قبل راس السنه حكايات صافي هاني
قبل راس السنه حكايات صافي هاني
قبل راس السنه حكايات صافي هاني
قبل رأس السنة بثلاث أيام جوزي كريم قالي إن كل الطيارات
من شيكاغو لبوسطن كاملة ومفيش ولا كرسي فاضي
قال وهو حتى مش رافع عينه من على الموبايل
“أنا دورت في كل حتة يا نور يا إما نركب القطر يا إما هنفوت رأس السنة مع أهلي”
كنت في الشهر السابع من الحمل
رجلي كانت وارمة وظهري واجعني طول الوقت والدكتور كان محذرني بوضوح إني ما أجهدش نفسي من غير داعي
ومع كده كريم حجز التذاكر
ولما وصلنا المحطة اكتشفت الحاجة اللي هو كان متعمد يخبيها عني
هو وأخته داليا كان معاهم تذاكر درجة أولى في عربيات النوم
حكايات_صافي_هاني
أما أنا فتذكرتي كانت درجة عادية
والأسوأ من كده إن القطر كان محجوز زيادة عن سعته
يعني مفيش حتى كرسي أقعد عليه
بصيت لكريم وأنا مش مصدقة
وقلت له
“إنت كنت عارف؟”
داليا قعدت على الكرسي الجلد الواسع بتاعها وضحكت
“يا نور متعمليش فيها مسكينة كده حد هينزل في الآخر”
كريم هز كتفه وقال بمنتهى البرود
“إنتي حامل مش عاجزة”
فضلت أول ست ساعات واقفة بين الشنط ورفوف العفش وماسكة في ماسورة حديد كل ما القطر يهتز
كريم طلب لنفسه مشروب
وداليا طلبت أكل
وبعد شوية بصتلي من ورا الفاصل ونادت عليا بصوت عالي
“لسه واقفة؟”
كريم ضحك وقال
“يمكن الوقفة دي تبقى رياضة مفيدة ليها”
وضربوا هما الاتنين في الضحك
في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا سكتت
مش اتكسرت
لأ
سكتت
كريم كان طول السنة اللي فاتت عايش وهو مقتنع إني معتمدة عليه في كل حاجة
وكان بيحب يقول للناس إني “بطلت شغل” بعد الجواز
ومن الناحية دي كلامه كان صح
لكن اللي محدش كان يعرفه إن أنا كنت بعت شركتي اللي كانت متخصصة في الأمن السيبراني قبلها بسنة ونص
وكريم نفسه ماكانش يعرف إني لسه مسيطرة على صندوق عيلة كبير قيمته أكبر من كل ممتلكات أهله مجتمعين
أما البيت اللي في بوسطن واللي كان كريم بيفتخر قدام الناس ويقول عليه “بيتنا”
فالصندوق بتاعي هو اللي اشتراه
واسم كريم عمره ما كان مكتوب في عقد الملكية
الساعة كانت قربت على 11:40 بالليل لما القطر وقف في محطة كليفلاند
كريم كان نايم
وداليا كانت بتتفرج على فيلم
مسكت شنطتي
ونزلت من القطر بهدوء
أول ما رجلي لمست رصيف المحطة طلعت موبايلي واتصلت بالشخص الوحيد اللي كريم قضى أربع سنين بيحاول يثبت له إنه يستاهل احترامه
بابا
أول ما رد قلت
“بابا؟”
رد عليا في نفس اللحظة
“نور؟ في إيه؟”
بصيت ورايا على القطر
ومن الشباك شفت كريم نايم بمنتهى الهدوء في الدرجة الأولى
وقلت
“ممكن تبعتلي الطيارة؟”
سكت بابا ثواني
وبعدين صوته اتغير وبقى بارد ومتماسك
“جوزك فين؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
“لسه في القطر”
بابا سكت لحظة
وبعدين قال
“خليه يكمل طريقه”
“إنتي تعاليلي بس”
وقتها بصيت على القطر وهو بيستعد يتحرك
وعرفت إن الرحلة اللي كريم كان فاكر إنه هيذلني بيها
كانت آخر رحلة هيرجع منها بنفس الشخص اللي سافر
ولما القطر اتحرك من المحطة
لقيت نفسي لأول مرة من شهور بتنفس براحة
وبعد أقل من ساعة كانت عربية بابا وصلتلي
فتحلي الباب بنفسه
وأول ما شاف حالتي ووشي الشاحب ورجلي المتورمة
بصلي من غير ما يسأل كتير
وقال
“مين اللي عمل فيكي كده؟”
دموعي نزلت غصب عني
وقلت
“جوزي”
بابا ما اتكلمش
بس طلع موبايله واتصل بمحاميه
وقال جملة واحدة
“ابدأ الإجراءات كلها من دلوقتي”
وفي الوقت اللي أنا كنت راكبة الطيارة الخاصة مع بابا
كان كريم لسه فاكر إن كل حاجة ماشية زي ما هو مخطط
كان قاعد في الدرجة الأولى مرتاح
وبيضحك مع داليا
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
وماكانش عنده أي فكرة إن أول ما يوصل بوسطن
مش هيلاقي بيته مستنيه
ولا مراته
ولا حتى حياته القديمة
لأن كل حاجة كان فاكر إنها مضمونة
وصلت بوسطن قبل الفجر بشوية وأنا قاعدة جنب بابا في الطيارة الخاصة ومش قادرة أصدق إن كل اللي حصل ده كان حقيقي.
بابا كان ساكت طول الطريق.
لا سألني تفاصيل
ولا ضغط عليا أحكي
كان كل شوية يبصلي ويطمن على رجلي وعلى بطني وبعدين يرجع يبص من الشباك.
لكن أول ما الطيارة هبطت ونزلنا المطار لقيت محامي العيلة مستنينا.
قرب من بابا وقال له:
“كل الإجراءات بدأت يا حاج محمود.”
بابا هز راسه وقال:
“تمام.”
وبعدين بصلي وقال:
“نور مش هترجع بيتها النهارده.”
المحامي رد:
“هي مش محتاجة ترجعله أصلاً.”
دخلنا العربية واتجهنا لبيت بابا التاني في بوسطن.
بيت واسع جدًا وهادي وفيه كل حاجة ممكن أحتاجها.
أول ما دخلت قعدت على الكنبة وفضلت باصة قدامي.
كنت حاسة إني عايزة أعيط
لكن الغريب إني ما كنتش حزينة على كريم.
كنت زعلانة على نفسي.
على السنين اللي صدقت فيها إنه سندي.
على كل مرة كنت محتاجة حاجة وكنت بخاف أطلبها علشان ما يقولش إني عبء عليه.
على كل مرة كنت بتعب فيها وهو يقول لي:
“إنتي مكبرة الموضوع.”
وعلى كل مرة كان بيضحك لما أقول له إن الحمل متعب.
بابا قعد قدامي وقال:
“نور.”
رفعت عيني له.
قال:
“أنا مش هسألك ليه استحملتي.”
دموعي نزلت.
كمل:
“ولا هقولك ليه ما قلتيليش.”
وسكت شوية قبل ما يقول:
“بس من النهارده مفيش حاجة اسمها تستحملي.”
حطيت إيدي على بطني وقلت بصوت مكسور:
“أنا كنت فاكرة إنه بيحبني.”
بابا بصلي وقال:
“يمكن كان بيحب وجودك في حياته.”
“لكن اللي بيحبك بجد ما يسيبش مراته الحامل واقفة ست ساعات علشان هو وأخته يقعدوا مرتاحين.”
في نفس اللحظة موبايلي رن.
كان كريم.
بصيت للشاشة وسكت.
بابا قال:
“ردي.”
فتحت المكالمة.
أول حاجة سمعتها كانت صوته وهو متعصب:
“إنتي فين؟!”
ما رديتش.
قال:
“نور أنا بسألك إنتي فين؟!”
قلت بهدوء:
“وصلت.”
سكت.
وبعدين قال:
“وصلتي فين؟”
قلت:
“بوسطن.”
صوته اتغير:
“إنتي نزلتي من القطر؟!”
قلت:
“أيوه.”
صرخ:
“إنتي مجنونة؟! سيبتي القطر ليه؟!”
رديت:
“علشان تعبت.”
قال بسخرية:
“يعني أنا وأختي نكمل لوحدنا؟”
قلت:
“أيوه.”
ضحك ضحكة عصبية:
“هتروحي فين يعني؟”
بصيت لبابا.
وبعدين قلت:
“بيتي.”
سكت كريم.
وبصوت واطي قال:
“بيتك؟”
قلت:
“أيوه يا كريم.”
وقبل ما يقفل قلت له:
“بس مش البيت اللي إنت فاكره.”
وقفل في وشي.
بعد أقل من عشر دقايق المحامي وصلني رسالة.
“تم تجميد كل الحسابات المشتركة وإيقاف أي صلاحيات مالية تخص كريم في الممتلكات المسجلة باسمك.”
بصيت للرسالة.
ولأول مرة من سنين حسيت إن ظهري اتفرد.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن كريم لما يوصل بوسطن كان مستعد يعمل أي حاجة علشان يرجعني.
مش علشاني.
علشان اكتشف إن نور اللي كان فاكرها ضعيفة
ما كانتش ضعيفة أصلًا.
—
المشهد الثاني
وصل كريم بوسطن بعد ساعات.
وكان متوقع إني أكون مستنياه في البيت.
دخل هو وداليا من باب المحطة وهما بيتكلموا ويضحكوا.
داليا قالت:
“أكيد نور عملت حركة درامية وهترجع بعد شوية.”
كريم رد:
“هترجع غصب عنها.”
ركبوا العربية واتجهوا للبيت.
لكن أول ما وصلوا
كريم نزل من العربية ومسك مفتاحه.
حطه في الباب.
المفتاح ما اشتغلش.
جرب تاني.
ولا حاجة.
داليا قالت:
“يمكن القفل اتغير.”
كريم بص لها:
“مستحيل.”
طلع موبايله واتصل بإدارة العقار.
بعد ثواني وشه اتجمد.
قال:
“إيه؟”
صوت الموظف كان واضح من السماعة:
“حضرتك مش مسجل كمالك للعقار.”
كريم قال:
“أنا زوج المالكة.”
الموظف رد:
“ده مش بيديك حق الدخول.”
كريم فضل ساكت.
داليا قربت منه:
“مالك مين؟”
كريم ما ردش.
في اللحظة دي عربية سوداء وقفت قدام البيت.
ونزل منها المحامي.
بص لكريم وقال:
“مساء الخير.”
كريم اتعصب:
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
قال:
“أنا محامي السيدة نور.”
كريم ضحك:
“مراتي.”
المحامي رد:
“بالضبط.”
ومد له ظرف.
“ده إخطار رسمي.”
كريم فتحه.
قرأ أول سطر.
وبعدين وشه بدأ يتغير.
قال:
“طلاق؟!”
المحامي قال:
“إجراءات قانونية بدأت بالفعل.”
داليا شهقت:
“نور طلبت الطلاق؟!”
المحامي بص لها:
“الأمر لا يخص حضرتك.”
كريم مسك الورق بعصبية:
“أنا مش هطلقها.”
المحامي قال بهدوء:
“ده قرارها.”
كريم قرب منه وقال:
“قول لها إني هكسر كل حاجة لو كملت في اللي بتعمله.”
المحامي ما اتأثرش.
قال:
“أنصحك ما تقولش الكلام ده تاني.”
وبعدين أضاف:
“خصوصًا إننا سجلنا كل المكالمات والرسائل.”
كريم سكت.
داليا بدأت تستوعب المصيبة.
قالت:
“كريم إحنا لازم نرجع.”
بصلها بعصبية:
“نرجع فين؟!”
قالت:
“الفندق.”
رد:
“مفيش فلوس.”
داليا بصت له:
“إزاي؟”
قال:
“الحسابات اتقفلت.”
وفي نفس اللحظة موبايله رن.
كانت والدته.
رد بسرعة:
“أيوه يا أمي.”
سمع صوتها بيصرخ:
“إنت عملت إيه؟!”
كريم اتوتر:
“ليه؟”
قالت:
“البنك اتصل وقال إن التحويلات اللي كنت عاملها اتوقفت.”
كريم سكت.
أمه كملت:
“والمحامي بتاع نور اتصل وقال إن أي فلوس خرجت من حساباتها لصالحك أو لصالح العيلة هتتراجع.”
كريم بص لداليا.
داليا وشها اصفر.
قالت:
“هو إنت كنت بتاخد فلوس من نور؟”
كريم انفجر:
“اسكتي!”
لكن داليا لأول مرة ما سكتتش.
قالت:
“إنت كنت بتقول إنها معتمدة عليك.”
كريم رد:
“هي كانت معتمدة عليا.”
ضحكت بمرارة:
“واضح.”
وبعدين قالت:
“إحنا اللي كنا معتمدين عليها.”
—
المشهد الثالث
تاني يوم صحيت على صوت بابا بيتكلم في التليفون.
خرجت من الأوضة لقيته واقف مع المحامي.
أول ما شافني قال:
“صباح الخير يا بنتي.”
قلت:
“كريم عمل إيه؟”
المحامي قال:
“حاول يتواصل معاك أكتر من عشرين مرة.”
قلت:
“مش هرد.”
قال:
“هو كمان طلب مقابلة.”
ضحكت بهدوء:
“علشان يعتذر؟”
المحامي بصلي وسكت.
فهمت.
قلت:
“علشان البيت.”
هز راسه.
قلت:
“ولا علشان الفلوس؟”
قال:
“غالبًا الاتنين.”
قعدت وأنا حاطة إيدي على بطني.
وبعد شوية قلت:
“خليه ييجي.”
بابا بصلي:
“متأكدة؟”
قلت:
“أيوه.”
بعد ساعتين كريم دخل البيت.
لكن المرة دي ما دخلش بنفس الثقة اللي كان بيظهر بيها قدام أهله.
كان مرهق.
وشه شاحب.
وأول ما شافني وقف مكانه.
بص لبطنـي.
وبعدين قال:
“نور.”
ما رديتش.
قال:
“أنا غلطت.”
فضلت ساكتة.
قرب خطوة:
“أنا عارف إن اللي حصل في القطر كان وحش.”
ضحكت.
“وحش؟”
قال:
“أيوه.”
قلت:
“ست ساعات وأنا واقفة وإنت بتضحك عليا.”
قال:
“كنت بهزر.”
بصيت له:
“مراتك في الشهر السابع واقفة وسط الشنط وإنت بتقول إن الوقفة رياضة.”
سكت.
قلت:
“وبعدين إنت وأختك قاعدين في الدرجة الأولى.”
قال:
“أنا كنت فاكر إن الموضوع بسيط.”
قلت:
“لأ يا كريم.”
وقفت بصعوبة.
“الموضوع مش القطر.”
بصلي.
قلت:
“الموضوع إنك شفتني تعبانة وما اهتمتش.”
سكت.
قلت:
“الموضوع إنك كنت شايفني أقل منك.”
قال بسرعة:
“أنا عمري ما شفتك كده.”
ضحكت:
“إنت كنت بتقول للناس إني بطلت شغل.”
قال:
“علشان كنتي مرتاحة.”
قلت:
“أنا بعت شركتي.”
وشه اتغير.
“إيه؟”
قلت:
“بعتها.”
“إمتى؟”
“قبل ما نتجوز.”
قال:
“وإنتي معاكي فلوس؟”
بصيت له:
“مش بس فلوس.”
وسكت.
وبعدين قلت:
“إنت عارف إن البيت ده ملكي؟”
كريم بص حوالين المكان.
قلت:
“والبيت اللي في بوسطن ملكي.”
قال:
“بس أنا كنت بدفع مصاريف.”
قلت:
“من فلوسي.”
سكت.
قلت:
“والعربية اللي كنت بتقول إنك اشتريتها؟”
سكت أكتر.
قلت:
“برضه من فلوسي.”
قعد على الكرسي كأنه فقد قدرته على الوقوف.
قال:
“ليه ما قلتيليش؟”
رديت:
“لأني كنت عايزة أعرف إذا كنت هتحبني من غير الفلوس.”
بصلي.
قلت:
“وفشلت.”
دموعه نزلت.
“نور اديني فرصة.”
هزيت راسي.
“أنا اديتك أربع سنين.”
قال:
“والبيبي؟”
إيدي شدت على بطني.
قال:
“فكري في ابننا.”
رديت:
“أنا بفكر فيه.”
وسكت شوية.
“وعشان كده مش هربيه في بيت يشوف فيه أبوه بيهين أمه.”
كريم قام.
بصلي فترة طويلة.
وبعدين قال:
“إنتي هتندمي.”
بابا كان واقف بعيد.
رد بهدوء:
“الندم هيكون نصيب اللي خسرها.”
كريم خرج.
وأنا لأول مرة ما جريت وراه.
مقالات ذات صلة
بعد ست سنين من بنتها حكايات صافي هاني
منذ 4 ساعات
عزومه اخي مني السيد ١
منذ 7 ساعات
زهرة الربيع
منذ 11 ساعة
قبل فرحي بربع ساعه حكايات صافي هاني
منذ 22 ساعة
—
المشهد الرابع
مرت أسابيع.
وكل يوم كان كريم بيحاول يلاقي طريقة يرجع بيها حياتنا القديمة.
مرة يبعت ورد.
مرة يبعت اعتذار.
مرة يطلب من أمه تتوسط.
لكن أنا كنت خلصت.
كنت بروح للدكتور بانتظام.
بابا كان معايا في كل زيارة.
وفي يوم الدكتور قال لي:
“محتاجين ترتاحي أكتر الفترة الجاية.”
هزيت راسي.
وقلت:
“حاضر.”
خرجت من العيادة لقيت بابا مستنيني.
لكن كان ماسك ظرف.
قال:
“ده وصل النهارده.”
فتحته.
لقيت فيه ورقة من كريم.
كان كاتب:
“أنا عرفت متأخر إنتي كنتي بتعملي إيه عشاني.”
قرأت باقي الرسالة.
كان بيقول إنه اكتشف إن خلال السنين اللي فاتت نور كانت بتدفع جزء كبير من مصاريف عيلته من غير ما يعرفوا.
كانت بتساعد أمه في علاجها.
وبتدفع مصاريف دراسة ابن أخته.
وكانت حتى بتسدد أقساط داليا وقت ما كانت بتتعثر.
وفي آخر الرسالة كتب:
“أنا مش طالب ترجعي علشان الفلوس.”
وقفت عند الجملة دي.
وبعدين كملت.
“أنا طالب ترجعي علشان اكتشفت إني كنت عايش مع واحدة عمرها ما قصرت معايا وأنا قصرت معاها في أبسط حاجة.”
قفلت الورقة.
بابا سألني:
“هتردي؟”
قلت:
“لأ.”
وبعد أسبوعين
وصلني خبر إن كريم باع عربيته.
وبعدها شقته.
وبعدها بدأ يسدد كل المبالغ اللي كان أخذها من حساباتنا.
ما حاولش يهرب.
وما حاولش يثبت إنه مظلوم.
كان لأول مرة بيواجه نتيجة أفعاله.
وفي يوم كنت قاعدة في البيت وفجأة حسيت بألم شديد.
بابا اتصل بالإسعاف.
وفي الطريق للمستشفى كنت ماسكة إيده.
قلت:
“بابا.”
قال:
“نعم؟”
قلت:
“أنا خايفة.”
شد على إيدي.
وقال:
“أنا معاكي.”
وبعد ساعات طويلة
سمعت أول صوت لطفلي.
صوت بكاء صغير ملأ الأوضة.
غمضت عيني.
ونزلت دموعي.
الممرضة حطته جنبي.
بصيت لوشه الصغير.
وقلت:
“أهلاً يا حبيبي.”
وبعد دقائق دخل بابا.
وأول ما شاف حفيده ابتسم.
لكن بعدها سألني:
“كريم يعرف؟”
هزيت راسي.
“لأ.”
بابا سكت.
وبعدين قال:
“تحبي يعرف؟”
بصيت لابني.
وقلت:
“أيوه.”
بعد ساعة واحدة وصل كريم المستشفى.
وقف عند باب الأوضة.
كان شكله مختلف.
أول ما شافني دموعه نزلت.
قال:
“ممكن أشوفه؟”
بصيت له فترة طويلة.
وبعدين هزيت راسي.
دخل ببطء.
قرب من السرير.
وبص لابنه.
مد إيده ولمس صوابعه الصغيرة.
وانهار في البكاء.
قال:
“أنا آسف.”
ما قلتش حاجة.
فضل يبكي.
وبعدين قال:
“أنا ضيعت أغلى حاجة في حياتي.”
بصيت له.
وقلت:
“لأ يا كريم.”
رفع عينه لي.
قلت:
“إنت ما ضيعتنيش يوم القطر.”
سكت.
قلت:
“إنت ضيعتني كل مرة شفتني محتاجة احترام وما ادتنيش.”
نزل عينه.
وبعدها خرج من الأوضة من غير ما يطلب مني أرجعله.
—
المشهد الخامس
عدت البيت بعد الولادة بأيام.
الحياة بدأت تهدى.
ابني كان بياخد كل وقتي.
وبدأت أرجع لنفسي واحدة واحدة.
وفي صباح هادي
وصلني ظرف من المحكمة.
فتحت الورق.
كان حكم إنهاء الزواج.
قرأت الورقة بهدوء.
ما عيطتش.
ما فرحتش.
بس حسيت براحة.
بعدها بأيام وصلني ظرف تاني.
كان من كريم.
فتحت الرسالة.
كان مكتوب:
“نور
أنا مش هطلب منك ترجعي.
ومش هقولك إني اتغيرت في أسبوعين.
بس هقولك إني فهمت حاجة كنت غبي عنها سنين.
الراجل مش اللي يقعد في الدرجة الأولى ومراته واقفة.
والجواز مش إن طرف يضمن إن الطرف التاني مش هيقدر يمشي.
أنا كنت فاكر إنك محتاجاني.
وما فهمتش إن الحقيقة كانت العكس.
إنتي كنتي سند لناس كتير وأنا كنت أكتر واحد محتاج السند ده.
مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي.
ولا هضغط عليكي.
كل اللي هطلبه إنك تسمحيلي أكون أب كويس لابني.
ولو في يوم قدرتي تسامحيني كإنسانة مش كزوجة
يبقى ده كفاية.”
حطيت الرسالة جنب السرير.
وبصيت لابني وهو نايم.
بعدها دخل بابا.
قال:
“إيه الأخبار؟”
قلت:
“خلاص.”
ابتسم.
“خلاص إيه؟”
قلت:
“أنا بقيت حرة.”
قعد جنبي.
وبص للطفل.
وقال:
“وإنتي مبسوطة؟”
بصيت من الشباك.
كانت الشمس طالعة.
وقلت:
“أول مرة من زمان.”
مرت شهور.
كبر ابني.
وكريم فضل ييجي يشوفه في مواعيد محددة.
ما حاولش يدخل حياتي تاني بالقوة.
وبدأت العلاقة بينه وبين ابنه تبقى مستقرة.
أما أنا
فبدأت أشتغل من جديد.
مش علشان أثبت له حاجة.
ولا علشان أثبت لأهله حاجة.
كنت بشتغل علشان أرجع أفتكر أنا مين.
وبعد سنة
رجعت أطلق شركتي من جديد.
وفي أول اجتماع كبير
وقفت قدام فريق العمل.
بصيت للناس اللي قدامي.
وافتكرت الست اللي كانت واقفة في ممر القطر
مرهقة
حامل
ومكسورة من جوه.
ابتسمت.
لأنها رغم كل ده
كانت لسه قادرة تنزل من القطر.
كانت لسه قادرة تقول كفاية.
وكانت لسه قادرة تبدأ من جديد.
وفي آخر اليوم رجعت البيت.
دخلت أوضة ابني.
لقيته نايم.
قربت منه وبوسته في جبينه.
وقلت له:
“ماما وعدتك إنك عمرك ما هتشوفها بتقبل الإهانة.”
وبعدين طفيت النور.
وقبل ما أخرج من الأوضة
موبايلي رن.
رسالة من كريم.
“ابننا أول كلمة قالها النهارده كانت ماما.”
ابتسمت.
ورديت:
“خليه يتعلم يقول بابا كمان.”
لأول مرة
ما كانش بينا حب قديم
ولا جواز
ولا فلوس.
كان بينا طفل صغير
وبداية جديدة
وحدود واضحة.
وأنا
لأول مرة
كنت عارفة إن حياتي مش مرتبطة بحد.
لا كريم
ولا أهله
ولا أي حد تاني. لأن الست اللي نزلت من القطر في محطة كليفلاند
كانت راجعة لنفسها.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق