هـديـة طقـم كريسـتال لـبنـت أخـت جـوزي كامله حكـايات مني السيد حصري
هـديـة طقـم كريسـتال لـبنـت أخـت جـوزي كامله حكـايات مني السيد حصري
هـديـة طقـم كريسـتال لـبنـت أخـت جـوزي كامله حكـايات مني السيد حصري
القرشين اللي كان أبويا مديهوملي من كام يوم، كنت شيلاهم على جنب للزنقة، بس لما عرفت إن خطوبة بنت أخت جوزي أول الشهر، قلت الدنيا مش مظاهر، والجدعنة بتبان في الأوقات دي.
جوزي لسه راجع لشغله بقاله عشر أيام بالعافية، والمصاريف كبساه من كل حتة، وأنا مش ههون عليا يبان مكسور ولا عاجز قدام أهله.
نزلت واشتريت طقم كاسات RCR إيطالي أصلي، حاجة تشرف ووزنها دهب، مش رخيص أبدًا، بس قلت دي بنت الغالي، ولازم أرفع راسه ومحدش يمسك عليه ربع كلمة. رحت بنفسي قبل الخطوبة عشان أفرّحها، ودخلت بابتسامتي، لكن أول ما فتحت العلبة، لقيت وش أخته اتقلب، وعينيها بتطق شرار. بصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة تقطر سم هو إنتي بتجيبي من بيت أبوكي؟! دي هدية تجيبيها لبنت الغالي؟ ده كله من شقا أخويا خالها! بدل ما تملي عيني وتدخلي عليا بتلات أربع أطقم سرير، ولا شنطتين فوط، ولا طقم صيني يشيل عينينا.. جايبالي كاسات تصغري بيهم أخوكي؟
اتسمرت مكاني والدم هرب من وشي. بلعت الوجع بالعافية وقلت بهدوء لسه الفرح يا ستي، ربنا يوسعها ونجيب الأكبر. ردت بتريقة وإنتي هتقرري منين؟ ما أنتي شبعانة من خيره وبتعملي بمزاجك عشان تصغريه وتطلعينا قليلين!
الكلام كان زي السكاكين، بس سكت ومشيت عشان محسسش جوزي بحاجة.
المصيبة إني أول ما وصلت البيت، لقيت حماتي مستنياني، كأنها كانت متلقحة، وبدأت ترمي كلام في جنابي يهد الحيل، وبرضه كتمت غيظي. قلت معلش، كله عشان خاطر الراجل اللي مشقي نفسه في الشارع وميعرفش أنا عملت إيه من وراه عشان أستر بيته.
لحد ما جت الصدمة التانية بعدها بيومين. عرفت بالصدفة إن الخطوبة مش هتتعمل في البيت زي ما قالوا، دي في قاعة شيك، والمفاجأة إن كل العيلة معزومة في القاعة حتى سلايفي.. وإحنا؟ إحنا اتقالنا ابشروا يا جماعة، ميعادنا في البيت قبل ما نتحرك! اتعاملنا معاملة الغرب، اتنفينا برة الفرح عشان مانبانش وسط الناس اللي على الفرازة، بعد كل اللي شيلته وسترته.
وقفت في الصالة تايهة، شريط الأيام بيعدي قدام عيني تعبي، القرشين اللي طلعتهم من لحم الحي، الكلام اللي كسرني، والتهميش اللي اتعمل فينا. فجأة، سمعت صوت المفتاح في الباب، جوزي دخل وشه متبهدل من شمس الشارع وتعبان، قعد على الكنبة وقال بتنهيدة طالعة من روحه أنا شايل هم بنت أختي وخطوبتها يا أم فلان، ممعيش غير ملاليم، ونفسي أدخل عليها بحاجة تشرف، دي في مقام بنتي.. أنتي معاكيش أي حاجة نمشي بيها نفسنا، ولا نروح نباركلهم في القاعة بأيدينا فاضية؟
بصيت لعينيه التعبانة، ولقيت نفسي قدام مفترق طرق أصعب من كل اللي فات؛ أكسر قلبه وأحط قدامه الحقيقة العريانة اللي هتولع بينه وبين أهله، ولا أسيبه يروح برجله ويشوف المفاجأة اللي مستنياه هناك بنفسه؟ بلعت ريقي وأنا بقرب منه وبقول بصوت مهزوز أنا هقولك على حاجة حصلت.
. بس توعدني الأول تسمع للآخر؟
جوزي رفع راسه وبصلي، وكان في عينيه تعب السنين كلها، خطين حمر في بياض عينه من قلة النوم والشمس اللي كلت وشه بقالها عشر أيام في الشارع بعد الرجوع للشغل بالعافية. فرك إيديه في بعض وقال بنبرة مكسورة وهو بيحاول يبتسم نص ابتسامة خير يا بنت الأصول؟ شكلك وراه حكاية، ومال صوتك فيه هزة كده ليه؟ سامعك، احكي، هو أنا ورايا غيرك أسمعه؟
في اللحظة دي، لساني اتشل. الكلمات وقفت في زوري زي شوك ناشف. شفت في عين الراجل ده حب وحسن نية يهدوا جبال، شفت واحد راجع شايل هم أخته وبنتها، وعمال يحسبها بالمليم عشان بس ما يبانش قاصر قدام الناس، ومش دريان إن الناس دول داسوا على لحمه وشرفه وإحنا لسه على عتبة الباب.
بلعت ريقي بصعوبة، وحولت مسار الكلام، خفت عليه من الجلطة، خفت أهد المعبد على دماغه وهو مش ناقص، فقلت بهدوء مصطنع كنت.
. كنت هقولك متشلش هم الهدية، ربنا مبيسبش حد، وأنا اتصرفت وربنا فرجها من وسع، جبت للبنت هدية حلوة ووديتها، يعني راسك مرفوعة ومحدش يقدر ينطق بربع كلمة.
برق بعينيه، وقام وقف، مسك إيديا الاتنين بلهفة وسألني جبتي إيه؟ ومنين يا ولية؟ ده إحنا كنا بنقحط من كام يوم عشان نجيب مصاريف البيت وعلاج الواد! جبتي إيه يسترنا؟
رديت وأنا باصة في الأرض عشان ملمحش في عينيه كسرته أبويا ربنا يديله الصحة كان سايبلي قرشين في إيدي من أسبوع كده، وقاللي شيلي دول لزنقة الزمن.. قولت مفيش زنقة أكتر من إن جوزي يبان قليل، نزلت وجبت طقم كاسات كريستال RCR إيطالي أصلي، حاجة من اللي بيحطوها في واجهة النيش، حاجة فخمة تشرف أي بيت.
لقيت جوزي وشه نور فجأة، ابتسامة عريضة اترسمت على وشه كأنه لسه وارث ملك قارون، باس راسي وقال بصوت فيه دموع محبوسة أصيل، والله أصيلة وبنت راجل أصيل! طول عمرك ساندة ضهري ومبتخلنيش أحتاج لحد ولا أتصغر قدام أهلي.. وأختي بقى قالتلك إيه؟ دي أكيد طارت من الفرحة، البت بتحب الحاجات دي، وأمها بتفهم في الأصول، أكيد شالتك فوق راسها!
الكلمة نزلت على قلبي زي مية نار. بتفهم في الأصول! يا حسرة على الأصول اللي اتدفنت بالحيا. ابتسمت
بمرارة ومردتش، اكتفيت بإني أقول المهم إننا عملنا اللي علينا وخلاص يا أبو فلان، والباقي على ربنا.
سابني ودخل يغسل وشه ويتوضى، وهو عمال يدعيلي ويقول ربنا يخليكي ليا، والله شيلتي عني هم جبل، ده أنا كنت قاعد في الميكروباص بفكر هقترض من مين عشان الهدية دي.
كنت واقفة في المطبخ، إيدي بتترعش وأنا بصب له الشاي، وبقول لنفسي أنا كده صح ولا غلط؟ أنا كده بستره وبحفظ كرامته قدام نفسه، ولا بضحك عليه وبسيبه يعيش في وهم أهله اللي باعوه برخيص؟
تاني يوم، كان ميعاد اللمة الكدابة. المفروض حسب الكلام اللي وصل لجوزي زمان، إن الفرح في البيت، كتب كتاب ولمة عائلية على الضيق بعد العصر. جوزي صحي من بدري، لبس قميصه المكوي الحلو، وحط من البرفان اللي مبيطلعوش غير في الأعياد، وشه كان رايق ومبسوط، وعمال يقول للعيال يلا يا ولاد اجهزوا عشان نفرح لبنت عمتكم، دي أول فرحتنا في العيلة!
كنت ببص له وقلبي بيتعصر. أنا عارفة السر، عارفة إن البيت مفيش فيه غير شوية كراسي متأجرة لناس معينة، وإن القاعة الكبيرة اللي في أول الشارع الرئيسي محجوزة من شهر، والمعازيم واخدين كروت دهبي، وسلايفي الاتنين ولادهم مجهزين فساتين وبدلات سواريه عشان يدخلوا القاعة، وإحنا.. إحنا مكتوب علينا نروح البيت نسلم في هدوء ونرجع، عشان شكلنا ميليقش بالمعازيم الأكابر اللي عازمهم العريس وأهل العريس!
نزلنا العصر، كانت الشمس لسه حامية شوية. طلعنا السلالم عند أخته. الباب كان موارب، وأصوات زغاريد طالعة، بس الغريب إن البيت مكنش فيه دوشة فرح بجد، مكنش فيه غير حماتي، وأخت جوزي التانية، وشوية قرايب من بعيد قوي. أول ما دخلنا، جوزي دخل بصوته الجهوري الجميل، فاتح دراعاته ألف مبروك يا أم العروسة! ألف مبروك يا أختي، زغروطة للغالية يا ولاد!
أخته بصت له ببرود غريب، قامت وقفت بالعافية، سلمت بطراطيف صوابعها، وقالت بصوت ناشف الله يبارك فيك يا أخويا.. عقبال ما تفرح بعيالك.
جوزي استغرب البرود ده، بس قال لنفسه يمكن ملخومة، لف وشه وباس راس أمه إزيك يا أمي، عاملة إيه؟ البركة فيكي يا غالية.
حماتي دورت وشها للناحية التانية، ومردتش عليه بلهفة، قالت بنص لسان الحمد لله.. إيه اللي جابكم بدري كده؟ البت لسه في الكوافير ومفيش حد هنا.
جوزي ضحك بحسن نية بدري إيه يا أمي؟ ده العصر أذن، قولت أكون في ضهر أختي وأشوف لو ناقص حاجة، لو عايزين ننقل حاجة، ولا نجيب طلبات الفرح.
أخته دخلت في الكلام بنبرة لئيمة لا يا سيدي، كتر خيرك، طلبات إيه اللي تنقلها؟ العريس جايب كل حاجة، والرجالة الكبار اللي بيعرفوا في الأصول خلصوا كل حاجة من الصبح.. متتعبش نفسك، ارتاح.
الكلمة رنت في الصالة، حسيت جوزي اتلجم، كأنه خد كف على غفلة. بصلي بطرف عينه، ورجع بص لأخته، وقال بهدوء وهو بيحاول يبلع الإهانة أنا أخوكي الكبير يا أميرة، وفي مقام أبو العروسة، مفيش حد غريب يسبقني في حاجة تخص بنتك.
أخته ضحكت ضحكة صفرا، وبصت للنيش اللي في الصالة، وقالت وهي بتعدل طرحتها أبو العروسة؟
والله عال! اللي في مقام أبو العروسة ده، كان دخل البيت بهيبة، كان جاب حاجة تشيل العين وتفرح القلب.. مش يبعت مراته تفركش في نيشنا وتجيب طقم كاسات، الناس يضحكوا علينا بيه ويقولوا خال العروسة جايب كاسات شربات كأنه داخل يزور مريض!
الصالة سكتت خالص. النفس اتقطع.
جوزي وشه اتغير، لونه بهت، وعينيه دارت في الصالة، وبعدين بصلي بصدمة وزهول، ورجع بص لأخته بصوت بدأ يتهز من الغضب إنتي بتقولي إيه يا أميرة؟ طقم كاسات إيه اللي يضحك الناس؟ دي مراتي جايبة طقم مستورد من حر مالها عشان تسترك وتسترني، ده أبوها باعتلها قرشين طلعتهم عشان تفرح بنتك ومحسش إني مقصر.. تقومي تعايريها وتعايريني؟
هنا بقى حماتي انفجرت، كأنها كانت مستنية عود كبريت يرمي في بنزين، خبطت على ركبتها وصوتت جرى إيه يا ابن بطني؟
جاي تعلي صوتك على أختك في يوم فرح بنتها عشان خاطر الست هانم؟ أختك معاها حق! إنت خالها، المفروض الهدية تكون من دهبك وشقاك، مش تجيبوا شوية زجاج وتمنوا علينا بيهم! وكمان بتقول من حر مالها؟ ومنين حر مالها وهي عايشة في خيرك؟ هي بتشتغل من ورانا ولا بتورث وإحنا مش عارفين؟
الكلام كان بينزل زي المطارق. جوزي كان واقف مصدوم، مش قادر يستوعب إن أمه وأخته اللي بيجري عليهم بلقمته لما كان مفيش، هما نفسهم اللي بيسلخوا جلده دلوقتي قدام ولاده وقدامي.
جه جوزي يرد، بس في اللحظة دي اتفتح باب الشقة ودخلت سلفتي التانية، لابسة فستان سواريه أزرق بيلمع، بناتها حاطين مكياج كامل ولابسين فساتين سواريه كأنهم رايحين مهرجان، وأخو جوزي التاني داخل وراها لابس بدلة كاملة ومتشيك على سنجة عشرة.
أول ما سلفتي شافت جوزي وشافتني لابسة عبايتي الخروج العادية، وجوزي لابس قميص وبنطلون كاجوال، وشها جاب ألوان، واتلخبطت وقالت بصوت واطي إيه ده.. إنتوا.. إنتوا لسه ملبستوش؟
جوزي استغرب وبص لأخوه، وقال نلبس إيه يا إبراهيم؟ إحنا لابسين ونازلين، هو في حاجة تانية؟
إنت لابس بدلة ليه والكتب في الصالة هنا؟
إبراهيم بص لأخته، وبص في الأرض، ومكنش عارف ينطق. الصمت في اللحظة دي
كان فاضح أكتر من أي كلام.
حماتي اتلجلجت، وأخت جوزي وشها احمر، وبدأت تلف وتدور أصل.
. أصل بصراحة يا طارق.. القاعة صغيرة قوي، والعريس حاجز عدد كراسي محدود على قد المعازيم بالظبط.. والقاعة بالبطاقات، يعني كروت على الفرازة، فإحنا قولنا إنت ومراتك وعيالك تباركوا هنا في البيت براحتكم، وإبراهيم ينزل معانا يمثل العيلة هناك عشان هو معاه عربية وهيودي الحريم.
القاعة؟!
الكلمة طلعت من بق جوزي وكأنها بتشق صدره. وقف مشلول مكانه. قاعة إيه يا أميرة؟ إنتوا قولتولي الفرح هنا في البيت عشان الظروف، قولتولي مفيش قاعات ومفيش مصاريف، وخليتوا إبراهيم وسلايفي يجهزوا للقاعة، وأنا وعيالي منعرفش؟ أنا الخال الكبير متمنعش من فرح بنت أختي؟!
أخته رفعت حاجبها وردت بوقاحة خلاص مبقاش وراها خوف أيوه، العريس قال المعازيم اللي هيدخلوا القاعة يكونوا ناس واجهة، ناس تشرف قدام أهله، إنت جاي بقميص خفيف وبنتك ممعهاش فستان سواريه، هتدخلوا تقعدوا وسط الناس تعملوا إيه؟ تصغرونا قدام أهل جوز بنتي؟ كفاية طقم الكاسات اللي جابته مراتك، كتر خيركم، باركتوا وكلتوا الواجب، اتفضلوا بقى عشان العربيات مستنية تحت والعروسة زمانها جاية من البيوتي سنتر عشان نتحرك على القاعة!
في اللحظة دي، حسيت إن جوزي روحه بتتسحب منه. بص لأمه عشان يلقى فيها ريحة الأمومة، يلقى فيها الستر، لقاها بتبص الناحية التانية وبتقول اسمع كلام أختك يا طارق، وبلاش تعمل فضيحة في الشارع في ليلة البت، الناس هتقول إيه؟
روح بيتك يا ابني، وابقى بارك للعريس لما يستقروا.
جوزي مكنش قادر يرفع عينه، بص في الأرض، شفت رجليه بترتعش. الراجل اللي عمره ما انكسر، الراجل اللي بيشتغل ليل ونهار وشايل هموم الدنيا فوق كتافه عشان ميمدش إيده لحد، أهله طردوه من فرحهم عشان مش واجهة!
أنا مكنتش قادرة أسكت أكتر من كده. الدم غلي في عروقي، نسيت خوفي، ونسيت إني مش عايزة أعمل مشاكل. خطيت خطوة لقدام، وبصيت لأخته في عينها، والصوت اللي كان مهزوز من شوية بقى زي الرعد واجهة؟! إنتي بتتكلمي عن الواجهة يا أميرة؟ مين اللي مش واجهة؟ أخوكي اللي لسه راجع من مرضه وواقف على رجليه عشان ميخليكيش ناقصك حاجة؟ أخوكي اللي لقمته كانت بتتقسم بينك وبينه لما كان جوزك مسافر ومحدش سائل فيكي؟ طقم الكاسات اللي مش عاجبك ده، تمنه عرق راجل شقيان، ومن بيت أبويا اللي علمني الأصول اللي بيتك ميعرفش عنها حاجة!
حماتي صرخت اخرسي يا قليلة الأدب! بتعلي صوتك في بيتنا؟
رديت عليها وأنا مش شايفة قدامي بيتكوا ده اللي داخلينه بالحب والأصول، اتملى سواد وغدر! طارق مش هيقعد هنا دقيقة واحدة، ومش هيدخل قاعتكم دي حتى لو فرشتوهاله دهب! يلا يا طارق، يلا يا أبو ولادي، كرامتك تسوى الدنيا واللي فيها، وإحنا مش شحاتين على أبوابهم!
مسكت إيد جوزي. كانت إيده باردة زي التلج، عضلات وشه مشدودة وعينيه محبوس فيها غضب لو انفجر يحرق الأخضر واليابس. سحبته وخرجنا، نزلنا على السلم، وأصواتهم ورانا بدأت تعلى بالشتيمة والتلقيح، بس مكنش فارق معايا حاجة غير الراجل اللي ماشي جنبي ساكت، سكوت يخوف أكتر من أي زعيق.
نزلنا الشارع، العيال كانوا ماشيين ورانا ساكتين، عيونهم مليانة خوف واستغراب. جوزي مشي في الشمس، مكنش باصص يمين ولا شمال، خطوته كانت تقيلة كأنه شايل صخرة. مشينا لحد ما وصلنا بيتنا.
أول ما قفلنا باب الشقة ورانا، جوزي قعد على أول كرسي قابله، حط راسه بين إيديه، وسمعت صوت مكنتش أتخيل إني أسمعه في حياتي.
. سمعت صوت شهقة طالعة من قاع روحه، جوزي بيبكي. راجل طول بعرض، بيبكي بحرقة وكسرة تفتت الحجر.
قعدت على ركبي قدامه، مسكت إيديه وحاولت أرفع راسه حقك عليا أنا، فدا رجليك، والله ميسووا ضفرك، متعملش في نفسك كده، إنت سيد الرجالة كلهم، ومحدش يقدر يقلل منك!
رفع وشه، والدموع مغرقة عينيه وخدوده، وبصلي بصوت متقطع أنا يا أم فلان؟ أنا أختي تطردني؟ أنا أمي تقولي بلاش تعمل فضيحة ومتروحش القاعة عشان مش واجهة؟ ده أنا كنت ببات من غير عشا عشان أجيبلها جهازها لما كانت بتتجوز! ده أنا كنت باخد من لحم الحي عشان عيالها ميبقوش أقل من حد! طقم الكاسات اللي إنتي جبتيه من دهب أبوكي، يعايروني بيه؟ ويقولوا العريس عايز ناس تشرف؟! هو أنا بقيت عار عليهم؟
قلبي كان بيتقطع مع كل كلمة بيقولها، بس فجأة، مسح دموعه بكم قميصه بعنف، ملامح وشه اللي كانت مكسورة، اتحولت لملامح تانية خالص.. ملامح عمري ما شفتها فيه طوال سنين جوازنا.
عينيه اللي كانت بتبكي، بقى فيها شرار غريب، ونظرة برود تخوف.
قام وقف على حيله، صوته بطل يترعش، وبقى هادي.. هدوء ما قبل العاصفة.
بصلي وقال بصوت واطي ومسموع هما عايزين يشوفوا مين الواجهة ومين العار؟ عايزين يشوفوا طارق اللي ميعرفش يجيب غير كاسات؟
قلتله بقلق طارق، هتعمل إيه؟ اهدى عشان خاطري، بلاش تضيع نفسك عشان ناس ميسووش!
مردش عليا، دخل أوضة النوم، وسمعت صوت درف الدولاب بتتفتح بعنف. جريت وراه لقيته بيفتح الخزنة الصغيرة القديمة اللي في قعر الدولاب، الخزنة اللي مبيفتحهاش غير للورق المهم وعقود البيت القديم. طلع منها ظرف بني مقفول بقاله سنين، وطلع تليفونه من جيبه وطلب رقم.
حط التليفون على ودنه، واستنى
لحظات، وبعدين قال بصوت حاسم وجامد زي الحديد ألو.. إزيك يا حاج مرسي.. معاك طارق. الورق اللي كنت مكلمني عليه بخصوص أرض الورثة والمخزن اللي على الشارع الرئيسي، العرض لسه قائم؟.. تمام، أنا موافق أبيع، بس بشرط واحد.. التنفيذ والشيكات تخلص خلال ساعتين من دلوقتي، وعايزك تيجي معايا مشوار صغير الليلة دي.. مشوار في قاعة كذا، عشان نخلص البيعة قدام العيلة كلها.. أيوه، قدام العيلة كلها!
قفل السكة، وبصلي وهو بيحط الظرف في جيب جاكيت كان معلقه في الدولاب من سنين، جاكيت غالي جداً كان شيلوا لمناسبات مبتحصلش. بص في المراية وعدل ياقته، وابتسم ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروقي.
بصلي وقال البسي أحسن حاجة عندك يا أم فلان، وجهزي العيال ولبسيهم أحسن ما عندهم.
. الفرح لسه مبدأش، والواجهة الحقيقية لسه هتدخل القاعة دلوقتي!
الهدوء اللي نزل على طارق فجأة كان يرعب أكتر من أي صريخ. ملامحه اللي كانت دبلانة ومكسورة اتحولت لصفحة من حديد صلب، عينيه اللي كانت مغرقة دموع جفت تماماً وبقى فيها لمعة باردة، لمعة راجل خد قراره بعد ما استوى على نار هادية وقفل كل أبواب الرجوع.
وقفت متنحة قدامه في الأوضة، مش قادرة أستوعب التحول اللي حصل في دقايق. كان بيفتح درف الدولاب التانية، وطلع طقم الكريستال التاني اللي كنت جايباه لجوازنا وكان مركون، شاله على جنب، ومد إيده في قعر الخزنة طلع منها أصل عقود مسجلة، بطاقات، وأوراق عليها أختام قديمة كانت تخص تركة أبوه الله يرحمه؛ المخزن القديم اللي على الشارع الرئيسي وحتة الأرض اللي وراه، اللي فضل سنين سايب أخته وأخوه مستنفعين بإيجارها ملاليم وهو يقول خليهم مستورين، دول لحمي ودمي، وأنا ربنا رازقني بعافيتي وشغلي.
بصيت له بخوف وحطيت إيدي على صدره طارق، استهدى بالله.. هتعمل إيه؟ المخزن ده إنت كنت سايبه لأخوك عشان واكل منه عيش، وحتة الأرض دي كان مرسي تاجر الخردة حاطط عينه عليها من سنين وبيلف حواليك عشان يشتريها وإنت رافض عشان متفرطش في ريحة أبوك.. هتعمل إيه دلوقتي؟ بلاش الغضب يعميك وتضيع تعب السنين في لحظة!
طارق مسك إيدي اللي على صدره بهدوء شديد، نزلها بالراحة وضغط عليها بحنية موجوعة، وقال بنبرة واطية مفيهاش أي تردد الغضب مبيعميش يا أم فلان، الغضب هو اللي فتح عيني بعد ما فضلت أعمى ومستعور نفسي سنين. أنا كنت فاكر إن الأصول بتتعامل بالأصول، وإن الراجل لما يوطي ضهره عشان أهله يعدوا، هيشيلوه فوق راسهم.. متخيلتش إنهم بيعدوا عشان يدوسوا على رقبتي ويقولوا عليا قليل ومش واجهة!
البسي يا بنت الأصول، البسي أحسن ما عندك، وخلي العيال يلبسوا اللبس اللي جبناه للعيد اللي فات، وعايزك رافعة راسك للسما.. إحنا رايحين نبارك، بس مش كشحاتين، رايحين بأصلنا وقيمتنا الحقيقية.
جريت على الدولاب وإيدي بترتعش. طلعت الفستان الكحلي السادة اللي كنت شايلاه للمناسبات الثقيلة، لبست طرحتي وعدلتها، وجهزت الولاد اللي كانوا بيبصوا لأبوهم باستغراب وخوف طفولي من هيبته الجديدة. طارق لبس البدلة الكلاسيك اللي كانت مكويه ومتشالة، البدلة الصوف التقيلة اللي مفصلها زمان لما كان شغله في عزه، عدل رباط الجزمة، وحط ساعته السويسرية القديمة اللي ورثها عن أبوه في معصمه، وبخ البرفان المركز.. وقف في الصالة راجل ملهوش حل، هيبة وهدوء وعزة نفس تخلي الحجر ينطق.
نزلنا من البيت، وكان الحاج مرسي مستنينا تحت الشارع في عربيته الجيب السودا العالية، ومعاه المحامي بتاعه بشنطة جلد سودا منفوخة ورق. طارق أول ما شافه مد إيده وسلم بحرارة مساء الخير يا حاج مرسي. الحاج مرسي نزل من العربية وسلم عليه بحفاوة شديدة مساء النور والسرور يا أبو الرجولة! والله العظيم الخبر اللي قلتهولي في التليفون ده أسعدني، أنا بلف وراك بقالي تلات سنين عشان حتة الأرض دي والمخزن وإنت قافل الباب في وشي.. خير إن شاء الله، نويت؟ طارق رد بهدوء نويت يا حاج، بس زي ما اتفقنا في التليفون.. الفلوس كاش وشيكات مقبولة الدفع، وتيجي معايا مشوار صغير نشهد فيه على العقد، وبعدها كل حاجة باسمك رسمي من بكرة في الشهر العقاري. الحاج مرسي ضحك بصوت جهوري عينيا ليك يا طارق، أنا المحامي مجهز كل العقود والشيكات في الشنطة، والعربون الكاش جاهز، ووراك لحد آخر الدنيا.
ركبنا عربية مرسي، وكانت المسافة بين بيتنا وبين القاعة ربع ساعة، بس عدت عليا كأنها دهر كامل. طارق كان باصص من الشباك على الشوارع اللي بتجري، مبيتكلمش، بس صوابعه كانت بتتحرك على ركبته بنظام هادي، كأنه بيعيد ترتيب حياته كلها من أول وجديد.
وصلنا قدام القاعة. كانت الأنوار مشعللة، والبانرات الكبيرة عليها صور العريس والعروسة، وصوت الدي جي طالع يرن في الشارع كله.
على البوابة كان واقف اتنين من بتوع الأمن ببدل سودا، ومعاهم لستة المعازيم زي ما أخته قالت بالظبط، كروت ودعوات لناس على الفرازة.
نزلنا من العربية، الحاج مرسي نزل بكبرياؤه وهيبته كواحد من كبار تجار المنطقة ومعاه المحامي، وطارق مشي في النص، ماسك إيدي بإيد وماسك ابنه بالإيد التانية، وضهره مفرود زي السيف. وصلنا عند البوابة، بتاع الأمن وقف قدامنا وقال بأدب مساء الخير يا فندم، الدعوة لو سمحت؟ طارق وقف وبص له في عينه بنظرة ثابتة، الحاج مرسي جه يتكلم، بس طارق رفع إيده بهدوء وقال للأمن بصوت مسموع وواضح قول لأم العروسة خال العروسة طارق المنشاوي وصل، وهي هتنزل تدخلك بنفسها.
بتاع الأمن لما شاف الهيبة والشياكة والعربية اللي ورانا ومرسي اللي كل الناس في المنطقة عارفاه، اضطرب وبص لزميله، وفجأة كان إبراهيم أخو جوزي خارج من باب القاعة بيشرب سيجارة، أول ما شافنا واقفين اتصدم، السيجارة كانت هتقع من بين صوابعه، وشه بهت وجري علينا وهو بيتلجلج طارق؟
! إيه اللي جابك هنا يا أخويا؟ مش.. مش كنا متفقين إنك تعبان ومش هتقدر تيجي؟ طارق ابتسم نص ابتسامة باردة وسأله مين اللي اتفق يا إبراهيم؟ أختك اللي اتفقت مع نفسها؟ ولا إنت اللي اتفقت مع مراتك عشان متبانش جنب أخوك الكبير؟ وسع السكة يا إبراهيم، وسع عشان نبارك للعروسة.
طارق زق خطوته ودخل، وإبراهيم مكنش قادر حتى يمد إيده يمنعه، كان باصص للحاج مرسي والمحامي ومبرق عينيه ومش فاهم إيه اللي بيحصل.
أول ما دخلنا القاعة، كانت الموسيقى عالية جداً، والناس كلها بتهزر وتضحك. القاعة كانت مليانة على آخرها، وفي الكوشة كانت العروسة قاعدة بفستانها الأبيض جنب عريسها، وحماتي وأخت جوزي أميرة وسلايفي واقفين حوالين الكوشة بيتمايلوا ويرقصوا والضحكة مالية وشوشهم.
طارق مشي في الممر النصاني، خطواته كانت رنانة رغم صوت السماعات. الحاج مرسي جنبه بعبايته الفاخرة وشاله الصوف، والمحامي بالشنطة، والأنظار بدأت تتلفت علينا واحدة واحدة. الناس في القاعة بدأوا يهمسوا مين اللي داخل ده؟ ده طارق أخوهم الكبير؟ ومين اللي ماشي جنبه ده.. ده مش ده الحاج مرسي كبير التجار؟
الموسيقى كانت لسه شغالة، بس فجأة أميرة لفت وشها وشافت طارق. الضحكة اتجمدت على شفايفها، عينيها وسعت برعب، كأنها شافت شبح طالع من الأرض. بصت لحماتي وخبطتها في كتفها، حماتي لفت هي كمان، وشها اصفر وبقت تبص يمين وشمال كأنها بتدور على مهرب.
طارق موصلش للكوشة كواحد جاي يتخانق، مشي بكل برود وثقة لحد ما وصل لترابيزة كبار الزوار اللي قدام الكوشة مباشرة، الترابيزة اللي كان قاعد عليها حما البنت وأعيان عيلة العريس.
طارق وقف قدام الترابيزة، سحب كرسي بكل هدوء وقعد، وشاور للحاج مرسي والمحامي يقعدوا
جنبه.
حما العروسة راجل كبير وبيفهم في السوق، أول ما شاف الحاج مرسي قام وقف وسلم عليه بحرارة يا مرحب يا حاج مرسي!
نورت القاعة ونورت فرحنا يا كبير، خطوة عزيزة والله! الحاج مرسي ابتسم وشاور على طارق بنورك يا حج، بس الفضل مش ليا، الفضل لأخويا وحبيبي طارق المنشاوي، هو اللي أصر إني أجي معاه نبارك لبنت أخته، وفي نفس الوقت نتم البيعة الكبيرة اللي بيني وبينه قدام الكل.
أميرة كانت وصلت عند الترابيزة، بتنهج من الخوف والإحراج، وصوتها بيترعش طارق.. إنت إيه اللي منزلك من بيتك؟ مش قولتلك إنك.. إنك تعبان ومكنش لازم تشغل بالك وتيجي في الدوشة دي؟ طارق حتى مرفعش عينه فيها، بص لحما العريس وقال بصوت رخيم مليان رجولة أنا طارق المنشاوي، الخال الكبير للعروسة، وأولى الناس بيها وبفرحتها.. وأنا مش متعود أسيب بنتي تطلع من غير ما أشيل راسها وراس أهلها قدام الناس، بس في ناس في العيلة دي فهمهم للأصول على قدهم، فاكرين إن الواجهة بالبدل الكدابة والكلام المعسول.
حماتي جت تجري وراه، وقفت ورا كرسي بنتها وقالت بنبرة حاولت تخليها مسيطرة يا ابني كتر خيرك إنك جيت، خلاص بقى قوم بارك للبت واقعدوا في جنب عشان العريس وأهله ميتلخبطوش. طارق التفت لأمه، وبص في عينيها بنظرة قطعت كل حبال المودة المزيفة، وقال بصوت واطي بس كان بيوصل زي الطلقات أنا مش هقعد في جنب يا أمي، أنا عمري ما قعدت في جنب.. أنا اللي بنيت، وأنا اللي شيلت، وأنا اللي سترت لما كان الكل عريان.. ودلوقتي جه الوقت اللي كل واحد يعرف مقامه الحقيقي.
طارق شاور للمحامي، المحامي فتح الشنطة وطلع أربع نسخ من عقود بيع رسمية، ودفتر شيكات بنكي. طارق مسك الورق وحطه على الترابيزة قدام حما العريس وقدام أخته وإبراهيم اللي كان جه وقف وراهم وعرقان من الخوف.
طارق اتكلم بصوت واضح سمعه كل اللي واقفين حوالين الكوشة النهاردة، وبما إن بنت أختي بتتجوز، وكنت عايز أعملها اللي يليق بيها، بس اتقال لمراتي الصبح في بيتكم إن طارق مبيعرفش يجيب غير شوية كاسات يصغر بيهم أهله.. فخلوني أعرفكم طارق بيكبر مين وبيصغر مين. بص لأخوه إبراهيم وقال المخزن اللي على الشارع الرئيسي اللي إنت فاتح فيه محلك وشغال فيه بقالك سبع سنين من غير ما تدفع مليم إيجار وتقولي أخويا الكبير وساندني.. وحتة الأرض اللي وراه اللي كنت مأجرها لموقف العربيات ومستنفع بفلوسها في جيبك وإنت بتقول الدنيا مأزمة.. النهاردة ملكيتهم اتنقلت رسمي للحاج مرسي، بمليون ونص كاش وشيكات مقبولة الدفع.
إبراهيم صرخ لا إرادياً وشه ضرب فيه الدم إيه؟! بعت المخزن يا طارق؟! بعت أكل عيشي؟ إنت اتجننت؟ إزاي تبيع من غير ما ترجعلي ومن غير ما تديني فرصة؟! طارق رد عليه ببرود أشد من الجليد أرجع لمين يا إبراهيم؟ أرجع للأخ اللي رضي يقفل عليا باب القاعة عشان مش واجهة؟ أرجع للراجل اللي لبس بدلة على سنجة عشرة ووافق أخته تطرد أخوه الكبير عشان هدومه عادية؟ المخزن ده كان ملك أبويا ومكتوب باسمي بيع وشرا، وكنت سايبهولك جدعنة، بس بما إني مش واجهة ومش مقامكم، يبقى كل واحد يشيل شيلته، والمخزن تسلمه للحاج مرسي أول الشهر الجاي عشان هيتهد وهيتبني عليه برج.
حماتي لطمت على خدها بصوت واطي يالهوي! هتخرب بيت أخوك يا طارق؟ عشان حتة فرح وبنت أختك؟! ده أخوك الصغير، ده لحمك! طارق بص لأمه بابتسامة حزينة لحمي اللي استرخصني يا أمي؟ لحمي اللي بنتك وقفت تعاير مراتي بإنها بتصغرني عشان جابت هدية من شقا أبوها؟ لف وشه لأميرة، اللي كانت وشها أبيض كالشمع ورجليها مش شايلاها، طلع من جيبه علبة مخملية حمرا صغيرة، فتحها قدام حما العريس، كان فيها جنيه دهب عيار 21 بيلمع تحت أضواء القاعة. طارق حط الجنيه في إيد حما العريس وقال دي نقطة بنت أختي، خالها مبيستخسرش فيها حاجة، ومش هخليها تطلع مكسورة قدام أهلك يا حاج.. بس طقم الكاسات اللي أمها عايرت بيه مراتي ورمته في وشها وقالت ده كله من شقا أخويا، طقم الكاسات ده هيرجع معايا دلوقتي بيتي.
القاعة المحيطة بيهم كانت اتخرست تماماً، المعازيم من القرايب اللي كانوا عارفين باللي حصل في البيت الصبح كانوا باصين في الأرض من الخزي والعار. أميرة بدأت تعيط بهيستيريا، مسكت إيد طارق وقالت بصوت متوسل ومذلول قدام أهل جوز بنتها حقك عليا يا طارق! أبوس إيدك ورجلك بلاش تعمل فينا كده قدام الناس! بلاش تبوظ فرح البت، بلاش تبيع المخزن لإبراهيم هيتشرد في الشارع، أنا كنت غبية، الشيطان عمى عيني، والله ما قصدت أصغرك!
طارق سحب إيده من بين إيديها بهدوء، ومسح بدلة جاكيته كأنه بينفض غبار لمسه، وقال بكلمات كانت زي الرصاص اللي استقر في قلب كل واحد فيهم اللي يصغر أخوه قدام الغريب، يستاهل الغريب يدوس عليه. إنتي اللي اختارتي إن الفلوس والمظاهر هي اللي تديكي قيمة، وأنا النهاردة ورّيتك قيمتي الحقيقية، وقيمتك أنتي وإبراهيم من غيري.
وقع طارق على العقود قدام الحاج مرسي، والمحامي أخد التوقيعات، والحاج مرسي سلم الشيكات لطارق في ظرف أبيض قدام الكل. طارق شال الظرف في جيب جاكيته، وقام وقف بكل طوله وهيبته.
بص لحما العريس وقال ألف مبروك يا حاج، وربنا يتمم لبنتنا على خير.. إحنا أدينا الواجب وزيادة، ونستأذن إحنا بقى عشان منضايقش الناس اللي على الفرازة. حما العريس وقف بإحراج شديد وخجل من قلة أصل نسايبه الجداد، ومد إيده لطارق بحرارة شديدة والله يا أبو الرجولة إنت تاج راس العيلة دي، والبيت اللي ميعرفش قيمتك ميعرفش طعم الرجولة.. شرفتنا ونورتنا.
طارق لف وشه، مد إيده ليا قدام الكل، مسكت إيده وأنا حاسة برعشة فخر وكرامة عمري ما حسيت بيها في عمري كله. رفعت راسي ومشيت جنبه، وولادي ماشيين ورانا رافعين روسهم، وعدينا من جنب حماتي وأخته وإبراهيم اللي كانوا واقفين زي الأصنام المكسورة، بيبكوا بدموع الذل اللي زرعوه بإيديهم وحصدوه في نفس الليلة.
خرجنا من باب القاعة للهوا الطلق. الليل كان نزل، والشارع هادي ونسيمه بيرد الروح. طارق وقف على الرصيف، أخد نفس طويل وعميق كأنه أول مرة يتنفس من سنين، بص في السما وقال الحمد لله.. كرامتي وكرامة بيتي رجعت، وحقي في الدنيا أخدته.
بصلي وعينيه كانت بتضحك من جوة، مسك وشي بإيديه الاتنين وقال بحنية عارفة يا أم فلان؟ طقم الكاسات اللي أبوكي جابهولك ده، كان أغلى حاجة دخلت بيتي.. لأنه كان المراية اللي كشفتلي مين اللي معايا ومين اللي عليا. بكرة الصبح
هنروح نفتح حساب للعيال، ونشتري شقة جديدة بعيد عن الحارة دي وعن النفوس دي كلها.. إنتي سديتي مكاني في الضيقة، وأنا هفرشلك الأرض ورد في السعة.
ركبنا تاكسي سوا، وأنا ساندة راسي على كتف جوزي، حاسة بالأمان والراحة، وعارفة إن الوجع اللي عيشته الصبح اتقلب لعزة ونصر هيفضل محفور في قلوبهم طول العمر.
الباب اتقفل وراهم للأبد، بس بيتي أنا وعيالي اتفتحله باب جديد مليان كرامة وشرف ميتعوضش بكنوز الدنيا.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق