خطة حماتي كامله حكايات زهرة حصري
خطة حماتي كامله حكايات زهرة حصري
خطة حماتي كامله حكايات زهرة حصري
جوزي الله يرحمه كان متجوز واحده عليا واحنا الاتنين معانا عيال منه ،وبعد الاربعين بتاعته اتصدمنا بحماتي بتوقفنا عرض بمنتهى الإهانه ونادت لاخو جوزي وقالتله يختار واحده مننا يتجوزها ، والتانيه كان مستنيها مصير اسوء بكتير !!
انا عشت طول عمري اعافر واعدي عشان المركب تسير. جوزي الله يرحمه "سيد" كان راجل طيب ومكفي بيته، بس من كام سنة دخلت حياتنا "غادة".. البنت الصغيرة اللي حلاوة سنها اغرت جوزي فاتجوزها عليا. ساعتها الدنيا اسودت في وشي، وكنت هاخد بناتي الاتنين وأمشى، بس أمي الله يرحمها قالتلي: "يا بنتي اعدلي دماغك، متخربيش بيتي ...هو مش أول ولا أخر راجل يتجوز، سيبيه يلف يلف ويرجع لبيته". سكتّ ورضيت بالهم، اخدت بناتي في حضني وقولت تعدي. هي خلفت بنت وولد، وأنا معايا البنتين الكبار، وعشنا كلنا في بيت العيلة الكبير.
البيت كان عبارة عن ثلاث طوابق؛ الطابق الأول كانت قاعدة فيه حماتي "الحاجة حكمة" مع بنتها الصغيرة "سحر"، والطابق التاني كان المرحوم قاسمه شقتين بالعدل، شقة ليا وشقة لضرتي. أما الطابق التالت فكان بتاع أخوه الصغير "حسن".. حسن كان متجوز ومعاه ولد، وراجل حاله على قده شغال مع أخوه في التجارة.
المركب كانت ماشية، لحد ما جه اليوم الأسود. سيد كان راجع من سكة تجارة بعيدة على الطريق الصحراوي، وعربيتهم انقلبت. الخبر نزل علينا زي الصاعقة، البيت اتزلزل، والصريخ جاب آخر الشارع. مات سيد وساب ورطه كبيرة،
ساب أربع أطفال وحرمين في ذمته، وحزن ما ينطفيش.
عدت أيام العزا بالعافية، وجات الأربعين.. أربعين يوم وأنا وضرتي بناكل في نفسنا من التفكير، يا ترى اللي جاي إيه؟ احنا عايشين في الارياف وفي بلدنا طالما الزوج مات يبقى البيت مابقاش ينفع يتقعد فيه زي زمان، حسن أخو المرحوم راجل شاب وعايش في نفس البيت مع مراته "شيرين"، وحضورنا في الراحة والجاية بقى يعمل إحراج ومشاكل خصوصا ان اهلي بقم يزنوا ويقولو مينفعش تفضلي هناك وضرتي نفس الحال.
في يوم الأربعين بالظبط، نزلنا أنا وغادة الشقة تحت عشان نستأذن من الحاجة حكمة إننا نلم هدومنا ونرجع لبيوت أهالينا مع عيالنا لحد ما نشوف الدنيا هترسي على إيه
أول ما فتحت بؤي وقولت: "يا حاجة إحنا هنلم حاجتنا ونمشي عشان قعدتنا مبقتش تنفع"، لقيت عينيها احمرت . قامت وقفت وحطت إيديها في وسطها وزأرت فينا:
"تمشوا تروحوا فين يا عين أمك أنت وهي؟! عيال ابني الغالي مش هيطلعوا من العتبة دي أبدًا! اللي تتجرأ وتاخد عيال ابني وتطلع بيهم بره البيت ده، أقطع خبرها!"
كنا وافقين ومذهولين، وضرتي غادة كانت ماسكة في دراعي ومخبية عيالها ورانا. وفي لحظة، الحاجة حكمة نادت بعلو صوتها: "يا حسسن! انزل لي حالاً يا حسن!"
نزل حسن مرعوب فاكر في مصيبة، لقي أمه واقفة ومكتفة إيديها بصتلوا بأمر وقالتله الكلمة اللي صدمتنا:
"انت هتتجوز حريم أخوك يا حسن.. عشان تربي عيال المرحوم وميدخلوش راجل غريب عليهم!
"
حسن رد بذهول وصدمة:
"أنتِ بتقولي إيه يا أما؟! أتجوز اتنين؟! وأنا أصلاً متجوز ومعايا ولد، وحالي على قده ! هو أي كلام وخلاص يا حاجّة؟! هصرف على ثلاث حريم وأربع عيال منين بس؟! مستحيل طبعًا ده جِنان!"
حماتي بصت له بنظرة حادة قاطعة، ووقفتنا أنا وغادة جنب بعض زي ما نكون بضاعة معروضة في سوق، وقالت بثقة وغرور يخوف:
"خلاص يا سي حسن.. اختار واحدة منهم اتجوزها واوي عيالها، والتانية أنا عارفة ازاي هخلي عيالها معايا ومن غير مشاكل!"
حماتي بصتلي أنا بالذات بخبث، وكانت ابتسامتها الشيطانية واضحة، كأنها متأكدة ومبصمة بالعشرة إن ابنها هيختار "غادة" لأنها أصغر في السن وأحلى، وأنا بقيت كارت محروق بالنسبة لهم.
حسن بصلنا بكسوف وارتباك، عينه جت على غادة، وقال وهو بيبص في الأرض:
"أنا.. أنا هتجوز غادة عشان عيالها لسه صغار قوي ومحتاجين رعاية وتربية."
في اللحظة دي، أنا اتنفست براحة عميقة الحمد لله يا رب.. أنا مكنتش هستحمل إني أكون زوجة لأخو جوزي المتوفي، ولا كنت متخيلة إني أشارك شيرين مراته في جوزها وأعيد نفس الكابوس تاني.
ضرتي غادة وشها نور، وفرحت إنها ضمنت مستقبلها ومستقبل عيالها وشقتها، وعلى طول جريت طلعت على شقتها فوق عشان تجهز نفسها للوضع الجديد.
وفضلت أنا واقفة لوحدي في الصالة.. قدام حماتي وحسن.
كان مستنيني مصير أسود وأنا مش دارية بيه.
حسن كان واقف مستني يسمع أمه هتعمل إيه معايا، والحاجة حكمة
قربت مني بخطوات بطيئة، وبصتلي من فوق لتحت وقالت جملة واحده خلت الدم ينشف في عروقي...
"إنتِ يا هدى مالكيش عيش في البيت ده خلاص.. هتسبي العيال هنا، وتطلعي بره البيت بجلابيتك اللي عليكِ دي، ومن غير قرش واحد ولا قشة من عفشك!"
الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة. أقفلت عينيا واستوعبت اللحظة، دموعي جمدت في عيني ولقيتني برُد بصوت طالع من قعر صدري: "أسيب بناتي؟! إنتِ بتخرفي بتقولي إيه يا حاجة؟! ده على جثتي إن حد ياخد بناتي مني!"
الحاجة حكمة ضحكت ضحكة شريرة وشاورت بإيدها بحسم: "جثتك؟ طب والله يا هدى لو ما مشيتي بالتي هي أحسن، لأكون شديتك من شعرك ورميتك في الشارع، وأنا واخت جوزك سحر شاهدين إنك تنازلتِ عن حقك وعن وصاية البنات مقابل مصاريفك اللي أكلتي بيها من خير ابني! وعفشك؟ العفش ده مال عيال المرحوم، مالكيش فيه القشة!"
حسن واقف ساكت، يبص للأرض ويهز رأسه كأنه مغلوب على أمره، ولا نطق بكلمة ينصفني بيها. مسكت نفسي بالعافية، وجريت على السلم طالعة لشقيتي عشان ألحق بناتي. فتحت الباب وضميت البنتين لصدري وأنا بترعش. غادة ضرتي كانت واقفة عند باب شقتها، باصة لي بنظرة فيها مزيج من الشفقة والارتياح إن القرعة جت عليا هي ونفدت بجلدها.
في نفس الليلة، حماتي طلعت ومعاها سحر وشيرين مرات حسن. شيرين كانت عينها حمرة من الغل إن جوزها يتجوز غادة، بس طلعت غلها فيا أنا. هجموا على شقتي، لموا هدومي في شنطة خيش واحدة، والحاجة حكمة مسكتني من دراعي
خطة حماتي ٢ حكايات زهرة حصري
في نفس الليلة، حماتي طلعت ومعاها سحر وشيرين مرات حسن. شيرين كانت عينها حمرة من الغل إن جوزها يتجوز غادة، بس طلعت غلها فيا أنا. هجموا على شقتي، لموا هدومي في شنطة خيش واحدة، والحاجة حكمة مسكتني من دراعي ورمتني بره الشقة، والبنات بيصرخوا ويدبدبوا في الأرض: "أمي! مش عايزين نمشي من غير أمنا!"
حسن مسك البنات بالعافية وحبسهم جوة، وأنا اترميت بره باب البيت الكبير في ظلام الليل، الشارع فاضي والبرد ينخر في العظام، معايا شنطة هدوم مبهدلة وقلبي مكسور نصين.
مشيت في الضلمة وأنا مش شايفه قدامي من الدموع لحد ما وصلت لبيت أهلي في آخر البلد. أخويا "محمود" أول ما فتح الباب وشاف منظري اتجنن. حكيت له كل اللي حصل وهو بيغلي: "والله لأروح أهد البيت ده على دماغهم واجيب البنات بالسلاح!"
أمي الله يرحمها كانت لسه عايشة ساعتها، مسكت في إيد أخويا وقالتله: "اهدى يا محمود، الشدة مش بتجيب حق، البلد ليها كبار وليها قانون، وحق أختك وبيت ابنتها مش هيضيع."
تاني يوم الصبح، محمود أخويا لم كبار العيلة وراحوا يقعدوا مع كبار عيلتهم. بس الحاجة حكمة كانت أفعى، جهزت نفسها وقالت قدام العمدة والكبار: "أنا مأكلتش حقها، هي اللي سابت العيال ومشت
عشان تتجوز، والعيال عايشين في خير أبوهن، وهي لو عايزه تيجي تتفرج عليهم ساعة كل أسبوع مرحب بيها، إنما تاخدهم بره بيت أبوهن وتتحكم في ورثهم؟ ده بعدهن!"
الكبار اتكلموا والمجلس فضّ بـ"حسنى" ملهوش أي قيمة، كلام مصاطب لا جابلي بناتي ولا جابلي حقي في شقتي وعفشي. ساعتها فهمت إن الحق في الزمن ده لازم يتاخد بالدراع والقانون، مش بالطيبة والمسايسة اللي بوظت حياتي.
مسحت دموعي وقولت لأخويا: "محمود.. وديني المحكمة."
أخويا بصل مستغرب: "محكمة يا هدى؟ إحنا حريمنا مابتخطيش المحاكم!"
رديت بصلابة عمري ما عرفتها في نفسي: "حريمنا اللي مابيروحوش المحاكم بيموتوا بال حسرة يا محمود. أنا عايزه بناتي وعايزه حق جوزي اللي طفحت الدم معاه عشان يبنيه."
سافرنا البندر وقابلنا محامي شاطر، حكيت له كل حاجة بالمليم. المحامي ابتسم وقال: "القانون معاكِ يا مدام. أنتِ الأمه وليكِ الحضانة فورًا، والعفش ده حقك بالقائمة، والورث هينزل للعيال ولِيكِ بالقرش، والحكومة هي اللي هتنفذ."
رفعنا قضية حضانة عاجلة، وقضية تمكين من الشقة، وقضية تبديد منقولات زوجية ضد الحاجة حكمة وحسن. الأيام كانت بتمر عليا زي السنين، أربع شهور وأنا باكل في نفسي، لا عارفة
أنام ولا عارفة أطمن على بناتي، وكل ما أروح أشوفهم من بعيد عند المدرسة، ألاقيهم خاسين ودموعهم على خدهم، وحسن وغادة ملهيين في حياتهم الجديدة، والحاجة حكمة ممشياهم خدامين لعيال غادة وعيل حسن!
بعد ست شهور، صدر الحكم!
الحكم جه زي الصاعقة على بيت الحاجة حكمة: تمكين الزوجة من شقتها، وتسليم الصغار لأمهم فورًا بقوة الشرطة، وإلزام الورثة بصرف نصيب البنات من تجارة أبوهم.
في يوم التنفيذ، نزلت قوة من المركز ومعاهم المحامي وأنا وأخويا. المأمور خبط على الباب الكبير. الحاجة حكمة فتحت وهي فاكرة إن محدش يقدر عليها، بس لما شافت الظباط والعساكر، وشها أصفر وزرّق.
الظابط قال بصرامة: "معانا حكم قضائي بتمكين المدعوة هدى من شقتها وتسليم بناتها فورًا، وإلا هيتم ضبط وإحضار حسن والحاجة حكمة بتهمة الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء وتبديد المنقولات."
حسن خرج يرعش ويقول: "يا باشا نتفاهم! دي أمنا ودا بيتنا!"
الظابط ردي بحدة: "التفاهم في المحكمة، سلم البنات هاتي حاجتها يالّا!"
غادة نزل بتبصلي بذهول وخوف، وشيرين كانت واقفة تتفرج بشماتة في الحاجة حكمة وحسن اللي اتكسرت شوكتهم قدام الشارع كله. البنات جرايوا عليّ واترَموا في حضني، حضنتهم
وأنا بصرخ من الفرحة والبكاء، باسبح ربنا اللي ما بيضيعش حق مظلوم.
طلعت شقتي ورجعت فيها مرفوعة الراس. الحاجة حكمة حاولت تتكلم وتزعق، بس المحامي وقف لها وقالها: "لو خطيتي عتبة الشقة دي أو تعرضتي لها، المحضر جاهز والبس حبس فورًا يا حاجة."
دارت الأيام، وحسن أكلته الديون، التجارة اللي سابها سيد الله يرحمه حسن معرفش يديرها وخسر معظمها، والبيت اللي كانوا فاكرين إنهم هيحرموني منه بقيت أنا القاعدية فيه بعزي وكرامتي. غادة اكتشفت إن جوازها من حسن كان أكبر غلطة، بقى الفقر ونكد العيشة هو اللي جُمِعهم، وحسن بقى يضرب كف بكف على اللي عملوه فيا.
أما أنا، فتحت مشروع صغير من باقي ورث بناتي وورثي، بدأت أعمل أكل بيتي وأبيعه، والربح بقى يكفينا وزيادة. كبرت بناتي بشرفي وعرقي، واحدة دخلت كلية طب والتانية هندسة، وكل البلد بقت تحلف بأدبهم ونجاحهم.
في يوم من الأيام، بعد سنين طويلة، لقيت الباب بيخبط. فتحت لقيت الحاجة حكمة.. كبرت في السن، ظهرها اتنحنى، وعينيها اللي كانت بتطلع شرار بقت مطفية ومكسورة. بصت لي بصة رجاء وقالت بصوت متهدج: "سامحيني يا هدى.. أنا أخدت عقابي في الدنيا قبل الآخرة، حسن حاله اتقلب وغادة سابته ومشيت، وبقيت عليلة ومحدش يخدمني."
بصيت لها طويلًا.. افتكرت ليلة ما رمتني في الشارع، وافتكرت كسرة قلبي على بناتي. بس افتكرت كمان إن ربنا جابلي حقي وزيادة، وإن التسامح شيمة الأقوياء.
مسكت إيدها ودخلتها الشقة، قعدتها وجمعت بناتي وقالتلهم: "سلموا على سيتكم.. وسبوها ترتاح."
الحاجة حكمة بكت بكاء حار، وحطت إيدها على دماغي وقالت: "أنتِ طلعتِ أصيل وأنا طلعت ظالمة.. ربنا يبارك لك في بناتك يا بنت الأصول."
وعرفت ساعتها إن الصبر مفتاح الفرج، وإن اللي يسلم أمره لربنا، ربنا ما بيكسروش أبداً، والمركب اللي كنت فاكرة إنها غرقت، ربنا قادها لبر الأمان بكرمه وعدله
فوتت السنين والتجربة علّمتني إن الحق لما بيرجع، ما بيرجعش بس بأوراق المحكمة، ده بيرجع لما تبص في عين اللي ظلمك وتلاقيه مكسور بالعين والذنب.
الحاجة حكمة قعدت على الكنبة في صالوني، إيديها بتترعش وهي ماسكة كوباية المية اللي مدتهالها بنتي الكبيرة "شهد". شهد اللي كانت زمان طفلة بتبكي ومحبوسة ورا الباب، كبرت وبقت دكتورة قد الدنيا، واقفة تبص لستها بقلب أبيض رباها عليه، من غير غل ولا قسوة.
قعدت قدامها وقولتلها: "يا حاجة، أنا نسيت الوجع، مش عشان خاطرك، لكن عشان خاطر سيد الله يرحمه وعشان خاطر بناتي ما يشيلوش في قلوبهم سواد يمرر عيشتهم. بس قولي
لي.. كان إيه الفايدة من ده كله؟"
دموعها نزلت على خدودها المتجعدة، ونكست رأسها في الأرض وقالت بصوت مجروح: "الجهل والطمع يا هدى.. كنت فاكرة إني لما أربط حسن بدبورة غادة وأطردك، إني كده بحافظ على بيت ابني وماله تحت إيدي. مكنتش عارفة إني بخرّب البيت بيدي. حسن مكنش راجل حمل مسؤولية بيت تاني، وغادة كانت صغيرة وطمعانة في راحة البال، أول ما القرش قل والحال اتضايق، شالت عيالها وسابت له البيت ورجعت لأهلها تطالب بنفقة وطلاق!"
سكتت شوية واسترجعت الشريط.. حسن أخو جوزي اللي وافق زمان يرميني في الشارع عشان يرضي أمه، حاله اتقلب حال. التجارة اللي سابها المرحوم سيد كانت محتاجة راجل شاطر يراعي ربنا ويصون اللقمة، لكن حسن كان بيصرف من الكسبان ومن غير حساب، لحد ما الديون ركبته واضطر يبيع نصيبه في المحل الصحراوي عشان يسدد للناس، وبقى شغال باليومية عند اللي كانوا زمان خدامين عنده! وشيرين مراته الأولى اللي فرحت فيا لما انطردت، أكلت النكد أشكال وألوان لما حسن اتجوز عليها، ولما الفقر دخل من الباب، الود طار من الشباك وبقت العيشة بينهم جحيم لا يطاق.
أما سحر أخت حسن الصغيره، اللي شهدت عليا زور وقالت إني تنازلت عن بناتي وعفشي، ربنا رزقها بجوز قاسي، شربها من نفس الكأس، وأخد
حاجتها ورمى لها ورقتها، ورجعت قعدت جنب أمها مكسورة الجناح.
أنا بقى.. في الأيام الأولى بعد ما أخدت الشقة بحكم المحكمة، الشارع كله كان بيبص لي بنظرة استغراب؛ حزمة حريم من غير راجل في بيت عيلة. بس أنا مكنتش فاضية لكلام الناس. كنت بصحى من الفجر، أطبخ وأجهز صواني الأكل البيتي: محشي، ومكرونة بشاميل، وفطير مشلتت. محمود أخويا كان ياخد مني الشغل ويوصله للمحلات والمكاتب في البندر.
اللقمة الحلال فيها بركة عجيبة.. المشروعات الصغار كبرت، والزبائن زادت، وبدل ما كنت بشتغل لوحدي في المطبخ، أأجرت محل صغير تحت العمارة وشغّلت معايا اتنين ستات من المطلقات والأرامل اللي مظلومين زيي. بقيت أدخل قرشي بعرقي، وبناتي شايفين أمهم بتموت نفسها عشانهم، فكانوا بيذاكروا على ضوء الشمعة لما النور يقطع عشان يفرحوني.
شهد دخلت كلية الطب والتفوق كان رفيقها، ومريم الصغيره دخلت هندسة ديكور. البيت اللي الحاجة حكمة كانت فاكرة إنه هيتهد من غير راجل، بقى أمن وأهدى بيت في السكة كلها، وصوته عامر بالقرآن والضحكة الصافية.
الحاجة حكمة بصت حواليها في الشقة، كانت الشقة نظيفة، العفش اللي كانت عايزة تسرقه مني متلمع ومترتب، وريحة البخور مالية المكان. قالتلي بحسرة: "أنا ظننت إنك ضعيفة يا هدى، وإن
أهلك مش هيقفوا لك، بس طلعتِ أقوى مننا كلنا.. القانون أدَاكِ حقك، بس أدبك وعفتك هما اللي أدوا لك القيمة في عيون البلد كلها. حسن ابني مسجون يا هدى في وصلات أمانة، وشيرين قاعدة في الشقة اللي تحت ومش راضية تطل طلّة عليا ولا تجيب لي لقمة أكلها!"
قمت من مكاني، دخلت المطبخ وعملت لها صينية أكل سخنة، وحطيت قدامها علاجها اللي كانت ناسيته. بصيت لها وقولت: "حسن غلط في حقي وحق عيال أخوه، بس هو في النهاية عم بناتي.. ومحمود أخويا هيروح بكرة للمحامي يشوف وصلات الأمانة كام، ولو ربي قدرنا هنساعد في فك كربته عشان خاطر ربنا وعشان عياله."
الحاجة حكمة شهقت بالبكاء، ومسكت إيدي باستها وهي بتقول: "يا كبر قلبك يا هدى! يا بخت سيد بيكِ ويا بخت بناتك.. أنا كنت عمياء، بس ربنا نور بصيرتي على آخر أيامي."
في الليلة دي، عرفت إن النصر الحقيقي مش إنك تشوف اللي ظلمك تحت جزماتك، النصر الحقيقي إنك تعلى وتكبر لحد ما اللي ظلمك يشوفك في السحاب، ويسأل نفسه: "إزاي أنا أذيت جوهرة زي دي؟"
المركب اللي حاولت الحاجة حكمة تغرقها في بحر الظلم والاهانة، ربنا بعتلها موج العدل ورحمة الصبر، ومشيت بيا وببناتي لحد ما وصلنا لبر الأمان.. والحمد لله، حق مظلوم ما بيضيعش أبداً طالما صاحبه واقف على رجليه وواثق في رب العرش.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق