أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

سكريبت اتجوزت وانا عندي ٨٠ سنة كامله

اتجوزت شاب عنده 20 سنة وأنا عندي 80 سنة، وكان بيحلف ليل ونهار إنه بيعشقني لكن في شهر العسل، زقّني من فوق اليخت في وسط البحر عشان يورثني! ولما رجع البيت وهو فاكر إنه خلّص مني للأبد، كانت المفاجأة اللي مستنياه كفيلة إنها تدمّر حياته كلها!

محمدمحمدالكاتب 28 د للقراءة 0.00 المراجعات
سكريبت اتجوزت وانا عندي ٨٠ سنة كامله

 سكريبت اتجوزت وانا عندي ٨٠ سنة كامله 


 


 

سكريبت اتجوزت وانا عندي ٨٠ سنة كامله 


 

اتجوزت شاب عنده 20 سنة وأنا عندي 80 سنة، وكان بيحلف ليل ونهار إنه بيعشقني لكن في شهر العسل، زقّني من فوق اليخت في وسط البحر عشان يورثني! ولما رجع البيت وهو فاكر إنه خلّص مني للأبد، كانت المفاجأة اللي مستنياه كفيلة إنها تدمّر حياته كلها!

عمرك تخيلت إن الإنسان اللي بتفتحله قلبك بعد سنين طويلة من الوحدة، ممكن يكون هو نفسه الشخص اللي يخطط لقټلك؟ وإن آخر ابتسامة تديهالك قبل ما يسيبك، ممكن تكون ابتسامة واحد متأكد إنه خلاص بقى مليونير؟

أنا عندي 80 سنة، ويمكن ناس كتير لما تسمع حكايتي تقول إني كنت ست عجوزة وساذجة، وإن اللي حصل لي كان نتيجة إني صدّقت كلام شاب أصغر مني بستين سنة تقريبًا.

لكن الحقيقة إن الإنسان مهما كبر في السن، بيفضل جواه جزء صغير نفسه يتحب، ويتطمن، ويحس إن فيه حد مستنيه آخر اليوم.

وده بالضبط اللي حصل معايا.

أنا أرملة من حوالي عشر سنين. جوزي الأول ماټ بعد حياة طويلة عشنا فيها مع بعض ذكريات كتير، حلوة وصعبة. ولما ماټ، حسيت إن جزءًا كبيرًا مني راح معاه.

كنت وقتها عندي فلوس تكفيني أعيش مرتاحة لآخر يوم في عمري. عندي بيت كبير، وشقق في أماكن مميزة، وحسابات بنكية، واستثمارات، وكل سنة كنت بسافر أكتر من مرة.

كنت أقدر أشتري أي حاجة نفسي فيها، وأروح أي مكان يخطر على بالي، وأعيش حياة ناس كتير بتحلم بيها.

لكن كان فيه شيء واحد ماقدرتش أشتريه مهما كان معايا فلوس.

الونس.

كل يوم كنت بصحى في بيت واسع، والهدوء مالي كل ركن فيه. أدخل المطبخ، ألاقي نفسي لوحدي. أقعد على السفرة، ألاقي كرسي فاضي قدامي. وبالليل، لما أرجع من أي خروجة، كنت بفتح باب البيت وأسمع صوت خطواتي أنا وبس.

في البداية، حاولت أقنع نفسي إن دي حياة جميلة.

كنت أخرج مع صديقاتي، وأسافر، وأشارك في الحفلات الخيرية، وأساعد المحتاجين. وكل ما حد يسألني إذا كنت حاسة بالوحدة، أبتسم وأقول

أنا الحمد لله مبسوطة، ومش ناقصني أي حاجة.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

كنت ساعات أرجع من حفلة مليانة ناس وضحك، وأقعد على الكنبة في الصالة بالساعات من غير ما أتكلم مع حد.

كنت أفتكر جوزي الأول، وأتمنى لو كان موجود عشان أحكيله عن يومي، أو حتى أشتكي له من ۏجع رجلي، أو أسأله عن رأيه في فستان اشتريته.

الحاجات الصغيرة اللي كنا بنعتبرها عادية، هي نفسها اللي اكتشفت بعد مۏته إنها كانت أغلى حاجة في حياتي.


 

ومع مرور السنين، بدأت أتقبل فكرة إني هكمل بقية عمري لوحدي.

لحد اليوم اللي قابلت فيه شاب غيّر حياتي كلها.

ويا ريتني كنت عرفت من البداية إن التغيير ده هيكون أخطر حاجة حصلت لي!

أول لقاء والاهتمام اللي رجّع قلبي للحياة

كنت في يوم من الأيام مدعوة لحفل خيري كبير، بيتجمع فيه رجال أعمال وشخصيات معروفة عشان يتبرعوا لمؤسسات بتساعد الأطفال والأسر المحتاجة.

كنت لابسة فستان أنيق، وماسكة شنطتي، وبحاول أنزل السلم بهدوء.

فجأة، ظهر شاب طويل ووسيم جنبي، ومد إيده يساعدني.

قال بابتسامة هادية

اتفضلي يا مدام، خلي بالك من السلم.

شكرته، لكنه ما اكتفاش بكده. فضل ماشي جنبي لحد ما وصلنا للقاعة، وبعدها بدأ يتكلم معايا.

كان عنده عشرين سنة تقريبًا، وملامحه جذابة، ولبسه شيك، وطريقته في الكلام تدل إنه بيعرف يتعامل مع الناس.

اسمه كان آدم.

في البداية، افتكرت إنه مجرد شاب مؤدب بيحاول يساعد ست كبيرة في السن، لكن الغريب إنه ماكانش مستعجل يمشي، ولا كان بيبص حواليه يدور على حد تاني يتكلم معاه.

بالعكس، فضل قاعد جنبي أغلب السهرة، يسألني عن حياتي، وعن سفرياتي، وعن الأعمال الخيرية اللي بشارك فيها.

وكان بيسمعني باهتمام حقيقي، أو على الأقل ده اللي أنا افتكرته وقتها.

بعد شوية، قررت أختبره بهزار.

بصيت له وقلت

هو إنت مش لاقي بنات في سنك تتكلم معاهم؟ إيه اللي مخليك قاعد مع ست كبيرة زيي طول السهرة؟

ضحك وقال

حضرتك شايفة نفسك كبيرة أوي كده؟

قلت له

أنا عندي تمانين سنة يا ابني! إنت ممكن تكون حفيدي!

ابتسم، وبص في عيني مباشرة، وقال جملة فضلت فاكرها فترة طويلة

أنا مش مهتم بالرقم المكتوب في البطاقة. أنا مهتم بالشخص اللي قدامي، وبالراحة اللي بحس بيها وأنا بتكلم معاه.

الكلام كان بسيط، لكنه لمس حاجة جوايا كنت بحاول أتجاهلها من سنين.

لأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن فيه حد شايفني أنا، مش مجرد ست عجوزة فقدت جوزها، ولا أرملة عندها فلوس كتير.

حسيت إنه شايف امرأة عندها حكايات وذكريات ومشاعر، ولسه ممكن تضحك وتحب وتفرح.

لما الحفلة خلصت، عرض عليّ يوصلني لحد عربيتي.

وقبل ما يمشي، طلب رقم تليفوني.

ترددت شوية، لكن في الآخر اديته له.

وقلت لنفسي إن الموضوع مش أكتر من تعارف عابر، وإنه غالبًا مش هيفتكرني تاني بعد يومين.

لكن تاني يوم الصبح، لقيت رسالة منه.

صباح الخير. أتمنى تكوني نمتي كويس. اتبسطت جدًا إني اتعرفت عليكي امبارح.

ابتسمت وأنا بقرأ الرسالة.

رديت عليه، وبعدها بدأنا نتكلم كل يوم.

في الأول كانت رسايل بسيطة عن الطقس، أو عن يومي، أو عن مكان زرته قبل كده. وبعدها بدأ يسألني عن الحاجات اللي بحبها، والأماكن اللي نفسي أزورها، والأكلات اللي بفضلها.

وبعد كام يوم، بعت لي باقة ورد كبيرة على البيت.

كانت معاها بطاقة صغيرة مكتوب فيها

لأجمل ابتسامة قابلتها من وقت طويل.

ماقدرتش أمنع نفسي من الابتسام.

أنا كنت عارفة إن فرق السن بينا كبير، وكنت بحاول أفكر بعقلي، لكن اهتمامه كان بيخليني أحس بإحساس كنت فاقداه من سنين.


 

بعدها دعاني على العشا.

قلت له إن ده مش مناسب، وإنه المفروض يخرج مع أصحابه وبنات في سنه.

لكنه أصر.

قال لي

أنا اللي عايز أقضي وقت معاكي، مش حد تاني.

وافقت في النهاية، وخرجنا نتعشى في مطعم هادي.

طول القعدة كان بيسألني عن حياتي، ويضحكني، ويحكي لي عن أحلامه. ولما رجعت البيت، اكتشفت إني كنت مبسوطة أكتر مما توقعت.

بدأ يزورني من وقت للتاني، وأحيانًا كان يجيب لي ورد من غير مناسبة، وأحيانًا ييجي بس عشان يشرب معايا القهوة ويتكلم.

ومع كل زيارة، كنت بحس إن البيت بقى أقل برودة.

لكن كان فيه سؤال واحد بيطاردني طول الوقت

هو ليه شاب في العشرينات مهتم بست عندها تمانين سنة؟

كنت بحاول أطرد السؤال من دماغي، وأقول لنفسي إن مش كل حاجة في الدنيا لازم يكون وراها مصلحة.

لكن اللي حصل بعد كده خلاني أكتشف إن بعض الأسئلة لازم الإنسان يواجهها، حتى لو كانت الإجابة هتوجعه.

أنا بحبك الكلمة اللي صدّقتها بكل قلبي

مع مرور الشهور، علاقتي بآدم بقت أقوى.

بقيت أستنى رسايله الصبح، وأفرح لما أعرف إنه جاي يزورني، وأفكر في الكلام اللي هقوله له قبل ما يوصل.

كنت ساعات أقف قدام المراية وأختار لبسًا أنيقًا، وأحط شوية عطر، وأرتب شعري.

وأنا بعمل الحاجات دي، كنت أضحك على نفسي.

أقول يا سلام! هو أنا رجعت بنت صغيرة تاني؟.

لكن الحقيقة إني كنت مبسوطة.

في يوم، وإحنا قاعدين

في الحديقة، بص لي آدم وقال

أنا عايز أقولك حاجة مهمة.

قلبي دق بسرعة، رغم إني حاولت أبان هادية.

قلت له

خير يا آدم؟

مسك إيدي وقال


 


 


 

أنا بحبك.

سكتّ.

فضلت باصة له كأني مش مصدقة اللي سمعته.

وبعدها ضحكت ضحكة متوترة وقلت

إنت بتهزر، صح؟

قال بجدية

عمري ما كنت بتكلم بجدية قد كده.

سحبت إيدي بهدوء، وبصيت بعيد.

قلت له

يا ابني، إنت مش فاهم إنت بتقول إيه. أنا عندي تمانين سنة، وإنت لسه في بداية حياتك.

رد بسرعة

وأنا عارف ده كويس.

بعد عشر سنين، أنا هكون عندي تسعين سنة، وإنت هتكون عندك تلاتين. هتبقى شاب في عز شبابه، وأنا ممكن أكون تعبانة ومحتاجة حد يساعدني في كل حاجة. ساعتها هتعمل إيه؟

قال من غير ما يتردد

هكون جنبك.

ولو ندمت؟

مش هندم.

ولو حبيت واحدة في سنك؟

بص لي فترة طويلة، وبعدها قال

أنا مش عايز واحدة تانية. أنا عايزك إنتِ.

الكلمات دي هزتني من جوايا.

لكن بدل ما أفرح، خۏفت أكتر.

كنت فاهمة إن الحب مش مجرد كلام حلو، وإن فرق السن بينا ممكن يعمل مشاكل كتير. كنت عارفة إن الناس هتتكلم، وإن علاقتنا هتكون مختلفة عن أي علاقة تانية.

وعشان كده، حاولت أنهي الموضوع أكتر من مرة.

قلت له إن الأفضل نبعد، وإنه يستحق يعيش حياته مع واحدة قريبة من سنه، وإن أنا مش عايزة أكون سبب في ضياع شبابه.

لكنه في كل مرة كان يرجع يحاول يقنعني.

مرة ييجي ومعاه ورد.

ومرة يبعت لي رسايل طويلة يقول فيها إنه مش قادر يتخيل حياته من غيري.

ومرة يقعد قدامي بالساعات، ويكرر إنه عمره ما حس بالراحة اللي بيحسها معايا.

وفي كل مرة، كنت أضعف شوية.

يمكن كنت محتاجة أصدق إن فيه شخص ممكن يحبني من غير ما يكون شايف فلوسي أو ممتلكاتي.

يمكن كنت تعبت من الشك في نوايا الناس.

ويمكن، ببساطة، كنت نفسي أعيش قصة حب قبل ما أموت.

وفي يوم، فاجأني آدم بطلب ماكنتش أتوقعه أبدًا.

كان جاي يزورني، وقاعدين في الصالة بنتكلم، وفجأة قام من مكانه، ووقف قدامي.

طلع علبة صغيرة من جيبه، وفتحها.

كان جواها خاتم جميل.

بص لي وقال

تتجوزيني؟

حسيت إن الدنيا وقفت للحظة.

فضلت باصة للخاتم، وبعدها بصيت له.

قلت بصوت مرتعش

آدم، إنت متأكد من اللي بتقوله؟

ابتسم وقال

أنا متأكد أكتر من أي حاجة في حياتي.

نزلت دموعي من غير ما أحس.

ماكنتش عارفة أضحك ولا أعيط.

وفي النهاية، قلت له أيوه.

في اللحظة دي، افتكرت إني أخيرًا لقيت حد هكمل معاه بقية عمري.

لكن للأسف، ماكنتش أعرف إن القرار ده هيكون بداية الکابوس اللي كنت داخلة عليه بإرادتي.

كل الناس حذّروني وأنا رفضت أسمع

لما أعلنت خبر جوازي من آدم، ردود الفعل كانت صاډمة.

أول واحدة عرفت كانت صديقتي المقربة، مريم.


 

لما سمعت الخبر، سكتت فترة طويلة، وبعدها قالت

إنتِ بتهزري معايا، صح؟

قلت لها

لأ، أنا بتكلم بجد.

قامت من مكانها، وقعدت جنبي.

حبيبتي، أنا بحبك وبخاف عليكي. إنتِ عندك تمانين سنة، والولد ده عنده عشرين! إنتِ عارفة الناس هتقول إيه؟

قلت لها

مش فارق معايا الناس.

ردت بسرعة

وأنا مش بتكلم عن الناس! أنا بتكلم عنك إنتِ. هو عايز منك إيه؟ فكرتِ في السؤال ده؟

اتضايقت من كلامها.

قلت لها

هو بيحبني، وأنا بحبه. مش كل الناس بتفكر بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها.

هزت راسها بحزن.

أنا بتمنى أكون غلطانة، والله. بس خلي بالك من نفسك، على الأقل.

ماكانتش مريم الوحيدة اللي حاولت تحذرني.

بعض معارفي قالوا إن آدم طمعان في ثروتي، وإنه بيستغل وحدتي عشان يوصل لفلوسي.

وغيرهم قالوا كلامًا أقسى، واتهموني إني فقدت عقلي بسبب الوحدة.

حتى بعض أفراد العيلة حاولوا يقنعوني إني أأجل الجواز، وأفكر كويس قبل ما أخطو الخطوة دي.

لكن كل ما حد كان يهاجمه، كنت أدافع عنه أكتر.

كنت بقول لنفسي إن الناس بتحكم على المظاهر، وإن محدش يعرف اللي بيني وبينه.

وكل ما كنت أشوفه بيبص لي بحنان، أو يمسك إيدي، أو يقول لي إنه بيحبني، كنت أحس إن قراري صح.

في الحقيقة، كنت بحاول أثبت للناس إنهم غلط.

ويمكن كنت بحاول أثبت لنفسي كمان إني لسه مرغوبة، وإن حياتي ما انتهتش لمجرد إني كبرت في السن.

وفي يوم الفرح، كنت واقفة قدام المراية، لابسة فستان زفاف أنيق، وببص لنفسي في دهشة.

ماكنتش مصدقة إني وصلت لليوم ده.

لما آدم دخل وشافني، ابتسم ابتسامة واسعة، وقرب مني وقال

إنتِ أجمل عروسة شوفتها في حياتي.

ضحكت وقلت له

إنت بتقول كده عشان تفرحني.

رد

لأ، أنا بقول الحقيقة.

مسك إيدي، وباسها، وبعدها همس

أوعدك إني هخليكي أسعد ست في الدنيا.

كنت نفسي أصدّق الوعد ده للأبد.

واتجوزنا وسط دهشة ناس كتير، واعتراض ناس أكتر.

لكن في الليلة دي، ماكنتش شايفة غيره.

ماكنتش عارفة إن نفس الإيد اللي كانت بتمسك إيدي بحنان، هتزقني بعد أيام في وسط البحر، من غير أي رحمة.

شهر العسل الرحلة اللي اتحولت لفخ

بعد الفرح بكام يوم، بدأ آدم يتكلم عن شهر العسل.

كنت متوقعة إنه هيختار فندقًا فاخرًا، أو رحلة لمكان هادي على البحر.

لكنه جه في يوم وقال لي بحماس

عندي فكرة أحلى من أي فندق.

سألته

إيه هي؟

قال

نستأجر يخت خاص، ونقضي كام يوم في البحر. أنا وإنتِ بس. لا دوشة، ولا ناس، ولا أي حاجة تعكر مزاجنا.

الفكرة عجبتني جدًا.

أنا طول عمري بحب البحر، وجوزي الأول كان بيعشق الإبحار. كنا بنقضي إجازات كتير على الميه، وكان عندنا ذكريات جميلة جدًا في الرحلات البحرية.

لما آدم اقترح الفكرة، حسيت كأن الماضي الجميل بيرجع لي من جديد.

قلت له

دي فكرة رائعة! هنعيش أيام ما تتنسيش.

ابتسم وقال

وأنا هخليها أحلى أيام في حياتك.

بدأنا نجهز للرحلة.

اخترنا يختًا فاخرًا، واسعًا، ومجهزًا بكل وسائل الراحة. كان فيه غرف نوم أنيقة، وصالة جميلة، وسطح واسع نقدر نقعد عليه ونتفرج على البحر.


 

في يوم السفر، صحيت بدري، وكنت متحمسة بشكل غريب.

حطيت هدومي في الشنطة، وخدت أدويتي وحاجاتي الشخصية، وبعدها خرجت من البيت وأنا مبتسمة.

في الطريق، آدم كان ماسك إيدي، وبيتكلم عن الأماكن اللي هنشوفها، والأكل اللي هنجربه، والوقت اللي هنقضيه سوا.

كان بيضحك ويهزر، وكل شوية يبص لي ويقول

أنا مش مصدق إننا أخيرًا لوحدنا.

كنت بضحك وأرد

أهو بقى، مفيش حد هيقولك إنك لازم تقعد مع حد في سنك!

كان يضحك، وبعدها يقرب مني ويقول

أنا اخترتك إنتِ.

وصلنا لليخت، وطلعنا على متنه.

المنظر كان ساحرًا.

الشمس ساطعة، والبحر هادي، والهواء لطيف. كل حاجة كانت مثالية لدرجة خلتني أنسى كل مخاۏفي.

في أول يوم، تناولنا الفطار على السطح، وبعدها قعدنا نتفرج على الميه وهي بتلمع تحت الشمس.

آدم كان بيصورني، ويقول لي أبتسم، وبعدها يضحك وهو بيوريني الصور.

وفي المساء، قعدنا نتفرج على غروب الشمس.

كان المنظر جميلًا لدرجة إني حسيت بدموعي بتنزل.

آدم لاحظ ده، فسألني

مالك؟ إنتِ بټعيطي ليه؟

قلت له

مش عارفة. يمكن عشان أنا مبسوطة.

ضمني وقال

وأنا كمان مبسوط. عمري ما كنت سعيد بالشكل ده.

في الليلة دي، صدقته.

صدقت كل كلمة قالها.

وماكانش عندي أي سبب واضح يخليني أشك فيه.

في اليوم التاني، كملنا الرحلة بنفس الطريقة.

أكلنا سوا، وسمعنا الموسيقى، واتكلمنا عن حياتنا وأحلامنا.

وفي لحظة هادية، سألني آدم عن ممتلكاتي.

قال السؤال كأنه بيسأل عن حاجة عادية

هو إنتِ عندك كام شقة بالضبط؟


 

استغربت شوية، لكني جاوبته.

بعدها سألني عن البيت، وعن بعض الاستثمارات اللي كنت بتكلم عنها قبل كده.

ماحسيتش إن


 

فيه حاجة غريبة.

قلت لنفسي إنه جوزي، ومن الطبيعي يعرف تفاصيل عن حياتي.

لكن لما افتكرت الأسئلة دي بعد اللي حصل، بدأت أفهم إن بعض التفاصيل الصغيرة ممكن تكون أهم بكتير مما نتخيل.

في آخر اليوم التاني، وقف آدم على سطح اليخت، وبص للبحر وقال

نفسي الرحلة دي ما تخلصش أبدًا.

وقفت جنبه وقلت

وأنا كمان.

ابتسم، وبعدها لف ناحيتي.

بحبك.

ابتسمت له ورديت

وأنا كمان بحبك يا آدم.

كانت دي آخر ليلة هادية قبل ما حياتي تتحول لچحيم.

اليوم التالت اللحظة اللي عرفت فيها حقيقة جوزي

في صباح اليوم التالت، صحيت على صوت البحر الهادي.

خرجت من الغرفة، ولقيت آدم صاحي قبلي.

كان واقف على السطح، وبيبص للأفق.

لما شافني، ابتسم وقال

صباح الخير يا حبيبتي.

قلت له

صباح النور. إيه اللي مصحيك بدري كده؟

قال

عايز أوريكي مكان جميل جدًا. الميه هناك صافية بطريقة مش طبيعية.

فرحت بالفكرة.

كنت بحب المناظر الطبيعية، وكنت متحمسة أشوف مكان جديد.

قعدنا شوية نتناول الفطار، وبعدها بدأ اليخت يتحرك بعيدًا عن الشاطئ.

مع مرور الوقت، بدأت المسافة بيننا وبين اليابسة تكبر.

كنت ببص حواليّ، والبحر ممتد من كل ناحية، والسماء واسعة فوقنا.

المشهد كان جميلًا، لكن كان فيه إحساس غريب بدأ يتسلل لجوايا.

يمكن عشان المكان كان هادي أكتر من اللازم.

يمكن عشان ماكنتش شايفة أي قوارب قريبة.

أو يمكن كان فيه شيء في تصرفات آدم خلاني أقلق من غير ما أفهم السبب.

بعد فترة، قال لي

تعالي هنا، عايز أوريكي حاجة.

مشيت ناحيته.

كان واقف بالقرب من سور اليخت، وبص لتحت.

قال لي

شوفي الميه. صافية جدًا، صح؟

قربت من السور، وانحنيت قليلًا عشان أشوف انعكاس الشمس على سطح البحر.

وفجأة، سمعت صوته من ورايا

بصّي تحت أكتر.

وقبل ما ألحق ألف وشي ناحيته، حسيت بضړبة قوية في ضهري!

جسمي اندفع للأمام، وفقدت توازني، وفي ثانية واحدة، لقيت نفسي بطير من فوق سور اليخت!

صړخت بكل قوتي.

وبعدها سقطت في البحر.

الميه كانت باردة بشكل صاډم.

ڠرقت تحت السطح للحظات، وأنا بحاول أفهم إيه اللي حصل.

كنت حاسة إن نفسي بيتقطع، وإن هدومي التقيلة بتشدني لتحت.

حاولت أحرّك إيديا ورجليا، وبالعافية قدرت أطلع راسي فوق سطح الميه.

وأول حاجة شفتها كانت آدم.

كان واقف فوق على اليخت، بيبص لي.

صړخت

آدم! الحقني!

كنت متوقعة إنه هيرمي لي طوق نجاة، أو يمد لي حبلًا، أو على الأقل يحاول يوقف اليخت.

لكن ماحصلش أي حاجة من دي.

فضل واقف مكانه، بيبص لي ببرود غريب.

صړخت تاني

ساعدني! أنا مش قادرة أعوم!


 

لكنه ما اتحركش.

وفي اللحظة دي، بدأت الحقيقة تتكشف قدامي بشكل مرعب.

افتكرت كل مرة قال لي فيها إنه بيحبني.

افتكرت الورد، والرسايل، والوعود، والخاتم، وكلامه عن إنه مش فارق معاه فرق السن.

كل الذكريات دي مرت قدامي في ثوانٍ، وأنا غرقانة في البحر، ببص للرجل اللي كنت فاكرة إنه شريك حياتي.

قلت له وأنا بقاوم الميه

إنت قلت إنك بتحبني! ليه بتعمل فيا كده؟!

بص لي من فوق، وقال بصوت بارد

أنا آسف.

كلمتين بس.

أنا آسف.

كأن اللي بيعمله حاجة بسيطة، وكأن حياتي اللي كانت بتضيع قدام عينيه مجرد مشكلة عايز يخلص منها.

بعدها، بدأ اليخت يتحرك.

في البداية، كان بطيئًا، لكن بعد لحظات، بدأت المسافة بيننا تكبر.

صړخت باسمه.

ناديت عليه.

طلبت منه يرجع.

لكن آدم ما بصليش تاني.

فضل اليخت يبعد، لحد ما بقى نقطة بيضا صغيرة في آخر الأفق.

وبعدها اختفى.

لقيت نفسي لوحدي في وسط البحر.

مفيش حد حواليا.

مفيش شاطئ قريب أقدر أوصله.

ومفيش أي صوت غير صوت الميه والهواء.

كنت عندي تمانين سنة، وجسمي ما بقاش عنده نفس القوة اللي كان عندي زمان.

كل حركة كانت بتستهلك طاقتي.

والبرد بدأ يتسلل لجسمي.

لكن وسط الخۏف والړعب، كان فيه إحساس أقوى من أي حاجة تانية.

الڠضب.

ماقدرتش أصدق إن الشخص اللي وثقت فيه لدرجة إني اتجوزته، قرر ېقتلني بالطريقة دي.

كنت فاكرة إن أكبر مشكلة ممكن أواجهها في حياتي هي الوحدة.

لكن اكتشفت إن فيه حاجة أبشع بكتير من الوحدة.

إنك تكتشف إن الشخص اللي كنت بتعتبره أمانك، هو نفسه اللي بيحاول ينهي حياتك.

ومع ذلك، ماكنتش ناوية أستسلم.

لأن آدم ارتكب غلطة واحدة خطېرة.

هو افتكر إن كوني عندي تمانين سنة معناه إني ضعيفة، وإنه يقدر يتخلص مني بسهولة. لكنه ماكانش يعرف أي حاجة عن حياتي قبل ما يقابلني.

السر اللي جوزي ماكانش يعرفه

قبل ما أتجوز آدم بعشرات السنين، كنت متزوجة من رجل مختلف تمامًا عنه.

جوزي الأول كان بيحب البحر والإبحار بشكل كبير. وكان عنده خبرة واسعة في الرحلات البحرية، وكنا بنقضي تقريبًا كل صيف على الميه.

في البداية، كنت بخاف من البحر.

كنت بحب أتفرج عليه من بعيد، لكن فكرة إني أبقى في وسطه كانت بتوترني.

جوزي الأول كان دايمًا يقولي

البحر جميل، لكن لازم تحترميه وتتعلمي تتعاملي معاه.

علّمني السباحة، وعلّمني إزاي أفضّل طافية على سطح الميه من غير ما أستهلك طاقتي بسرعة.

وعلّمني كمان إن أي رحلة بحرية، مهما كانت آمنة، لازم يكون فيها استعداد للطوارئ.

كنت وقتها بعتبر كل ده مبالغة.

لكن بعد سنين طويلة، فهمت إن الدروس اللي اتعلمتها معاه كانت السبب في نجاتي.

لما كنت في البحر مع آدم، كنت فاكرة إن كل الحكايات دي مجرد ذكريات قديمة.

لكن بعد ما وقعت في الميه، بدأت أفتكرها واحدة واحدة.

افتكرت إزاي كنت بعوم، وإزاي كنت بحاول أسيطر على نفسي بدل ما أتحرك بعشوائية.

وافتكرت أهم قاعدة كان جوزي بيكررها عليّ

لما تلاقي نفسك في خطړ، ما تخليش الخۏف يخليك تنسى اللي اتعلمته.

حاولت أهدّي نفسي، وأحافظ على طاقتي قدر الإمكان.

كنت عارفة إن السباحة لمسافة طويلة في البحر المفتوح شبه مستحيلة بالنسبة لي، خصوصًا في سني.

لكن قبل الرحلة، كنت لاحظت حاجة مهمة جدًا.


 

على جانب اليخت، بالقرب من المؤخرة، كان فيه قارب نجاة صغير قابل للنفخ، مثبت في مكانه ضمن معدات الطوارئ.

ماكنتش فكرت في الموضوع وقتها، لكن المشهد رجع في ذاكرتي بوضوح.

قلت لنفسي إن دي فرصتي الوحيدة.

كان اليخت لسه بيتحرك بعيدًا، لكنه ماكانش ابتعد بالكامل.

وأنا بحاول أحافظ على نفسي فوق سطح الميه، لمحت حبلًا متدليًا بالقرب من مؤخرة اليخت.

مديت إيدي بكل قوتي، وحاولت أمسكه.

في البداية، إيدي زحلقت.

حاولت مرة تانية.

وفي المرة التالتة، قدرت أمسك الحبل.

صړخت من الألم، لأن إيديا كانت بتوجعني، لكني تمسكت بيه بكل ما عندي من قوة.

اليخت بدأ يسرع، والميه كانت بتتحرك حواليا پعنف أكبر.

كنت عارفة إن لو إيدي سابت الحبل، ممكن ماقدرش أوصل له تاني.

فضلت متعلقة بيه، وأنا بحاول أتحرك ناحية مؤخرة اليخت.

ماكانش عندي رفاهية التفكير في آدم، ولا في اللي عمله، ولا في السبب اللي خلاه يحاول ېقتلني.

كان عندي هدف واحد بس.

إني أعيش.

وبعد مجهود كبير، قدرت أوصل لمكان قريب من آلية قارب النجاة.

كنت مرهقة لدرجة إني حسيت إني مش هقدر أعمل أي حركة إضافية.

لكن جمعت آخر طاقتي، وحاولت أوصل لمقبض آلية الطوارئ.

مديت إيدي.

لمسته.

وشديته بكل قوتي.

في اللحظات التالية، بدأت معدات النجاة تتحرك، وانفتح القارب القابل للنفخ في الميه.

ماكنتش مصدقة إني نجحت.

بعد ما كنت فاكرة إن نهايتي قربت، لقيت نفسي عندي فرصة حقيقية للنجاة.

تمسكت بالقارب، وحاولت أستقر فيه بأفضل طريقة أقدر عليها.


 

كنت بردانة، ومرهقة، وخاېفة، لكني لسه عايشة.

ولأول مرة من ساعة ما وقعت في البحر، سمحت لنفسي أبكي.

بكيت على السنين اللي ضاعت


 

وأنا مصدقة إن آدم بيحبني.

بكيت على الثقة اللي اديتهاله.

وبكيت على الست اللي كنتها قبل الرحلة، الست اللي كانت فاكرة إنها أخيرًا لقيت السعادة.


 

لكن دموعي ما استمرتش طويلًا.

لأن وسط البحر، أدركت إن عندي قرار لازم آخده.

لو نجوت، مش هسمح له يفلت من اللي عمله.

مش هواجهه وأنا بعيط، ولا هروح له أطلب منه تفسيرًا.

هخليه يواجه نتيجة أفعاله.

وهخليه يعرف بنفسه إن المرأة اللي حاول ېقتلها، مش هتختفي من حياته بالطريقة اللي كان متخيلها.

ساعات طويلة وسط البحر لحد ما ظهرت النجدة

الوقت في البحر كان بيمر ببطء شديد.

كل دقيقة كانت بتحس كأنها ساعة.

كنت ببص للأفق، وأحاول أميّز أي حركة، أو أي قارب ممكن يكون قريب مني.

الشمس كانت بتتحرك في السماء، والنهار بدأ يتغير تدريجيًا.

كنت بحاول أحافظ على طاقتي، وأستفيد من معدات النجاة الموجودة معايا.

ماكانش عندي أي فكرة عن المسافة اللي قطعتها، ولا عن المكان اللي وصلت له.

وكل ما كنت أفتكر إن آدم اختفى، كان الڠضب يرجع جوايا.

كنت بسأل نفسي هو إزاي قدر يعمل كده؟

إزاي قدر يقعد معايا على نفس السفرة، ويضحك معايا، ويحلف إنه بيحبني، وهو في الحقيقة كان مستعد يرمي بيّ في البحر؟

وهل كان مخطط لكل ده من البداية؟

هل الورد اللي كان بيبعته لي كان مجرد وسيلة عشان يكسب ثقتي؟

هل كلامه عن الحب كان كڈبة؟

وهل كل مرة كان بيسألني فيها عن ممتلكاتي، كان بيحسب في دماغه إمتى يقدر يستولي عليها؟

ماكانش عندي إجابات.

لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة.

إنه كان فاكر إني مش هقدر أرجع.

بعد ساعات طويلة، سمعت صوتًا بعيدًا.

في البداية، افتكرت إني بتخيل.

رفعت راسي، وحاولت أركز.

كان فيه قارب صيد صغير بيقترب من المكان.

بدأت ألوّح بإيدي بكل قوتي، وأصرخ طلبًا للمساعدة.

واحد من الصيادين لمحڼي.

القارب غيّر اتجاهه، وبدأ يقترب مني.

لما وصلوا، كانوا مصډومين من حالتي.

واحد منهم مد لي إيده وقال

إنتِ كويسة؟ إزاي وصلتي هنا لوحدك؟

كنت مرهقة جدًا، وصوتي كان ضعيفًا.

قلت لهم بصعوبة

لازم تساعدوني أنا وقعت من يخت.

ساعدوني أطلع على القارب، وقدموا لي المساعدة اللي احتجتها.

كنت بردانة، وجسمي كله بيوجعني، لكني كنت عايشة.

وأنا قاعدة على قارب الصيد، حسيت بامتنان عميق للناس اللي أنقذوني.

ناس ماعرفونيش قبل كده، لكنهم ما ترددوش لحظة في مساعدتي.

وفي المقابل، الشخص اللي كنت فاكرة إنه أقرب إنسان ليا، سابني أموت.

بعد ما وصلنا للشاطئ، تم نقلي لتلقي الرعاية اللازمة، وتم إبلاغ السلطات بما حصل.


 

وهناك، بدأت أعرف إن آدم كان بالفعل بيحاول يرسم رواية مختلفة تمامًا عن اللي حصل.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في اللي قاله للشرطة.

الكذبة اللي حاول بيها يبرر اختفائي

بعد ما آدم رجع من الرحلة، بدأ يحكي للناس إنني وقعت في البحر بالخطأ.

قال إنه كان بيحاول ينقذني، وإنه قضى ساعات طويلة يدور عليّ، لكنه ماقدرش يلاقيني.

وكان بيحاول يظهر قدام الجميع بصورة الزوج المصډوم اللي فقد زوجته في حاډث مأساوي.

كان متوقعًا إن الناس تصدقه.

خصوصًا إنه كان عارف إن محدش شاف اللي حصل على اليخت.

لكن آدم ماكانش يعرف إنني نجوت.

ولما بدأت أتكلم مع السلطات، طلبت منهم ما يبلغوش آدم فورًا إني لسه عايشة.

كنت محتاجة أفكر بهدوء.

كنت محتاجة أفهم إيه اللي كان بيدور في دماغه، وليه قرر يتخلص مني بالطريقة دي.

وكنت محتاجة أضمن إن اللي هيحصل بعد كده مش مجرد مواجهة بيني وبينه، تنتهي بإنه ينكر كل حاجة.

أنا ماكنتش عايزة أواجهه بكلام مقابل كلام.

كنت عايزة الحقيقة تظهر، وهو يتحمل مسؤولية اللي عمله.

الشرطة تعاملت مع الموضوع بجدية، وبدأت الإجراءات اللازمة للتحقيق.

أما أنا، فكنت لسه في مرحلة استعادة قوتي.

في البداية، كنت كل ما أقفل عيني، أفتكر لحظة وقوعي في البحر.

أفتكر نظرة آدم الباردة.

وأسمع صوته وهو بيقول

أنا آسف.

الكلمتين دول كانوا بيوجعوني أكتر من أي حاجة تانية.

مش لأنه اعتذر، لكن لأنه قالهم وهو عارف إنه سابني في خطړ.

كان اعتذارًا بلا رحمة، وبلا ندم حقيقي.

ومع ذلك، كنت مصممة إني ما أسيبش الخۏف يسيطر عليّ.

أنا عشت تمانين سنة.

فقدت جوزي الأول، وعدّيت بأوقات صعبة، وشفت ناس كتير بتيجي وتروح من حياتي.

وكنت فاكرة إنني في السن ده مش هحتاج أواجه معركة جديدة.

لكن الحياة ساعات بتختبرك في الوقت اللي بتفتكر فيه إن كل حاجة خلصت.

والمرة دي، كان لازم أواجه الحقيقة مهما كانت مؤلمة.

رجع البيت وهو فاكر إنه بقى أغنى رجل في الدنيا

في نفس المساء، رجع آدم إلى بيتنا.

كان البيت الكبير هاديًا كعادته، لكن الليلة دي كانت مختلفة تمامًا.

هو كان متوقعًا إنه يرجع لبيت امرأة ماټت في البحر، وإنه قريبًا هيقدر يبدأ حياة جديدة بثروتها.

كان فاكر إن الخطة نجحت.

وإنه قدر يتخلص مني من غير ما يترك وراءه أي دليل واضح.

دخل من الباب، وحط مفاتيحه، وبص حواليه.

كل حاجة كانت زي ما سابها.

الأثاث الفاخر، واللوحات، والساعات الغالية، والتحف اللي كنت جمعتها على مدار سنين.

كل ركن في البيت كان بيفكره بالثروة اللي كان بيطمع فيها.

مشى ناحية الصالة.

وهناك، لاحظ إن السفرة مجهزة للعشا.

كان فيه طبقين، وكؤوس، وزجاجة نبيذ، وشموع بتضيء المكان.

وعلى الطاولة، كانت صورة زفافنا موجودة.

الصورة اللي اتصورناها يوم ما كنا واقفين جنب بعض، وأنا ببتسم، وهو بيبص للكاميرا بثقة.

لكن كان فيه شيء واحد ماكانش متوقعه.

على الكرسي المقابل للسفرة، كنت أنا قاعدة.

حية.

هادية.

وببص له مباشرة.

أول ما شافني، وقف فجأة.

المفاتيح وقعت من إيده على الأرض.

وشه فقد لونه، وعينيه اتسعت بشكل مرعب.

فضل واقف مكانه، مش قادر يتحرك، وكأنه شاف شبحًا خرج من البحر عشان يواجهه.


 

ماقالش كلمة.

ماقدرش حتى يسألني إزاي رجعت.

كان واضحًا من تعبير وشه إنه مش مصدق اللي شايفه.

أنا فضلت قاعدة مكاني.

ماصرختش.

ماقمتش أضربه.

وما حاولتش أشرح له إني نجوت.

كنت ببص له بهدوء، وبحاول أستوعب إن الشخص اللي قدامي هو نفسه اللي كنت مستعدة أضحي عشانه براحة حياتي.

بعد لحظات طويلة من الصمت، مدّيت إيدي ناحية كوباية الميه، وشربت منها بهدوء.

وبعدين رفعت عيني له وقلت

إيه يا آدم؟ مالك واقف كده ليه؟ مش كنت بتقول إنك بتحبني؟

حاول يتكلم، لكن صوته ماطلعش.

قلت له

تعالَ، اقعد. أنا مجهزة العشا لينا.

فضل واقف مكانه، بيبص لي كأنه مش قادر يصدق إنني فعلًا موجودة.

وبعدين أخيرًا، قال بصوت مرتعش

إنتِ إنتِ إزاي رجعتي؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت

دي أول حاجة خطرت في بالك؟ مش مثلًا تسألني إذا كنت كويسة؟ أو تقول إنك فرحان إني لسه عايشة؟

ما ردش.

حاول يقترب خطوة، لكنه وقف تاني.

قلت له بهدوء

كنت فاكر إنك لما ترميني في البحر، كل حاجة هتنتهي؟ كنت فاكر إنك هترجع البيت، وتعيش حياتك، وتاخد كل حاجة كنت بتحلم بيها؟

بدأ يتنفس بسرعة.

أنا أنا ماكنتش أقصد

قاطعته

ماكنتش تقصد إيه يا آدم؟ إنك تزقني؟ ولا إنك تسيبني في البحر؟ ولا إنك ترجع وتحكي للناس إني وقعت لوحدي وإنك حاولت تنقذني؟

ماعرفش يرد.

في اللحظة دي، شفت الخۏف الحقيقي في عينيه لأول مرة.

مش خوفه عليّ.

ولا خوفه من إنه فقدني.

كان خاېف من إنه اتكشف.

خاېف إن خطته اللي كان متخيل إنها هتنجح بسهولة، انقلبت عليه.

بصيت ناحية صورة زفافنا، وبعدها رجعت بصيت له.


 

وقلت الجملة اللي كنت بفكر فيها من ساعة ما نجوت

إنت طول الوقت كنت بتقول إن السن مش مهم، وإنك بتحبني مهما


 


 

كان عمري. بس نسيت حاجة مهمة جدًا يا آدم.

سكتُّ لحظة، وبعدها كملت

أنا ماوصلتش لتمانين سنة عشان كنت محظوظة طول عمري. أنا وصلت للسن ده عشان اتعلمت إزاي أواجه المصاېب، وإزاي ماستسلمش بسهولة.

حاول يقول حاجة، لكن في اللحظة دي، سمعنا صوت الباب بيتفتح ورا ظهره.

لفّ بسرعة.

ودخل اتنين من رجال الشرطة.

اللحظة اللي انهار فيها كل شيء

أول ما آدم شاف رجال الشرطة، اتراجع خطوة لورا.

بص لي، وبعدها بص لهم، وبدأ يهز راسه.

لأ استنوا. فيه سوء تفاهم.

واحد من الضباط تقدم ناحيته وقال له إنهم محتاجين يتكلموا معاه بخصوص الحاډث اللي حصل أثناء الرحلة البحرية.

آدم حاول يحافظ على هدوئه.

قال إنني وقعت بالخطأ، وإنه حاول يساعدني، وإنه ماكانش يعرف إني لسه عايشة.

لكن المرة دي، كلامه ماكانش كافيًا.

الشرطة كانت بالفعل بدأت تحقق في روايته، وفي الظروف المحيطة باختفائي، وفي التناقضات اللي ظهرت في أقواله.

وأنا كنت موجودة عشان أحكي اللي حصل من البداية للنهاية.

ماكانش فيه داعي إني أصرخ أو أجادل.

كنت عارفة إن الحقيقة لازم تتقال بوضوح، وإن التحقيق هو اللي هيحدد المسؤولية والأدلة المطلوبة.

آدم بص لي بحدة وقال

إنتِ عملتي فيا كده ليه؟!

السؤال خلاني أضحك من شدة المرارة.

قلت له

أنا عملت فيك إيه؟ أنا كنت بحبك، وصدقتك، وفتحت لك بيتي وقلبي. إنت اللي قررت ترميني في البحر وتسيبني أموت!

حاول يقرب مني، لكن الضباط منعوه.

بدأ يتكلم بسرعة، ويقول إنني فهمت الموقف غلط، وإنه كان متوترًا، وإن كل اللي حصل كان حادثًا.

لكن كلامه كان مختلفًا تمامًا عن اللي شفته بعيني.

أنا كنت عارفة إنه زقني عمدًا.

وعارفة إنه شافني وأنا بطلب المساعدة.

وعارفة إنه اختار يبعد بدل ما ينقذني.

دي كانت الحقيقة اللي مهما حاول يغيرها، مش هيقدر يمحيها من ذاكرتي.

في النهاية، طلب منه الضباط يرافقهم لاستكمال الإجراءات.

وقبل ما يخرج، بص لي للمرة الأخيرة.

كان وشه مليان ڠضب وخوف، لكن ماكانش فيه أي شيء يشبه الحب اللي كان بيدّعيه.

سألني

إنتِ كنتِ مخططة لكل ده من البداية؟

هزيت راسي وقلت

لأ يا آدم. أنا كنت مخططة إني أعيش معاك حياة هادية. إنت اللي اخترت النهاية دي لنفسك.

وبعدها خرج مع الشرطة.

الباب اتقفل وراه.

ولأول مرة من أيام طويلة، رجع البيت هاديًا.

لكن الهدوء المرة دي ماكانش نفس الهدوء اللي كنت بخاف منه.

كان هدوء إنسانة نجت من المۏت، وبدأت تستعيد حياتها من جديد.


 

هل كان آدم بيحبني فعلًا؟

بعد ما آدم خرج مع الشرطة، فضلت قاعدة على السفرة فترة طويلة.

بصيت للطبق اللي قدامي، وللشموع، ولصورة زفافنا.

كنت مجهزة العشا لأنني كنت عايزة أشوفه بعيني، وأواجهه بالحقيقة.

لكن لما كل حاجة انتهت، اكتشفت إن فيه سؤالًا واحدًا لسه بيوجعني.

هل آدم حبني في أي لحظة؟

هل كان فيه يوم واحد صادق فيه لما قال لي إنه مش مهتم بفرق السن؟

هل كانت ابتسامته حقيقية؟

هل كان فيه شيء حقيقي بينا، ولا أنا كنت مجرد وسيلة بالنسبة له؟

ماكانش عندي إجابة مؤكدة عن كل ده.

لكن اللي عرفته إن الحب الحقيقي مايتقاسش بالكلام، ولا بالوعود، ولا بالهدايا.

الحب الحقيقي بيظهر في الأفعال، خصوصًا في اللحظات الصعبة.

والإنسان اللي يقدر يسيبك تواجه المۏت وهو واقف بيتفرج، ماينفعش تصدق إنه كان بيحبك لمجرد إنه قال لك الكلمة دي ألف مرة.

يمكن كنت غلطانة لما صدقت آدم بسرعة.

ويمكن كنت محتاجة أسمع تحذيرات الناس اللي بيحبوني.

لكن الغلطة الأكبر ماكانتشي إني حبيت وأنا عندي تمانين سنة.

الغلط كان إني سمحت لشخص ماعرفش قيمتي إنه يقنعني إنني أخيرًا لقيت الحب.

لأن عمري ماكان عيبًا، ووحدتي ماكانتش ضعفًا، ورغبتي في إني أعيش سعيدة ماكانتش چريمة.

أنا كنت إنسانة عايزة تحب وتتحب.

وده حق أي إنسان، مهما كان عمره.

لكن من اليوم ده، اتعلمت إن الثقة لازم تكون مبنية على الأفعال، وإن القلب مهما كان طيبًا، لازم يفضل صاحي.

بداية حياة جديدة من غير خوف

مرت الأيام، وبدأت أستعيد صحتي وقوتي تدريجيًا.

رجعت أقعد في الحديقة، وأقرأ كتبي المفضلة، وأزور صديقاتي.

ولما مريم عرفت إني نجوت، جت تزورني وهي بټعيط.

حضنتني بقوة وقالت

الحمد لله إنك لسه عايشة! أنا كنت خاېفة عليكي جدًا.

مسكت إيدي وقلت لها

كان لازم أسمع كلامك.

هزت راسها وقالت

المهم إنك رجعتي. مش عايزاكي تلومي نفسك على اللي حصل.

الكلام ده ساعدني أفهم حاجة مهمة.

إني مش لازم أقضي بقية عمري أعاقب نفسي عشان وثقت في الشخص الغلط.

آدم هو المسؤول عن اختياراته.

هو اللي اختار يخدعني.

وهو اللي اختار يحاول يتخلص مني.

وهو اللي هيواجه نتائج أفعاله.

أما أنا، فكان لازم أدي نفسي فرصة أعيش من جديد.

بدأت أرجع للأعمال الخيرية اللي كنت بحبها، وأقضي وقتًا أطول مع الناس اللي فعلًا بيهتموا بيا.

وبدأت أفكر في مستقبلي بطريقة مختلفة.

ماعدتش بسأل نفسي إذا كنت هلاقي شخصًا يحبني.

بقيت أسأل نفسي إزاي أقدر أعيش حياة لها معنى، وإزاي أستمتع بالوقت اللي باقي لي من غير ما أخاف من الوحدة.

رجعت أستمتع بحاجات بسيطة كنت ناسية قيمتها.

فنجان القهوة الصبح.

صوت العصافير في الحديقة.

مكالمة من صديقة قديمة.

وضَحكة صادقة من قلبي.

واكتشفت إن السعادة مش لازم تيجي من شخص تاني.

ممكن تكون موجودة في حياتنا بالفعل، لكن إحنا ساعات بننسى نشوفها لأننا بندوّر على حاجة واحدة مفقودة.

أنا ماعرفش إيه اللي هيحصل لآدم في النهاية، ولا إيه الحكم اللي هتوصله له الإجراءات القانونية.


 

لكن اللي أعرفه إنني مش هسمح للي حصل إنه يسرق مني بقية عمري.

أنا نجوت من البحر، ونجوت من الخداع، والأهم من ده كله، بدأت أتعلم إزاي أسامح نفسي على إني صدقت.

مش معنى كده إني هنسى اللي حصل.

فيه حاجات بتفضل محفورة جوانا مهما مر الوقت.

لكن فيه فرق كبير بين إنك تفتكر الۏجع، وبين إنك تسمح له يتحكم في حياتك.

وأنا اخترت أعيش.

اخترت ماخليش الخېانة آخر فصل في حكايتي.

واخترت أفتكر إنني، حتى في سن التمانين، لسه عندي الحق إني أفرح، وأتعلم، وأبدأ من جديد.

أما الدرس اللي خرجت بيه من كل اللي حصل، فهو إن العمر ممكن يكبر، لكن قيمة الإنسان ما بتقلش، وإن الحب مش وعد بيتقال الحب موقف بيتثبت وقت الشدة.

ولو كان عندي فرصة أرجع بالزمن لليوم اللي قابلت فيه آدم لأول مرة، مش هقول لنفسي إني غلطانة عشان قلبي دق من جديد.

هقول لها بس

حبي، لو عايزة تحبي، حبي لكن ماتنسيش نفسك، وماتديش ثقتك لحد لمجرد إنه قال لك الكلام اللي كنتِ محتاجة تسمعيه. لأن الإنسان اللي بيحبك بجد، عمره ما هيطلب منك تدفعي حياتك تمنًا لحبه.

وفي النهاية، فهمت إنني ماكنتش محتاجة شابًا صغيرًا عشان يثبت لي إنني لسه قادرة أعيش.

كنت محتاجة أفتكر إن حياتي ليها قيمة، حتى لو عشتها لوحدي.

وإن النجاة مش دايمًا معناها إنك تطلع من البحر حيًّا.

أحيانًا النجاة الحقيقية هي إنك تخرج من تجربة كسرت قلبك، وتقرر إنك مش هتسمح لها تكسر روحك.


 

أنا عندي تمانين سنة لكن حكايتي ما انتهتش.

ودي كانت المرة الأولى اللي أقدر أقول فيها الجملة دي وأنا مؤمنة بكل كلمة فيها.

تابع جديد محمد

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق