتحرقني، شديت الروب عليا، ومشيت ناحية الباب. مفتحتوش للاخر. حطيت السلسلة وفتحت حتة صغيرة أبص منها.
الطرقة كانت ريحتها رطوبة وسجاد قديم.
راجل لابس بدلة رمادي غامق واقف تحت النور الأصفر الخافت، والمطر لسه مبلل كتافه. وجنبه ست لابسة بالطو بيج فاتح، شعرها ناعم وبيلمع، مكياجها مظبوط، وماسكة ظرف كريمي تقيل في إيديها.
لثانية افتكرت إن قلة النوم خلتني أهلوّس.
بس الست ابتسمت، ابتسامة ذوق وغالية وحادة كأنها بتقطع في حرير، وعرفت فوراً هي مين.
دينا.
خطيبة مازن.
والراجل اللي جنبها طليقي بيبصلي بجمود وذهول واحد كان متوقع يفتح باب على ماضي قديم، فلقى في وشه مسدس متعمر.
حنان، دينا قالتها بود، كأننا اتنين ستات بيتبادلوا وصفات أكل في النادي، مش بيلفوا حوالين نفس الراجل من أطراف جوازة مهدومة. أهلاً. أنا دينا. أنا ومازن كنا في المنطقة وقلنا نعدي نسيب دعوة الفرح.
رفعت الظرف شوية.
دعوة فرحهم.
حاجة جوه جسمي تلجت.
كان المفروض أرزع الباب. أنا عارفة ده دلوقتي. بس الصدمة بتخلي الذوق كأنه وسيلة للنجاة. فضلت ورا السلسلة وحافظت على نبرة صوتي هادية.
كتر خيركم، قلت. ممكن أخدها من هنا.
مازن مكنش نطق بولا كلمة لسه. كان باصصلي وبس.
دينا قربت مسافة بسيطة، وريحة البرفان بتاعتها دخلت من فتحة الباب. مش هنطول. بس حسينا إن ده الأصول.
الأصول.
من ست شهور، محدش في العيلة دي سألني إذا كنت كويسة ولا لأ. محدش عرض مساعدة. محدش قعد في صالة الانتظار وأنا بعمل إشاعات وتحاليل وبتخيط وبرجع بيت بجسم مبقاش حاسة إنه بتاعي. بس دلوقتي، الأصول بتحتم عليهم يسلموا دعوة فرح إيد بإيد للست اللي مازن سابها.
مديت إيدي من الفتحة عشان أخد الظرف.
وفي اللحظة دي بالظبط، ياسين عمل صوت صغير ورايا.
حتى مكنش عياط. مجرد أنة ناعمة من طفل لسه مولود.
الغريزة غلبت الحذر. لفيت فوراً، شديت السلسلة من غير ما أفكر، وجريت على السرير. ياسين كان مكرمش وشه في النوم، وبيقفل ويفتح كفوف إيده جنب خده. شيلته بحرص، ضميته لصدري، وطبطبت على ضهره لحد ما الصوت اختفى.
ولما لفيت وبصيت ناحية الباب، مازن مكنش مجرد المدير التنفيذي الأنيق
اللي واقف في الطرقة.
كان راجل لسه شايف ماضيه بيخرج من الضلمة شايل طفل رضيع.
وشه اتغير.
الدم كله هرب منه.
ابتسامة دينا اتهزت لثانية واحدة بس، بس أنا لقطتها الحسبة السريعة اللي دارت في دماغها، الإهانة اللي بدأت تظهر ورا عينيها المتزوقة.
أوه، قالتها بخفة، خفة مصطنعة. إنتي لسه مخلفة.
مرديتش.
عنده قد إيه؟ سألت.
السؤال كان متغلف بالحرير، بس تحته كانت في سكينة.
مسكتي في ياسين زادت.
صغير جداً، قلت. ومولود قبل ميعاده. إنتو بجد مكنش المفروض تبقوا هنا.
ملامح دينا اتجمدت على الأطراف. ومازن أخيراً لقى صوته.
ابن مين ده؟
الطرقة سكتت تماماً.
المطر بيخبط بخفة على الشباك اللي في آخر الممر، وابني اتحرك على صدري بتنهيدة نوم كأنه ميعرفش إن حياته لسه منفجرة جوه طرقة شقة ضيقة.
بصيت لمازن مباشرة.
ده ابني.
مازن طلع صوت قصير مش مصدق، مكنش ضحكة. إحنا مطلقين من ست شهور.
أيوه.
وإنتي شايلة طفل لسه مولود.
أيوه.
دينا لفتله بسرعة لدرجة إن الظرف اتنى في إيدها. مازن، قالتها بحدة وصوت واطي، إيه اللي بيحصل ده؟
حتى مبصلهاش. كان باصصلي أنا بس، كأنه لو ركز كفاية، الحقايق هترتب نفسها لنسخة تحميه هو.
خليني أدخل، قال.
لأ.
يا حنان.
ابني مولود قبل ميعاده، قلت، وأنا حاسة بنبضي بيضرب في رقبتي. وأنا لسه بتعافى من جراحة. لو عندك حاجة تقولها، قولها وإنت واقف مكانك.
صوت دينا بقى حاد. إنتي مدينة ليه بتفسير.
بصيت في عينيها. أنا مش مدينة ليكي بأي حاجة.
درجة الحرارة في الطرقة كأنها نزلت للصفر.
ياسين اتحرك تاني، وهزيته براحة في الوقت اللي مازن أخد فيه خطوة لقدام جوه الفتحة اللي عملتها لما سبت الباب مفتوح وروحت للبيبي.
خمس دقايق، قال. محتاج خمس دقايق.
كان المفروض أرفض.
كان المفروض أقفل الباب وأكلم مروة.
بس حقيقة أبشع كانت بدأت تاكل في دماغي لو عملت فضيحة في الطرقة، الجيران هيسمعوا. لو قفلت الباب في وشه تماماً، ممكن يدعي إني بمنع عنه معلومات عن طفل ممكن يكون ابنه. لو دينا فضلت واقفة أكتر من كده، هتبدأ تمثل الغضب بصوت عالي العمارة كلها هتسمعه.
فاخترت أقل الاختيارات ضرراً لست حياتها لسه مخبوطة بدعوة فرح مبلولة.
فتحت الباب أوسع.
إنت، قلت لمازن، هتدخل لوحدك.
دينا برقت. نعم؟
سمعتيني.
مازن رفع إيده من غير ما يلف وشه. استني تحت.
ملامحها اتغيرت صدمة، إهانة، وبعدين الهدوء الخطر بتاع ست اتعرضت للإهانة قدام الشاهد الغلط.
أنا خطيبتك، قالت.
استني. تحت.
نبرته كانت مسطحة. ونهائية.
عنين دينا قطعت فيا بكراهية باردة قبل ما تلف وتخبط بكعبها على الأرض وهي ماشية في الطرقة كأنها علامات ترقيم قاسية.
قفلت الباب ورا مازن بالمفتاح.
الشقة فجأة بقت أضيق من ساعة فاتت.
وقف في نص الصالة كأنه راجل دخل الحياة الغلط. عينيه لفت على كل حاجة مضخة اللبن على الترابيزة، فوط القشط المتطبقة، علبة اللبن الصناعي المفتوحة، مج الشاي اللي متساب نصه، سرير البيبي، وعلب الأدوية المرصوصة جنب كوباية مايه.
دي مكنتش شقة الست اللي طلقها.
دي كانت شقة أم.
مقعدتش. فضلت واقفة رغم إن جسمي كان بيترجاني أقعد.
عايز إيه؟ سألته.
عنده قد إيه؟
خمس أيام.
بلع ريقه.
ومقلتليش.
مظبوط.
ليه؟
ضحكت مرة واحدة، بصوت واطي،
لأن السؤال كان متأخر بشكل مستفز لدرجة الكوميديا. ليه؟ خلينا نشوف. يمكن عشان آخر مرة احتاجتك فيها عاطفياً، أنهيت جوازنا بالدفء العاطفي بتاع مأمور ضرايب.
جز على سنانه. بلاش تعملي كده.
أعمل إيه؟
ده. شاور بإيده في الفراغ بينا، يقصد رفضي إني ألين، رفضي إني أكلمه كطليقة مظلومة بس لسه متعاونة.
مشيت ناحية الكنبة وقعدت بحذر، وياسين في حضني. مازن فضل واقف ثواني قبل ما يقرب خطوة.
ابني؟
أهي جت.
مش إنتي عاملة إيه؟ مش كنتي لوحدك؟ مش عملتي عملية؟ مش محتاج حاجة؟
ابني؟
بصيت لوش ياسين الصغير. مناخيره. بقه. التكشيرة اللي بين حواجبه وهو نايم.
وبعدين رفعت عيني لمازن تاني.
إيه الإجابة اللي هترضيك دلوقتي؟ سألت.
الحقيقة.
الحقيقة، قلتها بهدوء، إني كنت حامل قبل ما ورق الطلاق يخلص. الحقيقة إني عرفت بعد ما إنت مشيت. الحقيقة إني شلته في بطني، وأكلته، وقوته، وقبله خفت عليه، وولدته من غيرك. والحقيقة إني مقلتلكش لأني مكنتش واثقة هتعمل إيه بالمعلومة دي.
وشه سكن بطريقة دايماً كانت أخطر من الغضب.
ف أيوه، قلت. في احتمال كبير جداً إنه ابنك.
غمض عينيه للحظة، ولما فتحهم كان في حاجة مكشوفة تحت سيطرته.
قررتي ده لوحدك.
أيوه.
مكنش من حقك.
سندت ضهري لورا ببطء، وجرحي بيشد عليا بنار تحت جلدي. كلام مثير للاهتمام من راجل قرر يسيبني لوحده.
فتحات مناخيره وسعت.
كان من حقي أعرف.
وبعدين؟ رديت بحدة. كنت هتعمل الأصول؟ تبعت ورد؟ تحطني على تأمين عيلتك؟ تنقلني في بيت من بيوتك؟ تخلي والدتك تختارلي دكتور النسا؟ تخلي المساعدة بتاعتك تحددلي ميعاد الولادة؟
سكوته جاوب على حاجات كتير أوي.
إنت شايفني قاسية، قلت. ماشي. يمكن كنت كده. بس أنا عارفة عيلتك يا مازن. أنا عارفة بالظبط ده كان هيمشي إزاي. ابني كان هيبقى وريث عيلة الشناوي قبل ما يبقى إنسان.
بص للبيبي في حضني.
ياسين اتّاوب، وجسمه كله اترج مع المجهود.
ملامح مازن اتكسرت لثانية واحدة.
وبعدين قال، بنفس النبرة اللي ممكن يتناقش بيها في ثغرة قانونية جوه غرفة اجتماعات إحنا محتاجين تحليل DNA.
خبط على الباب قطع كلامي قبل ما أرد.
وبعدين خبط تاني.
وبعدين صوت مروة من ورا الخشب. حنان؟ أنا جبت صينية مكرونة.
الراحة ضربتني لدرجة إني دخت.
فتحت الباب، ومروة دخلت والمطر في شعرها، صينية متغطية بفويل في إيد، ونظرة قتل في عينيها أول ما شافت مازن واقف في الصالة.
والله، قالت. شوف الجو الغني جاب إيه معاه.
مروة، قلت، وأنا عارفة إن الموضوع هيسوأ ويتحسن في نفس الوقت.
حطت الصينية على الترابيزة برزعة خلت المعلقة ترن. بيعمل إيه هنا؟
مازن نفخ من مناخيره. دي حاجة بيني وبين حنان.
مروة ضحكت. لأ، الموضوع بطل يبقى خاص من اللحظة اللي هي اضطرت تتعافى فيها من قيصرية من غيرك، وإنت كنت بتلف تشتري دعوات فرح مع ست تانية.
هي إيه؟ مازن لف وشه ناحيتي بسرعة خضته هو شخصياً.
بصيتله بغضب، فكرة إنه بيعرف تفاصيل معاناتي من حد تاني كانت بتحرقني.
أيوه، مروة قالت قبل ما أقدر أوقفها. عملت عملية. نزفت. كانت هتقع من طولها وهي بتحاول تقف أول ليلة. أخدت تاكسي من المستشفى للبيت شايلة طفل مبتسر وشنطة فيها ورق خروجها، عشان مكنش في جوز، ولا عيلة، ولا أي حد من عالمك المرفه عشان يساعد.
مروة، قلت تاني، بس أضعف المرة دي.
لأ، قاطعتني، وهي بتشاور بصبعها لمازن. هو لازم يسمع. لازم يسمع كل ده.
وش مازن اتغير تاني، بس المرة
دي الصدمة كانت أعمق. بصلي، وبعدين لياسين، وبعدين لفايل المستشفى البرتقالي اللي باين من تحت كومة فواتير على الترابيزة.
أنا مكنتش أعرف، قال.
ودي النقطة، مروة قالت ببرود. مكنتش تعرف لأنك مكنتش هنا.
كان شكله عايز يجادل بس مش لاقي باب يدخل منه.
أنا محتاج التحليل، قالها في الآخر، بيكلمني أنا.
مروة طلعت ضحكة قصيرة وبشعة. أكيد طبعاً. مش أقدر أساعد بإيه؟ مش البيبي محتاج إيه؟ لأ. إنت محتاج إثبات.
عينيه ضربت في عينيها. لو هو ابني
لو؟ قاطعتها. بصله.
الموضوع مبيمشيش كده، مازن قال.
لأ، مروة ردت. الموضوع بيمشي بإنك جيت شقة ست لسه والده إنت وخطيبتك ومعاكم دعوة فرح، ودلوقتي فجأة عايز تلعب دور الأب عشان التوقيت محرج.
الكلمة رشقت.
محرج.
وقتها عرفت إن مروة شافت حاجة أنا كنت حاساها بس مسميتهاش.
الموضوع مكنش عن ياسين بس.
كان عن سمعة مازن.
عن المنظر العام لمدير تنفيذي محترم لسه متجوز جديد، في حين إن طليقته في مكان ما في إسكندرية شايلة ابن عمره خمس أيام ممكن يكون واخد ملامحه.
بصيت لمازن بتركيز.
ولأول مرة من ساعة ما دخل، عرفت بالظبط أضغط فين.
إنت هنا عشان خايف على ابنك، سألته، ولا عشان خايف من كلام الناس؟
عينيه هربت لنص ثانية.
ودي كانت إجابة كفاية.
تاني يوم كلمت محامية أسرة اسمها فريدة مكالمة فيديو، وياسين نايم على صدري ومروة قاعدة جنبي بتاخد نوتس كأننا بنجهز لمحاكمة.
ولأننا، بطريقة ما، كنا فعلاً بنعمل كده.
فريدة عينيها كانت حادة، صوتها موزون، وعندها هدوء بيخلي الفوضى تبان كأنها حاجة مقدور عليها. سمعتني من غير ما تقاطعني وأنا برص الحقايق الطلاق، الحمل، سكوتي، ظهور مازن مع دينا، مطالبته بتحليل ال DNA، حالة البيبي، والضغط اللي بدأت أحس بيه ورا كل عرض مساعدة.
لما خلصت، شبكت إيديها في بعض.
أولاً، قالت، إنتي مرتكبتيش جريمة بإنك مبلغتيهوش وإنتي حامل. أخلاقياً، الناس ممكن تتكلم. لكن قانونياً، القصة في اللي هيحصل من دلوقتي.
هزيت راسي.
ثانياً، من حقه يثبت النسب.
مروة همست أهي بدأت.
فريدة كملت بهدوء. ولو طلع الأب، هيبقى ليه حقوق وعليه واجبات. بس مع طفل لسه مولودومولود بدري كمانالمحكمة بتهتم أكتر حاجة بالاستقرار ومصلحة الطفل. وده بيميل جداً كفة الأم، طول ما إنتي مؤهلة، ومنظمة، ومش بتعاندي في الفاضي.
مسكت في الكلمة دي.
الاستقرار.
أنا أقدر أبقى منظمة، قلت.
أنا عارفة، ردت. دلوقتي اثبتي ده.
خلتني أبدأ دفتر تسجيل من ساعتهاالرضعات، الحفاضات، قياس الحرارة، مواعيد الدكاترة، الأدوية، المصاريف، مواعيد النوم، الزيارات، كل حاجة. قالتلي أصور كل ورقة طبية، أعمل نسخة احتياطية من كل نوت، أحفظ كل رسالة، وأخلي كل تواصل مكتوب على قد ما أقدر.
مترفضييش تحليل ال DNA، قالت. ده هيخليكي تباني متعنتة. بس إنتي اللي تتحكمي في الشروط. دكتور الأطفال الأول. التحليل بعدين. مكان معتمد. توثيق كامل. مفيش اختصارات.
مروة قربت من الشاشة. طب لو بعت فلوس؟ أو خدم؟
ملامح فريدة متغيرتش. ساعتها تقبلي اللي يناسبك بس وتوثقي الباقي. العائلات الغنية بتستخدم الرفاهية كأداة ضغط. مش دايماً بنية سيئة. بس بتفضل أداة ضغط في النهاية.
بطني انقبضت، لأن ده بالظبط اللي كنت خايفة منه.
الخنقة الناعمة.
مش تهديد صريح. حاجة أشيك. دادات. دكاترة. سواقين. طلبات للبيت. ممرضة تحت الطلب. شقة أكبر. تأمين أحسن. كل حاجة تبان منطقية لوحدها، بس
تتجمع عشان تسحب سيطرتك.
وبعدين الدكتور بص لنا كلنا وقال الكلام اللي كنت محتاجة أسمعه بيتوثق في الكون كله.
عشان هو مولود بدري، قللوا تعرضه لأي حاجة، قللوا شيله من ناس كتير، وحافظوا على بيئته مستقرة. مفيش سفر ملوش لازمة. مفيش بيوت زحمة. مفيش زيارات عائلية كبيرة. دافي، هادي، روتين ده اللي هو محتاجه.
مازن سمعه.
وشفت وشه لما الدكتور قال مستقرة.
مجادلش.
سحب العينة للتحليل حصل في أوضة منفصلة. الممرضة أخدت مسحة من خد ياسين من جوه وأنا شايلاه.
أول ما القطنة لمسته، صرخ صرخة حادة وضعيفة قطعت في قلبي. عيني أنا كمان حرقتني. هزيته فوراً، وأنا بهمس، ماما هنا يا حبيبي، ماما هنا، لحد ما عياطه هدي وبقى مجرد شهقات.
رفعت عيني مرة واحدة وشفت مازن واقف جنب الحيطة، جازز على سنانه، وبيبص من الشباك كأنه مش قادر يتحمل الصوت.
الصورة دي فضلت معايا أكتر ما كنت عايزة.
مش عشان بتشفعلة.
عشان أثبتت إنه مش حجر.
النتيجة طلعت بعد تلات أيام.
99 99.
لما قريتها في جراج المعمل، محستش بمفاجأة. حسيت بس بتكة قفل تقيل بيتقفل.
دلوقتي هتبدأ بجد.
وبدأت.
الأخبار انتشرت في دواير مازن بسرعة وحشية. مش في جرايد. مش إعلانات رسمية. حاجة أسم من كده بكتير همس.
تليفوني بدأ ينور برسايل من ناس مكلمتهمش من شهور.
سمعت إنك خلفتي.
هل مازن هو الأب؟
واو. الموقف أكيد محرج.
توقيت مجنون يا حنان.
عميلة قديمة كلمتني، وبعد ما مثلت الاهتمام لمدة عشرين ثانية، سألت بنبرة مليانة فضول هو بجد مازن جاله ولد منك؟
بعد الضهر مازن كلمني.
الإشاعات بتلف، قالها من غير مقدمات. تليفوني مبطلش رن.
وهتعمل إيه؟ سألته.
سكت ثانية.
أنا هأجل الفرح.
سندت راسي على الكنبة وغمضت عيني.
مش شفقة على دينا.
لأن السبب كان لسه بيفرق.
هل هيأجله عشان بقى عنده ابن؟ ولا عشان ابنه بقى في العلن؟
ده قرارك، قلت.
الموضوع يخص ابني.
أهي اللغة تاني. مش ابننا. ابني.
وبعدين جت حركته التانية، بالظبط زي ما فريدة توقعت.
أنا هبعت حد يساعدك، قال. دادة خبرة للأطفال. موثوق فيها. هتقعد معاكي 24 ساعة.
لأ.
إنتي محتاجة مساعدة.
محتاجة مساعدة أنا اللي أختارها.
إنتي لوحدك في شقة إيجار ومعاكي طفل مبتسر.
كلمة إيجار طلعت فيها حكم أكتر من الخوف.
حافظت على نبرتي مسطحة. مساعدة بالساعة، ممكن. إقامة كاملة، لأ. محدش هيدخل بيتي من غير موافقتي.
نفخ بحدة. اسمها الدادة فاطمة. واشتغلت مع عيلتي قبل كده.
عيلتي قبل كده.
يعني ولائها ليهم.
يعني عينيها في وسط راسها.
يعني كل تفصيلة في شقتي، مواعيدي، جرحي، مزاجي، فلوسي، وطريقتي كأم، هترجع تتنقل لعيلة الشناوي على كبايات القهوة وصواني الفضة.
بالساعة، كررت. وهي مسؤولة قدامي أنا.
معجبهوش الكلام.
بس وافق.
بالليل دينا كلمتني.
كنت هتجاهلها. وبعدين قررت إني أسمع السكينة بودني أحسن ما أتخيلها.
حنان، قالتها بصوت مفيهوش ذرة ذوق، مبسوطة دلوقتي؟
أنا عملت إيه بالظبط؟ سألت.
يا سلام. التوقيت رهيب. قبل الفرح على طول؟ طفل جديد؟ ومازن يأجل كل حاجة؟ عايزاني أصدق إن دي صدفة؟
بصيت لياسين وهو نايم جنبي وحسيت بحاجة جوايا بتنشف وتبرد.
أنا مرحتلكيش لحد باب بيتك، قلت. إنتي اللي جيتيلي.
ضحكت بسخرية. إنتي دايماً بتعرفي تلعبي دور البريئة.
خلي بالك، قلت، كل كلمة محسوبة وهادية. اللي بتلمحي ليه ده بشع، وإنتي بتتكلمي عن طفل.
وهل إنتي متأكدة أصلاً إنه ابن مازن؟
قفلت السكة.
من
غير دراما. من غير زعيق.
قفلت، وثقت الوقت، وقلت لمروة اللي حصل.
وشها قلب على قاتلة قتلة. هي هتفضح الدنيا للناس.
متجرأش.
مروة بصتلي. إنتي مش شغالة في العلاقات العامة. هي شغالة.
الدادة فاطمة وصلت تاني يوم الصبح معاها طلبات للبيبي، وطريقة الخضوع المحترفة بتاعت الناس المتدربة على التعامل في بيوت الأغنيا. كانت صوتها واطي، مرتبة، عملية، ومحترمة ظاهرياً.
لحد ما شافت ياسين وابتسمت.
سيدي الصغير زي القمر.
صلحتلها فوراً.
اسمه ياسين.
بربشت، ومحرجة. طبعاً.
عديتها من بره. بس من جوه، معدتهاش.
اللغة بتفرق.
وريث، سيدي، امتداد، سلالةكل الكلمات الحلوة دي اللي عائلات زي عيلة مازن بيستخدموها لما يحبوا يحولوا طفل لحتة أملاك برموش.
بعدها بيومين، الموجة التانية ضربت.
الحاجة زينب وصلت شقتي ومعاها الحاج محمود.
الحاجة زينب دخلت ومعاها سبت هدايا غالي، وطاقة واضحة لست قررت إنها مجبرة تعمل خير. والحاج محمود وراها ماسك شمسية وشكله زي راجل تعب من محاولة الحفاظ على السلام في حرب بدأها ناس أغنى وأعلى صوتاً منه.
إحنا جينا نشوف حفيدنا، الحاجة زينب أعلنتها.
وقفت بينها وبين السرير.
هو نايم. ومولود بدري. ياريت نوطي صوتنا.
مسحت الشقة بنظرة باردةالأرضيات الخشب القديمة، الكنبة البسيطة، لوازم الرضاعة، المطبخ الصغير المكشوف على الصالة. كل إنش في ملامحها كان بيقول مؤقت.
عيلة الشناوي مبتسيبش وريثها في مكان زي ده، قالتها.
كنت متوقعة ضغط. بس متوقعتش تقوله بالسرعة دي.
هو مش وريث، قلتلها. هو طفل.
هو الاتنين.
لأ. هو طفل الأول.
ابتسامتها بقت أحد. ممكن تبقي عاطفية بعدين.
عاطفية.
إيدي اللي حاضنة ابني. جسمي اللي لسه بيتعافى من إنه جابه للدنيا. خوفي من الهوا، الميكروبات، التعب، السخونية، وعيلة ورا عيلة بتقرر إنه بتاعهم يتصرفوا فيه.
عاطفية.
الحاج محمود اتدخل بهدوء. إحنا مقدرين إن ده صعب يا حنان. إحنا مش جايين نضايقك.
يبقى متضايقونيش، قلت من غير ما أبصله.
الحاجة زينب حطت سبت الهدايا على الترابيزة كأنها بتعلم منطقتها. فيلا العيلة فيها مساحة كبيرة، خدم ممتازين، دكاترة خاصين، وحراسة. إنتي والبيبي هتنقلوا هناك فوراً.
حسيت ببرد حقيقي بياكل في عضمي.
أهي جت.
مش أمر صريح بإنهم ياخدوه مني.
حاجة أرقى من كده.
دعوة لدخول قفص دهب.
أنا مش هعزل، قلتها.
عينيها ضاقت. بتعاندي عشان تبعديه عننا؟
لأ. أنا بخليه في المكان اللي دكتوره قال يفضل فيه.
أي دكتور في العيلة ممكن يقول غير كده.
دكتور ابني مش هيتغير بفلوسكم.
الجملة رشقت.
الحاج محمود بص للحاجة زينب بقلق واضح.
قربت خطوة. أي ست تقدر تخلف يا حنان. الأهم هو مين اللي هيقدر يربيه صح.
الأم ممكن تتغير.
مقالتش الكلمة صريحة، بس أنا سمعتها.
حسيت بدموع بتلسع عيني، مش ضعف، غضب. ومع ذلك، فضلت هادية. دي كانت المعركة الحقيقية دلوقتي. مش هكسب النقاش إزاي. هحافظ على كرامتي إزاي وهما بيحاولوا يجرجروني عشان أبان ست مهزوزة.
إنتو مرحب بيكم تزوروه باحترام، قلت. لكن مش مرحب بيكم تقرروا سكن ابني، علاجه، أو مستقبله.
بقها اتلوى. هنشوف المحكمة هتقول إيه.
بعد ما مشيوا، شيلت ياسين وحضنته جامد لحد ما اتأفف من الضغطة.
وبعدين أجبرت نفسي أرخي إيدي وأبعت رسالة لفريدة.
والدة مازن هددت بالمحكمة. عايزاني أنقل أنا والبيبي لفيلا العيلة.
فريدة كلمتني في دقايق.
حلو، قالت.
بربشت. حلو؟
مش أخلاقياً. قانونياً.
الضغط بيولد غلطات. وإحنا بنوثق الغلطات.
طلبت مني أكتب المحادثة كلها وهي لسه طازة في دماغي، أصور سبت الهدايا، أحفظ رسالة الحاج محمود القصيرة اللي بعتها يطمن إذا كان البيبي عجبه البطاطين، أحافظ على التوقيتات بالظبط، وأكمل في تجميع ملفي.
وعملت كده.
وبعدها، البوست نزل على السوشيال ميديا.
مذكرتش اسمي.
وده اللي خلاه أخطر.
مكتوب بنبرة حزينة وراقية لست بتمثل وجع القلب قدام الجمهور. عن الخيانة. عن الستات اللي بيظهروا في التوقيت المثالي. عن استغلال البراءة للتلاعب. عن أطفال بيتولدوا وسط كدب.
التعليقات اتملت تعاطف مع دينا، وتخمينات حامية تقطع في لحم أي حد عارف التواريخ.
مروة خدت سكرين شوتس فوراً.
كنت باصة في تليفوني وياسين نايم جنبي، وحسيت بوشي بينمل.
دبسته.
كانت عارفة هي بتعمل إيه.
يا عيني على الخطيبة.
الرجالة اللي معاها فلوس دايماً مستهدفين.
مفيش واحد فيهم كان معايا في أوضة المستشفى لما ابني عيط لأول مرة. مفيش واحد فيهم شافني وأنا بحاول أقف بعد العملية والدم بينشف على رجلي. مفيش واحد فيهم طبخ لي شوربة ولا غسل ببرونات الفجر ولا جس رجلين طفل عنده صفرا عشان يتأكد إنهم مش سقعانين.
بس عندهم آراء.
علنية.
ومتسلطة كأنها سلاح.
نصيحة فريدة رجعتلي كأنها إيد بتطبطب على كتفي متدخليش بعواطفك. احفظي كل حاجة.
فبعتت لمازن السكرين شوتس مع رسالة واحدة.
دينا بتلمح للناس إني دبستك في ابنك. ده طعن في شرفي وأذى ليه كمان. متوقعة إنك توقف ده فوراً.
قراها في ساعتها.
وبعدين سكت نص ساعة بحالها.
السكوت ده كان فاضح. كنت عارفة هو بيعمل إيهبيوزن. خطيبته في كفة. وأم ابنه في كفة. والسمعة في النص زي سبيكة دهب على الميزان.
وبعدين اتصل.
إنتي في البيت؟
أيوه.
أنا بتعامل مع الموضوع.
إزاي؟
لو مشالتوش، الفرح ملغي.
صوته مكنش فيه عاطفة. كان بارد. رسمي. ونهائي.
ولأول مرة، سمعت نوع مختلف من الخطر في مازن الشناوي.
مش خطر اللامبالاة.
خطر الحسم.
جالي بالليل والغضب بيغلي تحت جلده. وقف في البلكونة الصغيرة بتاعتي، بيرد على مكالمات دينا واحدة ورا التانية، جسمه مشدود، وردوده مقتضبة.
شيليه.
لأ، ميهمنيش شكله إيه.
إنتي بتتكلمي عن ابني.
لأ. مفيش بس.
لما رجع جوه، وشه كان فيه الجمود بتاع راجل لسه قاطع حبل ومستني يشوف إيه اللي هيقع.
بتقول إنها كانت بتفضفض، قال.
بإنها تتمني بتدبيسك؟ سألته.
مردش.
يبقى إنت عارف هي اختارت إيه، قلت.
بص لياسين في سريره وقال بصوت واطي جداً محدش بيستغل ابني.
الجملة دي مكنتش المفروض تفرق معايا.
بس فرقت.
مش عشان صلحت حاجة.
عشان دي كانت أول مرة أسمعه بيحط ياسين قبل المنظر العام.
بالليل، دينا مسحت البوست.
الساعة تسعة، مازن بعتلي رسالة من كلمتين.
الفرح اتلغى.
فضلت باصة للرسالة فترة طويلة.
محستش بانتصار.
محستش برضا.
حسيت إني تعبانة وبس.
تاني يوم الصبح مازن ظهر ومعاه معقم إيدين، مسحوق غسيل أطفال، كريم تسلخات، وعلبة فيها جوانتيات قطن صغيرة.
مش ورد.
مش اعتذارات.
حاجات تنفع.
غسل إيده من غير ما أطلب منه. وقف على بعد خطوتين من السرير وقال ممكن أشيله؟
راقبته بتركيز.
وبعدين شيلت ياسين ووريته إزاي يسند راسه ورقبته.
إيديه كانت بتترعش.
ياسين كرمش وشه كأنه نايم، فتح عين واحدة، اتّاوب، ونام على صدر مازن كأنه لسه ميعرفش عن الدنيا كفاية تخليه يرفض أي حد.
مازن ثبت تماماً.
هو شبهي، قال.
مرديتش.
الشبه مش ملكية.
بعد كام دقيقة، رجعلي ياسين بتردد واضح. والدتي عرفت إن الفرح اتلغى.
رفعت عيني بسرعة. و؟
وهتتجنن.
أكيد طبعاً.
الإجابة جتني المرة اللي بعدها لما الحاجة زينب كلمته وهو في شقتي.
فتح السبيكر من غير ما يسألني، يمكن غصب عنه،
ويمكن عشان عايزني أسمع.
إنت عملت إيه؟ الحاجة زينب صرخت أول ما رد. لغيت فرحك عشان الست دي وابنها؟
حاجة جوايا بردت لما سمعت الكلمات دي.
مش عشان وجعتني. عشان كنت محتاجة أفتكرهم.
دليل على النوايا. فريدة هتحب الجملة دي.
الست دي، مازن قالها ببرود، هي أم ابني.
لو هو ابنك، هاته البيت. مش هيتربى في الفضيحة.
هو مش هيعزل.
يبقى إنت بتختارها هي.
أنا بختاره هو.
سكوت.
وبعدين صوت الحاجة زينب، أوطى ومليان سم هتندم على ده.
لما المكالمة خلصت، مازن فضل واقف جنب الشباك شوية من غير ما يتكلم.
هتعمل إيه لو ضغطت أكتر؟ سألته.
لف ناحيتي.
هنوثق كل حاجة رسمي، قال. محامين. اتفاق ملزم. مفيش مساحة للغموض.
كلمة ملزم كان المفروض تخوفني.
لكن بدالها، حسستني كأنها أكسجين.
لأن الثقة كانت ماتت. دي اتحرقت من بدري.
كل اللي فاضل بينا كان نظام محطوط.
فبنيناه.
فريدة اجتمعت بينا إحنا الاتنين مكالمة فيديو. مازن ظهر من برج مكتبه، إزاز وصلب وراه، وأنا قاعدة في صالتي لابسة كارديجان فوق هدوم الرضاعة، وساندة رجلي على ترابيزة الأنتريه عشان القعدة كانت لسه بتوجعني.
فريدة كانت قايلالي أجهز بثوابت مفيهاش فصال.
كنت كاتباهم في نوت بوك تحت تلات عناوين طبي، سكن، كرامة.
قريتهم بصوت عالي.
أولاً، قلت، ياسين هيفضل معايا بشكل أساسي وهو رضيع، وخصوصاً طول ما هو حالته الطبية ضعيفة. كل القرارات الطبية هتمشي ورا كلام دكتور الأطفال بتاعه. مازن يكون عنده علم، مش مستبعد، بس محدش يكسر كلام الدكتور.
مازن هز راسه مرة واحدة موافق.
ثانياً، إقامة ياسين تفضل معايا. مفيش مطالبات بنقله. مفيش زيارات مفاجئة من قرايب أو مستشارين. ومفيش أي حد غريب يدخل من غير موافقتي.
فكه اتشد شوية. بس برضه معترضش.
ثالثاً، قلتها وأنا حاسة بنبضي بيضرب أسرع، مفيش تشويه سمعة، مفيش تلقيح وتلميحات على السوشيال ميديا، مفيش هجوم على شخصي من مازن أو أي حد تبعه. لو حد من دايرته عمل كده، هو اللي يتحمل مسؤولية إنه يوقفه. وأنا هعمل نفس الحكاية من ناحيتي.
النقطة دي خلته يسند ضهره لورا.
وبعدين قال، أنا محتاج بند يضمن إنك مش هتختفي بيه.
حقه.
وجعتني، بس حقه.
بلعت ريقي. هيفضل معاك دايماً عنواني الحالي ورقمي طول ما إنت محترم الاتفاق. بس مفيش مراقبة. مفيش تتبع. مفيش سكرتارية ييجوا يطمنوا عليا. ومفيش حد من عيلتك يظهر بالنيابة عنك.
فريدة ترجمت كل ده للغة قانونية خليته يبان أقل شخصنة، وبطريقة ما، خلاه أقوى بكتير.
الرؤية كانت نقطة الخلاف الحقيقية الوحيدة.
أنا عايز أكتر من زيارتين في الأسبوع، كل زيارة ساعتين، مازن قالها.
هو مش اجتماع مجلس إدارة، رديت. جسمه ميعرفش حاجة عن جدول مواعيدك.
عينيه لمعت بغضب.
فريدة اتدخلت. الطفل مولود مبتسر. زيارات قصيرة ومنتظمة هي الأنسب في المرحلة دي. الجدول ممكن يوسع لما يكبر شوية.
وفي الآخر، وافق.
وبعدين جينا للفلوس.
عرض نفقة أعلى بكتير من المطلوب الأساسي واقترح يعمل وديعة باسمه.
مرفضتش الفلوس. ده كان هيبقى غباء.
بس حطيت شروط على كل جنيه.
تحويل شهري ثابت. بسبب واضح. مفيش عقود جانبية. مفيش اتفاقات مع دادات تتدخل في النفقة. مفيش ورق يتبعتلي لحد باب البيت مع السكرتارية. مفيش أي شرط يربط الفلوس بحق الرؤية أو اتخاذ القرارات.
سمعني.
وللغرابة، وافق على كل الشروط ما عدا شرط واحد.
الدادة المقيمة.
أنا مش حابب فكرة إنك تبقي لوحدك معاه طول الليل، قالها.
أنا أمه، رديت.
إنتي لسه بتتعافي.
أيوه. والستات اللي بتتعافى من حقهم يفضلوا بني آدمين براحتهم وحريتهم.
في النهاية، فريدة صاغتها بالشكل ده أي مساعدة منزلية يقترحها الأب لازم توافق عليها الأم، وتفضل تحت إدارتها وتوجيهها في وقت رعايتها للطفل.
مضيت الاتفاق النهائي تاني يوم الصبح وياسين نايم في سريره، رافع إيده الصغيرة فوق راسه كأن الاستسلام ده شيء ميعرفوش.
إيدي ماتهزتش.
لأول مرة من ساعة ما مازن ظهر على باب شقتي، حسيت بحاجة قريبة من الثبات.
مش سلام.
بس ثبات.
وده غير إيقاع كل حاجة.
مازن بقى ييجي في ميعاد الزيارات بالظبط.
بقى بيغسل إيده أول ما يدخل.
بقى بيلبس كمامة لما دكتور ياسين نصح بكده في وقت دور برد قاسي كان لافف في البلد.
اتعلم إزاي يدفّي الببرونة، إزاي يكرعه من غير ما يخبط على ضهره جامد، إزاي يحط صباعين تحت اللفة بتاعته عشان يتأكد إنه مش حران، وإزاي يهزه وينيمه من غير ما يرجّه.
عمري ما شكرته أو مدحته على ده.
دي مكنتش قسوة. ده كان حزم. هو مكنش محتاج تسقيف عشان بيتعلم أبسط أصول الأبوة. كان محتاج التزام.
بس أنا كنت بلاحظ.
وعشان كنت بلاحظ، أخدت بالي برضه لما بطل يمسك تليفونه كل تلات دقايق وهو قاعد معاه. لما بدأ ييجي لابس بلوفرات ورافع كمامها بدل البدل الرسمية. ولما بدأ يسأل أسئلة حقيقية بدل ما يدي قرارات.
أكل قد إيه؟
الدكتور قال الصفرا بقت أحسن؟
محتاجة أجيب لبن صناعي وأنا جاي؟
أول مرة عرض فيها يعمل مشوار عملي بدل ما يتدخل بشكل استراتيجي، مروة رفعت حواجبها الاتنين لفوق لدرجة افتكرتهم هيطيروا من جبهتها.
شوفي كده، قالتلي بعد ما مشي. الراجل بدأ يتحول لبني آدم.
ضحكت من قلبي ضحكة مضحكتهاش من أسابيع.
الشتا ده، إسكندرية كشرت عن أنيابها.
المطر بقى أبرد. الرصيف بقى بيلمع من الصقيع في بعض الأيام. تيار الهوا اللي بيدخل من شبابيك شقتي بقى حرب تانية لازم أخوضها، عشان كده مازن جاب صنايعي يغير كاوتش عزل الشبابيكبس بعد ما استأذن الأول، ودفع الحساب من غير ما يقول، وبعتلي الوصل من غير أي تعليق. ده كان تصرف صغير ومظبوط لدرجة إنه هزني أكتر من أي تصرف درامي كبير.
وبعدين، في ديسمبر، ياسين سخن.
مش سخونية درامية. مش زي بتاعت الأفلام. بس كفاية إنها تخلي كل عصب في جسمي عامل زي السلك العريان.
كلمت دكتور الأطفال، لفيته كويس، وطلعت على طوارئ مستشفى الأطفال مع مروة.
بعت رسالة لمازن من صالة الانتظار بس عشان الاتفاق بيلزمني بكده، وعشان الخوف بيخلي حتى عزة النفس تبان كأنها لعب عيال.
ياسين سخن. إحنا في الطوارئ. هطمنك.
كان هناك في سبعتاشر دقيقة.
مش لابس بدلة. مش متهندم. شعره مبلول، قميصه طالع من البنطلون تحت الجاكيت، وبينهج.
وقف على بعد خطوتين مننا كأنه كان عايز يمد إيده وياخد البيبي بس عارف إنه لسه مكسبش الحق ده من غير ما يستأذن.
قالوا إيه؟
فيرس، قلتله. هيحطوه تحت الملاحظة عشان هو مولود قبل ميعاده.
قعد جنبنا أربع ساعات على كراسي بلاستيك ناشفة تحت نور المستشفى الأبيض وياسين نايم على صدري ومروة بترمي تعليقات ساخرة على قهوة المستشفى. عمل مكالمتين شغل
في الطرقة ولغى اجتماعين من غير ما يعمل دراما. راح لمكنة الحلويات وجابلي بسكوت عشان كان فاكر إن الغثيان من المسكنات كان بيتعبني بعد الولادة. ورجع بشاي لمروة من غير ما تطلب. ومقالش ولا كلمة ملهاش لازمة.
في ناس بتتغير بالاعتراف.
وناس تانية بتتغير بالتكرار.
بإنهم يظهروا مرات كفاية لدرجة إن أفعالهم بتبقى حقيقة مفيش مجال لإنكارها.
الليلة دي، لما أخيرًا رجعنا البيت وحرارة ياسين نزلت، مازن وقف جنب الباب وشكله تعبان أكتر ما شفته في حياتي.
تقدر تمشي، قلتله.
هز راسه، وبعدين اتردد. محتاجة أي حاجة؟
السؤال كان بسيط. حذر. وتقريباً فيه تواضع.
بصيت حواليا في الشقةالبطاطين اللي بتنشف على المنشر، جهاز البخار اللي شغال، الأدوية المرصوصة، اللمبة الصغيرة اللي رامية نور دافي على الحيطة. بصيت لابني، ولمروة اللي نص نايمة على الكرسي، ولجسمي اللي لسه أضعف من المفروض يكون عليه بعد الشهور دي كلها، لأن الأمومة مبتعالجكيش بالسرعة اللي الناس بتدعيها.
وبعدين قلت أصدق حاجة.
مش أي حاجة تقدر تشتريها بفلوس.
استوعب الكلمة.
ومشي بهدوء.
رأس السنة جت من غير صلح أسطوري، من غير معجزات، ومن غير ما الماضي يتكتب من جديد. بس مازن جاب لعبة خشب بتتعلق فوق السرير على شكل نجوم وكواكب عشان سمع الدكتور بيتكلم عن التحفيز البصري. استأذن الأول. وركبها صح. كانت بتلف فوق ياسين وهو متابعها بعينيه الواسعة الجادة.
الحاج محمود بعت أكل تاني.
الحاجة زينب مبعتتش حاجة.
وده كان أحسن.
على شهر فبراير، كنت بدأت أخد شغل تصميمات خفيف. استشارات لأوض أطفال. تنسيق مساحات أونلاين. مراجعة ألوان مطبخ لعروسين في المنصورة. كنت بشتغل وقت نوم ياسين وساعات وقت زيارات مازن، رغم إني كنت بفضل قريبة أسمعهم.
في يوم العصر مازن رفع عينه من على الأرض وهو بيحاول يفشل في تسلية ياسين بلعبة على شكل تعلب، وسألني عايزة ترجعي تشتغلي فول تايم؟
السؤال عصبني من حيث المبدأ.
هو أنا محتاجة إذنك؟
لأ. نزل اللعبة. مش ده قصدي.
راقبته شوية.
وبعدين اتنهدت. أنا عايزة أشتغل كفاية عشان أفتكر أنا مين غير إني جدول رضاعة وجرح عملية. ده مش معناه إني عايزة حد تاني يربيه.
هز راسه. أنا عارف.
كلمتين بساط. بس قالهم من غير ما ياخد موقف دفاعي.
وده كان يفرق كتير.
الاختبار الحقيقي جيه في الربيع.
ياسين بقى عنده سبع شهور، أصلب، لونه وردي أكتر، صوته أعلى، ومصمم يحط أي حاجة يطولها في بقه. كان واخد تكشيرة مازن لما بيتضايق وعينيا أنا، واللي حسيتها عدالة إلهية. كان بيضحك بجسمه كله. وكان بيمسك الصوابع كأنها وعود.
والحاجة زينب ظهرت تاني.
مش على بابي. في جلسة وساطة عائلية فريدة أصرت عليها بعد ما الحاجة زينب بدأت تضغط على مازن عشان تشوف حفيدها لوحدها من غير وجودي.
لبست فستان كحلي بيداري التغيرات اللي سابتها الولادة على جسمي، وشلت ملف تخين كفاية إنه يرعب أي حد عنده ذرة عقل. مازن جيه لوحده. الحاجة زينب جت بوقفة حادة كأنها مستعدة تجرح، ومعاها نفس المستشار القانوني بتاع المرة اللي فاتت.
فريدة كان شكلها مبسوطة بده، وده يطمنك هي كانت محامية من أنهي نوع.
الحاجة زينب اتكلمت الأول.
أنا ببساطة عايزة علاقة بحفيدي.
فريدة ابتسمت ابتسامة ست مستعدة تفكك نجفة بمعلقة شاي. يبقى يمكن
المفروض نبدأ بتصريحات حضرتك القديمة بإن والدته ممكن تتبدل وتتغير عادي.
الحاجة زينب اتصلبت.
مازن لف بصلها.
أنا مقلتش حاجة. فتحت بس الملف بتاعي وزقيت الورق اللي مسجلة فيه كل حاجة على الترابيزة.
تواريخ. أوقات. جمل. زيارات. سكرين شوتس.
المستشار القانوني راجعهم وبان على وشه الندم على اختياره لمهنته.
يمكن أكون اتكلمت بعاطفة شوية، الحاجة زينب قالتها.
حضرتك هددتي بالحضانة، فريدة ردت. حاولتي تنقلي الرضيع من المكان اللي دكتوره أقر إنه يقعد فيه. أسأتي لسمعة الأم. موكلتي مش بترفض فكرة التواصل في المستقبل، لكن أي تواصل لازم يضمن حماية بيئة الطفل.
الحاجة زينب بصت لمازن عشان ينقذها.
منقذهاش.
بالعكس، قال بهدوء إنتي هتعتذري لحنان.
وشها اتغير كأنه ضربها بالقلم.
نعم؟
لو عايزة علاقة بياسين، قالها، تعتذري لحنان وتحترمي الاتفاق.
أنا كنت متخيلة اللحظة دي قبل كده.
كنت فاكرة إني هحس بالانتصار.
بس محستش بده.
حسيت بالحزن.
لأن الأهالي هما أول سلطة مطلقة بنخيب أملهم، والأطفال بيقضوا شبابهم كله عشان يكتشفوا إن السلطة دي مجرد بشر بيغلطوا.
الحاجة زينب بصتلي بكراهية واضحة. وبعدين، يمكن لأول مرة في حياتها، استوعبت إن مفيش كمية فلوس، ولا حسب ونسب، ولا تمثيل يقدر يغير الورق والأدلة المفرودة على ترابيزة اجتماعات تحت إضاءة محايدة.
صوتها طلع ضعيف ومخنوق.
مكنش المفروض أكلمك بالطريقة دي.
مكنش اعتذار دافي. مكنش كفاية. ومكنش طالع من قلبها.
بس كان متسجل.
قبلته لأن كرامتي مكنتش محتاجة صدقها. كانت محتاجة بس إنها تلزم حدودها.
بعد الاجتماع، مازن مشي معايا لحد الجراج.
مكنتش مضطر تعمل كده، قلتله.
لأ، رد عليا. كنت مضطر.
الهوا كان ريحته تراب ومطر. إسكندرية بتحاول تدخل على الربيع.
وقفنا جنب عربية مروة وهي بتمثل إنها مش باصالنا من كرسي السواق.
أنا كنت قاسي معاكي، قالها فجأة.
بصيتله.
دي مكنتش أول مرة يدرك فيها ده. بس دي كانت أول مرة يقولها من غير ما يغلفها بأعذار أو ترتيبات.
أيوه، قلتله.
هز راسه زي راجل بيستقبل حكم عليه. أنا عارف.
كان ممكن أخليه يتعذب في اللحظة دي.
يمكن جزء مني كان عايز ده.
بس ياسين علمني إن مش كل حقيقة محتاجين نسنها زي السكينة قبل ما ننطقها.
اللي يفرق دلوقتي، قلتله، هو هل هتفضل تختار اختيارات مختلفة ولا لأ.
بص في عيني مسافة طويلة.
وبعدين جاوب هعمل كده.
الصيف دخل علينا ببطء، وبعدين فجأة.
الكورنيش اتملى بالناس اللي بتجري وعربيات الأطفال والناس اللي لابسة نضارات شمس وبتمثل إن إسكندرية مكنتش بتحاول تغرقهم بقالها تسع شهور. ياسين تم العشر شهور. بقى بيحب الهوا يضرب في وشه، والكمترى المهروسة بالقرفة، وبقى يعشق يشد كرافتة مازن كل ما مازن ينسى وميقلعهاش.
وكان بيحب مروة بالولاء الأعمى اللي الأطفال بيدوه للستات اللي صوتهم عالي وريحتهم قهوة وطبيخ.
وقتها حياتنا كان بقى ليها إيقاع محدش كان ممكن يتخيله من أول أسبوع يائس وممطر ده.
مازن بقى يزورنا بانتظام، والأهم، بشكل متوقع.
مبقاش بيجيب الحلول الأول وبعدين يسأل.
بقى بيسأل.
يساعدك لو جبت أنا طلبات السوبر ماركت؟
ممكن أجي معاكي ميعاد دكتور الأطفال؟
عايزاني أخلي بالي منه ساعة على ما تاخدي دش وتنامي شوية؟
بعض العروض كنت بقبلها. وبعضها لأ. بس الاختلاف كان في الفكرة نفسها أنا اللي كنت بختار، مكنش بيتم فرض سيطرة عليا.
في يوم بالليل، بعد ما ياسين أخيراً نام بعد معركة درامية مع التسنين، مازن وقف في الصالة بيبص
على برواز فيه رسمة عباد شمس متعلقة على حيطتي.
أنا كنت رسماها أيام الكلية. وكنت فاكراها ضاعت في العزال بعد الطلاق.
دورت عليها، قالها من غير ما يلف. كانت في كرتونة من كراتين البيت القديم. خليتهم يبعتوها.
مشيت وقفت جنبه.
الرسمة كانت مبهجة، وفيها تحدي كده. لون أصفر بيزق في سما فاتحة.
كنتي بتحبي الألوان، قال.
ولسه بحبها.
عارف.
صوته كان هادي.
وبعدين قال حاجة كان ممكن يكون ليها معنى أكبر لو اتقالت من سنة، بس برضه رشقت لأنها كانت طالعة بصدق.
أنا قضيت وقت طويل فاهم السيطرة على إنها اهتمام.
ربعت إيدي على صدري.
أيوه، قلت.
وإنتي قضيتي وقت طويل بتحاولي تنجي مني.
الجملة دي وجعت أكتر لأنها حقيقة.
بصلي. أنا مش بطلب أي حاجة.
أحسن.
ضحكة خفيفة مكتومة طلعت منه.
أنا بس بقول إني عارف إنتي ليه مقلتليش.
بصيت للرسمة تاني لأن في حقايق أسهل إنك تستقبلها وإنتي باصة لورد بدل ما تبصي للراجل اللي كسرك في يوم من الأيام.
إنتي بتكرهيني؟ سأل.
السؤال فاجئني.
مش عشان سأله.
عشان اكتشفت إن الإجابة اتغيرت.
لأ، قلتها أخيراً. أنا مش بكرهك. أنا بكره النسخة اللي كنت بتحولها وأنا بحاول أصغر نفسي عشان أليق على حياتك.
استوعب كلامي في سكون.
وأنا عمري ما هبقى النسخة دي تاني، ضفت.
مش هتبقيها، قال. أنا عارف.
عيد ميلاد ياسين الأول جه في يوم تاني من أيام إسكندرية اللي غرقانة في النور الرمادي الخافت، كأن المدينة كانت بتفكرنا القصة بدأت فين.
مروة أصرت على البلالين. أنا أصرت على عدد قليل من الضيوف. فريدة بعتت كارت ومعاه كتاب أطفال غالي بشكل مبالغ فيه. الحاج محمود جيه ومعاه قطر خشب منحوت وفي عينيه خجل حقيقي. حتى الحاجة زينب جت، بس بعد ما مازن أكد على الحدود تلات مرات، وبعد ما فريدة راجعت صيغة الدعوة لينا كلنا كأننا بنمضي معاهدة سلام.
ياسين لبس بلوفر صغير مروة كانت جيباهوله، وبدأ يفعص في التورتة بتركيز مرعب كأنه زعيم سياسي مستقبلي.
في لحظة من اللحظات، وهو قاعد في كرسي الأكل بتاعه
والكريمة مغطية وشه كأنها ألوان حرب، مازن نزل على ركبه جنبه وضحك بانطلاق عمري ما سمعته منه أيام جوازنا. ضحكة حقيقية. مش مترتبة. مش متزوقة. ضحكة إنسان.
وقفت أراقبهم من باب المطبخ والطبق في إيدي، وحسيت بحاجة متوقعتهاش.
مش حنين.
ولا ندم.
راحة.
لأن أكتر حاجة كنت خايفة منها من سنةإن رجوع مازن هيمحينيمحصلتش.
بالعكس، الحدود عملت اللي الحب مقدرش يعمله قبل كده.
خلت الاحترام شيء ممكن وموجود.
بعدها، لما الكل مشي والشقة بقت هادية ومفيش غير صوت غسالة الأطباق وصوت نفس ياسين وهو نايم طالع من جهاز المراقبة، مازن اتأخر شوية عند الباب.
يومه كان حلو، قال.
فعلاً.
وإنتي كمان.
ابتسمت ابتسامة خفيفة. أنا نجيت من طفل عنده سنة غرقان في الكريمة.
إنتي عملتي أكتر من إنك تنجي.
وقفنا هناك في النور الأصفر الهادي بتاع شقتينفس الشقة اللي الحاجة زينب قالت عليها عار في يوم من الأيام، نفس الشقة اللي حياتي كلها اتغيرت فيها لما دعوة فرح ظهرت في الطرقة كأنها تهديد ملفوف في ورق غالي.
مبقتش حاسة إن الشقة ضيقة.
بقت حاسة إني كسبتها بجدعنتي.
أنا كنت قاصد اللي قلته، مازن ضاف. عن إني هفضل أختار اختيارات مختلفة.
بصيتله. يبقى تعمل كده عشان هو يستاهل ده. مش عشان إنت عايز تكفر عن ذنبك.
هز راسه ببطء. عدل.
مشي، وقفلت الباب وراه بالمفتاح من باب التعود أكتر من الخوف.
وبعدين مشيت لأوضة ياسين.
كان نايم ومفرود على مرتبة السرير زي أي طفل ميعرفش إزاي في كبار حاولوا في يوم من الأيام يخلوا حياته عبارة عن سلطة، عار، ورث، أو منظر اجتماعي. إيد متنية جنب وشه. وشعره طاير من حتة واحدة بشكل مستحيل. ريحته كانت خليط من التورتة، صابون الأطفال، ونوم دافي.
وقفت حاطة إيدي على سور السرير، وسبت نفسي أحس بكل حاجة مكنش عندي وقت أحس بيها صح طول السنة الأولى دي.
الرعب.
الإهانة.
الغضب.
وجع العملية والوحدة.
القوة المرعبة اللي الأمومة بتسحبها منك سحب لما ميبقاش عندك أي اختيار تاني.
أنا منتصرتش عشان مازن
اختارني.
هو مختارنيش أصلاً.
أنا انتصرت عشان اخترت نفسي وابني، وفضلت أختارنا في الورق الرسمي، في الروتين اليومي، في رضعات نص الليل، في الردود الهادية، وفي كل حد حطيته عشان أقول إنك مش من حقك تحب الطفل ده بإنك تمحي أمه.
الناس بتحب تقول إن الحب كفاية.
لأ مش كفاية.
الحب من غير احترام بيبقى جوع. الحب من غير حدود بيبقى امتلاك. الحب من غير أفعال بيبقى مجرد خطبة.
اللي أنقذ سنة ابني الأولى مكنش الرومانسية، ولا الإحساس بالذنب، ولا الفلوس، ولا السمعة.
كان النظام اللي اتحط.
كان حقيقة إن في أسوأ يوم في حياتي، والمطر بينزل في طرقة عمارة في إسكندرية، وطليقي واقف متسمر قدام الطفل اللي مكنش يعرف بوجوده، أنا موسعتلوش السكة.
أنا حضنت ابني أجامد.
وخلتني أنا الباب اللي لازم يعدوا منه.
وعمري ما بطلت أعمل كده.
بعدها بشهور، لما ياسين أخد أول خطوات حقيقية ليهتلات خطوات مهزوزين بس مصممين بين الكنبة وإيديا المفتوحةمازن كان موجود.
ومروة كمان.
ياسين كان باين عليه الغضب التام من الجاذبية، وده اللي خلى المشهد أحلى وأحلى.
اتكعبل، صلب طوله، ورمى نفسه عليا بالثقة العميا اللي مش موجودة غير عند الأطفال. لقطته على صدري، وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت.
مازن سقف مرة واحدة، وبعدين ابتسم بالطريقة الهادية اللي اتعلمها على مدار السنة، كأنه أخيراً فهم إن اللحظات العظيمة في العيلة مش بتبقى مبهرة عشان الناس بتشوفها. هي بتبقى مقدسة عشان في ناس شهدت عليها.
مروة مسحت عينيها وقالت بصوت عالي وهي مش بتكلم حد بعينه أيوه كده يا واد. ادخل على مستقبلك كأنك صاحب المكان.
بصيت لياسين في حضني، وافتكرت كل البيبان اللي الناس حاولت تفتحها على مدار السنة اللي فاتت.
بيبان المستشفى. باب الشقة. البيبان القانونية. البيبان اللي بتأدي لبيوت أكبر، وترتيبات أسهل، وقصص أنضف.
في النهاية، الباب الوحيد اللي كان يفرق هو الباب اللي ابني فتحهولي اللحظة اللي اتولد فيها.
باب لحياة الخوف لسه موجود فيها،
بس الخضوع لأ.
حياة أقدر أقول فيها لأ وأفضل متحبة من الشخص الوحيد اللي حبه بجد يفرق.
حياة أبوه يقدر يشارك فيها، بس ميفرضش سيطرته.
حياة مبقتش بتلخبط فيها بين السكوت والسلام.
في يوم العصر على نهاية الصيف التاني ده، أنا ومازن أخدنا ياسين نتمشى على البحر قبل الغروب. كانت أول مرة يشوف فيها البط من قريب، وفضل متنحلهم كأنهم اتخلقوا مخصوص عشان يمتعوه. الماية كانت عاكسة خطوط برتقاني وفضي. الناس بتجري. وعيال بتزعق من بعيد. والمدينة كان ريحتها بحر وتراب مندى، ويمكن لأول مرة، ريحتها أمل.
مازن وطى عشان يظبط طاقية ياسين الصغيرة.
هيسأل أسئلة في يوم من الأيام، قال.
أيوه.
هتقوليله إيه؟
بصيت على البحر.
الحقيقة، قلت. بس اللي تناسب سنه.
ده خلاه يبتسم. والحقيقة اللي هي إيه؟
بصيتله. إنه كان مرغوب فيه. وبشدة. وإن الكبار عملوا غلطات حواليه. وإن أمه حاربت عشانه. وإن أبوه اتعلم متأخر، بس حاول ميفضلش متأخر.
طلع نفس بطيء. وده عدل برضه.
مشينا كمان شوية في سكوت.
وبعدين ياسين شاور على الماية وزعق بكلمة كان صوتها قريب من مركب، رغم إنها ممكن تكون كانت طير أو أزرق أو مجرد أي كلام مش مفهوم مليان بهجة لطفل مبهور بحجم الدنيا.
ضحكت ورفعته لفوق أكتر عشان يشوف.
ورانا، المدينة كانت لسه بتتحرك. وقدامنا، الطريق بيلف مع البحر وبيختفي ورا الشجر.
مش كل النهايات بتبان كأنها الخاتمة.
بعضها بيبان كأنه طريق إنتي أخيراً بقيتي قوية كفاية إنك تمشي فيه من غير ما تتهزي.
ودي كانت نهايتي.
مش رجوع وصافية لبن. مش انتقام. ولا قصة خيالية.
حاجة أحسن من كده.
أم مختفتش من الصورة.
أب اتعلم إن الاهتمام لازم يركع الأول قدام الاحترام.
وطفل هيكبر وهو عارف إنه عمره ما كان فضيحة، عمره ما كان فخ، عمره ما كان ورقة مساومة، ولا سلاح عيلة.
بس ياسين.
ابني. بقلم انجي الخطيب
الطفل اللي حضنته لما الحياة القديمة خبطت على بابي بدعوة فرح، واكتشفت، بعد فوات الأوان، إني كنت أخدت قراري واخترت مستقبل مختلف.
والمرة دي، مفيش حدلا حزن، ولا فلوس، ولا كبرياء، ولا إرثهيقدر ياخده مني.
تمت بقلم الكاتبة انجي الخطيب

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق