جوزي سابني وانا بولد حكايات صافي هاني
جوزي سابني وانا بولد حكايات صافي هاني
جوزي سابني وانا بولد حكايات صافي هاني
جوزي سابني وأنا في أوضة الولادة عشان عيد ميلاد أمه كان أهم عنده من لحظة ولادة ابننا. قال لي: اتصرفي لوحدك وبلاش دراما وبعدين قفل في وشي. لكن بعد تلات أيام لما دخل البيت وشاف الراجل اللي كان شايل ابنه المولود بين إيديه وشه اتقلب واصفر تمامًا.
الطلق ضربني مرة واحدة لدرجة إن ركبتي كانت هتخوني من شدة الوجع. موبايلي كان بيرتعش في إيدي وأنا بسمع صوت جوزي ياسين بارد بشكل أبرد من أرض المستشفى اللي واقفة عليها.
قال لي:
— اتصرفي لوحدك يا فريدة وبلاش تبقي درامية كده.
وبعدين قفل المكالمة.
فضلت كام ثانية باصة على شاشة الموبايل السودة ومش قادرة أستوعب إن الراجل اللي وعدني يمسك إيدي وقت الولادة هو نفسه اللي سابني في أكتر لحظة كنت محتاجاه فيها.
جالي طلق تاني أقوى من الأول ووقتها ممرضة جريت عليا بسرعة وجابت كرسي متحرك.
قالت لي بحنية:
— في حد جاي معاكي؟
بصيت للموبايل الساكت في إيدي وقلت:
— جوزي مش جاي.
كنت في آخر الشهر التاسع وتحديدًا في الأسبوع التامن والتلاتين من الحمل. قاعدة لوحدي عند مدخل قسم الولادة وإيدي على بطني والمية الدافية كانت نازلة من هدومي.
طول شهور الحمل وياسين كان بيأكد لي إنه هيكون جنبي وقت الولادة وإنه مستحيل يسيبني لوحدي.
لكن أمه نوال كانت شايفة إن عيد ميلادها الستين لازم يبقى أهم مناسبة في السنة كلها.
كانت بتقول:
— عيد ميلادي الستين مش هيتكرر يا ياسين. لازم كل العيلة تكون موجودة.
والواضح إن ولادة ابننا كمان ما كانتش هتتكرر.
حاولت أتصل بياسين مرة تانية.
مش عشان كنت لسه واثقة فيه.
لكن يمكن عشان كنت محتاجة أدي لنفسي آخر فرصة أصدق إنه ممكن يختارني أنا وابنه.
أول ما رد سمعت صوت أغاني وضحك وكوبايات بتتخبط في الخلفية.
قلت وأنا بحاول أقاوم الوجع:
— ياسين المية نزلت. والطلق بقى كل أربع دقايق.
قبل ما يرد سمعت صوت أمه من جنبه.
قالت:
— قول لها الستات بقالها آلاف السنين بتولد. يعني مش أول واحدة في الدنيا.
وبعدين سمعت ياسين بيضحك.
ضحكة قصيرة لكنها كانت كفاية إنها تقتل آخر حاجة جوايا كانت بتقول إن الراجل ده لسه جوزي اللي أعرفه.
قال:
— أهو ماما فاهمة الدنيا. خدي تاكسي وتعالي المستشفى.
سكت.
جوايا حصل شيء غريب.
الخوف كان لسه موجود.
والوجع ما اختفاش.
لكن الجزء اللي كان طول الوقت بيتوسل لجوزي يختارني اختفى فجأة.
قلت بصوت واطي:
— حاضر.
وسكت لحظة وبعدين قلت:
— استمتعوا بالتورتة.
وقبل ما يقفل قلت:
— ربنا يسامحك يا ياسين.
وقلتها وقفلنا.
بصيت قدامي وأنا حاسة إن حاجة كبيرة جدًا انتهت من غير خناقة ولا صوت عالي.
وبعدين عملت حاجة كنت رافضة أعملها بقالها سنتين تقريبًا.
اتصلت بأبويا.
أبويا اللي كنت قاطعة علاقتي بيه تقريبًا من يوم ما اتجوزت ياسين.
رن الموبايل مرة.
مرتين.
وفي المرة التالتة رد.
— ألو؟
أول ما سمعت صوته مقدرتش أتكلم.
خرجت مني نفسة مرتعشة بس.
وفهم على طول.
صوته اتغير فجأة وقال:
— فريدة إنتي فين؟
قلت:
— في المستشفى.
سكت ثانية.
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
وبعدين قال بصوت حازم:
— مستشفى إيه؟
قلت له الاسم.
قال:
— خليكي مكانك. أنا جاي.
وبعد أقل من نص ساعة كان أبويا قدامي.
اسمه حسن الشامي.
راجل كبير عنده هيبة تخلي أي حد يشوفه يعرف إن وراه حكاية كبيرة.
دخل المستشفى لابس بالطو رمادي قديم ومن غير سواق ولا حراسة ولا أي مظهر يخلي اللي حواليه يتخيل إن اسمه بيتكتب في الجرائد كل شوية جنب كلمات زي رجل أعمال ومؤسس ومستثمر ملياردير.
ياسين كان يعرف حسن الشامي كويس جدًا.
بس ياسين ما كانش يعرف إن حسن الشامي هو أبويا.
لما اتعرفت على ياسين كنت مستخدمة اسم عيلة أمي.
كنت عايزة علاقتي بيه تبدأ من غير فلوس أبويا ولا نفوذه ولا اسمه.
كنت عايزة أعرف هو بيحبني أنا ولا بيحب الحياة اللي ممكن ياخدها من ورايا.
ولما كان ياسين بيتكلم باحتقار عن الناس اللي عايشة على فلوس أهلها كنت بسكت.
ولما أمه نوال كانت تقول عن أبويا:
— ده واحد طلع على المعاش ولا له لازمة.
كنت بسكت برضه.
عمري ما صححت لها.
كنت سايبة الناس تصدق الحكاية اللي أنا اخترتها.
لكن الليلة دي كل حاجة اتغيرت.
أبويا قعد جنبي ومسك إيدي.
وقال:
— أنا معاكي يا بنتي.
وبس.
الكلمتين دول كانوا أغلى عندي من كل الوعود اللي ياسين قالها لي قبل كده.
فضل أبويا معايا أربع عشرة ساعة كاملة.
أربع عشرة ساعة من الألم والخوف والصراخ والدعاء.
كنت كل ما أحس إني مش قادرة أبص له ألاقيه ماسك إيدي.
كان بيقول:
— اصبري يا فريدة. ربنا معاكي. خلاص يا بنتي قربت.
أما ياسين؟
ما جاش.
ولا حتى بعت رسالة يسألني إذا كنت كويسة.
الساعة كانت أربعة وسبعتاشر دقيقة الفجر لما ابني جه للدنيا.
أول ما سمعت صوته بكيت.
مش من الوجع.
بكيت لأني أخيرًا شوفته.
ابني اللي استنيته تسع شهور.
الدكتور حطه قريب مني وبعدها الممرضة أخدته عشان تنظفه وتكشف عليه.
وبعد شوية أبويا شاله بين إيديه.
أبويا الراجل اللي عمره ما كان بيعيط قدامي.
بص لوش ابني وسكت.
قال:
— ما شاء الله.
وقربه من صدره وقال:
— ده أجمل حفيد في الدنيا.
ابتسمت رغم دموعي.
وسميته سليم.
سليم كان صغير جدًا وهادي جدًا.
ولما شفته نايم في حضن أبويا حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت بهدوء.
آخر جزء هش من جوازي كان بيحاول يتمسك بأي أمل انتهى.
بعدها بساعات موبايلي نور برسالة من ياسين.
فتحتها.
كان كاتب:
ماما حبت الساعة اللي جبتها لها. راجع البيت يوم الاتنين. ومتبدأيش خناقة جديدة.
فضلت باصة للرسالة وقت طويل.
وبعدين ابتسمت.
لأول مرة من غير وجع.
أخدت Screenshot للرسالة واحتفظت بيها.
ياسين كان لسه فاكرني نفس فريدة القديمة.
الست اللي كانت بتعيط وتسكت.
الست اللي كانت بتسامح.
الست اللي كان ممكن يجرحها وييجي بعدها بيومين يقول لها معلش فتسامحه.
بس هو نسي حاجة مهمة جدًا عن مراته.
أنا كنت محاسبة جنائية.
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
وشغلي كله قائم على تتبع الفلوس واكتشاف الحاجات اللي الناس بتحاول تخبيها.
وياسين ما كانش يعرف إني خلال السنتين اللي فاتوا كنت شايفة حاجات كتير.
حاجات هو نفسه ما كانش واخد باله إني شايفاها.
وبعد تلات أيام رجع ياسين البيت.
فتح الباب وهو داخل بكل ثقة.
كان متوقع يلاقيني لوحدي.
متوقع أكون لسه زعلانة شوية.
متوقع يعتذر بكلمتين ويخلص الموضوع.
لكن أول ما دخل الصالة شاف أبويا قاعد على الكنبة.
وكان شايل سليم بين إيديه.
ياسين وقف مكانه.
وشه اتجمد.
بص لأبويا.
وبعدين بص للطفل.
وبعدين رجع بص لأبويا تاني.
اللون اختفى من وشه.
همس:
— فريدة…
ما رديتش.
اتقدم خطوة.
وقال بصوت متقطع:
— ليه حسن الشامي شايل ابني؟
أبويا رفع عينه وبص له بهدوء.
وساعتها قال ست كلمات بس خلت ياسين يتجمد مكانه…
— أنا ووووووو. بما اني عندي حظر تعليقات
هكملها من نفس النقطة وبأسلوب مصري وبنهاية مقفولة ومشبعة بالأحداث:
— أنا أبو فريدة.
الجملة نزلت على ياسين كأن حد ضربه في صدره.
فضل واقف مكانه مش قادر يتكلم.
بص لأبويا وبعدين بص لي وبعدين رجع بص لأبويا تاني.
قال بصوت مخنوق:
— أبو… فريدة؟
أبويا ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
— أيوه يا ياسين. أبوها.
ياسين بلع ريقه.
— بس… بس أنا قابلت والدها قبل كده.
أبويا هز راسه.
— قابلت راجل كان اسمه حسن الشامي فعلًا. بس أنت عمرك ما سألت فريدة عن أبوها ولا حاولت تعرف هي بنت مين.
اتقدمت خطوة وأنا شايلة سليم من إيد أبويا.
وقلت:
— لأنك ما كنتش مهتم تعرفني يا ياسين.
رفع عينه لي.
— فريدة أنا…
قاطعته:
— متقولش أنا آسف.
سكت.
— لأن الاعتذار دلوقتي مش هيغير اللي حصل.
حاول يقرب مني.
— أنا مكنتش أقصد أسيبك لوحدك.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— مكنتش تقصد؟
— أيوه.
— يعني إيه مكنتش تقصد؟ أنت سمعتني وأنا بقول لك إن المية نزلت وإن الطلق كل أربع دقايق. سمعت صوتي وأنا بخاف. وبدل ما تيجي قلت لي اتصرفي لوحدك وبلاش دراما.
ياسين نزل عينه في الأرض.
قلت:
— وبعدين قفلت في وشي.
— فريدة كان عيد ميلاد أمي…
قاطعت كلامه:
— وأنا كنت بولد ابنك.
سكت.
أبويا كان ساكت طول الوقت.
لكن سكوته كان أصعب من أي كلام.
ياسين بص له وقال:
— عمي أنا…
أبويا رفع إيده.
— متقوليش عمي.
ياسين اتوتر.
— أنا آسف يا أستاذ حسن.
— مش أنا اللي محتاج اعتذارك.
وبص لي.
— بنتي هي اللي أنت كسرتها.
ياسين قرب مني.
— فريدة أنا غلطت وأنا مستعد أصلح كل حاجة.
قلت:
— فات الأوان.
وشه اتغير.
— يعني إيه؟
— يعني أنا طلبت الطلاق.
اتصدم.
— طلاق؟
— أيوه.
— إنتي بتتكلمي بجد؟
— عمري ما كنت أتكلم في حاجة بجد زي دي.
قعد على أقرب كرسي كأن رجليه ما بقتش شايلة جسمه.
— بس إحنا عندنا طفل.
بصيت لسليم.
— وعشان عندنا طفل لازم أربيه على إن أبوه وأمه يحترموا نفسهم.
— وأنا هكون أب كويس.
— الأب الكويس مش بيبدأ دوره بعد ما ابنه يتولد بثلاث أيام.
رفع عينه لي.
— اديني فرصة.
هزيت راسي.
— الفرص اللي بينتهي عمرها مش بتتجدد.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
— طيب أبوكي… إيه علاقته بكل ده؟
أبويا رد بهدوء:
— دي نقطة مهمة فعلًا.
ياسين بص له.
— حضرتك مين بالضبط؟
أبويا سند ضهره على الكنبة وقال:
— عارف.
— لا. أنت عارف الاسم بس.
وسكت لحظة.
— أنت متعرفش إن الشركة اللي أنت شغال فيها واحدة من الشركات التابعة لمجموعة الشامي للاستثمار.
ياسين فتح عينه.
— إيه؟
أنا بصيت له بهدوء.
— شركتك يا ياسين مملوكة لشركة تابعة لأبويا.
سكت.
— وإنتي كنتي عارفة؟
— أيوه.
قام واقف.
— من إمتى؟
— من قبل ما أتجوزك.
— وسبتيني أشتغل هناك وأنا مش عارف؟
— لأنك كنت هتفتكر إني اخترتك عشان فلوس أبويا.
— وأنا فعلًا كنت هفكر كده.
ابتسمت بحزن.
— عشان كده ما قلتلكش.
ياسين بدأ يمشي في الصالة.
— يعني كل الفترة دي…
أبويا قال:
— أنا وافقت على جوازكم لأن فريدة كانت بتحبك.
ياسين وقف.
— وأنا كنت عايز أتجوزها عشان هي.
أبويا بص له بثبات.
— وأنا كنت مستني الأيام تثبت الكلام ده.
ياسين بص لي.
— وأنتي دلوقتي عايزة تطلقي مني؟
— أيوه.
— بسبب موقف واحد؟
هنا ضحكت.
— لأ.
قربت منه.
— بسبب ألف موقف.
وبدأت أعد على صوابعي.
— كل مرة كنت بتختار رضا أمك على راحتي.
— كل مرة كانت تقلل مني وأنت تسكت.
— كل مرة كانت تتدخل في حياتنا وأنت تقول لي معلش دي أمي.
— كل مرة كنت بتطلب مني أتنازل عشان البيت يمشي.
— كل مرة كنت بتخليني أحس إني ضيفة في بيتي.
— ولما ابني قرر ييجي للدنيا وأحتاجك أكتر من أي وقت… اخترت حفلة.
ياسين ما ردش.
قلت:
— المشكلة مش إنك روحت عيد ميلاد أمك.
— المشكلة إنك شفت مراتي بتولد وابني بييجي للدنيا كأنها حاجة ممكن تتأجل.
سكت ياسين طويلًا.
وبعدين قال:
— أنا مش هطلقك.
أبويا رفع حاجبه.
— دي مش رغبتك لوحدك.
ياسين بص له.
— وأنا هصلح.
أبويا قال:
— أصلح نفسك الأول.
ومشي.
بعد ما خرج أبويا من الصالة فضلت أنا وياسين لوحدنا.
قال:
— فريدة أنا بحبك.
بصيت له.
— يمكن.
— يعني إيه يمكن؟
— يمكن كنت بتحبني بطريقتك. بس طريقتك كانت بتوجعني.
— هتديني فرصة؟
— لأ.
اتنهد.
— طيب أقدر أشوف ابني؟
بصيت لسليم.
— هو ابنك.
— يعني؟
— هتشوفه. لكن من النهارده كل حاجة هتبقى رسمي.
كلمة “رسمي” كانت تقيلة عليه.
لكنها كانت أول كلمة حسيت إنها بتحميني.
في اليوم التالي المحامي جه البيت.
بدأنا إجراءات الطلاق.
وياسين رفض في البداية.
دخلنا في مفاوضات طويلة.
هو كان عايز يرجعني بأي طريقة.
وأمه نوال بدأت تتصل بيا عشرات المرات.
في الأول ما رديتش.
لكن في يوم رديت.
سمعت صوتها وهي بتقول:
— إنتي عايزة تخربي بيت ابني عشان عيد ميلادي؟
ضحكت من الصدمة.
— حضرتك شايفة إن المشكلة عيد ميلادك؟
— ابني بيحبك.
— لو بيحبني كان جه المستشفى.
— هو كان مضغوط.
— وأنا كنت بولد.
— يا فريدة بلاش تكبري الموضوع.
قلت بهدوء:
— حضرتك كنتي موجودة في المكالمة.
سكتت.
— حضرتك سمعتيه وهو بيقول لي اتصرفي لوحدك.
— هو كان بيتكلم بعصبية.
— وأنا كنت بين الحياة والموت من شدة الألم.
— ما كانش قصده.
— حتى لو ما كانش قصده فهو عمله.
سكتت.
وبعدين قالت:
— أبوكي دخل بينكم.
قلت:
— أبويا جه لما جوزي غاب.
— هو أبوكي أصلًا مين عشان يدخل؟
ابتسمت.
— اسألي ابنك.
وقبل ما أقفل سمعتها بتقول:
— فريدة!
قفلت.
بعدها بيومين نوال جت البيت.
كانت واقفة قدام الباب ومتوقعة إني هضعف.
دخلت وهي بتبص حوالين المكان.
وبعدين شافت سليم.
قالت:
— ده حفيدي.
مدت إيدها تشيله.
لكن أنا وقفت بينها وبينه.
— استني.
بصت لي باستغراب.
— ده حفيدي يا فريدة.
— وأنا أمه.
— يعني إيه؟
— يعني مفيش حد ياخده مني من غير ما أكون موافقة.
— أنا جدته.
— وأنا مش مانعة إنك تشوفيه.
— يبقى اديني الولد.
— مش دلوقتي.
اتعصبت.
— إنتي اتغيرتي.
رديت بهدوء:
— أيوه.
— ياسين كان بيقول إنك هادية وبتسمعي الكلام.
— كنت.
— وإيه اللي حصل؟
بصيت لسليم.
— ابني اتولد وعلمني إني لازم أبقى قوية.
نوال سكتت.
وبعدين قالت:
— ياسين عمره ما هيطلقك.
قلت:
— ده قراره.
— وأنا مش هسمح.
— حضرتك مش صاحبة القرار.
— أنا أمه.
— وأنا مراته.
اتوترت.
— هتندمي.
قلت:
— يمكن.
وبعدين فتحت لها الباب.
— بس الندم أهون من إني أعيش باقي عمري وأنا بسمح لحد يهينني.
خرجت.
وفي نفس الأسبوع حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
المحامي بتاع أبويا اكتشف مستندات مالية غريبة في الشركة اللي ياسين شغال فيها.
في البداية افتكرنا إنها أخطاء محاسبية.
لكن لما بدأت أراجع المستندات بنفسي اكتشفت حاجة أخطر.
كان فيه تحويلات مالية صغيرة جدًا.
مبالغ من خمسة آلاف لعشرة آلاف.
متوزعة على شهور.
والغريب إنها كلها مرتبطة بحسابات لأشخاص قريبين من ياسين.
راجعت أكتر.
لقيت اسم نوال.
مش مرة.
ولا مرتين.
عشرات المرات.
واجهت ياسين.
حطيت الملفات قدامه.
— إيه ده؟
بص للورق.
وشه اتغير.
— أنا معرفش.
— الحساب ده باسم مين؟
— ماما.
— والفلوس دي بتروح لها ليه؟
— معرفش.
— متأكد؟
— أيوه.
بدأت أقلب في الأوراق.
— فيه تحويلات كمان باسم شركة صغيرة باسم ابن خالتك.
سكت.
— وياسين؟
— أيوه؟
— فيه توقيع إلكتروني باستخدام بياناتك.
وشه اصفر.
— مستحيل.
— وأنا كنت بقول نفس الكلام.
قعد.
— فريدة أنا والله ما عملت حاجة.
— أنا مصدقاك.
رفع عينه لي.
— بجد؟
— أيوه.
سكت لحظة.
— بس لازم نعرف مين اللي عملها.
بدأ التحقيق.
واكتشفنا إن نوال كانت بتسحب فلوس من حسابات الشركة بحجة إنها مصاريف اجتماعات ومناسبات عائلية.
لكن الجزء الأخطر إن فيه حساب تاني كانت بتحول له مبالغ أكبر.
الحساب كان باسم شريف.
شريف أخو ياسين.
ولما واجهنا شريف أنكر.
لكن المستندات كانت واضحة.
بعد أيام اتكشف إن شريف كان داخل في ديون كبيرة.
ونوال كانت بتغطي عليه من فلوس الشركة.
لكن ليه؟
لأنها كانت خايفة ابنها ياسين يعرف.
والأخطر من كده إن ياسين نفسه كان بيوقع على أوراق من غير ما يقرأها.
وده خلى موقفه القانوني معقد جدًا.
أبويا قال له:
— أنت كنت بتثق في أمك زيادة عن اللزوم.
ياسين رد:
— أنا كنت فاكر إنها بتحبني.
أبويا قال:
— الحب مش معناه إنك تسلم عقلك لحد.
الكلام أثر فيه.
وبعد أيام اعترف شريف بالحقيقة.
نوال كانت عارفة.
والاتنين حاولوا يخفوا الموضوع.
ياسين وقف قدام أمه لأول مرة في حياته وقال:
— ليه عملتي كده؟
قالت:
— عشان أخوك.
— وخليتيني أمضي على حاجات أنا معرفهاش؟
— كنت هقولك.
— إمتى؟
سكتت.
— لما أدخل السجن؟
بدأت تعيط.
— أنا أمك.
— وأنا ابنك.
— عشان كده عملت كده.
— لا يا أمي.
دموعه نزلت.
— عشان كده كان المفروض تحميني مش تورطيني.
أنا كنت واقفة بعيد.
ولأول مرة شفت ياسين بيحط حدود لأمه.
لكن الغريب إن ده ما فرحنيش.
لأن بعض التغييرات بتيجي بعد ما يكون الوقت فات.
بعد شهر تقريبًا تم الاتفاق على الطلاق.
ياسين وقع.
أنا وقعت.
وخرجنا من مكتب المحامي كل واحد في طريق.
قبل ما أمشي ناداني.
— فريدة.
وقفت.
— ممكن أشيل سليم؟
بصيت له.
كان واقف لوحده.
مش الراجل اللي دخل البيت واثق من نفسه.
ولا الراجل اللي كان بيضحك في عيد ميلاد أمه وأنا في المستشفى.
كان إنسان مكسور.
قلت:
— خمس دقايق.
شال سليم.
الطفل فتح عينه وبص له.
ياسين دموعه نزلت.
— هو شبهك.
قلت:
— لا. شبهك.
ابتسم لأول مرة.
وبعدين قال:
— أنا ضيعتك.
— أيوه.
— ومفيش فرصة؟
هزيت راسي.
— لأ.
سكت.
وبعدين رجع لي سليم.
— خلي بالك منه.
قلت:
— هخلي بالي منه.
ومشيت.
مرت سنة.
وسليم كبر.
وأنا رجعت لشغلي.
أبويا عرض عليا منصب في واحدة من شركاته.
وافقت.
وبدأت أشتغل على تطوير الإدارة المالية.
كنت كل يوم بتعلم حاجة جديدة.
وأهم حاجة اتعلمتها إن الاستقلال مش إنك تكرهي الناس.
الاستقلال إنك متخليش وجود حد هو اللي يحدد قيمتك.
ياسين كان بيشوف سليم بانتظام.
ومع الوقت بدأ يتغير فعلًا.
بقى ييجي في مواعيده.
بقى يهتم بدراسته وصحته.
وبقى يسمع أكتر ما بيتكلم.
لكن علاقتنا فضلت حدودها واضحة.
وفي يوم عيد ميلاد نوال بعد سنتين من اللي حصل رجعت نفس الجملة القديمة.
“عيد ميلادي الستين مش هيتكرر.”
لكن المرة دي ياسين رد عليها:
— كل سنة وإنتي طيبة يا أمي.
— هتيجي؟
— بعد ما أخلص مع سليم.
نوال اتضايقت.
— يعني حفيدك أهم مني؟
رد ياسين بهدوء:
— ابني مش منافس ليكي.
وسكت.
— لكن أنا مش هضحي بحد عشان أرضي حد تاني تاني.
أنا سمعت الجملة منه بعدين.
ولأول مرة ابتسمت.
مش لأنه رجع لي.
لكن لأنه أخيرًا فهم.
بعد أربع سنين كنت قاعدة في حديقة البيت وسليم بيلعب قدامي.
كان عنده أربع سنين.
سمعت جرس الباب.
فتحت.
كان ياسين.
واقف ومعاه هدية صغيرة.
قال:
— ممكن أدخل؟
دخل.
سليم جري عليه.
— بابا!
بعد شوية قرب مني.
قال:
— أنا عايز أقولك حاجة.
— قول.
— أنا اتجوزت.
اتجمدت ثانية.
وبعدين ابتسمت.
— مبروك.
قال:
— بس قبل ما أتجوز كنت محتاج أقولك إنك كنتي أهم إنسانة في حياتي.
— وأنا مقدرة ده.
— بس أنا عارف إن الكلام ده جه متأخر.
— أيوه.
ابتسم بحزن.
— بس اتعلمت.
قلت:
— المهم إنك تتعلم عشان سليم.
هز راسه.
— عشان سليم.
وقبل ما يمشي سألني:
— إنتي مبسوطة؟
بصيت لسليم.
وبعدين بصيت للبيت.
وبعدين قلت:
— جدًا.
ابتسم.
— كويس.
ومشي.
دخلت البيت وقفلت الباب.
وقفت قدام المراية.
افتكرت البنت اللي كانت من أربع سنين واقفة في المستشفى لوحدها.
افتكرت المكالمة.
والجملة.
“اتصرفي لوحدك وبلاش دراما.”
وابتسمت.
لأني فعلًا اتصرفت لوحدي.
بس أنا ما كنتش لوحدي.
ربنا كان معايا.
وأبويا كان معايا.
وابني كان سبب إني أقف على رجلي.
والأهم إني أنا نفسي أخيرًا بقيت مع نفسي.
بعدها بكام شهر كان سليم في عيد ميلاد صغير عملته له في البيت.
الأهل والأصحاب كانوا موجودين.
ولما جه وقت تقطيع التورتة وقف سليم على الكرسي وأنا ماسكة إيده.
قال بصوت عالي:
— ماما أنا بحبك.
ضحكت وضمّيته.
وفي اللحظة دي افتكرت إن زمان كان فيه شخص شايف إن عيد ميلاد أمه أهم من ولادة ابنه.
أما أنا؟
فقد عرفت إن بعض الأبواب لما بتتقفل بتكون رحمة.
وإن ربنا ساعات بيخرجك من علاقة كنت فاكرة إنك مش هتقدري تعيشي من غيرها.
عشان يوريكي إنك تقدري تعيشي.
وتنجحي.
وتربي ابنك.
وتحافظي على كرامتك.
وتبدأي من جديد.
وأحيانًا أقوى انتصار مش إن الشخص اللي ظلمك يندم.
أقوى انتصار إنك توصلي لمرحلة ما تعوديش محتاجة ندمه أصلًا.
أما ياسين؟
فضل أب لسليم.
لكن ما بقاش جوزي.
وأما نوال؟
فبقت كل ما تشوف حفيدها تفتكر إن في يوم كانت شايفة عيد ميلادها أهم من لحظة ميلاده.
وسليم كبر وهو عارف حاجة واحدة بس:
إن أمه كانت بتحبه من أول نفس أخده.
وإن في اللحظة اللي أبوه اختار يمشي فيها…
أمه اختارت تفضل.
ومن يومها عمري ما ندمت إني طلبت الطلاق.
لأني يومها ما خسرتش جوزي.
أنا أنقذت نفسي.
وأنقذت ابني من بيت كان ممكن يكبر فيه وهو فاكر إن الحب معناه إنك تسكت على الإهانة.
وفي النهاية فهمت إن الكرامة مش غرور.
وإن التسامح مش معناه ترجع لنفس المكان اللي اتكسرت فيه.
وإن اللي بيحبك بجد عمره ما هيخليك تختاري بين نفسك وبينه.
وأهو سليم كبر.
وأنا كبرت معاه.
مش بس في العمر.
كبرت في القوة.
وفي الوعي.
وفي إيماني إن ربنا لما بياخد منك حاجة أنت متعلقة بيها بيكون شايل لك حاجة أرحم وأكرم.
وفي ليلة هادية وأنا ببص لسليم وهو نايم قلت لنفسي:
“الحمد لله إن ياسين قفل المكالمة في وشي.”
لأن المكالمة اللي كنت فاكرة إنها كسرت حياتي…
كانت في الحقيقة أول مكالمة في حياتي مع نفسي.
ومن يومها…
ما بقيتش فريدة اللي بتستنى حد يختارها.
بقيت فريدة اللي بتختار نفسها.
شي سلع

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق