سكريبت رجعت البيت بدري كاملة حكايات صافي هاني

سكريبت رجعت البيت بدري كاملة حكايات صافي هاني

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات


سكريبت رجعت البيت بدري كاملة حكايات صافي هاني


 


 


 

رجعت البيت بدري حكايات صافي هاني

 

رجعت البيت بدري من اجتماع شغل واتفاجئت بطليقتي على التلفزيون ومعاها أربع أطفال عندهم خمس سنين وكل واحد فيهم كان عنده نفس عيني اللي في وشي

أنا سبتها وأنا مقتنع إنها عمرها ما هتقدر تبقى أم وهي فضلت لوحدها تربيهم

أمي كانت قالتلي وقتها

إنت مش هتضيع عمرك عشانها يا ابني

رجعت على طول اتصلت بمكتب المحاماة القديم اللي كنت بتعامل معاه وبعد دقايق لقوا ظرف عليه اسمي ولما عرفت اللي جواه حياتي كلها اتقلبت

الجزء الأول

وقع الموبايل من إيد أحمد فانس وهو قاعد قدام التلفزيون أول ما الكاميرا بعدت وظهرت أربع أطفال صغيرين قاعدين على سجادة ملونة جنب طليقته إيلينا ريفاس

أحمد كان رجع البيت بدري من اجتماع مع واحد من العملاء وكان لسه داخل شقته الفخمة في التجمع لما شافها على شاشة التلفزيون

إيلينا كانت بتعمل مداخلة في برنامج صباحي مشهور وبتتكلم عن مشروعها بيوت الصغار اللي أسسته من الصفر وبقى دلوقتي واحد من أشهر مشاريع رعاية وتعليم الأطفال

عدى تقريبًا ست سنين من آخر مرة شافها فيها

شعرها الغامق كان أقصر من زمان وصوتها بقى أقوى وواثق أكتر وكان في ملامحها هدوء وثبات هو ماكانش فاكره عنها

وبعدين الكاميرا قربت من الأطفال

بنتين وولدين

واحد من الولاد رفع دقنه شوية وأحمد اتجمد مكانه

الغمازة العميقة اللي في خده اليمين كانت نفس الغمازة اللي في خده هو بالظبط

وبعدها بنت صغيرة لفت وشها ناحية أمها

أحمد ركز في عينيها وحس بقلبه بيقف

نفس شكل عينه تقريبًا

نفس لون العين اللي كان بيشوفه كل يوم في مراية الحمام

مقدمة البرنامج ابتسمت وقالت

الأطفال كملوا خمس سنين خلاص صح؟

إيلينا ردت بابتسامة هادية

خمس سنين وشهرين

أحمد بدأ يحسب في دماغه من غير ما يحس

خمس سنين وشهرين

وهم كانوا انفصلوا من خمس سنين وإحدى عشر شهر

قبل السنين دي كلها كان أحمد وإيلينا قضوا تقريبًا تلات سنين في محاولات مرهقة عشان يخلفوا

في البداية كانوا مليانين أمل وفرحة وكل مرة كانوا بيصدقوا إن المرة الجاية هتكون مختلفة

لكن مع الوقت حياتهم اتحولت لمواعيد دكاترة وتحاليل وأشعات وأدوية وانتظار طويل

وبعدين دكتور متخصص في تأخر الإنجاب قال لإيلينا إن بعض المؤشرات الخاصة بالخصوبة عندها كانت ضعيفة وإن الحمل ممكن يكون صعب

هو ماقالش مستحيل

بس أحمد سمع الكلمة اللي كان خايف منها أكتر من أي حاجة

ممكن مايبقاش فيه أولاد

أما أمه صفية فكانت بتدخل في كل


 

حاجة

في كل عزومة عائلية كانت تسألهم إمتى هتفرح بحفيد

وفي كل مرة كانت ترمي كلام تقيل عن سن إيلينا وعن إن الوقت بيجري

وكانت بتتكلم بأدب بارد يخلي كلامها يوجع أكتر من الشتيمة نفسها

أحمد كان متعلق بفكرة إنه لازم يخلف ولد يشيل اسم العيلة ويحافظ على اللي بناه أبوه وجده

ومع الوقت بدأ يشوف جوازه من إيلينا مش كشراكة وحياة مشتركة

لكن كأنه مشكلة لازم يلاقي لها حل

وفي ليلة كان أحمد لسه متردد ومش عارف يعمل إيه

أمه ضغطت عليه أكتر وقالتله

إنت مش هتضيع حياتك عشانها يا أحمد

الراجل لازم يبقى ليه وريث يشيل اسمه

الكلام فضل يرن في دماغه

ولحد الليلة اللي كل حاجة فيها انهارت

حط أحمد على ترابيزة المطبخ ملف فيه إعلانات لمراكز تأجير أرحام خارج مصر وتكاليفها ومواعيد الإجراءات وكل التفاصيل اللي كان محضرها

إيلينا بصت للملف وبعدين رفعت عينيها عليه وقالت بصوت بيرتعش

إنت عايز طفل ولا عايز تفضل متجوزني؟

أحمد رد بسرعة

عايز الاتنين

إيلينا سكتت شوية وبعدين قالت

ولو أنا مقدرتش أخلفلك أطفال؟

أحمد ماعرفش يرد

سكت

والسكوت ده كان بالنسبة لها إجابة كفاية

بعدها بتلات أيام بالظبط إيلينا عملت اختبار حمل في البيت

ولما ظهرت النتيجة الإيجابية فضلت تبص للاختبار وهي مش مصدقة نفسها

كانت حامل

كانت طول اليوم بتخطط إزاي تقول لأحمد الخبر على العشا

كانت عايزة تشوف الفرحة في عينيه

لكن قبل ما توصل للحظة دي

أحمد دخل البيت وهو شايل شنطة سفر

بص لها وقال إنه محتاج يبعد شوية

قال إنه مش قادر يعيش باقي عمره وهو بيسأل نفسه إذا كان ضيع حلم الأبوة عشان مشاعره

إيلينا كانت حاطة اختبار الحمل في شنطتها

حست بإيدها عليه وسكتت

وقررت ماتقولو

حكايات_صافي_هاني

حصرياً

كانت عايزة تعرف حاجة واحدة

هل أحمد هيختارها هي حتى لو مافيش طفل؟

ولا كان اختياره ليها متعلق بقدرتها على إنها تخلف؟

أحمد اختار

بس مش هي

بعد أربع أيام قدم طلب الطلاق

وسابها

دلوقتي وبعد مرور سنين

كان أحمد قاعد لوحده في شقته الفخمة قدام التلفزيون

بيبص لأربع أطفال في صحة كويسة بيضحكوا جنب الست اللي هو سابها بإيده لأنه كان خايف يعيش من غير أولاد

فضل يبص للشاشة ومش قادر ياخد نفسه

بدأ يدور على عنوان الإدارة الرئيسية لمشروع بيوت الصغار

وبمجرد ما عرف مكانها أخد عربيته وراح على هناك

وصل لمقر الشركة في التجمع ودخل من الباب

لكن إيلينا رفضت تخليه يطلع عندها

أحمد خرج وقعد

مستني قدام المبنى

ساعة

وساعتين

وتلات ساعات

ما اتحركش

ولما إيلينا خرجت أخيرًا من الباب الزجاجي وشافته واقف مستنيها

ما بانش عليها أي اندهاش

كأنها كانت عارفة إنه هييجي في يوم من الأيام

أحمد قرب منها وصوته كان مخنوق

وقال

أنا شوفتك على التلفزيون

سكت لحظة وبعدين بص للأطفال اللي كانوا واقفين بعيد مع المربية

ورجع بص لها

إيلينا أنا لازم أعرف...

وكان لسه هيكمل كلامه لما بصت له في عينه وقالت بهدوء

تعرف إيه يا أحمد؟

اتلعثم

وبص ناحية الأطفال الأربعة

هما... ولادي؟

إيلينا ما ردتش

بس قبل ما تمشي مدت إيدها لشنطتها وطلعت منها ظرف قديم

حطته في إيده وقالت

افتحه الأول وبعدين تعالى اتكلم معايا

أحمد بص للظرف

كان عليه اسمه بخط إيلينا

وتاريخ من ست سنين

فتح الظرف بإيد بتترعش

وأول ما شاف الورقة اللي جواه حس إن الأرض بتتحرك من تحته

لأن الورقة كانت دليل على سر عمره ست سنين

سر لو كان عرفه في وقته

كان كل شيء في حياته بقى مختلف...

بما اني عندي حظر تعليقات فباقي القصه هاتلاقيها علي الصفحه دي. W A A D وهناك اعملي متابعه عشان يوصلك

كل جديد 

أبرز المعجبين 

حكايات_صافي_هاني

حصرياً

أحمد فضل واقف قدام مبنى الشركة وهو ماسك الظرف كأنه ماسك حاجة ممكن تحرق إيده.

كان نفسه يفتحه من لحظة ما إيلينا حطته في إيده لكنه ماقدرش.

رجع عربيته وقفل الباب وفضل ثواني طويلة ساكت.

الظرف كان قديم فعلًا.

حوافه اصفرت من الزمن والاسم المكتوب عليه كان اسمه بخط إيلينا اللي كان حافظه أكتر من أي خط في الدنيا.

قلب الظرف مرة واتنين.

كان مكتوب عليه

إلى أحمد فقط

وتحته تاريخ قبل ست سنين تقريبًا.

أحمد فتحه.

أول ورقة كانت تقرير طبي.

قرأ أول سطر.

وبعدين السطر التاني.

وبعدين بدأ وشه يتغير.

التقرير كان خاص بإيلينا.

لكن المفاجأة مش في التقرير.

المفاجأة كانت في التاريخ.

التاريخ كان بعد أيام قليلة من اليوم اللي سابها فيه.

إيلينا كانت في وقتها بالفعل حامل.

حامل في أربعة أطفال.

أحمد حس إن صدره اتقفل.

كمل القراءة.

كانت الورقة بتقول إن الحمل عالي الخطورة وإن وجود أربعة أجنة في نفس الوقت محتاج متابعة دقيقة.

إيده بدأت ترتعش.

قلب الورقة.

كان فيه تقرير تاني.

وبعدين صورة أشعة.

أربعة أجنة.

أحمد قرب الورقة من عينه كأنه مش مصدق.

أربعة.

مش طفل واحد.

مش توأم.

أربعة أطفال.

نفس الأطفال اللي شافهم من كام ساعة على التلفزيون.

رفع

إيده على وشه.

وبص قدامه من غير ما يشوف الطريق.

فجأة كل حاجة حصلت من ست سنين رجعت في دماغه.

ليلة الطلاق.

شنطة السفر.

وش إيلينا وهي واقفة قدامه.

إيديها كانت ماسكة حاجة وقتها.

دلوقتي افتكر.

كانت حاطة إيدها على بطنها.

وقتها افتكر إنها كانت متوترة.

سألها قبل ما يمشي

إنتِ كويسة؟

وهي قالت

آه

كان ممكن يسأل أكتر.

كان ممكن يستنى.

كان ممكن يسمع.

لكنه ماعملش.

هو اختار يمشي.

والآن عرف إنه ماكانش سايب زوجته فقط.

هو كان سايب أربعة أطفال لسه ما شافهمش.

أحمد قلب الورقة الأخيرة.

كان فيه خطاب مكتوب بخط إيلينا.

قرأ أول جملة.

لو وصلتلك الورقة دي في يوم من الأيام فده معناه إنك عرفت الحقيقة أخيرًا.

وقف.

ماقدرش يكمل.

بلع ريقه وبدأ يقرأ.

أحمد

أنا عرفت إني حامل بعد ما طلبت منك إنك تخرج من البيت بأربع أيام.

كنت داخلة عليك في الليلة اللي كنت فيها ناوي أقولك فيها إني حامل.

لكن إنت سبقتني وقلتلي إنك محتاج تمشي.

وقتها كان الاختبار في شنطتي.

كنت مستنية منك لحظة فرح واحدة.

بس لما سمعت كلامك عن إنك خايف تضيع حلم الأبوة وإنك مش عايز تصحى بعد عشر سنين تندم إنك اخترتني على حساب حلمك

خفت.

مش منك.

خفت من نفسي.

خفت إنك لو عرفت بالحمل ترجع مش عشاني.

ترجع عشان الأطفال.

وعشان كده ماقولتلكش.

أحمد غمض عينه.

كانت كل كلمة بتضربه في مكان مختلف.

كمل.

بعد ما طلقتني اكتشفت إن الحمل مش طفل واحد.

الدكتور قاللي إن عندي أربعة أجنة.

كنت مرعوبة.

كنت لوحدي.

أهلي كانوا بعيد.

وأنا ماكانش معايا غير شوية فلوس كنت موفرة منهم.

بس رغم خوفي قررت أخوض التجربة.

مش عشان أعاقبك.

ومش عشان أخبي أولادك عنك.

أنا كنت عايزة أعرف إذا كان ممكن أبني حياة مايبقاش فيها وجودي مربوط بقدرتي على الإنجاب.

وكنت عارفة إنك لو عرفت إن عندي أربعة أطفال منك ممكن تعتبرهم الحل اللي كنت بتدور عليه.

وأنا ماكنتش عايزة أولادي يكبروا وهم حاسين إنهم السبب الوحيد اللي خلا أبوهم يرجع لأمهم.

أحمد مسح دمعة نزلت من عينه.

عشان كده قررت أربيهم لوحدي.

لو سألت نفسك ليه ما اتصلتش بيك

فالجواب بسيط.

لأنك ماطلبتش تعرف.

ما سألتش.

ما استنيتش.

وما رجعتش.

وأنا بعد فترة بطلت أستنى.

أحمد نزل الورقة من إيده.

بص للشارع.

الناس ماشية.

العربيات بتتحرك.

الحياة كلها ماشية طبيعي.

إلا حياته هو.

حياته كانت واقفة عند لحظة واحدة من ست سنين.

لحظة اختار فيها نفسه.

لكن الظرف كان لسه فيه ورقة أخيرة.

أحمد فتحها.

كانت صورة.

صورة إيلينا وهي في المستشفى.

وشها كان مرهق جدًا لكنها كانت بتبتسم.

وبجنبها تلاتة أطفال تانيين.

تحت الصورة جملة قصيرة.

اتولدوا في نفس اليوم.

أحمد انفجر في البكاء.

حط الصورة على صدره.

وقال


 

بصوت مبحوح

ولادي.

لأول مرة نطقها.

ولأول مرة فهم معناها.

كان عنده أربعة أولاد.

أربعة أرواح عاشوا خمس سنين وهو مش عارف حتى إنهم موجودين.

فتح الموبايل واتصل بالمحامي القديم.

رن كتير قبل ما يرد.

ألو؟

أحمد قال

أنا أحمد فانس.

سكت المحامي لحظة.

أحمد؟

أيوه.

بعد السنين دي كلها؟

أحمد ما اهتمش بالسؤال.

قال بسرعة

فاكر إيلينا؟

الصمت اللي حصل بعد الاسم ده كان غريب.

وبعدين المحامي قال

فاكرها طبعًا.

أحمد سأل

هي جتلك بعد الطلاق؟

المحامي سكت.

أستاذ أحمد...

رد عليا.

هي جتلي فعلًا.

أحمد شد على الموبايل.

قالتلك إيه؟

المحامي تنهد.

قالتلي إنها حامل.

أحمد غمض عينه.

كنت عارف؟

كنت عارف.

وكان عندها أربعة؟

المحامي سكت.

أحمد صاح

كنت عارف إنها حامل في أربعة؟

أيوه.

أحمد حس إن الغضب فجأة غطى على حزنه.

وليه ماقلتليش؟

المحامي رد بهدوء

لأنها طلبت مني ما أقولكش.

إنت محاميتي أنا!

كنت محاميكم الاتنين وقتها، وبعد الطلاق هي طلبت مني بشكل واضح إني أحافظ على سرية معلوماتها.

أحمد قام من العربية.

أنا أبوهم!

أنا عارف.

وكان لازم أعرف!

يمكن.

الكلمة زادت غضب أحمد.

يمكن إيه؟

المحامي قال

بس فيه حاجة لازم تعرفها يا أحمد.

إيه؟

إيلينا ما كانتش بتحاول تمنعك من أولادك لمجرد إنها زعلانة منك.

سكت لحظة.

هي كانت خايفة.

من إيه؟

إنك تاخد الأطفال منها.

أحمد اتجمد.

أنا؟

أيوه.

ليه؟

المحامي رد

لأن والدتك وقتها كانت بتتصل وتسألني عن إجراءات الحضانة وحقوق الأب لو الزوجة حملت بعد الطلاق.

أحمد حس بصدمة أكبر.

أمي؟

أيوه.

كانت بتسأل؟

أكتر من مرة.

أحمد قفل المكالمة.

فضل في عربيته وقت طويل.

وبعدين رجع شقته.

أمه كانت موجودة.

صفية كانت بتعتبر نفسها صاحبة حق في دخول شقته في أي وقت.

أول ما شافته قالت

رجعت بدري ليه؟

أحمد ما ردش.

حط الظرف قدامها على الترابيزة.

صفية بصت له.

إيه ده؟

قال

افتحيه.

فتحت الظرف.

قرت أول ورقة.

وبعدين وشها اتغير.

أحمد وقف قدامها.

إنتِ كنتِ عارفة؟

صفية ما ردتش.

كنتِ عارفة إن إيلينا حامل؟

قالت بسرعة

أنا كنت عارفة إنها كانت حامل.

وكان عندها أربعة.

صفية سكتت.

أحمد صرخ

كنتِ عارفة؟!

قالت

أيوه.

الجملة نزلت عليه كأنها صفعة.

إنتِ عرفتي وسكتِ؟

صفية حاولت تبرر.

كنت خايفة عليك.

خايفة عليا من إيه؟

كنت عارفة إنك عايز أطفال.

فخبيتي عني أولادي؟

أنا ماخبيتش أولادك.

أمال عملتي إيه؟

صفية قالت

إيلينا كانت ضعيفة ومش مستقرة.

أحمد بص لها بغضب.

هي كانت حامل في أربعة أطفال!

وكانت ممكن تموت.

وإنتِ؟

كنت شايفة إن ده أفضل.

أحمد ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع.

أفضل لمين؟

صفية سكتت.

قال

ليكي؟

لأ.

ليا؟

أيوه.

ولا لأني كنت هسيبك لو عرفت إن عندي أطفال؟

صفية بصت بعيد.

أحمد فهم.

إنتِ كنتِ عايزة تفرقيني عنها.

قالت

أنا كنت عايزة مصلحتك.

مصلحتي كانت فين؟

كنت خايفة تندم.

أحمد ضرب إيده على الترابيزة.

أنا ندمت فعلًا!

سكت البيت كله.

صفية بدأت

تبكي.

يا ابني...

متقوليش يا ابني.

أحمد كان واقف قدامها لأول مرة مش كابنها اللي بيسمع نصايحها.

لكن كرجل اكتشف إن أكتر شخص وثق فيه كان جزء من أكبر خسارة في حياته.

قال

إيلينا كانت بتقولك إنها حامل؟

صفية هزت رأسها.

المحامي هو اللي عرفني.

وإنتِ عملتي إيه؟

قولت لها تبعد.

أحمد سأل

هددتيها؟

لأ.

قولتلها إيه؟

صفية سكتت.

قولي.

قالت

قولتلها لو رجعتي لأحمد بعد ما ولدتي أنا هطلب الحضانة.

أحمد حس إن الدم انسحب من وشه.

إنتِ عملتي كده؟

كنت بحاول أحميك.

تحميني من إيه؟

من حياة كلها مشاكل.

أحمد قرب منها.

إيلينا ربت أربعة أطفال لوحدها.

صفية بكت.

أنا ماكنتش أعرف إنها هتقدر.

هي قدرت.

سكت.

وأنا اللي ماقدرتش.

صفية رفعت عينيها.

أحمد قال

أنا اللي فشلت.

خرج من البيت.

في نفس الليلة راح قدام بيت إيلينا.

كان عارف إنها مش هتسمح له يدخل.

وفعلًا.

لما شافته من الشباك ما فتحتش.

اتصل بيها.

إيلينا.

امشي يا أحمد.

أنا عرفت.

عرفت إيه؟

كل حاجة.

سكتت.

عرفت إنهم أولادي.

ولا رد.

وعرفت إنك كنتِ حامل فيهم وأنا سبتك.

صوتها خرج هادي

أيوه.

ليه ماقولتيليش؟

كنت خايفة.

منّي؟

من النسخة اللي كنت عليها وقتها.

أحمد سكت.

أنا غلطت.

أيوه.

وغلطت كتير.

أيوه.

بس أنا عايز أشوفهم.

إيلينا ردت

مش دلوقتي.

دول أولادي.

وإنت بالنسبة لهم إيه؟

السؤال كان بسيط.

لكن أحمد ماعرفش يرد.

إيلينا قالت

أنت بالنسبة لهم راجل أول مرة هيشوفوه.

بس أنا أبوهم.

الأب مش ورقة في شهادة الميلاد يا أحمد.

سكت.

الأب هو اللي بيصحى لما الطفل يعيط.

أنا مستعد.

الأب هو اللي بيقعد جنب السرير وقت السخونية.

هعمل ده.

الأب هو اللي بيحضر أول يوم مدرسة.

هحضر.

الأب هو اللي بيكون موجود حتى لما الطفل يرفضه.

أحمد قال

اديني فرصة.

إيلينا سكتت طويلًا.

وبعدين قالت

مش هديك فرصة لأنك ندمان.

طيب هتديني فرصة ليه؟

لو قدرت تثبت إنك عايز تكون أبوهم حتى لو هما مش هيختاروك.

أحمد بص للشباك.

أعمل إيه؟

قالت

ابدأ من الصفر.

تاني يوم أحمد رجع لمقر الشركة.

وقف عند الاستقبال.

وقال

عايز أشوف إيلينا.

الموظفة قالت

حضرتك عندك موعد؟

لأ.

يبقى لازم تحجز.

أحمد ابتسم بحزن.

أنا كنت زمان بدخل مكتبها من غير ما أستأذن.

الموظفة ردت

الزمان ده خلص.

الجملة وجعته.

لكنه قال

احجزيلي.

وبعد ساعتين دخل مكتب إيلينا.

كانت قاعدة ورا مكتب كبير.

مش الست اللي كان فاكرها.

كانت أقوى.

قالت

اقعد.

قعد.

قال

أنا مش جاي آخدهم منك.

إيلينا بصت له.

كويس.

أنا جاي أطلب فرصة أعرفهم.

ليه دلوقتي؟

أحمد قال

عشان شفتهم.

لو ماكنتش شفتهم على التلفزيون؟

سكت.

إيلينا قالت

كنت هتفضل عايش حياتك.

أحمد بص للأرض.

يمكن.

يبقى إنت لسه ماجاوبتش.

رفع عينه.

لأني لما شوفتهم حسيت إني كنت عايش نص حياة.

إيلينا قالت

وأنا؟

أحمد سكت.

أنا كنت عايشة كاملة.

عارف.

كنت بتربي أربعة أطفال.

عارف.

وبشتغل.

عارف.

وببني مشروع.

عارف.

وبواجه كلام الناس.


 

عارف.

قالت

إنت ما تعرفش.

أحمد دمعت عينه.

علشان كده عايز أعرف.

إيلينا فضلت ساكتة.

وبعدين قالت

عندك حق تشوفهم.

أحمد رفع عينه بسرعة.

بجد؟

بس مش كأب.

اتصدم.

أمال إيه؟

كأحمد.

سألها

يعني إيه؟

هتدخل حياتهم من غير ما تقول لهم إنك أبوهم.

ليه؟

لأنهم مايعرفوش.

أحمد حس بقلبه بيقف.

مايعرفوش؟

أنا قلت لهم إن أبوهم مسافر من زمان.

ليه؟

لأنهم كانوا صغيرين.

ودلوقتي؟

دلوقتي لازم يعرفوا الحقيقة بالتدريج.

أحمد هز رأسه.

موافق.

إيلينا لأول مرة ابتسمت ابتسامة خفيفة.

كنت متوقعة إنك ترفض.

أنا هقبل بأي حاجة.

قالت

بكرة عندهم نشاط في المدرسة.

أروح؟

أيوه.

هتكوني موجودة؟

طبعًا.

وأنا هبقى إيه؟

متطوع.

أحمد ابتسم.

متطوع.

وفي اليوم التالي دخل أحمد المدرسة.

كان متوتر أكتر من أي اجتماع مهم في حياته.

دخل الفناء.

الأطفال الأربعة كانوا قاعدين مع باقي الأطفال.

أول ما شافهم حس إنه يعرفهم من زمان.

البنت اللي شبهه كانت بتضحك.

الولد اللي عنده الغمازة كان بيجري.

الولد التاني كان هادي وبيحب يرسم.

والبنت التانية كانت ماسكة كتاب وبتقرأ.

إيلينا كانت واقفة بعيد.

بصت له.

هزت رأسها.

أحمد قرب.

الولد صاحب الغمازة رفع عينه وسأله

إنت مين؟

أحمد ابتسم.

أنا أحمد.

الولد قال

إنت صاحب ماما؟

أحمد بص لإيلينا.

وبعدين رجع له.

آه.

الولد قال

إنت طويل.

ضحك أحمد.

وأنت عندك غمازة.

الولد لمس خده.

دي زي بابا.

أحمد اتجمد.

سأل

إنت عارف بابا؟

الولد قال

ماما قالت إن بابا كان عنده غمازة زيي.

أحمد حس بدموعه بتنزل.

الولد بص له باستغراب.

إنت بتعيط ليه؟

أحمد مسح دموعه.

عشان... فرحت.

البنت اللي كانت بتقرأ قربت منه.

وقالت

إنت تعرف بابا؟

أحمد ماعرفش يرد.

إيلينا تدخلت من بعيد.

يلا يا حبيبتي عندنا النشاط.

البنت مشيت.

لكنها قبل ما تمشي قالت لأحمد

عينيك شبه عيوننا.

أحمد فضل واقف مكانه.

في نهاية اليوم رجع البيت.

ولأول مرة شقته الكبيرة حسها أصغر من اللازم.

فتح الدولاب.

طلع صورة قديمة لإيلينا.

فضل يبص لها.

وبعدين فتح الكمبيوتر.

وبدأ يدور على بيت مناسب.

مش عشان يجيبهم يعيشوا معاه.

لكن عشان لو في يوم احتاجوا مكان يحسوا فيه إن عندهم أب.

عدى شهر.

أحمد كان بيزورهم في المدرسة.

يساعد في أنشطة المشروع.

يشتري كتب للأطفال.

يشارك في الرحلات.

من غير ما يفرض نفسه.

وفي يوم واحد من الأطفال تعب.

كان اسمه يوسف.

إيلينا اتصلت بأحمد بالصدفة.

أحمد؟

خير؟

يوسف عنده حرارة عالية وأنا في اجتماع.

أحمد قال

أنا جاي.

مش لازم.

أنا جاي.

راح المستشفى.

قعد جنب يوسف.

الولد كان نايم.

وبين النوم والصحيان قال

ماما فين؟

أحمد قال

هتيجي.

يوسف مسك إيده.

خليك.

أحمد تجمد.

كانت أول مرة واحد من أولاده يمسك إيده.

قعد لحد ما إيلينا وصلت.

لما دخلت شافته جنب يوسف.

قالت

شكرًا.

أحمد رد

ده ابني.

إيلينا سكتت.

كان واضح إن الكلمة لمستها.

لكنها ماعلقتش.

بعدها بأيام بدأت إيلينا تسمح له

يدخل أكتر.

وفي مرة كانوا قاعدين الأربعة قدامه.

واحد منهم سأله

إنت عندك أولاد؟

أحمد اتوتر.

قال

أيوه.

الأطفال الأربعة بصوا لبعض.

البنت سألت

فينهم؟

أحمد ابتلع ريقه.

قدامي.

سكتوا.

إيلينا كانت واقفة عند باب المطبخ وسمعت.

أحمد بص لهم.

بس هما لسه مش عارفين.

البنت قالت

ليه؟

أحمد قال

عشان أوقات الكبار بيغلطوا.

يوسف سأل

إنت غلطت؟

أحمد بص له.

أيوه.

عملت إيه؟

أحمد قال

سيبت ناس بحبهم.

الطفل قال

وبعدين رجعت؟

حاولت.

يوسف قال

كويس.

أحمد ضحك وسط دموعه.

إنت شايف كده؟

الولد هز رأسه.

آه.

في نفس الليلة إيلينا دخلت عليه.

قالت

إنت ماكانش لازم تقول لهم الكلام ده.

أنا ماكدبتش.

بس فتحت باب.

يمكن لازم الباب يتفتح.

إيلينا سكتت.

أحمد قال

إيلينا أنا مش مستعجل.

عارفة.

ومش عايز أخد مكانك.

عارفة.

أنا بس عايز أبقى موجود.

إيلينا قالت

هتفضل موجود حتى لو في النهاية هما ماحبوش ينادوك بابا؟

أحمد رد من غير تردد

أيوه.

لأول مرة إيلينا دمعت.

قالت

يبقى ممكن يكون عندك فرصة.

بعد أسابيع قليلة قررت إيلينا تقول للأطفال الحقيقة.

جمعتهم الأربعة في الصالة.

أحمد كان واقف بعيد.

قالت لهم

فاكرين لما سألتوني عن بابا؟

الأربعة هزوا رؤوسهم.

قالت

الراجل اللي كنتوا بتفتكروا إنه مسافر... هو مش مسافر.

البنت سألت

فينه؟

إيلينا بصت لأحمد.

الأطفال لفوا ناحيته.

يوسف فتح عينه بدهشة.

أحمد؟

إيلينا هزت رأسها.

أيوه.

سكت المكان.

البنت قالت

يعني هو بابانا؟

إيلينا قالت

أيوه.

أحمد ما اتحركش.

ما مدش إيده.

فضل مستني.

أول واحدة قامت كانت البنت.

قربت منه.

وقفت قدامه.

بصت في عينه.

وبعدين قالت

ليه ماجتش قبل كده؟

السؤال كسر أحمد.

ركع قدامها.

قال

لأني كنت غبي.

يوسف قال

يعني كنت عارف إننا موجودين؟

أحمد بص لإيلينا.

إيلينا هزت رأسها.

قال

عرفت بعدين.

يوسف قال

ليه ماعرفتش؟

أحمد قال

عشان الكبار أوقات بيعملوا قرارات غلط.

الطفل الآخر سأله

إنت بتحبنا؟

أحمد بكى.

من قبل ما أعرفكم.

يوسف قال

إزاي؟

أحمد ابتسم.

مش عارف.

البنت قربت أكتر.

أحمد ماقدرش يتكلم.

فتح ذراعيه.

الأطفال الأربعة جريوا عليه.

وقع على ركبته وهو بيضحك ويبكي في نفس الوقت.

إيلينا وقفت بعيد.

وكان أول مرة من ست سنين تشوف أحمد وهو بيحتضن أولاده.

بعدها الحياة بدأت تتغير.

أحمد ما حاولش يعوض ست سنين في أسبوع.

كان عارف إن ده مستحيل.

بقى يروح معاهم المدرسة.

يذاكر لهم.

يسمع حكاياتهم.

يعرف إن واحدة بتحب الرسم.

وواحد بيحب الكورة.

ويوسف بيحب الحيوانات.

والطفلة الرابعة بتحب الكتب.

وفي كل مرة كانوا ينادوه بابا كان قلبه يتوقف لحظة.

مش لأنه استحق الكلمة.

لكن لأنه كان عارف إنه حصل عليها بعد ما اتأخر ست سنين.

أما صفية فحاولت تقرب من الأطفال.

لكن إيلينا رفضت في البداية.

أحمد قال لها

أنا مش هفرض حد عليهم.

صفية بكت وقالت

أنا عايزة أشوف أحفادي.

إيلينا ردت

الأحفاد مش جايزة.

صفية سكتت.

هما أطفال. لازم الأول يعرفوا إنك ندمانة.

صفية وافقت.

ولما قابلتهم أول مرة كانت بتبكي.

يوسف بص لها وسأل

إنتِ مين؟

قالت

أنا جدتك.

الأطفال بصوا لأحمد.

أحمد قال

أيوه.

صفية فتحت ذراعيها.

لكن الأطفال ماجروش عليها.

فضلوا مكانهم.

صفية فهمت.

اقتربت بهدوء.

وقعدت على الأرض.

وقالت

أنا غلطت.

يوسف سأل

في إيه؟

صفية ابتسمت وسط دموعها.

غلطت في حاجات كبيرة.

البنت قالت

بابا قال إن الكبار بيغلطوا.

صفية بصت لأحمد.

أبوك كان صح.

ومع الوقت بدأت العلاقة تتحسن.

لكن كان فيه سر تاني.

سر إيلينا ماكانتوش حابّة تقوله.

بعد حوالي ست شهور من رجوع أحمد لحياة الأطفال

أحمد لاحظ إن إيلينا كانت بتخفي عنه حاجة.

كانت أوقات

 

بتخرج لوحدها.

وتقفل الموبايل.

وكانت بتتلقى مكالمات من رقم مجهول.

وفي ليلة سألها

فيه حاجة؟

قالت

لأ.

إيلينا.

قلتلك لأ.

أنا حاسس إنك خايفة.

سكتت.

وبعدين قالت

فيه شخص من الماضي رجع.

أحمد اتوتر.

مين؟

شخص له علاقة بالأطفال.

مين؟

إيلينا ما ردتش.

هل هو خطر؟

مش عارفة.

إيلينا لازم أعرف.

قالت

هتعرف.

إمتى؟

لما أتأكد.

بعدها بيومين وصلت رسالة على تليفون أحمد.

رقم مجهول.

الرسالة كانت قصيرة.

لو عايز تعرف الحقيقة الكاملة عن أولادك اسأل إيلينا عن اللي حصل في الليلة اللي ولدت فيها.

أحمد فضل يبص للشاشة.

وبعدين اتصل بإيلينا.

ما ردتش.

اتصل تاني.

ما ردتش.

راح بيتها.

الباب كان مفتوح.

دخل وهو بينادي

إيلينا!

مافيش رد.

سمع صوت بكاء من غرفة الأطفال.

جرى.

لقى الأطفال الأربعة مع المربية.

لكن إيلينا مش موجودة.

وعلى الترابيزة كان فيه ظرف جديد.

نفس شكل الظرف القديم.

وعليه اسم أحمد.

فتح الظرف.

أول ورقة كانت صورة من مستشفى.

لكن المرة دي الصورة مش للأطفال.

كانت صورة إيلينا ليلة الولادة.

وتحتها اسم شخص مايعرفوش.

الدكتور سامح البدراوي.

قلب الورقة.

كان فيه سطر واحد مكتوب بخط إيلينا

أحمد... لو أنا اختفيت، ماتثقش في أي حد يقولك إن الأربعة دول أولادك وبس.

أحمد حس بقلبه بيهبط.

قرأ السطر مرة تانية.

وبعدين سمع صوت خطوات وراه.

لف.

كان يوسف واقف عند باب الغرفة.

وشه كان شاحب.

قال

بابا...

أحمد قرب منه.

خير يا حبيبي؟

يوسف قال بصوت مرتعش

ماما قالتلي زمان إن لو حد جه وسألنا عن الراجل اللي اسمه سامح... ما نقولش أي حاجة.

أحمد اتجمد.

سامح مين؟

يوسف رد

الدكتور اللي كان بييجي يشوفنا وإحنا صغيرين.

أحمد حس إن كل حاجة اتقلبت من جديد.

لأن إيلينا لم تكن تخفي مجرد حمل.

كان هناك شيء حدث في ليلة ولادة الأطفال.

وشخص اسمه سامح يعرف الحقيقة.

وفي اللحظة دي وصل لأحمد إشعار على موبايله.

رسالة من نفس الرقم المجهول.

دلوقتي بدأت تفهم.

وبعدها مباشرة وصلت صورة.

صورة قديمة لأحمد نفسه.

كان واقف فيها قدام مستشفى.

وفي الصورة كان واضح إن التاريخ هو نفس يوم ولادة الأطفال الأربعة.

أحمد قرب الصورة من عينه.

وبدأ يفتكر.

هو فعلًا كان في المستشفى يومها.

لكن ليه؟

هو كان وقتها يعتقد إنه مسافر خارج مصر.

أو هكذا كان يظن.

وفجأة افتكر مكالمة قديمة من مكتب المحاماة.

مكالمة ما اهتمش بيها وقتها.

المحامي قال له فيها

أحمد، في ورق محتاج توقيعك.

وهو رد وقتها

خليه لبعدين.

لكن دلوقتي بدأ يسأل نفسه

أي ورق؟

وليه كان في مستشفى؟

ومين اللي أخفى عنه الحقيقة؟

أحمد فتح سجل المكالمات القديم على هاتفه.

وبدأ يدور على الرقم.

وبعد دقائق لقى اسمًا محفوظًا من ست سنين.

اسم ما افتكرش ليه سجله.

سامح البدراوي.

أحمد رفع عينه ناحية الأطفال.

وقال لنفسه

إيه اللي حصل في اليوم ده؟

وقبل ما يقدر يفكر

رن هاتفه.


 

الرقم المجهول مرة تانية.

رد.

صوت رجل قال

أخيرًا رديت.

أحمد قال

إنت مين؟

الرجل ضحك.

أنا الشخص اللي يقدر يقولك مين أبو أولادك الحقيقي.

أحمد اتجمد.

إيه؟

الصوت قال

إيلينا ماقالتش لكش كل حاجة.

إنت بتتكلم عن أولادي.

أنا بتكلم عن أربعة أطفال.

إنت عايز إيه؟

عايزك تيجي لوحدك.

فين؟

الرجل أعطاه عنوانًا.

أحمد كتبه.

وبعدين سأل

وإيلينا؟

الصوت سكت.

ثم قال

لو وصلت متأخر... ممكن ما تشوفهاش تاني.

المكالمة انتهت.

أحمد وقف وسط الصالة.

الأطفال الأربعة كانوا قدامه.

كل واحد فيهم بيبص له بثقة.

ولأول مرة فهم إن حياته مش هترجع زي ما كانت.

لأن السر اللي دفنوه ست سنين ماطلعش كله.

لسه فيه جزء أخطر.

جزء ممكن يغير حتى الإجابة عن السؤال اللي كان متأكد منها

مين هو أبو الأطفال الأربعة؟

أحمد مسك مفاتيح عربيته.

وبص للأطفال.

قال للمربية

خليكي معاهم.

يوسف قرب منه.

إنت رايح فين يا بابا؟

أحمد ابتسم رغم الخوف اللي كان جواه.

هرجع ماما.

يوسف قال

وهرجع؟

وهرجع.

خرج من البيت.

لكن قبل ما يقفل الباب

وصلته رسالة أخيرة.

فتحها.

كانت صورة لإيلينا.

مربوطة في كرسي.

وعينيها مليانة خوف.

وتحت الصورة جملة واحدة

المرة دي... ما تتأخرش.

أحمد جري ناحية عربيته.

لكن وهو بيشغل المحرك ظهرت له رسالة تانية.

ومتروحش للعنوان اللي بعتناه لك.

أحمد اتجمد.

ثم ظهرت الرسالة الأخيرة

لأن الشخص اللي خطف إيلينا... موجود في بيتك دلوقتي.

أحمد رفع عينه ناحية العمارة.

وشاف باب شقته مفتوح.

وفي اللحظة دي أدرك إن الخطر ماكانش بعيد عنه أصلًا.

الخطر كان قريب من أولاده الأربعة.

وقريب جدًا.

وكان لازم يرجع قبل فوات الأوان...

أحمد وقف قدام باب شقته وقلبه بيخبط بعنف.

الباب كان مفتوح.

والرسالة لسه على شاشة موبايله

الشخص اللي خطف إيلينا... موجود في بيتك دلوقتي.

رفع عينه للداخل.

الشقة كانت ساكتة بشكل مخيف.

نادى بصوت عالي

يا صفية!

مفيش رد.

دخل بسرعة.

الصالة كانت فاضية.

لكن على الكنبة كانت شنطة أمه.

أحمد وقف مكانه.

اتصل بيها.

الموبايل رن داخل الشقة.

رن مرة.

واتنين.

وتلاتة.

الصوت جاي من غرفة المكتب.

أحمد قرب بحذر.

فتح الباب.

الموبايل كان على المكتب.

لكن أمه مش موجودة.

جنب الموبايل كان فيه ظرف.

فتح الظرف.

جواه مفتاح صغير وورقة.

المفتاح ده هيفتح الدرج السفلي في مكتبك القديم.

أحمد حس إن رجليه مش شايلاه.

مكتبه القديم.

المكتب اللي كان فيه كل أوراق الطلاق.

كل أوراق إيلينا.

كل حاجة حصلت من ست سنين.

جري ناحية العربية.

كان لازم يرجع للماضي.

للمكان اللي بدأت منه كل الكارثة.

وصل للمكتب القديم بعد أقل من نص ساعة.

المبنى كان شبه مهجور.

المحامي القديم كان لسه محتفظ بمكتبه هناك رغم إنه نقل نشاطه لمكان تاني.

أحمد دخل.

المكان كان مليان تراب.

طلع المفتاح.

فتح الدرج السفلي.

ولقى ملف بني كبير.

على

الملف اسم إيلينا.

فتح أول ورقة.

كانت نسخة من عقد الزواج.

بعدها ورقة الطلاق.

بعدها تقرير طبي.

وبعدين ورقة خلت أحمد يقف مش قادر يتنفس.

كانت موافقة طبية قديمة.

فيها توقيع أحمد.

قرأها مرة.

مرتين.

كان التوقيع توقيعه فعلًا.

لكن هو ماكانش فاكر إنه وقع الورقة دي.

الورقة كانت خاصة ببرنامج علاجي للخصوبة.

وفي آخر الصفحة كان فيه اسم الطبيب

سامح البدراوي.

أحمد حس إن الدنيا بتلف بيه.

هو كان فاكر إن الحمل حصل طبيعي.

لكن الورقة بتقول إن إيلينا كانت خضعت لعلاج طبي قبل الحمل.

قلب باقي الملف.

لقى تحاليل.

إجراءات.

تقارير.

وفي آخر الملف صورة لورقة مكتوب فيها

تم نقل أربعة أجنة بنجاح.

أحمد قعد على الكرسي.

أربعة أجنة.

الأطفال الأربعة.

هو والدهم فعلًا.

لكن السؤال كان

ليه حد بيحاول يقنعه بالعكس؟

سمع صوت باب المكتب بيتفتح.

رفع عينه.

كان المحامي القديم.

قال

كنت عارف إنك هترجع هنا.

أحمد وقف.

إيلينا فين؟

المحامي ما ردش.

إيلينا فين؟!

قال

مش عارف.

وأمي؟

مش عارف.

أحمد قرب منه.

أنا عايز الحقيقة.

المحامي تنهد.

الحقيقة مش كلها موجودة في الورق.

أمال فين؟

قال

عند الدكتور سامح.

أحمد مسكه من كتفه.

مين سامح ده؟

طبيب كان متابع حالة إيلينا.

بس ليه اسمه داخل في كل حاجة؟

المحامي سكت.

اتكلم.

قال

لأن يوم ولادة الأطفال حصلت مشكلة.

أحمد حس بالخوف.

إيه المشكلة؟

واحد من الأطفال كان محتاج نقل دم عاجل.

وبعدين؟

إيلينا كانت في حالة خطرة جدًا.

وأنا؟

المحامي بص له.

كنت في المستشفى.

أحمد اتجمد.

أنا؟

أيوه.

بس أنا كنت في المطار.

لا.

المحامي طلع ورقة.

إنت ما سافرتش.

أحمد بص للتاريخ.

كان نفس اليوم.

قال

مين قال إني سافرت؟

المحامي رد

والدتك.

أحمد حس بغضب رهيب.

أمي قالتلي إني سافرت؟

أيوه.

وأنا كنت في المستشفى؟

كنت فاقد الوعي.

ليه؟

المحامي سكت.

وبعدين قال

حادثة عربية.

أحمد حاول يفتكر.

وفجأة بدأ رأسه يوجعه.

لقطات سريعة ظهرت في دماغه.

طريق.

نور قوي.

صوت فرامل.

صوت أمه.

وبعدين ظلام.

حط إيده على رأسه.

قال

أنا فاكر.

المحامي قرب منه.

فاكر إيه؟

أحمد قال

أمي كانت معايا.

المحامي سكت.

هي اللي كانت سايقة.

أيوه.

وبعدين؟

قالت إن الحادثة حصلت بالصدفة.

أحمد رفع عينه.

إنت مصدقها؟

المحامي قال

وقتها آه.

ودلوقتي؟

لأ.

قبل ما أحمد يسأله ليه

سمعوا صوت من الخارج.

صوت رجل.

خلاص.

أحمد خرج من المكتب.

وقف في الممر.

وكان قدامه رجل في الخمسينات.

الدكتور سامح.

أحمد قرب منه.

إيلينا فين؟

الدكتور قال

معايا.

هي عايشة؟

أيوه.

أحمد أخذ نفس طويل.

وأمي؟

هي اللي رتبت كل حاجة.

أحمد حس إن الكلام بقى واضح.

ليه؟

الدكتور قال

لأنها كانت مقتنعة إن إيلينا هتدمر مستقبلك.

مستقبلي؟

كانت عايزاك تتجوز واحدة تانية.

أحمد قال

بس إيلينا كانت حامل.

هي ما كانتش عارفة وقتها إن الحمل هينجح.

بس كانت عارفة

بعدين.

أيوه.

وسكتت.

أيوه.

ليه؟

الدكتور قال

لأنها كانت خايفة إنك لو عرفت ترجع لها فقط عشان الأطفال.

أحمد أغمض عينيه.

كل شيء رجع لنقطة واحدة.

هو كان السبب.

هو اللي خلا إيلينا تخاف.

هو اللي خلا أمه تلاقي فرصة.

هو اللي مشي من غير ما يسمع.

قال

خدني لإيلينا.

الدكتور هز رأسه.

هتروح لها.

وصلوا لمخزن قديم في منطقة صناعية.

أحمد دخل بسرعة.

إيلينا كانت قاعدة على كرسي.

لكنها كانت سليمة.

أول ما شافته دموعها نزلت.

أحمد جرى عليها.

فك الرباط.

فضل ساكت.

هي قالت

كنت عارفة إنك هتجي.

أحمد قال

آسف.

أنا مش محتاجة اعتذار.

أنا محتاج أقولها.

سكت.

آسف إني ما صدقتكيش.

إنت ماكنتش سامعني أصلًا.

آسف إني خذلتك.

إيلينا قالت

إنت اتغيرت.

أحمد بص لها.

الأطفال غيروني.

لأ.

سكتت.

إنت اتغيرت قبل ما تعرفهم.

أحمد فهم قصدها.

هي كانت تقصد الشهور اللي قضاها بعيدًا.

وقت ما بدأ يفكر في أخطائه.

وقت ما بدأ يفهم إن الأبوة مش مجرد اسم يتورث.

قال

هطلب منك طلب.

إيه؟

ما ترجعيش عشاني.

إيلينا بصت له.

أنا مش هضغط عليكي.

طيب؟

لو في يوم رجعنا لبعض، يبقى لأننا الاتنين عايزين.

إيلينا دمعت.

والأطفال؟

هيفضلوا أولادي حتى لو ما بقيناش زوج وزوجة.

ابتسمت لأول مرة.

دلوقتي بقيت فاهم.

في اليوم التالي رجع أحمد للأطفال.

الأربعة كانوا مستنيينه.

يوسف جري عليه.

بابا!

البنت قالت

إنت اتأخرت.

ضحك.

عارف.

ماما قالت إنك هترجع.

بص لإيلينا.

كانت واقفة بعيد.

قال

ماما دايمًا عندها حق.

يوسف قال

هنعيش كلنا مع بعض؟

أحمد سكت.

بص لإيلينا.

ثم قال

مش لازم نعيش في بيت واحد عشان نبقى عيلة.

يوسف فكر شوية.

يعني هنفضل عيلة؟

دايمًا.

بعدها بأيام بدأت القضية.

صفية اعترفت بكل شيء.

ما حاولتش تنكر.

قالت إنها كانت مقتنعة إنها بتحمي ابنها.

لكنها اعترفت إنها أخطأت.

وأحمد ما سابهاش.

رغم كل اللي حصل.

كان ممكن يقاطعها.

كان ممكن يكرهها.

لكنه اختار يحاسبها من غير ما يتحول لشخص قاسي.

قال لها

أنا مش هنسى اللي حصل.

صفية بكت.

عارفة.

بس مش هحرمك من أحفادك.

رفعت عينيها.

هشوفهم؟

بشروط.

أي شروط.

تحترمي أمهم.

صفية هزت رأسها.

وأولادي مش ورثة ولا أسماء.

فاهمة.

هما أطفال.

فاهمة.

ومش هتدخلي حياتهم إلا بالحب.

صفية قالت

وعد.

ومرت شهور.

الأطفال كبروا سنة أخرى.

وأحمد بقى جزء حقيقي من حياتهم.

مش مجرد اسم.

بقى هو اللي ياخدهم المدرسة.

وهو اللي يحضر حفلاتهم.

وهو اللي يعرف مين بيحب إيه.

وفي يوم عيد ميلادهم السادس

أحمد جه البيت ومعاه أربع هدايا.

كل هدية مختلفة.

يوسف فتح هديته.

كرة.

البنت فتحت هديتها.

ألوان ورسم.

الطفل الثالث فتح كتاب عن الحيوانات.

والبنت الرابعة فتحت كتاب قصص كبير.

الأطفال فرحوا.

يوسف قال

بابا.

نعم؟

إنت كنت بتعرفنا قبل ما نشوفك؟

أحمد سكت.

أيوه.

كنت بتحبنا؟

أحمد ابتسم.

من غير ما أعرفكم.

يوسف فكر.

غريبة.

أحمد ضحك.

أيوه.

البنت قربت منه.

وقالت

ماما قالتلي إن الحب مش دايمًا بيبدأ صح.

أحمد بص لإيلينا.

إيلينا ابتسمت.

قال

مامتكم أذكى ست قابلتها في حياتي.

الأطفال ضحكوا.

وفي نهاية اليوم

خرج أحمد وإيلينا يقفوا في البلكونة.

البيت كان هادي.

الأطفال ناموا.

إيلينا قالت

فاكر أول يوم اتجوزنا؟

أحمد ابتسم.

فاكر.

كنت بتقول إن أهم حاجة في حياتك يكون عندك عيلة.

وطلعت مش فاهم يعني إيه عيلة.

ودلوقتي؟

بص من البلكونة للشارع.

دلوقتي فهمت.

سكت.

العيلة مش أربع أطفال يحملوا اسمك.

إيلينا بصت له.

أمال إيه؟

قال

العيلة هي الناس اللي

 

تختارك كل يوم.

دمعت عينها.

وإنت اخترتنا؟

أحمد بص لها.

كل يوم.

إيلينا ابتسمت.

حتى لو أنا؟

خصوصًا إنتِ.

ضحكت وهي بتمسح دموعها.

أحمد مد إيده.

نبدأ من جديد؟

بصت لإيده.

وبعدين بصت له.

من غير استعجال.

من غير استعجال.

مسكت إيده.

ومن غير شروط.

ومن غير شروط.

وفي اللحظة دي خرج يوسف من الأوضة وهو نصف نايم.

بابا...

أحمد ضحك.

نعم يا حبيبي؟

إنت هتمشي؟

أحمد دخل وحمله.

لأ.

وعد؟

أحمد بص لإيلينا.

وقال

وعد.

وبعد سنوات

كان مشروع بيوت الصغار بقى أكبر من مجرد مشروع.

بقى مؤسسة كاملة.

وأحمد شارك فيها.

مش بفلوسه بس.

بوقته.

بخبرته.

وبقصته.

كان كل ما حد يسأله

إيه اللي خلاك تدخل مجال رعاية الأطفال؟

كان يبتسم.

ويبص لأولاده الأربعة.

ويقول

أربعة أطفال علموني إن الإنسان ممكن يخسر ست سنين من عمره بسبب قرار واحد.

لكن لو لسه فيه فرصة يصلح غلطه، ماينفعش يضيعها.

الأطفال كبروا.

وأصبح لكل واحد منهم طريق.

يوسف بقى يحب الطب.

البنت بقت تحب الرسم.

الولد الثالث اتعلق بالحيوانات.

والبنت الرابعة بقت بتحب القراءة والكتابة.

وفي كل عيد ميلاد كانوا يلتقطوا صورة الأربعة مع أحمد وإيلينا.

صورة واحدة.

لكنها كانت بالنسبة لأحمد أغلى من كل الصور اللي امتلكها في حياته.

وفي آخر صورة

كان أحمد واقف في النص.

إيلينا جنبه.

والأطفال الأربعة حواليهم.

يوسف كان عامل غمازة بإيده.

وأحمد ضحك وقال

الغمازة دي أنا السبب

فيها.

يوسف رد

لأ، أنا اللي واخدها منك.

وضحكوا كلهم.

إيلينا بصت لأحمد.

وفي نظرتها كان فيه شيء قديم رجع.

مش نفس الحب القديم.

حب أنضج.

أهدى.

مبني على اختيار حقيقي.

أحمد قرب منها وقال

لو رجع بيا الزمن، كنت هعمل كل حاجة بشكل مختلف.

إيلينا قالت

لو رجع بيكي الزمن، ماكنتش هتلاقيني.

ليه؟

لأن الست اللي قابلتها زمان ماتت.

أحمد ابتسم.

وأنا كمان.

سألته

مين بقى؟

بص لأولاده.

وقال

أب.

وبص لها.

ورجل عرف أخيرًا قيمة الست اللي كانت مستعدة تقف جنبه حتى لما هو ماكانش قادر يقف جنبها.

إيلينا ما ردتش.

بس مسكت إيده.

والأطفال الأربعة وقفوا جنبهم.

وفي اللحظة دي أحمد فهم إن الظرف القديم ماكانش مجرد ورقة.

كان فرصة.

فرصة رجعت بعد ست سنين.

وكان ممكن يرفضها.

كان ممكن يقول إن الماضي انتهى.

كان ممكن يتمسك بغروره.

لكنه اختار يرجع.

والأهم إنه رجع من غير ما يطلب من إيلينا تنسى.

ومن غير ما يطلب من أولاده يسامحوه بسرعة.

ومن غير ما يعتبر إن مجرد كونه أبوهم يخليه يستحق مكانة في حياتهم.

هو بنى مكانه من جديد.

يوم ورا يوم.

سنة ورا سنة.

لحد ما بقى الأب اللي الأطفال كانوا محتاجينه.

وبقى الرجل اللي إيلينا قدرت تثق فيه من جديد.

وفي ليلة هادية بعد سنين

كان أحمد قاعد في الصالة.

الأطفال الأربعة بقوا شباب.

واحد منهم كان بيضحك مع إيلينا.

والبنتين بيتخانقوا على ريموت التلفزيون.

أحمد بص لهم.

وافتكر اليوم

اللي شافهم فيه لأول مرة على الشاشة.

افتكر الصدمة.

افتكر الظرف.

افتكر الندم.

وبعدين ابتسم.

لأن أكبر درس في حياته ماكانش إنه اكتشف إن عنده أربعة أطفال.

أكبر درس كان إنه اكتشف إن بعض الخسائر بتكون نتيجة قرار اتاخد في لحظة ضعف.

وإن الاعتذار لوحده مش كفاية.

والحب لوحده مش كفاية.

لكن الإنسان لما يعترف بغلطه ويصبر ويبذل مجهود حقيقي عشان يصلحه

ممكن يبدأ حياة جديدة.

حتى لو البداية جات بعد ست سنين.

أحمد قام.

دخل المطبخ.

إيلينا كانت بتحضر الشاي.

قال لها

ممكن أسألك سؤال؟

اتفضل.

لو ماكنتش شفتك على التلفزيون اليوم ده...

سكتت.

كنتِ هتفضلي مخبية الحقيقة؟

إيلينا بصت له وقالت

يمكن.

ليه؟

لأني كنت خايفة إنك تيجي تاخد أولادك وتنساني.

أحمد قرب منها.

وأنا كنت خايف إني أعيش من غير أولاد.

ودلوقتي؟

دلوقتي عرفت إن أكبر غلطة عملتها إني كنت فاكر إن الاتنين لازم يكونوا اختيار.

إيلينا ابتسمت.

والحقيقة؟

أحمد قال

الحقيقة إن العيلة كانت ممكن تبقى موجودة طول الوقت.

بس؟

أنا اللي ماكنتش شايفها.

إيلينا حطت إيدها في إيده.

ومن الصالة سمعوا صوت الأطفال

ماماااا!

وبعدها

باباااا!

أحمد ضحك.

إيلينا قالت

روح لهم.

قال

نروح لهم.

وخرجوا سوا.

وكانت دي أول مرة منذ ست سنين

إن أحمد ماكانش بيجري وراء الماضي.

كان واقف في الحاضر.

وسط عيلته.

وسط أولاده.

جنب الست اللي خسرها مرة

ورجع اختارها للمرة التانية.

لكن

المرة دي

ما اختارهاش لأنها هتخلف.

ولا لأنها تحقق له حلم.

ولا لأنها مناسبة لعيلته.

اختارها لأنها إيلينا.

واختار أولاده

مش لأنهم يحملوا اسمه.

لكن لأنهم أولاده.

وفي آخر الليل

قبل ما ينام

فتح أحمد درج مكتبه.

طلع الظرف القديم.

فضل يبص له.

وبعدين حطه في صندوق خشبي.

كتب عليه

أهم درس في حياتي.

وقفله.

ومن يومها

كل ما كان حد يسأله عن أكتر حاجة ندم عليها

كان يقول

إني حكمت على إنسانة من تقرير طبي.

وأكتر حاجة أنقذته؟

كان يقول

إنها رغم كل اللي حصل، سابتلي باب أقدر أرجع منه.

وأكتر حاجة اتعلمها؟

كان يبتسم ويقول

ما تستناش خسارة عشان تعرف قيمة اللي في إيدك.

ثم كان يبص لأولاده الأربعة.

ويقول

لأن بعض النعم لما تضيع منك، ممكن ترجع.

بس عمرها ما بترجع بنفس الشكل.

ولو ربنا اداك فرصة تانية...

خدها.

واشكر ربنا عليها.

ثم يطفي النور.

ويخرج من الغرفة.

وهو سامع ضحكة إيلينا والأطفال من آخر البيت.

لأول مرة في حياته

كان أحمد فانس عنده كل اللي كان بيدور عليه.

مش وريث واحد.

ولا أربعة أطفال بس.

كان عنده عيلة كاملة.

وكان عنده فرصة تانية.

وكان عنده حب اتبنى من جديد.

وكان عنده أربعة عيون صغيرة تشبه عينيه

لكن كل واحدة منها كانت بتفكره بحاجة مختلفة.

إن الأبوة مش دم وبس.

وإن الزواج مش إنجاب وبس.

وإن الأمومة مش تقرير طبي.

وإن الإنسان ممكن يغلط.

لكن أسوأ غلطة مش إنك تغلط.

أسوأ غلطة إنك تعرف إنك غلطت

وتفضل واقف مكانك.

وأحمد أخيرًا

ما وقفش.

مشى.

ورجع.

وبنى من جديد.

والمرادي

ماكانش فيه ظرف غامض.

ولا سر مدفون.

ولا ست سنين ضايعة.

كان فيه بيت مفتوح.

وأربع قلوب بتناديه

بابا.

وكان ده بالنسبة له

أجمل صوت سمعه في حياته كلها.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
محمد Pro تقييم 5 من 5.
المقالات

96

متابعهم

47

متابعهم

63

مقالات مشابة
-