سكريبت الفندق كامله حكـايات مني السيد حصري
سكريبت الفندق كامله حكـايات مني السيد حصري
سكريبت الفندق كامله حكـايات مني السيد حصري
وصل الفندق الصغير اللي لقيته في جيب جاكيت جوزي كان مكتوب فيه صراحة: «إيجار ساعتين». ما فكرتش لحظة، أخدت حماتي في إيدي وطلعنا على هناك فوراً. طول السلم كانت بتبرطم بغِل وتقول: «عاوزة أشوف مين خطافة الرجالة دي اللي هدت بيتكوا». أول ما الباب اتفتح، وش جوزي اتخطف وبقى لونه زي الليمونة المخللة، وفي ثانية واحدة عيني وقعت على وش اللي معاه.. ساعتها عملت أغرب حاجة ممكن تخطر على بال حد: حطيت إيدي بسرعة على عينين حماتي عشان ما تلحقش تلمحها.
الجزء الأول:
«جوزك لا في اجتماع ولا في مصلحة تبع الشغل، جوزك مأجر أوضة بساعتين في لوكاندة».
عمري ما تخيلت إن كلمة واحدة ممكن تقسم ضهر حياتي نصين كده. عندي اتنين وتلاتين سنة، بقالي عشر سنين متجوزة أحمد. عايشين في شقة على قدنا في الهرم، عندنا عيلين، وطافحين الكوتة سنين طويلة بنحسب القرش بالقرش عشان نعرف نربيهم ونعيش مستورين.
أحمد كان باعتلي رسالة على الواتساب بعد الضهر على طول: «ما تستنّينيش على الغدا، طالعلي مشوار شغل ضروري مع زباين برة». وطبعاً صدقته بنية صافية.
رجعت من شغلي ووقفت أحط غسلة في الغسالة. عادتي دايماً أفتش الجيوب قبل ما أرمي الهدوم، عشان أحمد أوقات ينسى فكة، أو فلاشة، أو مفاتيحه. في جيب الجاكيت الرمادي اللي كنت لسه كوياهوله بإيدي الصبح، لقيت ورقة مكرمشة.. وصل لوكاندة في شارع فيصل، مشوار تلت ساعة من بيتنا. الدخول: 12:36. الخروج: 14:21. إيجار أوضة ساعتين.
الدنيا لفت بيا وحسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.
ما نزلتش دمعة واحدة. طبقت الوصل ودخلت بيه علطول على المطبخ عند حماتي، الحجة فاطمة، كانت واقفة بتعمل محشي بتنجان. رغم إن لسانها حامي وشديدة، بس الحق يتقال طول عمرها شيلاني فوق راسها ومعاملاني زي بنتها.
«يا ماما، تعالي شوفي بعينك».
أول ما بصت في الورقة وقرتها، وقفت مسمرة مكانها من الصدمة، وبعدها وشها احمر ودمها غلى: «ابن بطني يعمل كده؟! قليل الحيا ده مش هيخرب بيته ويرجع بالليل يتعشى وينام كإن ما فيش حاجة حصلت!»
كانت نازلة هطق تجري في الشارع بهدومها، بالعافية مسكتها. الست عندها الضغط والسكر ومبتستحملش، وخفت يحصلها جلطة في لحظة غضب. بس ما كانش في فايدة، صممت تيجي معايا برجلها.حصري علي صفحة روايات و اقتباسات
وقفنا تاكسي. طول السكة ولا واحدة فينا نطقت حرف. هي ضامة شنطتها على صدرها وبترتعش، وأنا باصة من الشباك وبفتكر شريط العشر سنين اللي ضاعوا: تعب الخلفة، السهر، الديون، عيا العيال، والأكل اللي بيبرد ويسخن مية مرة وأنا مستنياه يرجع متأخر. #حكايات_مني_السيد
أول ما وصلنا ما اضطررناش نتكلم كتير مع الاستقبال؛ رقم الأوضة 607 كان مكتوب بخط الإيد على الوصل.
طلعنا في الأسانسير ووصلنا الطرقة. من ورا الباب كان صوت أحمد طالع، ومعه ضحكة واحدة ست مرقعة.
ما فكرتش ولا ثانية. زقيت الباب بكل غلي وعافيتي لحد ما كالون الباب التعبان طرقع واتفتح.
أحمد كان واقف جنب السرير، وشه مخطوف كإنه شاف عزرائيل، وبيلبس قميصه بإيدين بترتعش. والست اللي معاه اتخضت وخبت وشها بإيديها وجريت ناحية الحمام. الحجة فاطمة أول ما شافت ابنها وقفت تزعق وتشتم فيه بأعلى صوتها، بس أنا وداني صَفّرت وما بقتش سامعة ولا كلمة..
لأن الست دي، في اللحظة دي بالذات، رفعت راسها وبصتلي.
طلعت دنيا.. البنت اللي عمها يبقى جوز خالة أحمد ومربيها زي بنته بعد ما أهلها اتوفوا، وكانت متبناة في العيلة من صغرها. نفس البنت اللي كانت داخلة خارجة عليا في شقتي تضحك وتقول: «إيه يا مرات أخويا، طابخة إيه النهاردة؟». دي اللي وقفت جنبها وجهزتها ودفعتلها مصاريف كورس التمريض واشتريتلها هدوم الإنترفيو، واللي كانت بتشيل عيالي وتبوسهم كإنهم ولادها بالظبط!
جسمي كله سقع وجاتلي قشعريرة زي التلج.
حماتي ما كانتش لسه لمحت وشها لأنها مديّة ضهرها للباب وعينها على أحمد بتهزأه.
في الثانية دي أدركت إن الحجة لو لفت وشها وعرفت مين دي، هتقع ساكتة في مكانها ومش هتقوم تاني.
روحت شادّاها من دراعها بكل قوتي وسحباها لبرة: «يلا يا ماما، يلا نرجع.. شوفنا اللي فيه الكفاية وزيادة».
«استني يا بت! البت السافلة دي لازم أشوف وشها وأمسح بكرامتها الأرض!»
«ما تسواش يا ماما، ملهاش لزمة، يلا بس عشان خاطري».
كذبت عليها عشان ألحق قلبها وعمرها.. ومن ورانا دنيا كانت بتعيط وتشهق ورا الباب، وأحمد واقف مكسور الجناح ما استجراش حتى يطلع ورانا ولا ينطق بحرف.
روحنا الشقة، وطول الليل حماتي عمالة تلومني وتعاتبني إني جريتها وخرجنا قبل ما تفرّج الناس على البت دي، وأنا ساكتة وقافلة بوقي وما رضيتش أقولها الحقيقة المرة.
دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، واستوعبت المصيبة كاملة: جوزي ما خانيش وبس..
ده اختار يخوني مع واحدة كانت بتاكل معانا عيش وملح في نفس الصحن كل جمعة.
والأدهى والأمر، إن تاني يوم الصبح حصل .....!!!!
الجزء الثاني
فضلت قاعدة على طرف السرير، ضامة ركبي لصدري وعيني في سقف الأوضة، والظلمة حواليا تقيلة زي الأسمنت. صوت دقات الساعة المعلقة فوق التسريحة كان بيخبط في نفوخي خبط، كإنه شاكوش بيهد في راسي هد. برا الأوضة كان البيت هادي بس هدوء يخوف، هدوء اللي مستني العاصفة تهب في أي ثانية وتطير السقف باللي فيه.
حماتي كانت نامت في الصالة، أو بالأصح هدت من كتر البكا والعياط بعد ما ضغطها عليّ واديتها حبة تحت اللسان وكوباية كركديه بارد. كانت طول الليل تتقلب على الكنبة وتتحسبن، وصوت تنهيدتها واصل لعندي ورا الباب المقفول. الست قلبها كان محروق ومفروسة عشان فاكرة إن ابنها مشي ورا واحدة من الشارع رماها عليه شيطانه، وما كانتش تعرف إن الشياطين الحقيقيين كانوا بيقعدوا جنبها على نفس السفرة، ويغمسوا من نفس طبق الملوخية، ويقولولها تسلم إيدك يا خالتي يا بركة البيت.
الساعة جت اتنين بعد نص الليل، وسمعت تكة المفتاح في كالون باب الشقة من برة.
الباب اتوارب بالراحة خالص، تزييقة خفيفة تكاد ما تتسمعش، وخطوات متسحبة على بلاط الصالة زي الحرامي اللي داخل
يسرق. مديت إيدي وشديت الطرحة حطيتها على شعري، وقومت وقفت ورا باب الأوضة من غير ما أعمل أي صوت. بصيت من شق الباب الصغير، شفت أحمد.. هدومه مبهدلة، قميصه نصه برة البنطلون ومكرمش، ورجليه تقيلة مش قادرة تشيله. وقف دقيقة يبص على أمه النايمة على الكنبة، راسه كانت مدلدلة في الأرض من الخزي والعار. كان شكله يصعب على الكافر، بس قسماً بالله ما هز فيا شعرة ولا حسيت بناحية قلبي بأي شفقة. الوجع اللي كان في صدري كان متبنج، عارفة الشعور لما الجرح يبقى غويط أوي لدرجة إنك ما تحسيش بيه في أوله؟ أنا كنت في الحالة دي بالظبط.
أحمد لف ومشي ناحية أوضة النوم بتاعتنا، حط إيده على الأكرة وزق الباب بهدوء، أول ما شافني واقفة قدامه مصلوبة في الضلمة، اتنفض لورا واتكتم صوته في زوره.
قفل الباب وراه بسرعة وسند ضهره عليه، وشه كان مخطوف وعينيه حمر دم، وبصوت واطي يادوب طالع بهمس كله خوف ورعشة قال نهى.. بالله عليكي اسمعيني، متحمّليش الحكاية أكتر ما تستحمل، اللي في دماغك ده والله العظيم ما هو الحقيقة كاملة.. الشيطان شاطر، وأنا غلطت، اعترفت إني غلطت، بس اقسم
بالله دنيا مالهاش ذنب، أنا اللي ضغطت عليها...
ضحكت. ضحكة طلعت من قعر حلقي واطية ومكتومة، ضحكة خلت شعر إيده يقف.
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه مباشرة، وقولتله بفحيح زي التعبان بتدافع عنها يا أحمد؟ جاي لغاية هنا، بعد ما مسحت بكرامتي الأرض، وخنت العيش والملح، وخنت ولادك، وبتقولي هي مالهاش ذنب؟ دنيا المسكينة الغلبانة؟ دنيا اللي أنا كنت بنزل ألف معاها على رجلي في وكالة البلح عشان أنقيلها طقمين عدلين تروح بيهم كليتها ومحدش يكسر نفسه
أحمد وشه اصفر زيادة وبقى يتلفت حواليه برعب، همس وهو بيمد إيده يترجاني وطي صوتك يا نهى..
فيها دم؟ رديت عليه وأنا بضغط على أسناني بغيظ دلوقتي افتكرت الدم والأصول؟ ما افتكرتش ليه الأصول والدم؟ ما افتكرتش إنها من لحمك ودمك وإنها بنت عمك بالتبني وعايشة في وسطكم؟ وناكرة للجميل، وعينها كانت فارغة من أول يوم دخلت فيه بيتي؟.
أحمد نزل على ركبه في الأرض، ومسك طرف عبايتي يحب عليها، والدموع نزلت من عينيه زي العيل الصغير ابوس رجلك يا نهى.. استري عليا، استري علينا عشان خاطر يوسف ومريم.. العيال
مالهمش ذنب يعيشوا مفضوحين وسط أهلهم. هعملك كل اللي انتي عاوزاه، هكتبلك الشقة باسمك، هطلقها لو عايزة...
وقفت متنحة مكاني، الجملة الأخيرة رنت في وداني زي الطلقة.. حسيت الهوا اتسحب من الأوضة، وقولتله وأنا مش مصدقة وداني تطلق مين يا حيلتها؟ تطلق مين؟! انت متجوزها؟!.
أحمد مسك راسه بإيديه الاتنين وفضل يضرب فيها، وفهمت إنه زل بلسانه في وسط الرعب والهلع اللي كان فيه.
وطيت عليه، مسكته من ياقة قميصه وشديته لفوق بكل غيظي وقوتي انطق يا أحمد! متجوزها؟ دنيا متجوزاك؟!.
هز راسه وهو بيعيط بهستيريا وبيبص للأرض عرفي.. متجوزين عرفي بقالنا ست شهور. الورقة مع المحامي بتاع صاحبها في العباسية.. والله العظيم كنت ناوي أصلح الغلطة، والله العظيم كنت بدور على طريقة عشان نخلص من الموضوع ده من غير ما حد يحس، هي اللي ضغطت عليا، قالتلي لو ما قعدتش معايا ساعة النهاردة هتيجي البيت هنا وتواجهك وتواجه أمي وتقول للكل، أنا كنت رايح هناك عشان أهديها وأقنعها نقطع الورقة دي ونسيب بعض في هدوء!.
رجعت لورا خطوتين كإني اتضربت على دماغي بحديدة. ست شهور! ست شهور وأنا نايمة
على وداني، ست شهور والبت دي تيجي تتغدى عندنا، وتدخل المطبخ تقف تغسل معايا المواعين، وتهزر معايا وتقولي يا بختك بأحمد يا نهى، راجل طيب وحنين وشايلك في عينيه، وأنا المغفلة الهبلة أرد عليها وأقولها عقبالك يا حبيبتي، ربنا يرزقك بواحد زيه يصونك ويشيلك فوق راسه!
الدم غلى في عروقي لدرجة إني حسيت بدوخة، بس ربنا نزل عليا ثبات عجيب في اللحظة دي.. ثبات الموتى. بصيتله من فوق لتحت باحتقار، وقولتله ببرود تلج قوم من على الأرض.. قوم غسل وشك، وادخل نام في أوضة العيال مع يوسف. ومتنطقش بحرف لحد الصبح. الحساب مش وقته دلوقتي، الحساب هيتجمع كله الصبح.
نهى.. ناويه على إيه؟ هتقولي لأمي؟ هتقولي للناس؟.
قولتلك قوم! مش عاوزة ألمح وشك في الأوضة دي دقيقة واحدة.
خرج من الأوضة مكسور، ساحب رجليه زي الشحاتين، وقفل الباب وراه. أنا قعدت مكاني على الكنبة الصغيرة اللي جنب الشباك، ومسكت تليفوني.. كانت الساعة داخلة على تلاتة الفجر.
فتحت الواتساب، ودخلت على شات دنيا. آخر رسالة منها كانت إمبارح الصبح، باعتالي صورة فستان وبتقولي إيه رأيك في ده يا نهى؟ ينفع أحضر بيه قراية فتحة رحاب بنت عمي؟.
فتحت الستوري بتاعتها، كانت لسه منزلة بوست من ساعة واحدة بس شاشة سودا ومكتوب فيها بالأبيض
أحياناً يضعنا القدر في اختيارات صعبة لم نكن نريدها، ولكن النصيب أقوى من كل شيء.. حسبي الله ونعم الوكيل فيمن ظلمني.
البجاحة! وصلت بيها البجاحة إنها تنزل ستوري وتعمل نفسها ضحية ومظلومة؟! الوجع اتحول فجأة لنار قايدة جوايا، نار عاوزة تحرق كل حاجة حواليها. بس أنا مكنتش ناوية أتصرف بغباء. الست اللي تصرخ وتلطم وتلم الناس في لحظتها بتخسر نص حقها، الناس بتتعاطف معاها خمس دقايق وبعدين تبدأ تلومها وتقول ما هو لو كانت مريحاه ما كانش بص برة. لأ.. أنا مش نهى اللي هتعمل نمرة بلدي وتطلع خسرانة.
الصبح شقشق، وصوت أذان الفجر ملا الهرم، وصوت حوافر الخيل في النزلة وعربيات الفول بدأت تملى الشوارع.
قومت اتوضيت وصليت ركعتين الفجر، ودعيت ربنا يربط على قلبي ويديني القوة. خرجت من الأوضة كانت حماتي قاعدة في الصالة، لابسة إسدالها وماسكة السبحة في إيدها وبتسبح ودموعها نازلة على خدها المجعد.
صباح الخير يا ماما.
رفعت راسها وبصتلي بعيون مكسورة صباح النور يا بتي.. نمتي؟.
منمتش دقيقة يا ماما، ولا إنتي كمان نمتي.
مسكت إيدي وطبطبت عليها وقالت بصوت مخنوق حقك عليا أنا يا نهى.. حقك على راسي من فوق. العيب مش فيكي، العيب في التربية الناقصة اللي ربيتهاله. ابن بطني قليل الأصل وكسر
بقلبك، بس ورحمة أبويا ما هسيبهوله، النهاردة قبل بكرة هعرف مين دي، وهجيبها من شعرها في وسط الشارع، وهخليه يكتبلك الشقة والدهب ويطلقها بالجزمة، وإنتي تفضلي ست البيت دي معززة مكرمة.
بلعت ريقي وبصيت في عينيها.. كنت خايفة أقولها فتقع تموت، وفي نفس الوقت كنت عارفة إن الكتمان ده قنبلة موقوتة. فكرت في عمها الحاج إسماعيل.. الحاج إسماعيل راجل كبير العيلة، كلمته سيف على رقاب الكل، وهو اللي كان متولي دنيا وبيصرف عليها من ريع أرض في البلد في الصعيد، وسايبها عايشة مع خالتها هنا في شقة في العمرانية عشان جامعتها. والنهاردة، يوم الجمعة، ده الميعاد المقدس لعزومة بيت العيلة الكبير اللي بيتعمل أول جمعة من كل شهر في بيت الحاج إسماعيل. العيلة كلها، من كبيرها لصغيرها، بتكون متجمعة هناك بعد صلاة الجمعة.
ماما.. سيبك من أحمد دلوقتي، هو نايم جوة في أوضة يوسف. إحنا رايحين عزومة عمي إسماعيل النهاردة ولا لأ؟.
الحجة فاطمة نفخت بضيق عزومة إيه ونيلة إيه في اليوم السواد ده؟ ماليش عين أبص في وش أخويا وهو يشوفني كده حزينة ومكسورة، لا مش رايحة، هقولهم تعبانة وضغطي عالي.
قعدت جنبها على الكنبة، ومسكت إيدها وبوستها لأ يا ماما.. هنروح. عشان خاطري إنتي بالذات لازم تروحي، ومفيش حد
من العيلة يحس بأي حاجة لحد ما نوصل هناك. خلي كل حاجة تمشي طبيعي، أحمد هيصحى ويلبس ويجي ورانا، وإحنا هننزل مع بعض.
حماتي استغربت وبصتلي بتركيز انتي بتفكري في إيه يا نهى؟ عينيكي دي فيها كلام مش مريحني.
مفيش حاجة يا ماما، بس مش عاوزين نقطع عوايدنا عشان غلطة أحمد، وإنتي عارفة عمي إسماعيل بيزعل إزاي لو حد غاب من العزومة الشهرية.
اقتنعت على مضض بعد إلحاح مني، ودخلت تجهز وتلبس عبايتها السودا وطرحتها.
أنا دخلت أوضة يوسف، لقيت أحمد قاعد على السرير، حاطط وشه بين إيديه، ولما شافني قام وقف كإنه تلميذ مستني العقاب.
اسمعني كويس، قولتله بصوت واطي وحازم، الساعة اتناشر هننزل نروح بيت عمك إسماعيل. هتحلق دقنك، وتلبس قميصك، وتيجي ورانا على طول، ومفيش كلمة زيادة تطلع من لسانك مع أي حد. فاهمني؟.
أحمد بلع ريقه برعب وقال نهى.. دنيا هتكون هناك! انتي متأكدة؟ بلاش نروح، هتحصل مصيبة، البت حالتها مش مستقرة وممكن تنفجر في وش الكل!.
خلّيها تنفجر يا أحمد.. اللي يفرش عشه من قش، ما يزعلش لما تطير فيه شرارة.
سبته وخرجت أحمي العيال وألبسهم أحسن طقوم عندهم. يوسف كان فرحان وبيسألني ماما، هي أبلة دنيا هتجيبلي معاها الشوكولاتة اللي وعدتني بيها؟، الكلمة نزلت على قلبي زي مية النار،
بست راسه وقولتله ربنا يسهل يا
حبيبي، المهم خليك شاطر وماتجريش في الشارع.
على الساعة واحدة إلا ربع، بعد الأذان ما خلص، نزلنا كلنا. الجو في القاهرة كان مغيم وخانق، والشارع زحمة وناس رايحة وجاية من الجوامع، وريحة البخور طالعة من كل المحلات، بس أنا كنت حاسة إني ماشية في نفق مظلم مالهوش آخر.
وصلنا عمارة الحاج إسماعيل في شارع العريش. بيت عيلة قديم، أربع أدوار، كل دور فيه شقة لواحد من ولاده، وشقة الحاج الكبيرة في الدور الأول فوق الأرضي، بابها دايماً مفتوح للرايح والجاي.
طلعنا السلم، وكانت روائح الأكل واصلة لآخر الشارع.. بط محمر في الفرن، ورقاق، وصواني مكرونة بالبشاميل. أصوات الضحك والونس والأطفال بتجري كانت مالية البيت. أول ما دخلنا، الحجة أمينة مرات الحاج إسماعيل استقبلتنا بالترحاب يا هلا يا فاطمة، يا هلا يا نهى يا بنتي، نورتوا والله، تأخرتوا ليه كده والبط قرب يبرد؟.
حماتي كانت بترد على قد الكلمة ووشها باهت، وسلمت ودخلت قعدت في الصالون الكبير جنب أخوها الحاج إسماعيل، اللي كان قاعد على كرسيه المدهب، لابس جلابيته البيضا الصعيدي وكوفيته على كتفه وبيدخن شيشته بهدوء ووقار.
أهلا بأختي الغالية، مالك يا فاطمة؟ وشك مصفر ليه يا خية، العيال مزعلينك في حاجة؟، الحاج إسماعيل قالها بصوته الجهوري وهو بيطبطب على ركبتها.
الحجة فاطمة بصت في الأرض ومردتش، وقالت بصوت واطي شوية برد في ضهري يا حاج، تسلم وتعيش.
أنا وقفت في الصالة برة مع الحريم، وعيني كانت بتلف في كل ركن.. دنيا ما كانتش موجودة لسه.
دخلت المطبخ أساعد مراتات ولاد عم أحمد، وكانوا بيهزروا ويضحكوا ومفيش حد حاسس بالنار اللي بتغلي تحتي. وفجأة، سمعت
صوت رنة الخلخال وتكة الكعب العالي في الصالة برة، وصوتها الناعم المايص وهي بتسلم السلام عليكم يا جماعة.. جمعة مباركة عليكم كلكوا.
رجلي وقفت في المطبخ ومسكت حافة الرخامة بكل عزمي.
طلعت راسي من باب المطبخ وبصيت عليها.. كانت لابسة فستان بيج طويل ومحجبة وطرحتها لفاها بمنتهى الشياكة، حاطة ميك أب خفيف مخلي وشها منور، ولابسة السلسلة الدهب اللي كنت عارفاها كويس.. سلسلة أحمد كان قايلي إنه ضيع تمنها في شغل من شهرين! كانت بتضحك مع الكل، وعينها بتلف في الصالة تدور على أحمد.
بس أول ما عينيها جت في عيني، وشها جاب ألوان.. ابتسامتها اتجمدت على شفايفها، وخطوتها وقفت.
أنا ما اتحركتش، فضلت باصة فيها ببرود ونظرة ثابتة خلتها تبلع ريقها بصعوبة وتبص للأرض وهي بترتعش. شافت في عيني كل اللي حصل إمبارح، شافت الستر اللي سترتهولها إمبارح لما خبيت وشها عن حماتي، بس هي كانت غبية.. كانت فاكرة إني عملت كده عشان خايفة منها أو مكسورة، وما كانتش فاهمة إني عملت كده عشان أذبحها على نار هادية في وسط الكل، مش في لوكاندة وسخة بساعتين.
في اللحظة دي، دخل أحمد من باب الشقة.
أول ما أحمد دخل، الصالة كلها سكتت للحظة. أحمد كان باين عليه التعب والهلاك، عينيه كانت ميتة. دنيا لما شافته، اتنفست بصعوبة وراحت واخدة جنب وواقفة قريبة من طربيزة السفرة، بتحاول تعمل نفسها طبيعية وبتعدل هدومها، بس إيديها كانت بتترعش بطريقة مفضوحة.
الحاج إسماعيل نادى بصوته الكبير تعالى يا أحمد يا ولدي، اقعد هنا جنبي جنب أمك.. يلا يا حريم، حطوا الوكل خلينا نسمي الله، الرجالة جعانة والبركة في لمتنا.
كلهم بدأوا يتحركوا ينقلوا الأطباق
والصواني لسفرة الأكل الكبيرة في أوضة المعيشة. الحريم كلهم داخلين خارجين بالأكل، وأنا كنت واقفة بهدوء تام، مستنية اللحظة المناسبة بالثانية.
دنيا حبت تبين إنها صاحبة بيت وبنت أصول، فدخلت المطبخ تاخد صينية البط، وبصتلي وحاولت تبتسم ابتسامة باهتة وقالت بصوت واطي بيلعثم ازيك يا نهى.. الولاد كويسين؟.
بصتلها من فوق لتحت، ومن غير ما أرد عليها، سيبتها وخرجت.
اتجمعوا كلهم حوالين السفرة. الحاج إسماعيل على راس الطربيزة، على يمينه أخته الحجة فاطمة، وجنبها أحمد اللي كان قاعد وراسه في الصحن مش قادر يرفعها، وعلى الشمال ولاد عم أحمد وعيالهم، ودنيا قعدت في آخر الطربيزة قصاد أحمد بالظبط، وأنا وقفت ورا كرسي حماتي مأكلتش، قولت لحماتي هصب المية الأول يا ماما وهقعد.
الحاج إسماعيل رفع إيده وقال بسم الله الرحمن الرحيم، مدوا إيديكم يا جماعة، كلوا من فضل الله.
الكل مد إيده وبدأوا ياكلوا، والصوت الوحيد اللي كان طالع هو خبط المعالق وتكسير العيش وسوالف الرجالة عن الشغل وأحوال البلد. أحمد ما كانش بيمد إيده، كان بيفرك في صوابعه تحت الترابيزة، وعرقه نازل على قفاه مع إن التكييف كان شغال.
فجأة، تليفون دنيا اللي كان محطوط على السفرة جنب طبقها نور واهتز برسالة.
أنا كنت مراقباها من ورا ضهر حماتي. دنيا بصت في الشاشة بسرعة، وشها اتخطف، وقامت مخبية التليفون بإيدها ومسحباه تحت الطربيزة. أحمد في نفس اللحظة طلع تليفونه من جيبه، وعينيهم اتقابلت لنص ثانية بنظرة كلها رعب متبادل.
هنا، حسيت إن الوقت جه.
مديت إيدي في جيبي، وطلعت الظرف الصغير المقفول اللي كنت حاطة فيه ورقة الوصل بتاعة اللوكاندة، ومعه
حاجة تانية.. حاجة لقيتها وأنا بنضف هدوم أحمد الصبح، كارت صغير مطبوع عليه اسم وعنوان مكتب محاماة في العباسية، ومكتوب وراه بخط إيد دنيا ميعادنا يوم الأحد عشان نوثق.
مشيت بهدوء، والكل كان ملخوم في الأكل، ووقفت عند راس
الطربيزة جنب الحاج إسماعيل بالظبط.
عمي إسماعيل.. يا بركة العيلة، قولت بصوت هادي ورزين بس كان كفيل يخلي الكل يسكت والمعالق تقف في الهوا.
الحاج إسماعيل رفع عينه من على الصحن ومسح بوقه بالمنديل نعم يا بنيتي، في حاجة ناقصة على السفرة؟.
لأ يا عمي، السفرة عامرة بحسك وبخيرك دايماً.. بس في أمانة كانت مع أحمد، وأنا قولت لازم توصل لإيدك إنت بالذات، عشان إنت كبيرنا وكلمتك هي اللي بتمشي على الكل.
أحمد فجأة برق، ووقف نص قومة وشه أبيض كإنه ميت نهى! لأ.. ابوس إيدك!.
حماتي اتفزعت وبصت لابنها في إيه يا واد؟ مالك بتهوهو كده ليه؟.
دنيا الكباية اللي في إيدها وقعت على المفرش، والمية غرقت السفرة، والكل التفت ليها باستغراب. الحاج إسماعيل كشر بين حواجبه وبص لأحمد وبعدين بصلي، وصوته تقل
اقعد مكانك يا أحمد! حسك ما يعلاش وأنا قاعد! هاتي يا بتي.. أمانة إيه دي اللي بتقولي عليها؟.
مديت إيدي بالظرف، وحطيته قدام الحاج إسماعيل جنب طبقه، وبصيت في عينين دنيا اللي كانت بتبصلي بدموع ورعب الموت، ونزلت نظرتي لأحمد وقولت للكل بصوت واضح زي رنة الدهب
الظرف ده فيه عنوان شرف العيلة اللي ضاع إمبارح الظهر بساعتين.. شرف ابن بطن أختك، وشرف البنت اللي مربيها في حضنك ومسميها أمانة الغالي.
الصالون كله اتسحب منه النفس، كإن عزرائيل دخل وقف في وسطنا، ومفيش غير صوت تكتاكة ولاعة الحاج إسماعيل اللي وقعت من إيده على الأرض.
الفندق ج 2 حكـايات مني السيد حصري
السكوت اللي نزل على الصالة في اللحظة دي ما كانش سكوت عادي؛ كان سكوت يوجع الودان، من النوع اللي يخليك سامع دقات قلبك وهي بتضرب في زورك. المعالق اللي كانت بترن في الصواني وقفت، ومية الكوباية اللي دنيا دلقتها كانت بتسحف على مفرش السفرة الأبيض، بتشربه حتة حتة وبترسم بقعة رمادية كئيبة، ومحدش حتى فكر يمد إيده بمنديل ينشفها.
الحاج إسماعيل فضل باصص للظرف الأبيض الصغير المحطوط قدام طبقه. عينه العجوزة، اللي شافت سنين ومشاكل وحكمت بين عائلات بحالها، اتحولت في ثانية لجمرتين نار. حط إيده التقيلة المتجعدة على الترابيزة، وسحب الظرف ببطء شديد، كإنه شايل قنبلة مش ورقة.
«أمانة شرف العيلة؟» كررها الحاج إسماعيل بصوت واطي ومبحوح، بس واطي يخوف أكتر من الزعيق. «شرف مين يا بتي؟ انتي واعية للحروف اللي طالعة من لسانك دي يا نهى؟»
حماتي، الحجة فاطمة، كانت قاعدة مبرقة، صدرها بيعلى ويهبط، وعينيها رايحة جاية بيني وبين أحمد وبين دنيا اللي كانت حرفياً بتترعش على كرسيها.
صرخت فجأة: «نهى! انتي اتجننتي يا بت؟ شرف مين اللي ضاع؟ انتي بتقولي إيه على ابني؟»
أحمد كان ساند إيديه الاتنين على الترابيزة، وركبه مش شايلاه، وعرقه بينزل على قورته وينقط على طبق الرز قدامه.
صوته طلع مخنوق: «يا عمي متفتحش.. يا عمي عشان خاطر ربنا استر عليا، نهى فاهمة غلط،
نهى بتخرب البيت عشان شك في دماغها!»
أنا وقفت مصلوبة، راسي مرفوعة لفوق، ومبصتلوش حتى. عيني كانت في عين الحاج إسماعيل.
«افتح يا عمي.. افتح واقرا الوصل اللي جوة، واقرا الكارت اللي في ضهره. ولما تخلص، اسأل الست المصونة اللي قاعدة في آخر الترابيزة كانت فين إمبارح الساعة واحدة الظهر؟ واسألها مين صاحب السلسلة الدهب اللي لابسها في رقبتها دي؟ واسأل ابن أختك كان مأجر الأوضة رقم 607 في فندق فيصل لمين.. وقضى الساعتين دول مع مين بالظبط!»
الكلمات نزلت زي المطارق، واحدة ورا التانية.
الحجة فاطمة أول ما سمعت رقم الأوضة، وشها اتخطف واتحول للون الكفن. الذاكرة ضربت في دماغها في ثانية؛ ده نفس الرقم اللي كان مكتوب في الوصل اللي شفناه في الشقة، ونفس الباب اللي خبطنا عليه إمبارح وطلع منه ابنها.
لفت حماتي وشها ببطء ناحية دنيا.
دنيا كانت قاعدة في آخر الترابيزة، منهارة ودافنة وشها بين إيديها، وعياطها طالع بشهقات مسموعة. ولما رفعت راسها، بانت السلسلة الدهب اللي في رقبتها، بدلاية على شكل ورقة شجر.
نفس السلسلة اللي الحجة فاطمة عارفاها كويس؛ لأن أحمد كان نازل يشتريها من الصاغة من شهرين بحجة إنه بيوفر قرشين للزمن.
الحجة فاطمة فتحت بوقها، بس مفيش صوت طلع منها. عينيها وسعت، وصوابعها شنجت وهي بتشاور على دنيا:
«إنتي؟! إنتي يا مقصوفة
الرقبة؟! اللي كانت في الأوضة إمبارح.. إنتي؟!»
صرخة حماتي شقت سكون العمارة كلها، وخلت الحريم اللي في المطبخ يجروا ناحية الصالة.
حاولت تقوم، لكن رجلها خانتها، وقعت على الكرسي وهي بتلطم على خدودها:
«يا فضيحتك يا فاطمة! يا سواد ليلك يا فاطمة! بنتي اللي ربيتها في حجري بتخونني مع ابن بطني؟! يالهوي!»
في اللحظة دي، الحاج إسماعيل فتح الظرف.
طلع ورقة الوصل المكرمشة، وقراها بتمعن وهو ساكت تماماً. بعدين طلع الكارت بتاع المحامي اللي في العباسية وقلبه.
شاف خط إيد دنيا.
الخط اللي هو حافظه من سنين.
رفع راسه ببطء. وشه ما كانش فيه غضب عادي؛ كان فيه وجع راجل كبير شاف هيبته وعمره بيتداسوا قدام عينيه.
بص لأحمد، وبص لدنيا، وقال بصوت هادي تقيل:
«الكلام ده صح يا ولد أختي؟»
أحمد انهار على الأرض. نزل على ركبه وزحف ناحية خاله وهو بيبكي:
«سامحني يا خالي.. الشيطان دخل بينا. والله العظيم كنت هصلح الغلطة، والله العظيم كنت هخلص الموضوع ده. اتجوزنا عرفي عشان منقعش في الحرام. غلطة وندمان عليها!»
«عرفي؟!»
الكلمة وقعت على البيت كله كأنها قنبلة.
ولاد عم أحمد قاموا في لحظة، وعيونهم مليانة غضب.
محمود، ابن عم أحمد الكبير، قرب منه وقال:
«اتكتم يا واطي! إنت جاي في بيت أبوي وبتتكلم عن جواز عرفي؟ إنت كده بتلطخ اسم العيلة في عقر دارها!
»
أما دنيا، فلما حست إن كل شيء انكشف، رفعت راسها. مسحت دموعها، وبصتلي بنظرة مليانة غل.
قالت بصوت مسموم:
«أيوة! متجوزين عرفي! ولو عليا كنت عوزاه يعلنها النهارده قبل بكرة! انتي مفكرة نفسك إيه يا ست نهى؟ أحمد مكنش طايق عيشتك! سنين وانتي حابسة حياته في المشاكل والطلبات، لغاية ما أنا دخلت حياته.»
الكلام كان جارح، لكنه بالنسبة لي ما كانش مفاجأة.
أنا كنت خلاص سمعت الحقيقة كاملة.
دنيا لفت ناحية الحجة فاطمة وقالت:
«وانتي يا خالتي، متعمليش نفسك متفاجئة! انتي طول عمرك بتقوليلي يا بخت اللي هياخدك. أهو ابنك خدني. أنا كنت شايفة إن ده حقي.»
الحجة فاطمة حطت إيدها على قلبها، ونفَسها بدأ يضيق.
الحريم جريوا عليها، وبدأوا يحاولوا يفوقوها.
وسط المعمعة دي، الحاج إسماعيل خبط كف إيده على السفرة خبطة هدت البيت كله.
«بسسسس!»
الصرخة خلت الكل يسكت.
قام واقف بطوله المهيب، وبص لأحمد اللي كان لسه على الأرض.
«قسماً بالله، لو اللي حصل ده كان قدام أبوك وهو عايش، كان زمان البيت كله اتقلب عليك. بس أنا مش هخلي الغضب يعميني، ومش هخلي مصيبة واحدة تجر وراها مصايب.»
وبص لمحمود:
«خد الواد ده دلوقتي، وروحوا مكتب المحامي اللي مكتوب في الكارت. هاتوا أصل ورقة الجواز العرفي، وكل نسخة موجودة. وبعدها يرجع معاك للمأذون ويتطلق منها رسمي. والموضوع
ده ينتهي النهارده.»
أحمد كان بيعيط:
«حاضر يا عمي.. حاضر. بس سامحني.»
الحاج إسماعيل ما ردش عليه.
وبص لدنيا:
«وانتي من اللحظة دي، مفيش ليكي مكان هنا. لمي هدومك وامشي. الحساب بينك وبين ربنا، أما أنا فمش هسمح إن البيت ده يتفتح فيه الكلام ده تاني.»
دنيا وقعت في البكاء:
«يا عمي عشان خاطر أبويا الله يرحمه، متطردنيش.. مليش حد غيركم.»
رد عليها بصرامة:
«كان لازم تفتكري الكلام ده قبل ما تدخلي نفسك في مصيبة بالشكل ده.»
وبإشارة من إيده، خرجت من البيت وسط بكائها وصراخها.
أنا فضلت واقفة مكاني.
لا صرخت، ولا فرحت، ولا حتى حسيت بالشماتة.
كنت حاسة إن عشر سنين من عمري بيتراجعوا قدام عيني في لحظات.
محمود مسك أحمد وطلعه من الأرض. أحمد بصلي آخر مرة.
كانت نظرته مليانة رجاء وندم.
لكن أنا بصيتله بهدوء.
لأول مرة، شوفته غريب.
مش الراجل اللي عشت معاه عشر سنين، ولا أبو ولادي اللي كنت فاكرة إني أعرفه.
مجرد شخص خان ثقتي، وقرر يهدم بيته بإيده.
الحاج إسماعيل قرب مني وقال بصوت مليان احترام:
«حقك عليا يا بنت الأصول. أحمد غلط،
والعيلة كلها هتتحمل نتيجة غلطه. عيالك عيالنا، وحقك محفوظ. شقة الهرم هتتسجل باسمك وباسم عيالك، ومحدش هيقدر يضايقك.»
بلعت الغصة اللي في حلقي وقلت:
«تسلم يا عمي. أنا مقدرة وقفتك. بس أنا مش عايزة غير حقي وحق ولادي. لا عايزة صدقة ولا عايزة فضل من حد. أنا عشت عشر سنين وأنا شايلة بيتي على كتفي، والنهارده لازم أشيل نفسي وعيالي بس.»
هز راسه وقال:
«اللي يريحك يا بنتي.»
في اللحظة دي، الحجة فاطمة بدأت تفوق. عينيها دورت عليا، ولما شافتني مدت إيدها ناحيتي وقالت بصوت مكسور:
«نهى.. يا بنتي.. سامحيني يا ضنايا. أنا ما كنتش أعرف إن ابني ممكن يعمل فيكي كده.»
قعدت جنبها ومسكت إيدها بين إيديا.
ولأول مرة من ساعة ما اكتشفت الحقيقة، دموعي نزلت.
بكيت على عشر سنين ضاعوا.
بكيت على التعب اللي اتحط في مكان غلط.
بكيت على ولادي اللي هيفهموا يوم من الأيام إن أبوهم اختار طريق غير الطريق اللي بنيناه سوا.
وبكيت على نهى القديمة.
نهى اللي
كانت بتسامح كتير، وتعدي حاجات كتير، وتقول لنفسها إن البيوت لازم تستحمل.
لكن في اللحظة دي فهمت إن البيت اللي بيتبني على الخيانة، مش لازم الواحد يفضل عايش تحت سقفه.
المركب كانت غرقت خلاص.
بس أنا مكنتش ناوية أغرق معاها.
بعد شهرين، كانت كل الإجراءات خلصت.
أحمد أنهى علاقته بدنيا رسميًا، وكل الأوراق الخاصة بالجواز العرفي انتهت، وبعدها كنت أنا واقفة قدام المأذون بخلص إجراءات طلاقي منه.
كان شكله متغير.
خاسس، مرهق، وعينيه مطفية.
حاول يكلمني، وبعت رسايل، ووسط ناس، واتوسل بالعيال.
لكن الباب اللي اتقفل بالخيانة، مفيش كلام يقدر يفتحه تاني.
أما دنيا، فسمعت إنها سابت القاهرة وراحت تعيش مع قريبة ليها في إسكندرية، وبدأت تشتغل في عيادة صغيرة.
العيلة قطعتها، وهي اضطرت تبدأ حياتها من جديد بعيد عن كل اللي كانت تعرفه.
وأنا أخدت يوسف ومريم، ونقلت بيهم لشقة إيجار في منطقة هادية على أطراف الجيزة.
مكنتش عايزة أي حاجة تفكرني
بالماضي.
بدأت مشروعي الصغير في الحلويات والمخبوزات من البيت.
في البداية كانت الطلبات قليلة، لكني فضلت مكملة.
طلب ورا طلب، وزبون ورا زبون، لحد ما بقى ليا اسمي وزبايني اللي بيطلبوا مني بالاسم.
والحجة فاطمة؟
لسه بتيجي تزورني كل جمعة.
أنا مكنتش حطيتها في حسابات ابنها، لأن قلة أصل أحمد مش ذنبها.
أحياناً، لما الدنيا تهدى والعيال يناموا، بقف في البلكونة وأبص لأنوار العربيات من بعيد.
وبفتكر الوصل الصغير اللي لقيته في جيب الجاكيت الرمادي.
ورقة صغيرة.
لكن الورقة دي كانت كفاية إنها تكشف حقيقة كاملة.
في وقتها افتكرتها نهاية حياتي.
لكن بعد السنين، فهمت إنها كانت بداية حياة جديدة.
أحمد خسرني بسبب ساعتين.
وأنا خسرت عشر سنين من عمري، لكني كسبت نفسي.
وعرفت إن أوقات كتير، الحقيقة بتوجعنا لما تظهر...
بس الكذبة كانت هتوجعنا أكتر لو فضلت مستخبية.
ومن يومها، بقيت مؤمنة إن الإنسان ممكن يقع مرة، لكن مش لازم يفضل واقع.
أنا
نهى.
مش الست اللي اتكسرت بسبب الخيانة.
أنا الست اللي عرفت الحقيقة، ووقفت على رجلي، وبدأت من جديد.
والمرادي...
من غير أحمد.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق