سكريبت وانا بولد كامله
سكريبت وانا بولد كامله
وانا بولد
وأنا بصارع عشان أولّد ابننا اللي وزنه كان أكتر من 5 كيلو، جوزي… اللي كان هو نفسه الدكتور المسؤول عن ولادتي، أمر الممرضات يقفلوا الإيبيدورال، ورفض يعمل العملية القيصرية الطارئة اللي كانت ممكن تنقذني أنا وابني. صدّق المتدربة الصغيرة أكتر من مراته. لكن بعد ما ابننا اتولد بلحظات، أجهزة المراقبة صرخت… والحقيقة خلت جوزي يقع على ركبته.
اسمي أميليا جرانت، رئيسة قسم الطوارئ في مستشفى سانت ماثيو. طول حياتي المهنية كنت بعرف أميّز علامات الكارثة قبل ما تحصل.
لكن المرة دي… الكارثة كانت بتحصل جوا جسمي.
اقفلوا الإيبيدورال.
أربع كلمات بس… هدمت آخر ذرة ثقة كانت باقيالي في جوزي.
في الأول افتكرت إني سمعت غلط.
أوضة الولادة كلها سكتت.
رغم ألم الطلق، لمحت نظرة الرعب اللي اتبادلت بين واحدة من الممرضات وبين كاميرون بينيت… دكتور النسا المسؤول عن حالتي… وجوزي من سبع سنين.
قالت الممرضة بحذر يا دكتور، وزن البيبي متوقع يكون فوق العشرة أرطال، ضغطها مش مستقر، والولادة مش بتتقدم. لازم نعمل قيصرية حالًا قبل ما…
قاطعها كاميرون ببرود أنا الدكتور المسؤول هنا… وأنا اللي هقرر الطفل ده هيتولد إزاي.
كان بيتكلم بثقة… من غير أي رحمة… ولا حتى ذرة تعاطف.
بصيت له… مستنية جوزي يشوف الخوف اللي في عيني بدل ما يبص على شاشة الأجهزة.
لكنه ما بصليش.
ريحة المطهرات كانت مالية المكان، ومختلطة بريحة الدم، ومع كل طلقة كنت بحس جسمي بيتقطع.
همست وأنا بموت من الوجع كاميرون… البيبي كبير… مش هيعرف ينزل… رحمي مش مستحمل… أرجوك… اعمل العملية.
بصلي أخيرًا.
لكن مش بخوف…
بضيق.
وقال يا أميليا، بطلي تحاولي تديري أوضة الولادة دي زي ما بتديري قسم الطوارئ.
كل كلمة كانت أقسى من ألم الولادة نفسها.
مش لأنه شكك في خبرتي…
لكن لأنه تجاهلني تمامًا.
في اللحظة دي وقفت جنبه صوفي…
المتدربة المفضلة عنده.
وعينيها مليانة دموع وقالت بصوت بريء لو سمحت يا دكتور، متزعلش من
الدكتورة أميليا… هي وقعت صينية الأدوية بس لأنها كانت بتتألم… مكنش قصدها.
كانت بتكدب.
من شوية كانت بتتظاهر إنها بتهديني، لكنها غرست ضوافرها في دراعي لحد ما اتوجعت وخبطت الصينية على الأرض.
هي كانت عارفة عملت إيه.
وأنا كمان.
لكن كاميرون حتى ما سألش.
كان خلاص قرر يصدق مين.
شفت ملامحه وهي بتلين وهو بيبصلها…
ومافتكرتش آخر مرة بصلي بنفس النظرة دي.
في اللحظة دي…
حاجة جوايا ماتت للأبد.
قال بصوت حازم ثبتوها.
الممرضات اترددوا.
واحدة منهم قالت يا دكتور… ده مش الإجراء الطبيعي.
رد ببرود لو حصل أي حاجة… أنا اللي هتحمل المسؤولية.
محدش اعترض.
إيديهم مسكتني من كتافي ورجلي.
ماكانوش بيهدوني…
كانوا بيمنعوني أتحرك.
بصيت في نور العمليات والدموع مغرقة عيني.
ألم الولادة هيخلص…
لكن الخيانة دي…
عمرها ما هتخلص.
بطلت أترجاه.
بطلت أشرح.
بطلت أستنى إنه يفتكر إنه قبل ما يكون دكتوري…
كان جوزي.
طلقة جديدة هزت جسمي كله.
مسكت السور الحديد اللي جنب السرير بكل قوتي…
طاخ!
الصوت دوّى في الأوضة.
الكل اتجمد مكانه.
السور الحديد… اتكسر نصين بين إيديا.
الدم نزل من كفي على الملاية البيضا.
حتى كاميرون اتصدم للحظة.
بصيتله آخر مرة…
يمكن ألاقي شفقة.
لكن وشه قسى أكتر.
وقال لو بتحطي المجهود ده في الزق بدل الدراما… كان ابننا اتولد من بدري.
بعد لحظات…
سمعنا صوت عياط طفل صغير.
همست ممرضة ولد.
حسيت براحة للحظة…
لكن اختفت بسرعة.
لون وش الممرضة اتغير.
وقالت برعب يا دكتور بينيت…
كل الأجهزة بدأت تصرخ.
ضغطها بينهار!
وجهاز القلب طلع صفارة طويلة مرعبة.
الأوضة كلها اتحولت لفوضى.
وشفت وش كاميرون وهو بيفقد لونه، وعينيه مليانة رعب وهو بيبص على الشاشات.
وفجأة دخل دكتور تاني يجري، بص على الملف، وصاح بغضب
مين اللي لغى العملية القيصرية الطارئة؟!
الدكتور اندفع ناحية السرير من غير حتى ما يبص في وش كاميرون.
خطف الملف من إيده بسرعة، وقلب الصفحات بعصبية، وبعدين رفع عينه وقال بصوت هز أوضة العمليات كلها
دي كانت حالة قيصرية من أكتر من ساعة! مين اللي وقّع إنه مستمر في الولادة الطبيعية؟!
سكتت الأوضة.
ولا ممرضة قدرت ترد.
كاميرون بلع ريقه وقال بثبات مصطنع
أنا… أنا شفت إن الوضع لسه يسمح.
الدكتور قرب منه خطوة وقال بحدة
يسمح؟! عندها اشتباه تمزق رحم ونزيف داخلي، والجنين كان حجمه أكبر من الطبيعي… إزاي تسمح؟!
في اللحظة دي، الممرضات كانوا بيجروا حواليّ، بيعلقوا أكياس دم، وبيحاولوا يوقفوا النزيف.
أما أنا…
كنت حاسة إن الأصوات كلها بقت بعيدة.
كأن حد قفل العالم.
آخر حاجة كنت شايفاها كانت سقف أوضة العمليات وهو بيبعد عني تدريجيًا.
وفجأة…
سمعت صوت المونيتور يتغير.
بيب… بيب… بيب…
أبطأ.
وأبطأ.
وأبطأ.
الممرضة صرخت
النبض بينزل بسرعة!
الدكتور صاح
جهزوا أوضة العمليات حالًا… لازم ندخل دلوقتي!
لكن قبل ما يتحركوا…
واحدة من الممرضات وقفت مكانها وهي ماسكة ورقة صغيرة كانت وقعت من الملف.
بصت فيها، واتسعت عينيها.
رفعت رأسها ناحية كاميرون وقالت بتردد
يا دكتور… الورقة دي… حضرتك شفتها؟
كاميرون مد إيده بسرعة وكأنه عايز يخبيها.
لكن الدكتور التاني سبقه وخطفها.
أول ما قرأ أول سطر…
ملامحه اتبدلت تمامًا.
رفع عينه ناحية كاميرون وقال بصوت منخفض لكنه مرعب
إنت… مخبيتش المعلومة دي؟
كاميرون اتراجع خطوة.
ولأول مرة…
بان عليه الخوف الحقيقي.
وفي نفس اللحظة…
صوفي، المتدربة، كانت واقفة في آخر الأوضة، وإيديها بتترعش بشكل غريب.
وفجأة…
لفّت عشان تخرج بهدوء.
لكن قبل ما تلمس مقبض الباب…
صوت الممرضة وقفها
استني… إنتِ رايحة فين؟!صوفي اتجمدت مكانها، وإيديها لسه على مقبض الباب.
لفّت ببطء، وابتسمت ابتسامة مرتبكة وهي بتحاول تبان هادية.
أنا… كنت رايحة أجيب أكياس دم من بنك الدم.
الممرضة ردت بسرعة
إحنا طلبناها بالفعل، وفي اتنين نزلوا يجيبوها. اقفي مكانك.
اتوترت ملامح صوفي، وبصت لكاميرون كأنها مستنية منه ينقذها.
لكن كاميرون كان واقف مذهول، وعينه معلقة على الورقة اللي في إيد الدكتور.
الدكتور رفع الورقة قدام الكل وقال
تقرير الأشعة الأخير… مكتوب فيه بخط واضح يوصى بقيصرية عاجلة بسبب الاشتباه في كِبر حجم الجنين وعدم تناسبه مع الحوض، مع ارتفاع خطر تمزق الرحم.
الأوضة كلها سكتت.
إحدى الممرضات همست
التقرير ده وصل قبل الولادة بساعة…
الدكتور بص لكاميرون وقال بغضب
إنت استلمته بنفسك… ومضيت بالاستلام.
كاميرون فتح بقه، لكنه ماعرفش يرد.
وفي اللحظة دي، المونيتور صرخ من جديد.
النبض بيقع!
الدكتور ساب الورقة على الترابيزة وصاح
كفاية كلام! على العمليات فورًا!
بدأوا يجروا بالسرير ناحية غرفة العمليات، والممرضات بيزقوا بكل سرعتهم.
وأنا كنت بين الوعي والغيبوبة.
سمعت صوت طفل صغير بيعيط من بعيد…
ثم سمعت كاميرون بيقول بصوت مكسور لأول مرة
أميليا… أرجوكي ماتسيبنيش.
لكن قبل ما باب غرفة العمليات يتقفل بثواني…
دخل أحد أفراد الأمن الطبي وهو بيقول بصوت مرتفع
دكتور بينيت… مدير المستشفى وصل بنفسه، وبيقول محدش يخرج من القسم… في بلاغ رسمي اتسجل حالًا بخصوص اللي حصل في أوضة الولادة.
وفجأة…
اتحولت كل الأنظار ناحية كاميرون كاميرون حس إن الأرض بتميد تحت رجليه.
مدير المستشفى دخل بخطوات سريعة، ومعاه مدير الشؤون القانونية ورئيس التمريض.
بص حواليه، ثم قال بلهجة حاسمة
الأولوية الآن إنقاذ الدكتورة أميليا… وبعدها كل واحد في الأوضة دي هيكتب تقريره بنفسه، ومن غير ما يتكلم مع أي شخص.
صوفي شحب لونها.
حاولت تقرب من كاميرون، لكنه ما بصّش لها حتى.
كل تركيزه كان على السرير اللي بيختفي داخل غرفة العمليات.
الباب اتقفل…
ولمبة جراحة نورت.
في الخارج، وقف الجميع في صمت ثقيل.
بعد دقائق، خرجت إحدى الممرضات مسرعة وهي ماسكة علبة صغيرة شفافة.
قالت للطبيب المسؤول
لقيناها أثناء تجهيز الجراحة.
الدكتور فتح العلبة بسرعة.
كانت جواها أمبولات الإيبيدورال الفاضية… ومعاها سرنجة مكتوب عليها وقت آخر جرعة.
قطّب حاجبيه وقال
غريب…
الممرضة سألته
في إيه يا دكتور؟
رد وهو بيقلب الورقة المرفقة مع الأدوية
التوقيت ده ما يطابقش اللي مكتوب في سجل الولادة.
سكت
الجميع.
الدكتور رفع السجل الورقي، وبص للسرنجة مرة تانية.
ثم قال ببطء
حد… عدّل التوقيت بعد ما الجرعة اتوقفت.
كاميرون رفع رأسه فجأة.
وصوفي بدأت تتنفس بسرعة، وكأنها على وشك الانهيار.
في اللحظة نفسها، خرج فني من غرفة المراقبة وهو ماسك جهازًا صغيرًا.
وقال
دكتور… كاميرات أوضة الولادة سجلت كل حاجة… لكن في عشر دقائق من التسجيل اختفوا.
مدير المستشفى عقد حاجبيه.
اختفوا؟ يعني إيه اختفوا؟
رد الفني وهو بيبلع ريقه
حد دخل على النظام من جهاز داخل القسم… ومسح الجزء ده تحديدًا.
ساد صمت مرعب.
ثم نظر مدير المستشفى إلى الجميع وقال
طالما حد حاول يمسح التسجيل… يبقى أكيد كان فيه شيء ماكانش لازم حد يشوفه.
وفي اللحظة دي…
انفتح باب غرفة العمليات ببطء، وخرج الجراح الرئيسي، لكن ملامح وجهه كانت لا توحي بأي شيء… مما جعل الجميع يحبس أنفاسه في انتظار أول كلمة سيقولها الجراح خلع الكمامة ببطء، وبص لكل الوجوه اللي واقفة قدامه.
كاميرون اندفع ناحيته قبل أي حد.
وصوته كان بيرتعش لأول مرة
أميليا… عاملة إيه؟
الجراح ما ردش على طول.
بص له نظرة طويلة، ثم قال
إحنا سيطرنا على النزيف بعد معجزة حقيقية… لكن اللي لقيناه جوه كان أسوأ مما توقعنا.
كاميرون حس إن قلبه وقع.
إيه اللي حصل؟
الجراح رد وهو بيقفل الملف
كان فيه تمزق كبير في الرحم… ولو العملية اتعملت وقت ما اتطلبت أول مرة، كان بنسبة كبيرة ممكن نتجنب اللي حصل.
الكلمات نزلت على كاميرون كأنها حكم.
واحدة من الممرضات غمضت عينيها وهي بتحاول تمنع دموعها.
أما صوفي…
فبدأت ترجع لورا خطوة… واتنين… وتلاتة.
لكن قبل ما تتحرك، مدير المستشفى قال للحرس
محدش يخرج من الدور.
وقفوا قدام الباب.
صوفي اتوترت أكتر، وإيديها كانت بتترعش وهي ماسكة موبايلها.
وفجأة…
رن الموبايل.
ارتبكت، وحاولت تقفل الرنة بسرعة.
لكن الشاشة نورت قدام الجميع.
أحد أفراد الأمن لمح الاسم اللي ظاهر على الشاشة، فاتغيرت ملامحه وقال
المتصل…
قسم تقنية المعلومات.
صوفي ارتبكت أكتر، وقبل ما ترد، خطف فرد الأمن الموبايل بإذن مدير المستشفى.
فتح سجل المكالمات…
وساد صمت غريب.
آخر خمس مكالمات…
كلها مع موظف واحد من قسم تقنية المعلومات.
وفي نفس التوقيت تقريبًا اللي اختفت فيه عشر دقائق من تسجيل كاميرات أوضة الولادة.
مدير المستشفى بص لها وقال بهدوء مخيف
واضح إن عندك حاجات كتير محتاجة تفسريها.
صوفي فتحت بقها، لكن ما خرجش أي صوت.
وفي اللحظة دي…
من داخل غرفة العمليات، سُمع صوت ضعيف جدًا…
صوت أميليا وهي بتحاول تقول كلمة واحدة.
كل الموجودين لفّوا ناحية الباب…
حتى كاميرون… وقف مكانه، وقلبه بيدق بعنف، وهو مستني يسمع أول كلمة هتخرج من مراته باب غرفة العمليات اتفتح سنة صغيرة.
الممرضة خرجت وهي بتبص حواليها بسرعة.
وقالت
هي فاقت… لكن عندها دقيقة أو اتنين بالكثير قبل ما نرجع نديها مهدئات.
كاميرون جرى ناحية الباب.
لكن الجراح وقف قدامه ومد إيده يمنعه.
هتدخل… لكن لو حاولت تضغط عليها أو تأثر على كلامها، هتخرج فورًا.
هز كاميرون رأسه من غير ما ينطق.
دخل الأوضة.
أميليا كانت شاحبة جدًا، وأجهزة كتير متوصلة بجسمها.
بصت له بعينين مرهقتين… لكن نظرتها كانت ثابتة.
مد إيده يمسك إيدها.
سحبتها بهدوء.
ولأول مرة من ساعة ما بدأت الولادة، اتكلمت.
بصوت ضعيف جدًا قالت
فين… الملف؟
الجراح استغرب.
أي ملف؟
همست
ملف… صوفي…
اتبادل الموجودون النظرات.
كاميرون عقد حاجبيه.
صوفي؟
أميليا أخدت نفسًا بصعوبة، وقالت
من… شهرين… كنت… حققت… في شكوى ضدها.
مدير المستشفى قرب فورًا.
شكوى إيه؟
أميليا أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت
كانت… بتغيّر… جرعات أدوية… في ملفات المرضى… وطلبت مراجعة كاملة.
اتسعت عينا مدير المستشفى.
وده اتقفل؟
هزت رأسها بالنفي.
لا… اختفى.
ساد صمت ثقيل.
ثم أضافت بصعوبة أكبر
آخر واحد… استلم الملف… كان…
توقفت.
أجهزة المراقبة بدأت تصدر إنذارات متسارعة.
الممرضة صاحت
الضغط بينزل تاني!
الجراح قال بسرعة
كفاية… لازم تخرجوا حالًا.
لكن قبل ما يغلقوا الباب…
فتحت أميليا عينيها مرة أخيرة، وبصت مباشرة إلى كاميرون.
وقالت بصوت بالكاد يُسمع
اسألها… ليه كانت مصرة… تمنع القيصرية…
ثم فقدت الوعي من جديد.
خارج الغرفة…
كان كاميرون واقفًا كأن الأرض سُحبت من تحته.
ولف ببطء ناحية صوفي…
اللي كان وشها شاحب، ودموعها نازلة، لكنها فجأة قالت جملة خلت كل اللي واقفين يتجمدوا في أماكنهم
أنا… كنت بنفذ أوامر… بس مش أوامر الدكتور كاميرون الجملة وقعت على الجميع كالصاعقة.
مدير المستشفى قرب منها خطوة وقال بحدة
أوامر مين؟
صوفي بلعت ريقها، وبصت حواليها كأنها بتدور على مخرج.
أنا… أنا مش هتكلم غير بحضور محامي.
رد مدير المستشفى ببرود
ده حقك. لكن قبل ما يوصلك أي محامي، هنسلم كل الأدلة للجهات المختصة.
في اللحظة دي، دخل موظف من قسم تقنية المعلومات وهو شايل لابتوب.
قال وهو بياخد نفسه
يا فندم… قدرنا نسترجع جزء من تسجيل الكاميرات اللي اتمسح.
كل الموجودين لفوا ناحيته.
فتح الفيديو.
ظهر مشهد أوضة الولادة قبل لحظات من إيقاف الإيبيدورال.
الصورة كانت مهزوزة شوية، لكن الأصوات كانت واضحة.
بانت صوفي وهي بتقرب من جهاز الكمبيوتر الموجود في الأوضة.
وبعدين…
لفت بسرعة لما سمعت حد داخل.
بعدها بثواني ظهر كاميرون وهو بيتكلم مع الممرضة.
لكن المفاجأة كانت إن التسجيل ما أظهرش إن كاميرون طلب من صوفي تلمس أي جهاز.
مدير المستشفى قال
كمّل.
الفني قدّم الفيديو ثواني كمان.
وفجأة…
ظهر شخص ثالث دخل الأوضة.
كان لابس بالطو العمليات وكمامة وغطاء رأس، فوشه ماكانش باين.
وقف جنب صوفي لثوانٍ، وسلّمها ظرفًا أبيض صغيرًا.
صوفي أخفته بسرعة في جيبها.
ثم خرج الشخص من غير ما يتكلم.
الفيديو انتهى عند اللحظة دي.
ساد صمت ثقيل.
كاميرون بص للفيديو، ثم لصوفي.
مين ده؟
صوفي أغمضت عينيها، ودموعها نزلت.
لكنها ما ردتش.
وفي نفس اللحظة، دخلت ممرضة مسرعة من غرفة العناية المركزة وهي بتلهث.
وقالت
الدكتورة أميليا فاقت تاني… وطلبت تشوف ابنها قبل أي حد.
كاميرون تحرك تلقائيًا ناحية الغرفة.
لكن الممرضة وقفته وقالت بهدوء
هي قالت بوضوح… تشوف ابنها… لوحدها.
وقف مكانه، وعرف لأول مرة أن المسافة بينه وبين زوجته لم تعد تُقاس بخطوات… بل بالثقة التي انهارت في تلك الليلة كاميرون فضل واقف قدام باب العناية المركزة، وإيده مرفوعة كأنه هيخبط… لكنه رجعها ببطء.
لأول مرة في حياته، كان خايف يدخل على مراته.
بعد دقائق، خرجت الممرضة وهي شايلة الطفل ملفوف في بطانية زرقا.
أميليا كانت طلبت تشيله لدقايق، رغم إنها كانت موصلة بأجهزة كتير.
حضنته بصعوبة، وباست خده، وهمست في ودنه بكلمات محدش سمعها.
ولما الممرضة خرجت بالطفل، قالت
الدكتورة أميليا عايزة مدير المستشفى والمحامي بتاعها… وبس.
كاميرون رفع رأسه بسرعة.
وأنا؟
الممرضة هزت رأسها بالنفي.
قالت بالنص… الدكتور بينيت يدخل بعد ما تخلص.
…
بعد حوالي نص ساعة، دخل مدير المستشفى ومعاه المحامي الشخصي لأميليا.
قفلت الممرضة الباب.
فضل الاجتماع أكتر من أربعين دقيقة.
خلال الوقت ده، كاميرون كان ماشي رايح جاي في الممر، بينما صوفي كانت قاعدة على كرسي، منهارة وبتعيط.
وفجأة…
باب الغرفة اتفتح.
خرج المحامي وهو شايل ظرف بني كبير، مقفول بالشمع الأحمر.
مدير المستشفى سأله
هي متأكدة من قرارها؟
رد المحامي
قالت إنها كانت مستنية اللحظة دي من شهور.
الكلمات دي خلت كاميرون يرفع رأسه فجأة.
لحظة إيه؟
لكن محدش رد عليه.
المحامي حط الظرف في خزنة المستشفى المؤقتة، ووقّع على استلامه.
كاميرون لمح على الظرف مكتوب بخط أميليا
يُفتح فقط إذا تعرضتُ لإهمال طبي أو محاولة لإخفاء الحقيقة.
اتجمد مكانه.
معقول… كانت متوقعة إن حاجة زي دي تحصل؟
وقبل ما يستوعب، خرجت رئيسة التمريض من غرفة أميليا وهي ماسكة فلاشة صغيرة.
وقالت لمدير المستشفى
دي كانت مع الدكتورة أميليا من قبل الولادة. أصرت نسلمها لحضرتك لو حصل أي طارئ.
مدير المستشفى أخذ الفلاشة، ونظر إليها في صمت.
ثم قال
شغلوها… في قاعة الاجتماعات.
تحرك الجميع إلى القاعة، وكل واحد فيهم حاسس إن الحقيقة الكاملة لسه ما ظهرتش… وأن ما
بداخل تلك الفلاشة قد يغيّر كل شيء قاعة الاجتماعات امتلأت خلال دقائق.
مدير المستشفى، رئيس الشؤون القانونية، رئيسة التمريض، ومسؤول تقنية المعلومات جلسوا في صمت.
كاميرون كان واقفًا في آخر القاعة، ووشه شاحب.
أما صوفي… فكانت قاعدة ورأسها في الأرض.
مدير المستشفى حط الفلاشة في الكمبيوتر.
ظهرت شاشة سودة…
ثم ظهر وجه أميليا.
واضح إنها صورت الفيديو قبل موعد ولادتها بأيام.
كانت لابسة البالطو الأبيض، لكن ملامحها كانت متعبة.
بدأت تتكلم بهدوء
لو بتشوفوا الفيديو ده… يبقى للأسف حصل اللي كنت خايفة منه.
الجميع حبس أنفاسه.
أكملت
أنا ما سجلتش الرسالة دي عشان أتهم حد… سجلتها عشان الحقيقة ما تضيعش.
ثم سكتت ثواني.
وقالت
من شهرين لاحظت أخطاء غريبة في ملفات المرضى، وتقارير بتتعدل بعد اعتمادها، وجرعات أدوية بتتغير من غير أوامر مكتوبة.
ظهرت على الشاشة صور لتقارير طبية.
ثم قالت
كل مرة كنت أوصل لطرف الخيط… الأدلة كانت بتختفي.
مدير المستشفى شد جسده للأمام.
أما كاميرون فكان مركز بكل حواسه.
وفجأة قالت أميليا
وأصعب حاجة بالنسبة لي… إن الشخص الوحيد اللي كنت بثق فيه ثقة عمياء… رفض يصدقني.
نظرت للكاميرا لحظة طويلة.
كاميرون… لو أنت بتشوف الفيديو ده… فأنا مش بلومك لأنك اختلفت معايا كطبيب.
أخذت نفسًا عميقًا.
أنا بلومك… لأنك بطلت تسمعني كزوج.
انخفض رأس كاميرون.
ودموعه نزلت لأول مرة قدام الجميع.
لكن الفيديو ما خلصش.
أميليا مدت إيدها خارج إطار الكاميرا، وجابت ملفًا أحمر.
وقالت
كل الأدلة الأصلية… مش موجودة في المستشفى.
ساد الصمت.
أنا سلمتها لشخص واحد فقط… شخص أثق إنه هيحافظ عليها لو حصلي أي حاجة.
رفع مدير المستشفى رأسه بسرعة.
مين؟
لكن قبل ما أميليا تنطق الاسم…
انقطع الفيديو فجأة.
ظهرت رسالة على الشاشة
الجزء الثاني محمي بكلمة مرور.
نظر الجميع إلى بعضهم في ذهول.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف مدير المستشفى.
رد بسرعة.
وبعد ثوانٍ فقط…
تغير لون وجهه.
أغلق الهاتف
ببطء، ثم نظر إلى كاميرون وقال
في شخص وصل الاستقبال… وبيقول معاه الملف الأصلي… وإنه مش هيسلمه إلا للدكتورة أميليا بنفسها مدير المستشفى خرج بسرعة، وخلفه كاميرون ورئيس الشؤون القانونية.
في الاستقبال…
كان فيه راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي بسيطة، وماسك حقيبة جلد قديمة بإيده.
وقف أول ما شافهم وقال بهدوء
أنا اسمي ديفيد هاريس… المحامي الشخصي للدكتورة أميليا من أربع سنين.
مد الحقيبة لمدير المستشفى، لكنه رجع سحبها قبل ما يلمسها.
آسف… أنا وعدتها إن الحقيبة دي متتفتحش إلا وهي موجودة.
كاميرون قرب منه باستغراب.
أربع سنين؟
المحامي بصله نظرة طويلة وقال
أيوه… من يوم ما بدأت تشك إن فيه تلاعب داخل المستشفى.
كاميرون هز رأسه بعدم تصديق.
ليه ما قالتليش؟
رد المحامي بهدوء
قالت إنها حاولت… أكتر من مرة.
الكلمة دي أصابت كاميرون في مقتل.
افتكر عشرات المرات اللي كانت تبدأ تتكلم عن مخالفات في المستشفى، وكان يرد عليها
إنتِ مكبرة الموضوع.
أو
سيبي الإدارة تتصرف.
أو
إنتِ بقيتي شكاكة بزيادة.
كل مرة كانت بتسكت…
وهو كان فاكر إنه أنهى النقاش.
لكن الحقيقة…
إنه كان بيكسر ثقتها فيه، مرة بعد مرة.
في اللحظة دي، خرجت الممرضة من العناية المركزة.
ابتسمت لأول مرة من بداية اليوم.
وقالت
الدكتورة أميليا بقت مستقرة… وطلبت تشوف المحامي.
تنفس الجميع الصعداء.
لكن قبل ما يتحركوا…
وصل أحد أفراد الأمن وهو بيجري.
قال وهو بيلهث
يا فندم… في حد حاول يدخل أرشيف المستشفى من خمس دقايق.
مدير المستشفى عقد حاجبيه.
مين؟
فرد الأمن بلع ريقه وقال
الشخص هرب… لكن الكاميرات جابت صورته.
فتح الجهاز اللوحي وعرض الصورة.
أول ما ظهرت…
شهقت إحدى الممرضات.
أما صوفي…
فوضعت يدها على فمها وبدأت تبكي بعنف.
لأن الشخص اللي ظهر في الصورة…
لم يكن موظفًا غريبًا…
ولم يكن كاميرون…
بل كان شخصًا يعرفه الجميع جيدًا، وكان وجوده في المستشفى في ذلك اليوم مستحيلًا… مما فتح بابًا لسر أكبر لم يكن أحد يتوقعه تبادل الجميع النظرات في صمت.
مدير المستشفى قرّب الصورة أكثر، ثم قال
كبّروا الوجه.
مسؤول تقنية المعلومات نفّذ الطلب.
كلما اتضحت الصورة، ازدادت الدهشة على الوجوه.
لكن قبل أن ينطق أحد بالاسم، قال فرد الأمن
للأسف الكاميرا كانت بعيدة، والوجه مش واضح بالكامل… لكن اللي لفت انتباهنا حاجة تانية.
وأشار إلى يد الرجل.
شايفين الخاتم ده؟
ظهر خاتم فضي كبير عليه شعار قديم للمستشفى.
رئيسة التمريض شهقت.
الخاتم ده… بيتسلّم بس لرؤساء الأقسام السابقين.
مدير المستشفى عقد حاجبيه.
يعني اللي دخل الأرشيف… إما رئيس قسم سابق… أو حد بيمتلك خاتمه.
في تلك اللحظة، دخلت ممرضة مسرعة.
الدكتورة أميليا طلبت تشوف الصورة.
أخذوا الجهاز ودخلوا غرفة العناية.
أميليا كانت ما زالت مرهقة، لكنها أول ما شافت الصورة، ركزت فيها لثوانٍ طويلة.
ثم همست
مش هو…
تنفس كاميرون الصعداء للحظة.
لكنها أكملت
ده… شخص متعمد يقلده.
ساد الصمت.
وأضافت بصوت أضعف
بصوا على إيده الشمال…
كبروا الصورة مرة أخرى.
وفجأة لاحظ مسؤول التقنية شيئًا غريبًا.
الخاتم في الإيد الشمال… لكن الشخص اللي بيقلدوه كان بيلبسه في الإيد اليمين.
نظر الجميع إلى بعضهم.
ابتسمت أميليا ابتسامة خفيفة رغم تعبها.
وده معناه… إن اللي عمل كده… يعرف تفاصيلنا كويس… لكنه ارتكب غلطة صغيرة.
وقبل أن تكمل…
رن جهاز المراقبة بجانبها.
دخل الأطباء بسرعة، وطلبوا من الجميع الخروج.
وأثناء خروج كاميرون، أوقفه المحامي وقال بهدوء
الدكتورة أميليا كتبت رسالة بخط إيدها… وقالت إنها تتسلم لك لو نجت من العملية.
أخرج ظرفًا أبيض من الحقيبة.
ناولَه لكاميرون.
ارتجفت يده وهو ينظر إلى اسمه المكتوب على الظرف…
لكنه لم يجرؤ على فتحه بعد كاميرون اندفع إلى داخل الغرفة كالمجنون.
أميليا!
لم يجبه أحد.
الممرضة التي كانت مكلفة بالعناية بها كانت ملقاة على الأرض فاقدة الوعي، لكن نبضها كان موجودًا.
الجراح انحنى عليها بسرعة.
هاتوا نقالة! دي لسه عايشة.
في نفس اللحظة، ضغط مدير المستشفى على زر الإنذار.
دوّى صوت صفارات الطوارئ في كل المبنى.
إغلاق جميع المخارج… ممنوع أي حد يخرج من المستشفى!
بدأ أفراد الأمن ينتشرون في كل الطوابق.
كاميرون كان ينظر إلى السرير الفارغ، ثم لاحظ شيئًا صغيرًا فوق الوسادة.
ورقة مطوية.
فتحها بسرعة.
كانت بخط أميليا.
قرأ بصوت مرتجف
أنا ما اتخطفتش… متدورش عليّ.
ساد الصمت.
لكن رئيس الشؤون القانونية أخذ الورقة، وقطّب حاجبيه.
دي مش مكتوبة دلوقتي.
نظر إليه كاميرون باستغراب.
يعني إيه؟
أشار إلى الحبر وقال
الحبر ناشف من ساعات… يمكن من قبل العملية أصلًا.
في تلك اللحظة، دخل مسؤول تقنية المعلومات وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
لقينا تسجيل كاميرا الممر.
شغّل الفيديو.
ظهر باب غرفة العناية.
بعد ثوانٍ…
خرجت أميليا بنفسها.
كانت تمشي بصعوبة، وتسند على حامل المحاليل.
لكن الغريب…
أنها لم تكن وحدها.
كان بجانبها شخص يرتدي ملابس الأطباء، ووجهه مخفي بالكمامة والغطاء الطبي.
لم يجبرها على المشي.
ولم يسحبها بالقوة.
بل كانت تتحرك معه بإرادتها.
توقف الفيديو عند لحظة دخولهما إلى مصعد الخدمة.
كاميرون همس
هي… خرجت معاه؟
رد مدير المستشفى وهو يثبت نظره على الشاشة
يبقى هي كانت تعرفه.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف مدير المستشفى.
رد سريعًا.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال
إيه؟… اتأكدتوا؟
أغلق الهاتف ببطء.
ونظر إلى كاميرون.
السيارة اللي خرجت من جراج المستشفى قبل عشر دقائق… مسجلة باسم شخص… مات رسميًا من ثلاث سنوات.
وتجمد الجميع في أماكنهم كاميرون فضل يبص للظرف ثواني طويلة.
إيده كانت بترتعش.
كل اللي حواليه كانوا مستنيين يفتحه… لكنه كان خايف من اللي جواه أكتر من خوفه من أي تحقيق.
أخيرًا…
قطع طرف الظرف ببطء.
طلع منه خطاب بخط أميليا.
بدأ يقرأ بصوت منخفض
كاميرون… لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى أنا لسه عايشة، وربنا اداني فرصة تانية. وأنا مش بكتبها عشان أسامحك… ولا عشان ألومك. أنا بكتبها لأن فيه حاجة أخطر بكتير من اللي حصل في أوضة الولادة.
رفع عينه من الورقة، ثم أكمل.
لو فاكر إن اللي حصل كان مجرد قرار طبي غلط… فأنت لسه ماعرفتش الحقيقة.
شهق مدير المستشفى.
أما صوفي، فبدأت تبكي بصمت.
واصل كاميرون
القراءة
أنا كنت عارفة إن حد بيتلاعب في المستشفى. لكن قبل أسبوع من الولادة، اكتشفت إن الموضوع مش مجرد تزوير تقارير… فيه شبكة كاملة شغالة من سنين.
ساد الصمت في الممر.
ثم قرأ السطر التالي…
فتوقف فجأة.
اتسعت عيناه.
مدير المستشفى اقترب منه.
إيه اللي مكتوب؟
كاميرون لم يرد.
كانت الكلمات كأنها شلت لسانه.
أخذ مدير المستشفى الخطاب من يده وقرأ بنفسه.
ثم تغير لون وجهه هو الآخر.
رفع رأسه ببطء وقال
لو الكلام ده صحيح…
وسكت.
يبقى كل التحقيق اللي إحنا بنعمله دلوقتي… بيدور حوالين الشخص الغلط.
في نفس اللحظة…
ظهر أحد رجال الأمن وهو يجري بأقصى سرعته.
يا فندم… في حد دخل العناية المركزة!
التفت الجميع ناحية الباب.
ركضوا بكل قوتهم.
لكن أول ما وصلوا…
لقوا الغرفة فاضية.
سرير أميليا كان موجود…
الأجهزة شغالة…
لكن أميليا نفسها…
اختفت تجمد كاميرون مكانه، والهاتف ما زال في يده.
نظر إليه ضابط الشرطة وقال
مين كان بيتكلم؟
تردد للحظة.
ثم تذكر آخر كلمات أميليا
أوعى تعمل اللي هيقولوه…
رفع رأسه وقال
كان رقم غلط.
الضابط ظل ينظر إليه لثوانٍ، لكنه لم يعلّق.
بعد أقل من دقيقة…
وصلت رسالة نصية إلى الهاتف نفسه.
فتحها بسرعة بعيدًا عن الجميع.
كانت مكتوب فيها
لو عايزها تعيش، تعالى وحدك. ممنوع الشرطة. أمامك 45 دقيقة.
وتحت الرسالة…
إحداثيات لمكان خارج المدينة.
كاميرون قبض على الهاتف بقوة.
كان يعلم أن الذهاب وحده قد يكون فخًا…
لكن تجاهل الرسالة قد يعرّض أميليا للخطر.
وفي الوقت نفسه، داخل غرفة العناية…
كان الطفل الرضيع نائمًا في الحضانة.
اقتربت منه إحدى الممرضات لتطمئن عليه.
لكنها توقفت فجأة.
في السوار المثبت حول معصم الطفل…
كانت هناك ورقة صغيرة مطوية، لم تكن موجودة قبل دقائق.
فتحتها بسرعة.
وبداخلها جملة واحدة فقط
الحقيقة مش موجودة في المستشفى… دوروا تحت اسم مشروع إيريس.
الممرضة اتسعت عيناها.
أخذت الورقة وركضت بها إلى مدير المستشفى.
قرأها أكثر من مرة، ثم قال بصوت منخفض
أنا سمعت الاسم
ده قبل كده…
رفع رئيس الشؤون القانونية رأسه فجأة.
وقال بقلق
مشروع إيريس… ده اتقفل رسميًا من خمس سنين.
مدير المستشفى نظر إليه بحدة.
إنت تعرف عنه إيه؟
قبل أن يجيب…
انطفأت الأنوار في المستشفى كلها دفعة واحدة.
ثم اشتغلت المولدات الاحتياطية بعد ثوانٍ.
لكن عندما عادت الكهرباء…
كانت شاشة الكمبيوتر في غرفة المراقبة تعرض رسالة واحدة باللون الأحمر
توقفوا عن البحث… وإلا ستكون الضحية القادمة هي الطفل كاميرون خطف مفاتيح عربيته من جيبه وهو بيقول
مستحيل… واحد ميت يسجل عربية باسمه.
مدير المستشفى هز رأسه وقال
وده اللي مخليني متأكد إن حد بيلعب بينا من البداية.
في نفس اللحظة، دخل ضابط الشرطة المسؤول عن التحقيق بعد ما وصله البلاغ.
أخذ نسخة من تسجيل الكاميرات، ثم قال
قبل ما أي حد يتحرك… في حاجة لازم تشوفوها.
أخرج تقريرًا مطبوعًا.
راجعنا بيانات السيارة.
قلب الصفحة.
العربية فعلًا كانت باسم الطبيب المتوفى… لكن من شهرين اتعمل لها نقل ملكية.
كاميرون سأل بسرعة
لمين؟
الضابط رفع عينه من الورقة.
شركة وهمية.
مدير المستشفى قال بضيق
يعني حد مخطط لكل ده.
الضابط أكمل
لكن اللي ساعدنا إن بوابة الجراج صورت السائق وهو بيخلع الكمامة بعد ما خرج.
شغّل الصورة على الجهاز اللوحي.
كل الموجودين قربوا.
الصورة كانت أوضح من أي تسجيل سابق.
وفجأة…
شهقت رئيسة التمريض.
أنا أعرفه…
كاميرون بص لها بسرعة.
مين؟
قالت وهي تكاد لا تصدق
ده كان موظف صيانة في المستشفى… اختفى من سنة بعد ما اتفصل بسبب دخوله أماكن ممنوعة.
الضابط دوّن الاسم في دفتره.
واضح إنه مجرد منفذ.
ثم نظر إلى الجميع وقال
اللي يهمني دلوقتي… مين طلب منه يخرج الدكتورة أميليا؟
وفي تلك اللحظة، رن هاتف كاميرون.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
تردد لثوانٍ… ثم رد.
جاءه صوت هادئ جدًا من الطرف الآخر
لو عايز تشوف أميليا وابنك أحياء… متبلغش أي حد بالمكالمة.
اتسعت عينا كاميرون.
ثم جاءه صوت أميليا نفسها، ضعيف لكنه واضح
كاميرون… أوعى تعمل اللي هيقولوه.. .
وانقطع الخط فجأة تجمد الجميع أمام الشاشة.
حتى ضابط الشرطة، الذي كان يحاول الحفاظ على هدوئه، شعر بأن الأمر تجاوز مجرد خطأ طبي أو مؤامرة داخل المستشفى.
مدير المستشفى صاح
اقفلوا قسم الحضانات فورًا! ممنوع حد يدخل أو يخرج إلا بعد التحقق من هويته.
انطلقت الممرضات نحو حضانة الأطفال، بينما اصطحب ضابطان الطفل إلى غرفة أكثر تأمينًا.
أما كاميرون…
فكان ينظر إلى الرسالة الحمراء، ثم إلى هاتفه، ثم إلى باب المستشفى.
كان ممزقًا بين إنقاذ زوجته وحماية ابنه.
في تلك اللحظة، عاد التيار إلى أجهزة المراقبة بالكامل.
مسؤول تقنية المعلومات صاح
استنوا… الرسالة دي اتبعت من داخل شبكة المستشفى، مش من بره!
التفت الجميع إليه.
إزاي؟
قال وهو ينظر إلى الشاشة
اللي عمل كده لسه موجود جوه المبنى.
ساد صمت ثقيل.
ثم بدأت أجهزة الإنذار تصدر صوتًا مختلفًا.
باب الطابق السفلي… اتفتح.
نظر ضابط الشرطة إلى أفراد الأمن.
انزلوا حالًا!
ركض الجميع نحو السلالم المؤدية إلى الطابق السفلي، حيث الأرشيف القديم وغرف المعدات المهجورة.
كل خطوة كانت تزيد التوتر.
وفجأة…
سمعوا صوت باب حديدي يُغلق بعنف.
ركضوا نحوه.
لكن عندما فتحوه…
لم يجدوا أحدًا.
فقط غرفة قديمة مليئة بالملفات المغبرة.
وفي منتصف الغرفة…
كان هناك صندوق معدني صغير.
عليه ورقة مكتوب بخط اليد
إذا وصلتم إلى هنا… فأنتم متأخرون خمس سنوات.
وبداخل الصندوق…
وجدوا مفتاحًا قديمًا، وفلاشة أخرى، وصورة جماعية قديمة لأطباء المستشفى.
لكن أكثر ما لفت انتباه كاميرون…
أن أميليا كانت قد وضعت دائرة حمراء حول وجه شخص واحد في الصورة…
شخص لم ينتبه إليه أحد من قبل فتحوا الصورة القديمة مرة تانية.
مدير المستشفى حطها على الطاولة، وكل الموجودين بصوا للوجه اللي أميليا كانت معلمة عليه بالدائرة الحمرا.
ابتسمت رئيسة التمريض فجأة وقالت
استنوا… ده مش دكتور.
الكل بص لها باستغراب.
قالت
ده كان موظف أرشيف… اسمه مايكل. اختفى من خمس سنين بعد ما المستشفى أعلنت إنه سرق ملفات مرضى.
ضابط الشرطة طلب ملفه فورًا.
بعد دقائق، رجع أحد الموظفين وهو شايل ملف قديم مليان تراب.
فتحوه…
لكن الملف كان فاضي.
ورقة واحدة فقط كانت جواه.
مكتوب فيها
أنا بريء.
وفي نفس اللحظة، دخلت أميليا على كرسي متحرك بعد ما سمح لها الأطباء بالخروج من العناية لدقائق.
الجميع وقف.
بصت للصورة وقالت بهدوء
مايكل ماكانش السارق… كان بيحاول يمنعهم.
مدير المستشفى سألها
مين هم؟
ردت
مجموعة صغيرة كانت بتزور تقارير المرضى، وتستغل المستشفى في تجارب غير قانونية، وكل واحد كان بيسكت مقابل ترقية أو فلوس.
ثم التفتت إلى كاميرون.
كانت دموعه نازلة من غير ما يحاول يخبيها.
قال بصوت مكسور
أنا خذلتك… كزوج… وكطبيب.
أميليا بصت له طويلًا، ثم قالت
أصعب حاجة مش إنك غلطت… أصعب حاجة إنك رفضت تسمعني لما كنت محتاجة ثقتك.
خفض رأسه، وركع أمامها.
أنا مستعد أتحمل أي عقوبة… بس سامحيني.
سكتت أميليا لحظات.
ثم قالت
المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي الأول.
بعد أسابيع من التحقيق، انكشفت الشبكة كاملة.
تم القبض على كل المتورطين، واعترف موظف الصيانة أنه كان ينفذ أوامر مقابل المال، بينما اعترفت صوفي أنها لفقت بعض المواقف لتكسب ثقة كاميرون وتخفي التلاعب داخل المستشفى، لكنها أنكرت أنها كانت تريد إيذاء أميليا عمدًا.
أما كاميرون…
فقد سُحبت منه رخصة مزاولة المهنة مؤقتًا، وبدأ يواجه محاكمة تأديبية بسبب قراراته الطبية وإهماله في التعامل مع حالة زوجته.
وأميليا، بعد شهور من العلاج، تعافت هي وطفلها.
قدمت استقالتها من رئاسة قسم الطوارئ، وأسست مركزًا لتدريب الأطباء على سلامة المرضى وحق المريض في أن يُسمع صوته.
أما علاقتها بكاميرون…
فلم تعد كما كانت.
انتهى زواجهما بالطلاق بهدوء، لكنهما اتفقا على تربية ابنهما معًا باحترام.
وفي أول عيد ميلاد للطفل، وقف كاميرون بعيدًا يراقب ابنه وهو يضحك بين ذراعي أمه.
اقترب منها وقال
يمكن خسرتك كزوجة… لكن هفضل طول عمري ندمان إني خسرت ثقتك.
ابتسمت أميليا ابتسامة هادئة، وحملت طفلها، ثم قالت
الثقة
زي القلب… ممكن يفضل ينبض بعد ما ينكسر… لكنه عمره ما يرجع زي الأول.
ثم استدارت ورحلت مع ابنها، تاركة خلفها ماضيًا مليئًا بالألم… ومستقبلًا اختارت أن تبنيه على الحقيقة، لا على الصمت.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق