سكريبت بعد موت جوزى كامله أمانى السيد
سكريبت بعد موت جوزى كامله أمانى السيد
سكريبت بعد موت جوزى كامله أمانى السيد
من سنتين فاتوا، انقلبت حياتي كلها بموت جوزي وسندي في الدنيا. فجأة لقيت نفسي وحيدة مع طفلين في رقبتي، لسه بحاول استوعب الصدمة وألم الفراق وأفكر هكمل إزاي، لقيت أبويا بعد شهر واحد بس من الوفاة داخل عليا بنصيحة كانت في ظاهرها الرحمة، بس في باطنها سلب لكل إرادتي:
“يا بنتي إنتي لسه صغيرة، والزمن غدار ومينفعش تقعدي بطولك إنتي وولادك، تعالي عيشي معانا في حضننا، وشقتك نأجرها، والقرشين بتوع الإيجار على معاش جوزك الله يرحمه ينفعوكي وتصرفي منهم على العيال، وهنفرشلك أوضة ليكي وإنتي وولادك تناموا فيها.”
كلامه حسسني بالأمان وقتها، وصدقت إن ده ضهري اللي هيحميني، لكن الواقع كان غير كده تماماً. من يوم ما رجعت بيت أهلي بقالي سنتين، عمري ما مسكت في إيدي جنيه واحد. معاش جوزي وإيجار شقتي بيتحولوا فوراً في جيب أبويا، ولما أطلب منه أي حاجة للولاد، بحس إني بشحت حقهم، بعد ذل ومحايلة يروح يجيب أرخص حاجة في السوق، وكل ما أتنفس يقولي: “يا دوب الإيجار والمعاش بيكفوا أكلك وشربك إنتي وعيالك!”
حاولت أقوله بالحسنى: “يا بابا سيبلي الفلوس وأنا هعرف أدبر أموري وأصرف على نفسي وعيالي”، لكن رده كان كسر لخاطري وإهانة ليا: “إنتي مينفعش تمسكي مليم في إيدك، وأنا اللي بصرف على البيت كله، ولا انتي عايزة تاكلي وتشربي ببلاش؟!” غير الكلام اللي بيوجع ويهد الحيل.
الموضوع موصلش للفلوس وبس، لقيت نفسي أتحولت لخدامة في البيت. أصحى من الفجر أطبخ، أغسل، وأنضف، في حين إن سلايفي وزوجات إخواتي ينزلوا يقعدوا وياكلوا على الجاهز ويطلعوا شققهم مرتاحين، وأنا اللي شايلة شقى البيت كله فوق كتافي المهدودة. ولما أروح لأمي بدموعي أشتكي وأقولها ليه بتعملوا فيا كده؟ ألاقيها بتلومني وتقولي: “بدل ما تبوسي إيدك وش وضهر إننا خايفين عليكي تقعدي لوحدك وعايشين في وسطنا، بتنكفي فينا وتتبتري على النعمة؟”
فاض بيا الكيل ومبقتش قادرة أتحمل المهانة دي ليا ولأولادي. وقفت بكل قوتي وقولتلهم: “أنا أول ما عقد المستأجر يخلص، هرجع شقتي وأعيش مع ولادي بكرامتي.”
ساعتها أبويا بصلي بغضب وقالي الكلمة اللي قطعت كل حبال الموده
بصلي بعينين مليانة غل وقسوة عمري ما شوفتها فيه، وزعق بصوت هز حيطان البيت: “رجوع للشقة دي تحلمي بيه في منامك! الشقة دي تتأجر على طول، وفلوسها هتفضل تجيلي، والولايا اللي زيك ملهمش عيشة لوحدهم، تخرجي من البيت ده على قبرك أو على بيت راجل تاني يلمك ويستر عليكي والعيال يترموا لأهل أبوهم!”
الكلمة نزلت على دماغي زي مية النار، طيرت النوم من عيني وصحتني على الحقيقة المرة: أنا هنا مش في بيت أهلي اللي هيحموني، أنا هنا في سجن، محبوسة ومستباح تعبي وفلوس ولادي باسم الحماية والخوف عليا.
دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، ولأول مرة مبكيش. لقيت عيالي الاتنين قاعدين في ركن السرير، باصينلي بعيون مرعوبة وحاسين بالذل اللي أمهم عايشة فيه. مسحت على روسهم وقولت لنفسي: “لحد هنا وخلاص.. لو متكسرتش عشان موت أبوهم، مش هسمح لحد يكسرني بحجة إنه أبويا.”
بدأت أتحرك في سكوت من غير ما حد يحس بيا. أول حاجة عملتها، استغليت يوم نزلوا فيه كلهم، وأخدت شهادات ميلاد ولادي، وإعلام الوراثة، وقرار الوصاية اللي طلعته بعد وفاة جوزي وكنت شايلاه في قعر شنطتي. روحت التأمينات، وقدمت طلب إن معاش جوزي يتحول على حساب بنكي أو كارت ميزة باسمي أنا بصفتي الوصية على أولاده القُصّر، ولغيت التوكيل البنكي العرفي اللي كنت عاملاه لأبويا في أول أيام الصدمة.
بعدها، روحت للمستأجر في شقتي من وراهم، قولتله بالحرف: “أنا صاحبة الشقة ومعايا العقود والوصاية، العقد بتاعك باقي عليه شهرين، ومش هيتجدد، ومفيش ولا مليم إيجار يتدفع لأي حد غيري في إيدي.” الراجل كان محترم ومتفهم، ولما شاف أوراقي وعينيا اللي كلها حسم وقوة، اتفق معايا إنه يسلمني المفاتيح في ميعاده بالظبط.
أبويا لما عرف باللي عملته، البيت اتقلب جحيم. حاول يمد إيده، وحاولوا إخواتي يضغطوا عليا ويكسروا نفسي بالكلام، وأمي كانت بتدعي عليا ليل ونهار وتقولي: “عصيتي أبوكي وهيغضب عليكي ربنا!”
بس رديت عليهم ببرود مكنتش متخيلة إنه عندي: “ربنا ميرضاش بأكل مال اليتامى، ولا يرضى إن بنتك تعيش خدامة وتتشحت على عيالها. ده مش عصيان.. دي كرامتي وكرامة عيال أمانة في رقبتي وهتحاسب عليهم قدام ربنا.”
خلص الشهرين، وأخدت شنطة هدومي وهدوم ولادي في إيدي، وخرجت من باب البيت وراسي مرفوعة للسما، مبصتش ورايا خطوة واحدة، ورجعت شقتي اللي ريحة جوزي لسه في حيطانها.. تعبانة، خايفة من بكرة، بس مستورة، حرة، وعندي عزة نفس مفيش مخلوق هيعرف يكسرها تاني.
أول ما فتحت باب الشقة ودخلت أنا وولادي، قفلت الباب ورايا بالمفتاح وسندت ضهري عليه، ودموعي نزلت.. بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا ذل، كانت دموع راحة، كأن جبل كان كاتم على نفسي وأخيراً انزاح. عيالي جروا في الصالة، بيتنططوا ويضحكوا بصوت عالي من غير ما حد يزعق فيهم ولا يقولهم “حسك عينك تطلع صوتك”، وفي اللحظة دي بس حسيت إن روحي ردت فيا.
طبعاً، أهلي مسبونيش في حالي. أبويا وإخواتي حاولوا يستعملوا كل الطرق عشان يرجعوني لبيت الطاعة بتاعهم. في الأول بعتولي ناس كبار من العيلة، قعدوا يقولولي: “عيب.. كلام الناس ميرحمش.. واحدة ست عايشة لوحدها والناس هتاكل وشنا”، فكان ردي هادي وقاطع: “كلام الناس مش هيأكل عيالي ولا هيسترني، واللي خايف على شرفي يتقي الله في مالي ومال ولادي، أنا في بيتي وبي شرفي وكرامتي.”
ولما شافوا إن سكة العقل مش جايبة همها، بدأت حرب التهديد؛ أبويا قاطعني وحلف ما يوريني وشه ولا يعتبلي بيت، وأمي كانت كل ما تكلمني في التليفون تسمعني كلام يسم البدن: “بكرة تقعي وتجيلنا تزحفي على ركبك”، بس كل كلمة كانت بتزودني إصرار إني أقف على رجلي ومقعش أبداً.
المعاش كان يدوب مكفي الأكل والشرب بالعافية، ومكنش ينفع أقف مكاني مستنية معجزة. مسكت ورقة وقلم، وبدأت أحسب كل قرش داخل وخارج، وقررت إني اشتغل من جوة البيت عشان مفارقش ولادي. كنت شاطرة في الحلويات والمخبوزات، عملت صفحة صغيرة على الفيسبوك وبدأت أعمل حلويات بيتي ومعجنات وأبيعها لجيراني في المنطقة. أول أسبوعين كان الشغل على قدي، بس واحدة واحدة ومع النظافة والأمانة، الطلب بدأ يزيد والناس بقت تطلب بالاسم.
كنت بنام أربع ساعات في اليوم، أصحى الفجر أجهز طلبات الناس، وأودي عيالي مدارسهم، وأرجع أكمل شغل البيت وتوصيل الأوردرات، بس التعب ده كله كان على قلبي زي العسل، لأني بدوق طعم اللقمة الحلال اللي جاية بعرق جبيني ومحدش كاسر عيني بقرش.
عدت سنة كاملة، شقتي نورت، ولادي لبسوا أحسن لبس، وبقى معايا قرشين متشالين للزمن في البنك باسمهم. وفي يوم، لقيت الباب بيخبط، فتحت لقيت أمي واقفة وعينيها مكسورة، بتبص للشقة النضيفة وللأمان اللي في وش ولادي، وقالتلي بصوت مخنوق: “أبوكي تعبان وعايز يشوفك..”
بصيت في عينيها وأنا شيفاها مذهولة من الست اللي واقفة قدامها؛ مبقتش البنت المكسورة اللي بتبكي تحت رجليهم عشان يرضوا عنها، بقيت أم حاربت الدنيا كلها عشان تحمي ولادها وتعيش بكرامتها.
سكتّ لحظة، بصيت في عينيها اللي كانت بتهرب من عيني، وشوفت فيها نظرة عمري ما شوفتها قبل كده.. نظرة انكسار واعتراف بالهزيمة، بعد ما كانوا مراهنين إني هرجع راكعة أطلب السماح واللقمة.
فتحت الباب على آخره وقولتلها بهدوء: “اتفضلي يا أمي، ده بيتك برضه.”
دخلت وخطوتها تقيلة، عينيها عمالة تلف في كل ركن؛ شافت التلاجة اللي مليانة خير، والولاد اللي قاعدين بيذاكروا في هدوء ولبسهم نضيف ومكوي، وشافت الرضا اللي منور وشوشهم.. رضا كان مسلوب منهم سنتين كاملين في بيت العيلة. قعدت على طرف الكرسي كأنها غريبة، ودموعها نزلت وهي بتقولي: “أبوكي وقع بجلطة خفيفة من شهر، ولما قعد في البيت ومبقاش ينزل المعاش، الدنيا اتغيرت.. إخواتك وسلايفك اللي كنتي بتخدميهم، محدش فيهم بقى طايق كلمة منه، ولا حد راضي حتى يديله الدوا في ميعاده، وكل واحد قافل على نفسه بابه. ساعتها افتكرك.. افتكر لما كنتي بتشيلي هم البيت كله على كتافك ومبتنطقيش.”
الكلام وجعني، مش شماتة، لا والله، بس حسرة على العمر والدم اللي بيتقلب غريب عشان شوية قرارات ظالمة. قولت لها بصوت ثابت مبيرجفش: “أبويا على راسي يا أمي، وده مرضه وواجبي كبنت، بس اللي بيني وبينكم اتغير للأبد. أنا مش هرجع البيت ده تاني أخدم وأتهان، ولا مليم واحد من شقى عيالي هيدخل جيب حد. أجيله أزوره، أطمن عليه، وأجيبله طلباته لحد عنده.. ده برّه بيا قدام ربنا، لكن حريتي وكرامتي وعيالي، دول خط أحمر مفيش مخلوق يتخطاه.”
تاني يوم، أخدت ولادي ونزلت روحتلهم. أول ما دخلت الأوضة عليه، شوفته راقد في السرير، ضعيف وهزيل، مش ده الراجل اللي كان صوته بيهز الحيطان وهو بيطردني وبيحرمني من حقي. أول ما شافني، عينيه دمعت ومد إيده المرتعشة، مسكت إيده بوستها وقولتله: “ألف سلامة عليك يا بابا.”
بص في عيون ولادي اللي جم حضنوه ببراءة، وقالي بصوت متقطع مبحوح: “سامحيني يا بنتي.. أنا اللي افتريت عليكي وعلى لحمي، وربنا ردلي حقيقتكم كلكم في مرضي.”
مردتش عليه بعتاب، لأن العتاب وقت الضعف رخص، بس دعيتله بالشفاء، وقعدت معاه ساعتين، قومت بواجبي بما يرضي الله ورجعت بيتي مع ولادي.
في اليوم ده، اتعلمت أكبر درس في حياتي: إن الكرامة مش مجرد كلمة، دي درع بيحمي الست وولادها من قسوة أقرب الناس ليها.. وإن الست لما تقرر تعتمد على نفسها وعلى ربنا ومتركنش على حد، الدنيا كلها بتنحني قدامها احتراماً، وحق اليتيم عمره ما يضيع، حتى لو الزمن دار ولف، بيرجع لأصحابه وأكتر.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق