سكريبت جوزها توفي كاملة حكايات صافي هاني
سكريبت جوزها توفي كاملة حكايات صافي هاني
جوزها توفي حكايات صافي هاني
أنا عندي تسعين سنة ولسه لابسة دبلة جوازي في إيدي لما المحامي قرا الكلام ده بصوت عالي قدام ولادنا التلاتة وأخت جوزي الصغيرة. كام ثانية فضلت قاعدة مش مستوعبة. بصراحة افتكرت إني فهمته غلط. جوزي هارون كان مات من أسبوعين بعد شهور طويلة من التعب والمرض.
كنا نعرف بعض من أيام الكلية.
كان وقتها شاب خجول معاه جاكت واحد كويس وكان بطريقة تضحك يلبسه في كل خروجة وكل ميعاد بينا.
اتجوزنا وإحنا عندنا واحد وعشرين سنة.
وبعدها جُم العيال والبيت والأقساط وأيام الشغل اللي كنا بنجري فيها ورا القرش وخسارة الوظايف والأحفاد والمرض والكبر والمعاش وكل الخناقات الصغيرة اللي بتحصل بين أي اتنين عايشين مع بعض سنين طويلة.
جوزي سابني وانا بولد حكايات صافي هاني
منذ يوم واحد
كان عندنا تلات ولاد: ديلا وجاريث ونيل، وبعدهم ربنا رزقنا بخمس أحفاد.
جوازنا مكنش كامل، وأي جواز يعيش تسعة وستين سنة مستحيل يكون كامل، لكن أنا كنت مبسوطة، والأهم من كده إني طول عمري كنت مؤمنة إن أنا وهارون في صف واحد.
في آخر أربع شهور من حياته حالته الصحية ساءت جدًا، فدخلنا سرير مستشفى وحطيناه في أوضة نومنا عشان يفضل في البيت وسطنا بدل ما يموت في مستشفى غريبة.
كل ليلة بعد ما الممرضة كانت تمشي كنت بقعد جنبه وأمسك إيده، ساعات كنا بنتكلم، وساعات كان بينام، وساعات كنت بقعد ساكتة وأسمع بس نفسه وهو طالع ونازل.
قبل وفاته بتلات ليالي فتح عينه وبصلي فترة طويلة، وبعدين قال بصوت ضعيف:
— إنتي هتبقي كويسة يا نورين.
ضغطت على إيده وقلتله:
— متبدأش تتكلم معايا بالطريقة دي.
قال:
— هتبقي كويسة.
قلتله:
— هكون لوحدي.
رد بكل هدوء:
— أيوه.
الكلمة كانت شبه هارون جدًا لدرجة إني كنت قربت أضحك، فهو عمره ما كان راجل بيحاول يجمّل الحقيقة أو يهرب من الكلام الصعب. وبعدين رفع إيدي وباسها وقال:
— بس هتفضلي نورين.
وقتها افتكرت إنه بيحاول يطمني، ومكنتش أعرف إنه في نفس الوقت كان بيودع خطة كان بدأ ينفذها من غير ما أعرف.
بعد جنازته بأسبوعين، المحامي بتاعه الأستاذ كيتون طلب من العيلة القريبة إنها تتجمع في مكتبه.
أخت هارون، مافيس، وصلت قبل الكل، ومن ساعة ما هارون تعب وهي بقت مهتمة بيا بشكل غريب؛ كانت بتجيبلي أكل أنا أصلًا مكنتش بطلبه، وتعرض إنها تنظملي الأدوية، وكل شوية تقولي إني لازم أفكر أبيع البيت لأنه «كبير على ست في سني».
حاولت متضايقش؛ مافيس كان عندها تمنية وسبعين سنة، وبالنسبة لي كانت لسه أخت هارون الصغيرة المزعجة.
في مكتب المحامي قعدت جنبي ومسكت إيدي وقالتلي بصوت واطي:
— إنتي مش لازم تعدي كل ده لوحدك.
قلت:
— عارفة.
قالت:
— ولو الموضوع بقى أكبر منك أقدر أتكلم مكانك.
ابتسمت بأدب وقلتلها:
— أنا عندي تسعين سنة يا مافيس مش ميتة.
الأستاذ كيتون بدأ يقرأ الوصية: هارون ساب خمسين ألف دولار لجمعية رعاية المحتضرين، وكوخ الصيد بتاعه سابه لمافيس، وعدد من حسابات الاستثمار اتقسمت بين ولادنا وأحفادنا.
أنا مكنتش مستغربة، لأني أنا وهارون كنا اتكلمنا عن أغلب الحاجات دي على مدار السنين.
لكن بعدها المحامي وقف شوية، وعدل نضارته، وبعدين قال:
— إلى زوجتي نورين أترك بموجب هذه الوصية لا شيء من ممتلكاتي.
في اللحظة دي محدش اتحرك. افتكرت إن فيه جملة تانية لسه هيقراها، لكن مفيش.
ديلا كانت أول واحدة اتكلمت وقالت:
— آسفة… إيه؟
المحامي كرر كلامه:
— إلى زوجتي نورين أترك بموجب هذه الوصية لا شيء من ممتلكاتي.
بصيتله وقلت:
— ده مستحيل يكون صح.
رد بهدوء:
— ده المكتوب في المستند يا مدام نورين.
ابني الأصغر نيل قرب من المكتب وقال:
— بابا ساب ماما من غير حاجة؟
المحامي ماردش بشيء غير اللي قراه، وبنتي فضلت باصة لي وעל وشها خليط من الحيرة والخوف، وقالت:
— ماما… حصل حاجة بينك وبين بابا؟
السؤال وجعني أكتر من الوصية نفسها، وقلتلها:
— يعني إيه؟
قالت:
— يعني… هو مش ممكن يعمل كده فجأة.
جاريث لف ناحيتها بسرعة وقال:
— ديلا.
قالت:
— أنا بس بسأل.
رد عليها:
— يبقى متسأليش.
ورايَا مافيس حطت إيدها على كتفي وقالت:
— نورين يا حبيبتي محدش بيلومك.
لفيت وشي ناحيتها، كان وشها مليان تعاطف، لكن كان فيه حاجة تانية في عينيها… راحة.
كملت كلامها:
— ممكن تيجي تعيشي معايا شوية لحد ما نفهم هارون كان بيفكر في إيه.
قلتلها:
— أنا راجعة بيتي.
قالت:
— مينفعش تفضلي لوحدك دلوقتي.
رديت:
— أنا عايشة في البيت ده من اتنين وخمسين سنة.
قالت:
— وعشان كده الموضوع صعب.
لما الاجتماع خلص أخيرًا، خرجنا كلنا للممر، ومديت إيدي على شنطتي، لكن الأستاذ كيتون ناداني:
— نورين، ممكن تفضلي دقيقة؟
مافيس لفت بسرعة وقالت:
— ممكن أفضل معاها.
المحامي رد بأدب:
— لا، أنا محتاج أتكلم مع مدام بيل لوحدها.
الباب اتقفل وراها، وأول ما اتأكد إننا بقينا لوحدنا، المحامي بصلي بنظرة مختلفة تمامًا وقال:
— مدام نورين… اللي اتقري قدامهم دلوقتي مش كل الحقيقة. دي كانت خطة جوزك، ودلوقتي لازم أقولك الحقيقة يا مدام نورين.
سحب الكرسي اللي قدام مكتبه وقال:
— قبل ما أقولك أي حاجة لازم تعرفي إن هارون مكنش ناوي يسيبك من غير فلوس، واللي عمله كان مقصود عشان يحميكي من ناس قريبة منك أكتر مما تتخيلي.
وطلع ظرف بني كبير مقفول بخط هارون مكتوب عليه: “إلى نورين فقط.”
فتحت الظرف ولقيت جواه جواب بيقول إنه كتب كده عشان يحميني، وإني أثق في كيتون ومتبيعيش البيت ولا تدي مافيس أي ورقة.
بعدها، طلع كيتون مفتاح صغير وقالي إن الخزنة موجودة في البيت، ورا دولاب غرفة النوم القديمة، في المكان اللي قضينا فيه أول ليلة بعد شهر العسل.
رجعت البيت، وبمساعدة صندوق أدوات هارون قدرت أحرك الدولاب وأفتح الخزنة الصغيرة، ولقيت جواها ملفات وصور وفلاشات. فتحت الصور ولقيت مافيس مع جاريث ابني في اجتماعات ومقابلات سرية، ولقيت مستندات بتوضح إن هارون كان عنده ثروة ضخمة وشركات واستثمارات مخبية بعيد عن أعين العيلة، خصوصًا بعد ما اكتشف إن فيه محاولات مستمرة لمعرفة تفاصيل أمواله من قِبل أشخاص مقربين.
بعدها دخل عليا نيل ابني، وبسؤاله اعترف إنه كان عارف بوجود أموال وأن هارون كان خايف من مافيس وطمعها في الأرض اللي البيت مبني عليها لص لصالح مشروع تجاري وسكني كبير.
وفي وسط الكلام، خبط الباب ودخلت مافيس ومعاها جاريث، وابتدوا يضغطوا عليّا عشان أوافق على بيع البيت بحجة إنه كبير عليّا، لكنني وقفت بحزم وأكدت إنني لن أبيع بيتي مهما كان الأمر، عازمةً على استكمال طريق الحقيقة وحماية ما تركه لي زوجي بحكمة ووعي كاملين.
وأنا فهمت.
قلت:
— خلاص.
مافيس قالت بسرعة:
— نورين متفهميش غلط.
قلت:
— أنا فاهمة أكتر مما تتخيلي.
قامت.
— هارون كان مريض جدًا في آخر أيامه.
قلت:
— وكان واعي.
قالت:
— يمكن حد لعب في دماغه.
قلت:
— تقصدي أنا؟
— لا.
— تقصدي كيتون؟
سكتت.
قلت:
— ولا تقصدي إن هارون نفسه مبقاش فاهم؟
وشها احمر.
— أنا بس خايفة عليكي.
قلت:
— وأنا كمان.
بصتلي.
— من إيه؟
قلت:
— من الناس اللي فاكرة إني عجوز ومش فاهمة.
ساد الصمت.
جاريث قام.
— يلا يا عمتو.
مافيس قالت:
— هنرجع نتكلم.
قلت:
— اتفضلي.
قبل ما تخرج التفتت لي.
— البيت ده هيتباع سواء عاجل أو آجل.
قلت:
— لأ.
ابتسمت ابتسامة باردة.
— نشوف.
خرجوا.
قفلت الباب.
نيل قال:
— ماما لازم تكلمي كيتون.
قلت:
— دلوقتي.
اتصلت بيه.
حكيت له كل اللي حصل.
قال:
— متتحركيش من البيت.
قلت:
— ليه؟
— لأننا لازم نعمل خطوة تانية.
— إيه؟
— نعلن إنك اكتشفتي إن الوصية فيها مشكلة.
قلت:
— بس ليه؟
— عشان نخليهم يفتكروا إن الخطة نجحت نص نجاح.
— أنا مش فاهمة.
— هارون كان متوقع إنهم يضغطوا عليكي أول ما يسمعوا الوصية.
— عشان تبيعي؟
— أيوه.
— وبعدين؟
— كنا هنستنى مين أول شخص يحاول يشتري البيت بأقل من قيمته.
سكت.
قلت:
— مافيس؟
قال:
— غالبًا.
— ولو حاولت؟
— هنعرف مين وراها.
بعد يومين كيتون جه البيت.
وكان معاه مهندس تقييم ومستشار مالي.
شرحولي إن الأرض قيمتها الحقيقية أكبر بكتير من أي رقم اتقال لي.
وبعدين طلع ورقة.
— دي الشركة اللي قدمت عرض لشراء الأرض.
قريت الاسم.
كان اسم شركة عمري ما سمعت عنه.
لكن كيتون قال:
— الشركة دي مرتبطة برجل الأعمال اللي ظهر في الصور اللي في الخزنة.
— مين؟
قال اسمه.
عرفته.
كان شريك قديم لهارون.
اسمه منصور.
هارون كان ذكره مرة من زمان.
قال إن منصور “بيفهم في التجارة بس مبيفهمش في الأمانة”.
قلت:
— وهو شريك مافيس وجاريث؟
قال:
— مش بشكل رسمي.
— يعني إيه؟
— فيه تحويلات مالية.
عرض عليا مستندات.
كان فيه حسابات.
مافيس استلمت مبالغ.
جاريث استلم مبالغ.
والشركة قدمت عرض لشراء الأرض بنصف قيمتها.
قلت:
— عشان لو أنا صدقت الوصية أبيع؟
قال:
— بالضبط.
— ولو بعت؟
— الأرض هتروح منهم بصفقة ضخمة.
قعدت ساكتة.
ثم قلت:
— وهارون كان عارف كل ده؟
— أيوه.
— طب ليه استنى لحد ما يموت؟
كيتون بصلي.
— لأنه كان مريض.
— كان ممكن يقوللي.
— كان خايف إن معرفتك تعرضك للخطر.
سكت.
وبعدين قلت:
— هارون عمره ما كان بيخاف.
قال كيتون:
— كان بيخاف عليكي.
الكلمة دي كسرتني.
بعد ما مشي كيتون دخلت أوضة نومنا.
قعدت على السرير.
مسكت قميص هارون القديم.
وضميته لصدرى.
وقلت:
— كنت غبي يا هارون.
وبعدين ضحكت وأنا بعيط.
— سبعين سنة وأنا فاكرة إني عارفاك.
فتحت الدولاب.
لقيت جاكته القديم.
الجاكت اللي كان بيلبسه أيام الكلية.
نفس الجاكت تقريبًا.
حطيته على السرير.
وقعدت أبص له.
افتكرت أول مرة شوفته فيها.
كان واقف قدام بوابة الجامعة.
لابس الجاكت.
وأنا كنت بضحك مع صحبتي.
سألني:
— هو أنا شكلي بيضحك؟
قلتله:
— لا.
قال:
— أصل إنتي بتضحكي.
قلت:
— عشان الجاكت.
قال:
— ده أحسن جاكت عندي.
ضحكت.
وبعدين بعد ستين سنة كان لسه فاكر الموقف.
وقاللي:
— كنتي بتضحكي عليا من أول يوم.
قلتله:
— عشان الجاكت.
رد:
— أهو الجاكت عاش أكتر من حاجات كتير.
بكيت.
وفي وسط بكائي سمعت صوت.
صوت خبط من ناحية الدولاب.
قمت.
فتشت.
لقيت الجاكت واقع.
رفعته.
وكان فيه حاجة تقيلة في جيبه.
طلعت ظرف صغير.
مكتوب عليه:
“لو وصلتِ لهنا يبقى كيتون قالك كل حاجة.”
فتحته.
“نورين
لو إنتي ماسكة الجاكت ده يبقى لسه بتدوري ورايا.
عارفك.
عمرك ما عرفتي تسيبي حاجة ناقصة.
عشان كده هقولك آخر حاجة.
أنا مش عايزك تنتقمي من أي حد.
ولا تفضحي أولادنا.
ولا تخلي آخر سنين عمرك كلها حرب.
أنا عايزك تحمي نفسك.
ولو جاريث غلط سامحيه لو استحق السماح.
ولو مافيس خانتني متديهاش أكتر من حقها.
لكن لو حد حاول ياخد حقك بالقوة متسبيهوش.
البيت مش أهم حاجة.
الأهم إنك تعرفي إن كل اللي عملته كان عشان اليوم ده.
اليوم اللي أكون فيه مش موجود.
كنت عايزك لأول مرة في حياتك تعيشي من غير ما تخافي من بكرة.
مش عايزك تعيشي على معاش.
ولا تستني أولادك.
ولا تبيعي حاجة عشان تدفعي علاج.
أنا حوشتلك عمر كامل.
مش عشان تبقي غنية.
عشان تبقي حرة.
بحبك.
هارون.”
حطيت الورقة على صدري.
ولأول مرة من يوم موته بكيت مش عشان فقدته.
بكيت عشان فهمت قد إيه كان بيحبني.
لكن الحرب مخلصتش.
بعد تلات أيام جالي اتصال من رقم غريب.
صوت راجل قال:
— مدام نورين؟
قلت:
— أيوه.
— أنا منصور.
سكت.
قال:
— أنا عايز نتكلم.
قلت:
— في إيه؟
— في موضوع الأرض.
— الأرض مش للبيع.
ضحك.
— لسه بدري على القرار ده.
قلت:
— القرار اتاخد.
قال:
— هارون كان هيبيع.
قلت:
— هارون مات.
سكت.
وبعدين قال:
— عشان كده بكلمك.
قفلت في وشه.
بعد ساعة جالي محامي تاني.
قال إنه بيمثل “مصالح مرتبطة بالمشروع”.
حاول يضغط عليا.
أنا رفضت.
وبعدها بدأت حاجات غريبة تحصل.
عربية تقف قدام البيت.
مكالمة في نص الليل.
ورق يتبعتلي.
مرة حد حاول يدخل الحديقة.
لكن نيل كان موجود.
وبعدها اتصلنا بالشرطة.
مافيس رجعت.
لكن المرة دي مكنتش لوحدها.
جاءت ومعاها جاريث.
قالت:
— نورين إنتي بتكبري الموضوع.
قلت:
— لأ.
— إنتي بتتعاملي مع أولادك كأنهم أعداء.
بصيت لجاريث.
قلت:
— هو مش عدو.
سكت.
— لكنه عمل حاجة غلط.
جاريث نزل عينه.
مافيس قالت:
— هارون كان هيوافق على البيع.
قلت:
— عندك دليل؟
— أنا أخته.
قلت:
— دي مش إجابة.
قالت:
— إنتي فاكرة نفسك فاهمة كل حاجة؟
قلت:
— لأ.
وبعدين طلعت الورقة اللي فيها التحويلات.
حطيتها قدامها.
وشها ابيض.
جاريث بص للورقة.
قلت:
— عايزة أفهم.
مافيس قالت:
— دي مش زي ما إنتي فاكرة.
قلت:
— طب فسري.
سكتت.
جاريث قال:
— ماما…
بصيت له.
— اتكلم.
قال:
— أنا كنت مديون.
قلت:
— عارفة.
— وكنت خايف.
— عارفة.
— مافيس قالتلي إن بابا لو مات كل حاجة هتتوزع علينا.
بصيت لمافيس.
قالت:
— أنا مكنتش عارفة إن هارون عامل الصندوق.
قلت:
— لكنك عرفتي.
— بعدين.
— وإنتي حاولتي تاخدي البيت.
— عشان أنقذ جاريث.
جاريث صرخ:
— مافيس كفاية!
اتجمدت.
هو لأول مرة ناداها باسمها من غير ما يقول “عمتي”.
قال:
— إنتي استخدمتيني.
بصت له.
— أنا حاولت أساعدك.
قال:
— إنتي خليتيني أعمل حاجات ضد بابا.
سكتت.
وبعدين قالت:
— إنت كنت محتاج فلوس.
قال:
— أيوه.
— وأنا ساعدتك.
— مقابل إيه؟
مافيس ماردتش.
جاريث بصلي.
— ماما أنا غلطت.
قلت:
— عارف.
— وأنا مستعد أصلح.
مافيس قامت.
— إنت مجنون؟
قال:
— لأ.
وبعدين بصلي.
— بابا كان عارف كل حاجة.
سألته:
— إزاي؟
قال:
— كان بيراقب التحويلات.
سكت.
— وواجهني قبل ما يموت بشهرين.
— قالك إيه؟
دموعه نزلت.
— قالي لو كنت محتاج فلوس كنت أطلب.
— وإنت عملت إيه؟
— كدبت.
قعدت.
قلت:
— ليه؟
قال:
— عشان كنت خايف تعتقدي إني فاشل.
الجملة دي وجعتني.
قمت وروحت له.
حطيت إيدي على كتفه.
قلت:
— يا ابني.
رفع عينه.
— كنت خايف من إيه أكتر من إنك تخسر أبوك؟
بكى.
— عارف.
حضنته.
مافيس فضلت واقفة.
بعد لحظة قالت:
— وإنتي؟
بصيت لها.
— أنا إيه؟
— هتعملي فينا إيه؟
قلت:
— ولا حاجة.
اتصدمت.
— ولا حاجة؟
— هارون طلب مني متنتقمش.
جاريث بصلي.
قلت:
— لكن فيه فرق بين إني مسامح وبين إني أنسى.
مافيس قالت:
— وإيه معنى ده؟
— معنى ده إن البيت مش هيتباع.
— والشركة؟
— مش هتشتري الأرض.
— والفلوس؟
— فلوسك مش هلمسها.
قالت:
— يعني هتفضحينا؟
قلت:
— لو بطلتوا.
سكتت.
— ولو حاولتوا تاني؟
قلت:
— ساعتها كل حاجة هتروح للمحامي والشرطة.
مافيس خرجت.
جاريث فضل.
قال:
— ماما.
— نعم؟
— أنا استاهل إنك تطرديني من حياتك.
قلت:
— مش أنا اللي هقرر.
— مين؟
— ربنا.
بصلي.
قلت:
— وأنا أمك.
وبعدين حضنته.
بعد أسبوع بدأ التحقيق الرسمي.
اتضح إن منصور كان بيحاول شراء الأرض بأقل من قيمتها باستخدام معلومات سرية.
واتضح إن مافيس كانت بتضغط على جاريث.
أما جاريث فاعترف بكل حاجة.
لكنه قدم المستندات اللي كانت معاه.
وده ساعد في كشف الشبكة كلها.
نيل وقف جنبي في كل خطوة.
وديلا كمان.
وفي يوم جلسنا كلنا في البيت.
كان أول اجتماع عائلي من غير هارون.
ديلا قالت:
— ماما.
قلت:
— نعم؟
— بابا كان مخبي علينا كل ده؟
قلت:
— أيوه.
قالت:
— ليه؟
قلت:
— عشان كان شايف إننا هنعيش أحسن من غير ما نعرف.
نيل قال:
— كان غلطان في حاجة واحدة.
بصيت له.
— إيه؟
قال:
— كان لازم يقولنا إنه كان بيحب ماما بالطريقة دي.
ضحكت.
ديلا ابتسمت.
جاريث كان ساكت.
قلت له:
— وإنت؟
قال:
— أنا مش عارف أقول إيه.
قلت:
— قول الحقيقة.
قال:
— أنا مفتقده.
سكتنا كلنا.
وبعدين قلت:
— وأنا كمان.
في اللحظة دي حسيت إن هارون موجود.
مش في الكرسي.
ولا في صوته.
لكن في البيت.
في الحيطان.
في صورنا.
في كل حاجة بنيناها مع بعض.
بعد شهور انتهى النزاع.
الأرض فضلت باسمي.
والصندوق الائتماني اتفتح رسميًا.
وكانت قيمة ممتلكات هارون أكبر مما تخيلت بكثير.
لكن أنا ماخدتش الفلوس وحطيتها في البنك وخلاص.
افتكرت كلامه.
“أنا حوشتلك عمر كامل عشان تبقي حرة.”
فقررت أعمل حاجة كان هو نفسه هيحبها.
اشتريت بيت صغير على البحر.
مش قصر.
ولا فيلا ضخمة.
بيت بسيط.
ثلاث غرف.
حديقة صغيرة.
وشباك كبير بيطل على البحر.
قلت لنفسي:
“ده هيبقى بيت نورين.”
لكن قبل ما أنقل كان لازم أرجع للبيت القديم مرة أخيرة.
دخلت غرفة النوم.
فتحت الدولاب.
لقيت الجاكت.
قعدت على السرير.
قلت:
— هارون.
الصمت رد عليا.
ابتسمت.
— فاكر لما قلتلي هتبقي كويسة؟
سكت.
— طلعت عارف.
بكيت.
— بس كنت غلطان في حاجة.
مسحت دموعي.
— أنا مش هبقى كويسة من غيرك.
وبعدين ضحكت.
— أنا هبقى كويسة بيك.
حطيت الجاكت في شنطة.
وخدت صورنا.
وخاتم جوازنا فضل في إيدي.
بعدها نقلت للبيت الجديد.
أول يوم فتحت الشبابيك.
دخل الهوا.
سمعت صوت البحر.
وقفت قدام المرآة.
كنت تسعين سنة.
شعري أبيض.
وشي مليان تجاعيد.
لكن لأول مرة من سنين حسيت إني شايفة نفسي.
مش أم.
ولا زوجة.
ولا جدة.
نورين.
الست اللي اتجوزت وهي عندها واحد وعشرين سنة.
واللي عاشت تسعة وستين سنة مع راجل واحد.
واللي خسرت جوزها.
واكتشفت أسراره.
وسامحت ابنها.
ورفضت إنها تكون ضحية.
وفي نفس الأسبوع جاءني خطاب من كيتون.
فتحته.
كان فيه آخر ورقة من هارون.
“نورين
لو وصلتي للبيت الجديد يبقى إنتي عملتيها.
كنت عارف إنك هتبيعي البيت القديم في النهاية.
بس مش عشان حد يجبرك.
عشان إنتي اخترتي.
وده أهم فرق.
أنا قضيت عمري كله أحاول أأمن مستقبلنا.
وإنتي قضيت عمرك كله بتحاولي تأمني حاضرنا.
كنت أرجع من الشغل ألاقي الأكل جاهز.
وألاقي العيال نايمين.
وألاقيك مستنياني.
يمكن عمري ما قلتها كفاية.
لكن أنا كنت عارف.
أنا كنت محظوظ.
مش عشان الفلوس.
ولا عشان الشغل.
ولا عشان الأرض.
أنا كنت محظوظ عشان نورين كانت مراتي.
ولو فيه حياة تانية أتمنى أقابلك فيها بنفس الجاكت.
وأقولك نفس الجملة.
“هو أنا شكلي بيضحك؟”
وأتمنى تضحكي.
بحبك.
هارون.”
حضنت الورقة.
وبعدين حطيتها في درج جنب السرير.
مرت سنة.
وبعدين سنتين.
وبقيت أشوف أولادي وأحفادي بشكل مختلف.
جاريث بدأ حياة جديدة.
سدد ديونه.
ورجع يشتغل.
وفي كل مرة ييجي يزورني كان يقعد وقت طويل قدام صورة أبوه.
مرة قاللي:
— ماما بابا كان ممكن يكرهني.
قلت:
— لكنه اختار يسامحك قبل ما يموت.
قال:
— إنتي سامحتيني؟
قلت:
— بحاول.
ابتسم.
— ده كفاية.
ديلا بقت تزورني كل أسبوع.
ونيل كان بييجي مع أولاده.
بيتي الصغير بقى مليان أصوات.
أحفادي يجروا في الحديقة.
وأنا أقعد أزعق:
— بالراحة يا عيال.
وبعدين أضحك.
وفي عيد ميلادي الواحد والتسعين تجمعوا كلهم.
كان فيه كيك.
وهدايا.
وضجة.
وفي نص الاحتفال دخل كيتون.
استغربت.
قلت:
— إنت جاي ليه؟
قال:
— عندي حاجة أخيرة من هارون.
ضحكت.
— لسه؟
قال:
— دي فعلًا الأخيرة.
طلع ظرف.
فتحت.
كان فيه مفتاح.
قلت:
— إيه ده؟
قال:
— هارون طلب مني أسلمهولك في عيد ميلادك الواحد والتسعين.
سألته:
— مفتاح إيه؟
قال:
— روحي شوفي.
نيل قال:
— ماما أنا هاجي معاكي.
قلت:
— لأ.
وبعدين ضحكت.
— المرة دي هاروح لوحدي.
ركبت عربيتي.
روحت للمكان اللي مكتوب في الورقة.
كان مخزن صغير قديم.
فتحت الباب.
لقيت جواه صندوق.
فتحته.
كان فيه الجاكت القديم.
وأول صورة لينا.
وصورة لأولادنا وهم صغيرين.
وأول فاتورة شقتنا القديمة.
وتذكرة سينما من أول خروجة.
ورسايل كتبتها له زمان.
وفي الآخر ظرف.
فتحت.
“نورين
لو إنتي هنا يبقى عدى على جوازنا واحد وسبعين سنة تقريبًا.
كنت أتمنى أكون جنبك.
لكن لو أنا مش موجود يبقى افتكري إن الحياة مش بتقف عند الموت.
أنا عايزك تكملي.
اخرجي.
سافري.
اضحكي.
روحي البحر.
كلي الأيس كريم حتى لو الدكتور قالك بلاش.
وإياكي تلبسي الأسود كل يوم.
أنا عايز آخر صورة ليكي تكون وإنتي بتضحكي.
ولو أولادنا سألوكي عني قولي لهم إني كنت راجل عادي.
غلطت.
وخفت.
وخبيت.
وأحيانًا عنّدت.
لكنني أحببت أمهم أكثر من أي شيء.
والحقيقة الأخيرة؟
أنا مكنتش بخطط عشان أسيبلك فلوس.
أنا كنت بخطط عشان أسيبلك حياة.
عيشِيها.
هارون.”
قعدت على الأرض.
ضحكت وبكيت في نفس الوقت.
وبعدين قلت بصوت عالي:
— يا هارون يا مجنون.
ولأول مرة من يوم وفاته حسيت إن الحزن مش ماسكني من رقبتي.
حسيت إنه قاعد جنبي.
مش كشبح.
ولا كمعجزة.
لكن كذكرى حلوة.
رجعت البيت في آخر النهار.
كان أولادي مستنييني.
جاريث سأل:
— لقيتي إيه؟
قلت:
— لقيت أبوكم.
نيل ضحك.
— يعني إيه؟
قلت:
— لقيته في كل حاجة.
ديلا حضنتني.
وبعدين قعدنا كلنا.
حكيت لهم عن الجاكت.
وعن أول خروجة.
وعن أول شقة.
وعن الأيام اللي مكنش فيها معانا غير القليل.
وقلت لهم:
— أبوكم كان عنده فلوس كتير.
وبعدين بصيت لهم.
— لكن أهم حاجة سابها مش الفلوس.
سألني نيل:
— إيه؟
قلت:
— علمنا إن الإنسان ممكن يبني حياته من الصفر.
وبعدين بصيت لجاريث.
— وممكن يغلط.
وبصيت لديلا.
— وممكن يرفض الغلط حتى لو كان هيكسب منه.
وبصيت لنيل.
— وممكن يخاف ويختار يعمل الصح برضه.
سكتوا.
قلت:
— والفلوس تروح وتيجي.
— البيوت تتباع وتتشرى.
— الصحة بتضعف.
— والناس بتموت.
— لكن اللي يفضل هو اللي عملناه في قلوب بعض.
في الليلة دي بعد ما مشيوا دخلت أوضتي.
حطيت دبلة جوازي على الترابيزة.
وبعدين رجعتها في إيدي.
وقلت:
— تسعة وستين سنة يا هارون.
ابتسمت.
— وفي الآخر سبتلي صفر جنيه.
ضحكت.
— بس سبتلي عمر كامل.
نمت وأنا لأول مرة من شهور مش خايفة من بكرة.
وفي الصبح صحيت بدري.
لبست فستان أزرق.
عملت لنفسي شاي.
وقعدت في الحديقة.
الشمس كانت بتطلع.
والبحر قدامي.
ومدت إيدي قدامي.
الدبلة كانت بتلمع.
فضلت أبص لها.
وبعدين قلت:
— كنت عندك حق.
أنا لسه نورين.
مش أرملة هارون.
مش ست عندها تسعين سنة.
مش أم تلاتة.
مش جدة.
أنا نورين.
الست اللي عاشت تسعة وستين سنة مع راجل أحبها لدرجة إنه خطط من غير ما تعرف عشان يحميها حتى بعد موته.
والست اللي اكتشفت إن أغلى ميراث مش كان الحساب البنكي.
كان الحب.
وكانت الثقة.
وكان البيت اللي بنيناه سوا.
وكانت العيلة اللي رغم كل أخطائها لسه عيلتي.
ومن يومها كل ما حد يسألني:
“جوزك سابلك كام؟”
بضحك.
وبقول:
— في الورق؟
صفر.
وبعدين أبص لدبلة جوازي وأقول:
— لكن في الحقيقة؟
سابلي كل حاجة.
سابلي تسعة وستين سنة من الذكريات.
سابلي تلات ولاد.
وخمس أحفاد.
وبيت مليان حكايات.
وسابلي شجاعة مكنتش أعرف إنها جوايا.
وسابلي درس عمري كله:
إن بعض الناس ممكن يخفوا عنك الحقيقة لأنهم خايفين عليك.
وبعض الناس يخفوا الحقيقة عشان يسرقوك.
والفرق بينهم مش في الكلام.
الفرق بيبان وقت الاختبار.
هارون اختار يحمي.
وغيره اختار يطمع.
وأنا اخترت في النهاية إني أسامح من يستحق.
وأبعد عن اللي لا يستحق.
وأكمل حياتي.
لأن الموت أخد مني جوزي.
لكن مش من حقه ياخد مني أنا كمان.
وفي كل صباح كنت بفتح الشباك وأقول نفس الجملة:
— صباح الخير يا هارون.
ومع الوقت بطلت أعيط بعدها.
بقيت أبتسم.
لأني فهمت أخيرًا معنى كلامه في آخر ليلة.
“بس هتفضلي نورين.”
هو مكنش بيودعني بس.
كان بيرجعلي نفسي.
وكان عارف إن بعد ما يمشي هاجي يوم وأقف قدام المرآة وأسأل:
“أنا مين من غيره؟”
وكانت إجابته موجودة قبل السؤال.
أنا نورين.
وهو هارون.
واحنا عشنا تسعة وستين سنة.
وده عمر كامل.
ومهما كانت الفلوس اللي سابها كبيرة.
ومهما كانت الأرض قيمتها بالملايين.
ومهما كانت أسراره كتير.
أغلى حاجة سابهالي كانت بسيطة جدًا.
ورقة صغيرة.
وآخر سطر فيها كان:
“لو حبيتي تعرفي أنا سبتلك إيه فعلًا…
بصي في المرآة.
إنتي أعظم حاجة كنت بحاول أحافظ عليها طول عمري.”
ومن يومها وأنا كل ما أبص في المرآة أفتكر.
وأبتسم.
وأقول:
— الحمد لله يا هارون.
— إن ربنا رزقني بيك.
وبعدين أضيف وأنا بضحك:
— بس برضه كنت أناني أوي.
— سبع سنين تخبي عليا إنك غني؟
— دي لو كنت عرفت كنت هزعقلك بنفسي.
وأحيانًا كنت أتخيل صوته بيرد:
“عشان كده مخبي.”
وأضحك لوحدي.
وفي آخر كل يوم قبل ما أنام كنت أحط إيدي على الدبلة وأغمض عيني.
مكنتش بطلب يرجع.
كنت بطلب بس ربنا يرحمه.
ويجمعنا في مكان مفيهوش مرض.
ولا خوف.
ولا أسرار.
ولا فراق.
لأن الدنيا مهما طالت.
ومهما اتغيرت.
ومهما أخدت مننا.
الحب الحقيقي بيفضل شاهد على كل حاجة.
وأنا كان عندي شاهد عمره تسعة وستين سنة.
اسمه هارون.
وكانت نهايتنا في الورق صفر جنيه.
لكن في قلبي؟
كنت أغنى ست في الدنيا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق