حكاية نغم وشريف كامله ملك إبراهيم
حكاية نغم وشريف كامله ملك إبراهيم
حكاية نغم وشريف كامله ملك إبراهيم
“حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.. وافقي يا نغم… شريف بيه بنفسه اللي طالب إيدك!”
أمها عنيها بتلمع من الفرحة، ومدحت أبوها قاعد تعبان وبيحاول يبان متماسك.
أي بنت في الدنيا لو سمعت اسم شريف المنصوري كانت هتطير، شاب في أوائل التلاتينات، وسيم، صاحب أكبر شركات مقاولات في مصر، فلوسه ملهاش أول من آخر.
إلا نغم.. كانت قاعدة ساكتة، ضامة ركبها، بتبص في الأرض وقلبها مقبوض.
بصت لأبوها وقالت بصوت واطي ومهزوز:
“بس يا بابا… أنا معرفوش، شوفته مرتين بس في حياتي.”
مدحت كح كحة تعب وقال بسرعة:
“وهتعرفيه بعد الجواز يا بنتي، الراجل محترم وابن ناس، ومفيش بنت ترفضه. أنا عايز أطمن عليكي قبل ما أموت.”
سلوى قربت منها ومسكت إيديها:
“يا بنتي ده مستقبلك هيبقى متأمن، ده شريف المنصوري!”
مشكلتها مكنتش في الفلوس ولا الاسم، مشكلتها في إحساسها. المرتين اللي شافته فيهم كان بارد بشكل يخوف. وشه جامد زي الحجر، عمره ما بيضحك، عينيه فيها سور عالي محدش بيعرف يعديه. تحسيه روبوت لابس بدلة.
بس في الآخر وافقت. وافقت عشان أبوها المريض، وعشان نظرة أمها اللي كلها رجاء، وعشان حست إن القدر بيزقها في سكة ملهاش مفر منها.
بعد شهر…
كانت واقفة قدام المراية بفستان الفرح الأبيض. الفستان كان تحفة، متطرز كله، بس هي كانت حاسة إنه تقيل على روحها. قلبها بيدق بسرعة لدرجة إنها سامعة صوته في ودنها، كأن جواها صوت بيقولها “حياتك كلها هتتغير الليلة”.
دخلت سلوى وهي بتعيط من الفرحة:
“زي القمر يا حبيبتي، قمر!”
نغم ابتسمت بالعافية، ابتسامة مرسومة:
“ربنا يستر يا ماما…”
في قاعة الأفراح كان كل شيء فخم يخض. رجال أعمال، ممثلين، صحفيين، كاميرات في كل حتة. ده فرح شريف المنصوري.
أما هو، فكان واقف وسط الزحمة ببدلته السودة، وشه نفس الجمود المعتاد، بيصافح الناس ببرود.
لحد ما الباب اتفتح ودخلت نغم ماسكة إيد أبوها مدحت.
أول ما عينه جت عليها… اتجمد.
نفسه اتقطع بجد. كانت أجمل بكتير من خياله. الفستان الأبيض حاضن جسمها الرفيع، عيونها البني الواسعة مليانة كسوف وخوف، وشها أحمر.
ولأول مرة من 10 سنين… شريف المنصوري ابتسم. ابتسامة صغيرة جدا، صغيرة لدرجة إن محدش خد باله منها غيرها هي. قلبها اتلخبط.
بعد الفرح وصلوا القصر. القصر مش بيت، القصر مدينة. ضخم يخوف أكتر ما يبهر. رخام بيلمع، وخدم رايحين جايين.
وقفت نغم في نص الجناح الكبير حاسة إنها تايهة، غريبة عن كل حاجة.
سمعت صوته وراها هادي:
“متوترة؟”
لفت بسرعة، كان واقف بعيد عنها بمسافة محترمة، قالع الجاكت.
هزت راسها: “شوية…”
قرب خطوة بهدوء وقال بصوت أول مرة تسمع فيه دفا:
“متخافيش… أنا عمري ما هأذيكي يا نغم.”
الكلمة كانت بسيطة بس وصلت لقلبها. رفعت عينيها ليه، وللحظة حست إنها يمكن ظلمته، يمكن مش بارد زي ما كانت فاكرة.
لكنها متعرفش إن الليلة دي هي بداية كل حاجة وبداية النهاية كمان.
في نفس الوقت، في مكتب تحت في القصر، كانت داليا واقفة قدام أبوها. داليا بنت رجل أعمال تقيل، من سنين بتحلم بشريف.
كانت بتصرخ بغل: “إنت وعدتني إن شريف هيتجوز بنتي! إزاي يتجوز البنت الفلاحة دي؟”
أبوها ضرب المكتب بعصايته: “شريف عمل اللي هو عايزه، محدش بيمشي كلمته عليه.”
عينيها لمعت بشر وقالت: “وأنا مش هسكت… والجوازة دي مش هتكمل، لو فيها موتي.”
رواية الكاتبة ملك إبراهيم
مر أسبوعين على الجواز…
وأغرب حاجة حصلت لنغم إنها بدأت تتعود على شريف. اكتشفت إن بروده ده مش تكبر، ده طبع. هو قليل الكلام جدا، بس بيلاحظ أدق التفاصيل.
لو تعبانة من أول كحة يعرف. لو زعلانة ومش بتتكلم يفضل قاعد جنبها ساكت لحد ما تهدى. لو احتاجت حاجة بتلاقيها جت لحد عندها قبل ما تطلبها.
في يوم كانت قاعدة في الجنينة بتشرب قهوتها الصبح، لقت الشغالة جاية بتديها علبة قطيفة صغيرة:
“مدام نغم… شريف بيه باعت لحضرتك دي.”
فتحتها بفضول، لقت سلسلة دهب رقيقة أوي فيها حرف “ن” متعلق. ابتسامتها طلعت لوحدها من غير ما تحس.
سمعت صوته من وراها:
“عجبتك؟”
لفت لاقته واقف ببنطلون وقميص، باصص لها بتركيز كأنه مستني رأيها في صفقة عمره.
وشها احمر: “حلوة أوي…”
لأول مرة شافته بيبتسم بجد، ابتسامة كاملة وصلت لعينيه:
“حسيت إنها هتعجبك.”
قلبها دق بجنون. ساعتها عرفت المصيبة… إنها بدأت تقع في حب الراجل اللي كانت خايفة منه.
لكن في مكان تاني، كانت داليا قاعدة في كافيه غالي وعينيها بتطلع نار. من سنين وهي بتلف حوالين شريف وهو عمره ما بصلها غير كصاحبة شغل.
ولما اتجوز نغم اللي هي شايفاها أقل منها بكتير، حست إنها اتهانت.
مسكت تليفونها واتصلت بحد وقالت بفحيح:
“كل حاجة جاهزة؟”
“جاهزة يا هانم.”
“ممتاز… عايزة شريف يطلقها بنفسه، وبمزاجه.”
في نفس اليوم بالليل، شريف رجع متأخر. دخل الجناح لقى نغم نايمة على الكنبة، مستنياه ولابسة بيجامة بسيطة وشعرها مفرود.
قلبه اتحرك غصب عنه. قرب يغطيها بالبطانية، ففتحت عينيها فجأة:
“رجعت؟”
“مممم”
قامت مفزوعة: “كلت؟”
هز راسه لأ.
راحت على المطبخ وبعد عشر دقايق رجعت بطبق رز وفراخ جهزته بسرعة.
بصلها باستغراب: “عملتي ده كله دلوقتي؟”
قالت وهي متضايقة: “يعني أسيبك جعان؟”
فضل باصص لها كتير لدرجة إنها اتوترت: “مالك؟”
قال بصوت واطي: “أول مرة حد يستناني عشان آكل… طول عمري برجع ألاقي البيت فاضي.”
الكلمة لمست قلبها أوي. قعدوا ياكلوا سوا ، ليلة بسيطة بس قربتهم من بعض أوي.
بعد يومين كانت نغم في المول مع رهف صاحبتها الانتيم. فجأة خبطت في واحدة ست شيك.
قالت نغم: “آسفة.”
الست بصتلها من فوق لتحت بابتسامة سم وقالت: “انتي نغم المنصوري؟”
“أيوة…”
قربت منها وهمست: “خلي بالك من جوزك يا حبيبتي… أصل شريف عمره ما حب حد غير داليا.”
نغم اتجمدت مكانها، والست مشيت وهي بتضحك.
طول الليل الكلمة بترن في ودنها. أول ما شريف دخل سألته مرة واحدة:
“تعرف واحدة اسمها داليا؟”
ملامحه اتغيرت، تغيير صغير بس هي لاحظته عشان بقت حافظاه..
“مين هي؟” قالت بلهفة.
قال بهدوء: “مفيش حاجة تستاهل الكلام.”
“يعني تعرفها؟”
اتنهد بضيق: “أيوة أعرفها.”
قلبها اتقبض: “وكان بينكم علاقة؟”
قبل ما يرد، تليفونه رن. بص على الشاشة ووشه قلب. نفس الرقم اللي بيتصل بيه من ليلة الفرح.
رد وقال بحدة: “انتي بتقولي إيه؟!”
نغم قامت مخضوضة. وسمعت الطرف التاني بيقول بصوت عالي لدرجة إنها سمعته:
“عندي الدليل اللي هيهد بيتك كله يا شريف بيه… والدليل يخص مراتك.”
وهنا بدأت المؤامرة الحقيقية.
حكايات الكاتبة ملك إبراهيم
فضل شريف واقف مكانه ماسك الموبايل وعروقه بارزة. نغم قدامه قلبها هيقع.
“في إيه يا شريف؟”
رفع عينه ليها، ولأول مرة تشوف في عينيه النظرة دي… شك وخوف وغضب مع بعض. حاول يخبيهم بس معرفش.
فتح موبايله وحطه قدامها. شهقت.
صور ليها… قاعدة في كافيه مع شاب وسيم، وراكبة معاه عربيته، وصورة وهو ماسك إيديها وبيضحكوا.
رفعت راسها مصدومة: “إيه ده؟ مين اللي باعت الصور دي؟”
قال ببرود بيحاول يداري وجعه: “ده اللي أنا عايز أعرفه، الصور دي إيه؟”
عيونها دمعت من القهر: “ده جمال! ابن خالتي! الصور دي قديمة جدا قبل ما أعرفك أصلا، كنا خارجين أنا ورهف وهو كان معانا!”
سكت شريف، الشك لسه بينهش فيه.
قالت بوجع: “ساكت ليه يا شريف؟ انت مش مصدقني … معقول شكيت فيا.”
الكلمة ضربته في مقتل، عشان فعلا أول حاجة عملها إنه شك.
حاول ينهي الموضوع عشان يعرف يفكر ويفهم الحقيقه.
….
تاني يوم الصبح داليا كانت قاعدة في مكتبها وقدامها الراجل اللي بعت الصور لشريف، بتضحك بخبث: “عملت اللي طلبته؟”
“أيوة يا هانم”
“ولسه… دي البداية بس.”
وانتظرت داليا تشوف نتيجة خطتها.
….
عدت أيام وشريف بيحاول يبقى طبيعي بس مش عارف، كل ما يبص لنغم يفتكر الصور. لحد ما جه اليوم اللي قلب كل حاجة.
نغم نازلة من أوضتها سمعت صوت داليا في الصالون تحت. نزلت جري لقت داليا قاعدة بكل ثقة قدام شريف ولابسة فستان أحمر ضيق .
أول ما شافت نغم ابتسمت سم: “أخيرا اتقابلنا يا مدام نغم.”
نغم قالت بحدة: “انتي جاية هنا ليه؟”
داليا بصت لشريف: “جاية أقول ل شريف حقيقة الست اللي شايله اسمه .”
شريف قال بضيق: “داليا… كفاية.”
قامت داليا طلعت ظرف من شنطتها ورمته قدام شريف. فتحه، وشه شحب.
نغم بخوف: “في إيه؟”
شريف بصلها ببطء: “داليا بتقول إنك كنتي مخطوبة قبل كده.”
نغم اتجمدت وبعدين قالت بثبات رغم إن صوتها بيترعش: “أيوة كنت مخطوبة… والخطوبة اتفسخت قبل ما أعرفك بسنة، وده شيء أنا مخبتوش.”
داليا طلعت ورقة تانية : “قوليله باقي الحقيقة… إن خطيبك سابك يوم الفرح نفسه عشان اكتشف إنك متنفعيهوش!”
الصمت نزل على المكان. نغم قبضت إيديها جامد، الجرح ده عمره ما التأم، ده كان أسوأ يوم في عمرها.
بصت لشريف وقالت والدموع في عينيها: “أيوة… ده حصل، سابني يوم فرحي.”
داليا كانت مستمتعة وهي شايفاها بتتكسر.
وفجأة شريف ضرب الطرابيزة بإيده بعنف خلاهم الاتنين اتنفضوا. وقف وبص لداليا بعيون بتطلع نار: “اخرجي برا.”
داليا اتصدمت: “شريف…”
صرخ: “قولت اخرجي برا بيتي !”
داليا خرجت وهي بتغلي.
نغم واقفة بتحاول تمسك دموعها. قرب منها شريف ورفع إيده مسح دمعة نزلت على خدها وقال بصوت هادي مليان ندم:
“أنا عارف عنك كل حاجة يا نغم من قبل ما اخطبك.. بس كنت عايز افهم إيه اللي في دماغ داليا.. مش عايزين نسمح لحد يفرقنا .”
ولأول مرة نغم اترمت في حضنه وهي بتعيط بصوت عالي، وهو حضنها بقوة كأنه بيقولها “انتي أهم حاجة في حياتي”.
بس الاتنين ميعرفوش إن داليا أول ما خرجت من بوابة القصر اتصلت بحد وقالت ببرود: “الخطة الأولى فشلت… ابدأ الخطة التانية، الخطة اللي هتخلي نغم تسيب شريف بنفسها.”
رواية الكاتبة ملك إبراهيم.
عدى شهر كامل…
وشهر كان كفاية يغير كل حاجة. العلاقة بين شريف ونغم بقت حاجة تانية. بقت تستناه كل يوم يرجع عشان يتعشوا سوا، وبقى هو أول ما يخلص شغل يجري على البيت عشان يشوفها. لأول مرة من سنين شريف المنصوري بقى يضحك من قلبه ويحس إن عنده بيت بجد.
أما نغم فكانت كل يوم بتحبه أكتر، لدرجة إنها بقت خايفة، خايفة تتعلق بيه وبعدين تخسره.
في صباح هادي كانت قاعدة في أوضتها حاسة بدوخة غريبة، قامت فالدنيا لفت بيها ومسكت طرف السرير.
الشغالة دخلت وصرخت: “مدام نغم!”
بعد ساعتين كان شريف داخل المستشفى بيجري كالمجنون، ملامحه كلها خوف.
“مراتي كويسة؟”
الدكتور ابتسم: “اطمن يا شريف بيه… مبروك، المدام حامل.”
شريف اتجمد مكانه: “إيه؟”
“المدام حامل.”
لأول مرة عينه تلمع بفرحة طفل مش رجل أعمال. ضحك غصب عنه: “حامل؟”
دخل أوضة نغم بسرعة، كانت نايمة على السرير ووشها أصفر. أول ما شافته ابتسمت بتعب.
ركع قدام السرير وحط إيده على بطنها برفق كأنه خايف يوجعها وقال بصوت مخنوق:
“بجد يا نغم؟”
ضحكت وسط دموعها: “بجد.”
رفع عينه ليها وقال أول كلمة عمره ما قالها: “بحبك يا نغم… بحبك أوي.”
عينيها وسعت وقلبها كان هيقف من الفرحة.
في مكان تاني، داليا أول ما وصلها خبر الحمل كسرت الكوباية اللي في إيديها ووشها احمر: “حامل؟!” لو الطفل ده جه كل أحلامها هتضيع. وقررت تعمل أخطر خطوة في حياتها.
بعد أسبوع شريف كان مسافر إيطاليا يومين اجتماع مهم، كان رافض يسافر بس نغم أصرت: “روح شغلك يا حبيبي وأنا كويسة.”
باس راسها: “أول ما الاجتماع يخلص هرجع.”
بعد سفره بساعات، نغم كانت خارجة من المستشفى بعد متابعة الحمل، وقفت عربية سودا جنبها ونزل منها راجل بلهفة: “مدام نغم؟ شريف بيه عمل حادثة وهو دلوقتي في مستشفى خاص!”
الدم هرب من وشها: “إيه؟!” من غير تفكير ركبت العربية.
بعد عشر دقايق لاحظت إن الطريق غريب وصحراوي: “إحنا رايحين فين؟ وقف العربية!”
السواق لف وبصلها بابتسامة مخيفة: “آسفين يا مدام… دي أوامر داليا هانم.”
بدأت تضرب على الإزاز وتصرخ: “افتحوا الباب! نزلوني! شريييييف!!” بس العربية كانت بتبعد أكتر وأكتر عن المدينة وعن حياتها كلها.
وفي نفس الوقت شريف كان راجع من المطار وبيتصل بيها مرة واتنين وعشرة مفيش رد. وصل القصر وسأل الخدم: “فين نغم؟” الخدامة قالت بتوتر: “خرجت الصبح ولسه مرجعتش.”
اتجمد مكانه، وفي اللحظة دي رن موبايله رقم مجهول: “لو عايز تشوف مراتك تاني… بلاش تدور عليها.” الخط اتقطع.
وساعتها عرف إن نغم اختفت وإن الكابوس الحقيقي بدأ.
رواية الكاتبة ملك إبراهيم.
شريف حس إن الأرض بتتهز تحته. القصر كله اتحول لطوارئ، رجالته في كل حتة، شركاته وقفت، مبقاش في حياته غير هدف واحد… يلاقي نغم.
أما نغم فكانت قاعدة في أوضة صغيرة مقفول عليها، عينيها حمرا من العياط وحاطة إيديها على بطنها وبتكلم الجنين: “متخافش يا حبيبي… ماما معاك.”
الباب اتفتح ودخلت داليا. نغم اتجمدت: “داليا! انتي اللي عملتي كده؟”
قالت بمنتهى البساطة: “أيوة… أصل أنا بحب شريف وانتي خدتيه مني.”
نغم صرخت: “انتي مجنونة! شريف عمره ما حبك!”
وش داليا اسود ورفعت إيدها عشان تضربها بس عينيها نزلت على بطن نغم . لمعة شريرة ظهرت: “المشكلة مش انتي بس… المشكلة اللي جواكي كمان.”
نغم حطت إيديها على بطنها وتراجعت بخوف.
مر يوم واتنين وأسبوع وشريف شبه المجنون، لحد ما جاله فيديو من رقم مجهول. فتحه لقى نغم قاعدة على الأرض وشها شاحب وبتعيط: “شريف… أنا كويسة… بس…” الفيديو اتقطع. شريف ضرب المكتب: “نغم!”
تاني يوم داليا دخلت أوضة نغم متوترة: “شريف قلب الدنيا كلها عشان يلاقيكي! ليه بيحبك كده؟”
نغم ابتسمت رغم خوفها وقالت بهدوء: “عشان الحب مش بيتفرض يا داليا… الحب مش ب أيد حد.”
داليا صفعتها بقوة.
في نفس الليلة واحد من رجالة شريف عرف مكان المزرعة. شريف ركب عربيته بنفسه ورفض يستنى الشرطة. بعد ساعة العربيات حاصرت المزرعة وضرب نار في الهوا والحراس جريوا.
جوه كانت داليا واقفة قدام الشباك وشها شاحب: “مستحيل يوصل لهنا بالسرعة دي !”
نغم سمعت صوته برا ودموعها نزلت من الفرحة: “شريف…”
الباب اتكسر ودخل شريف، عينيه بتدور بجنون لحد ما شافها. جري عليها وضمها بقوة، قوة واحد كان فاكر إنه خسرها للأبد. دفنت وشها في صدره: “كنت عارفة إنك هتيجي.”
غمض عينيه وقال بصوت مخنوق: “حتى لو آخر يوم في عمري كنت هلاقيكي.”
وفجأة… صوت رصاصة شق السكون.
حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.
الكل اتجمد. نغم شهقت واتشبثت في شريف. لفوا لقوا داليا واقفة في آخر الأوضة وفي إيديها مسدس وإيديها بتترعش وبتعيط بجنون: “محدش هيخرج من هنا!”
رجالة شريف اتحركوا بس هو رفع إيده يمنعهم: “خلاص يا داليا.. لعبتك انتهت.”
ضحكت بهستيريا: “انتهت؟ بسببها ضاع مني كل حاجة!”
قال ببرود: “انتي عمرك ما كان عندك حاجة أصلا.”
الكلمة نزلت عليها كالصاعقة. وجهت المسدس ناحية نغم. شريف وقف قدامها فورا يحميها بجسمه: “لو هتضربي حد اضربيني أنا.”
صرخت داليا: “ابعد عنها!”
قال: “مستحيل.”
ثواني طويلة لحد ما المسدس وقع من إيد داليا وانهارت على الأرض بتعيط. الشرطة دخلت وسيطرت على الموقف وانتهى الكابوس… أو ده اللي كانوا فاكرينه.
بعد يومين رجعوا القصر، نغم كانت مرهقة بس سعيدة إنها رجعت بيتها وحضن شريف اللي افتقدته. كانت قاعدة في البلكونة وإيده في إيدها وقالت: “أنا خوفت أوي يا شريف.”
بصلها: “وأنا كمان… أول مرة أحس إن روحي بتتسحب مني.”
حط إيده على بطنها: “انتي وهو أهم حاجة عندي.”
مرت الشهور والحمل ماشي كويس وشريف بقى مهووس بنغم، بيتصل بيها عشر مرات في اليوم، لو عطست الدكتور يعرف.
في الشهر التامن كان مسافر لندن اجتماع مهم، نغم أصرت يسافر: “روح يا حبيبي أنا كويسة… أنا حامل مش مريضة.”
بعد يومين وهي راجعة من عند الدكتورة، عربية نقل كبيرة فقدت السيطرة واتجهت ناحية عربيتها بسرعة مرعبة… الحادث وقع.
بعد ساعات شريف نازل من الطيارة كالمجنون: “مراتي فين؟ ابني كويس؟ حد يرد عليا!”
الدكتور خرج بتوتر: “الحمد لله المدام بخير… بس للأسف بعد الحادث حصلت مضاعفات وفقدت الجنين.”
خرجت ممرضة تقول بفزع: المدام اللي جت في الحادثه هربت.
سكت العالم حواليه. شريف وقف كأنه تمثال.. مراته وابنه راحوا في لحظة.. وكل اللي كان بيفكر فيه انه يلاقي نغم بسرعة.
في مكان تاني نغم كانت نايمة ودموعها نازلة وهي مغمضة.. وقف قدامها شخص غريب وقالها: إحنا انقذناكي بصعوبة آنتي وإللي في بطنك مقابل إنك تبعدي عن شريف للأبد… لو ظهرتي في حياته تاني هنقتلك انتي وابنك المرة الجاية.
الحقيقة اللي محدش يعرفها إن الدكتور كان كذاب، واخد مبلغ ضخم جدا من ناس تبع داليا، و نغم والطفل ممتش.
واختفت نغم ومعاها سر كبير… سر هيظهر بعد خمس سنين لما شريف يشوف طفل صغير نسخة منه وهو ماشي في الشارع.
حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.
بعد خمس سنين…
شمس العصر دافية ومنورة شوارع إسكندرية. الأطفال بيجروا في الحديقة والضحك مالي المكان.
أما نغم فكانت قاعدة على مقعد خشب تحت شجرة، بتتابع طفل صغير عنده خمس سنين، شعره أسود ناعم وعيونه البني الواسعة وابتسامته تخطف القلب.
“يزن… متبعدش يا حبيبي!”
لف الطفل وهو بيضحك: “حاضر يا ماما!”
ابتسمت بحب. خمس سنين عدوا وهي عايشة باسم جديد في مدينة جديدة، بعيدة عن شريف وعن الوجع. بس رغم كل ده كانت لسه بتحبه كل يوم وكل ساعة ويمكن أكتر من الأول.
في القاهرة كان شريف المنصوري واقف قدام إزاز مكتبه الضخم. ملامحه بقت أقسى، أهدى من بره بس جواه ميت من يوم ما خسر نغم. قلب الدنيا عليها في كل محافظة ومطار وفندق بس كأن الأرض انشقت وبلعتها.
بعد يومين.
في إسكندرية يزن بيلعب بالكورة وفجأة الكورة طارت بعيد وخرجت برا الحديقة لحد الرصيف. كانت في عربية فاخرة واقفة ونزل منها راجل طويل ببدلة سودة وهيبة تخلي أي حد يبص له مرتين.
الكورة خبطت في رجله، انحنى وخدها: “دي بتاعتك؟”
يزن رفع راسه: “أيوة.”
ابتسم شريف ولأول مرة من سنين ابتسامة حقيقية ظهرت على وشه، بس الابتسامة اختفت بسرعة لأن عينه ثبتت على الطفل. ثانية واتنين وتلاتة… حاسس إنه شايف نفسه وهو صغير، نفس العيون، نفس شكل الملامح ، حتى وقفته.
قلبه اتقبض وسأله بهدوء: “اسمك إيه يا بطل؟”
“يزن.”
“عندك كام سنة؟”
“خمس سنين.”
عين شريف وسعت، خمس سنين نفس المدة بالظبط.. لو كان ابنه جه الدنيا كان هيبقى في نفس عمره.
بلع ريقه: “بابا وماما فين؟”
يزن شاور على الحديقة: “هناك.”
لف شريف راسه… ووقف الزمن.
الست اللي قامت من على المقعد وبتجري ناحية الطفل… كانت نغم.
أول ما شافت شريف الدم اتجمد في عروقها: “لا… مستحيل.”
أما شريف فكان باصص لها كأنه شاف شبح: “نغم…”
شهقة صغيرة خرجت منها ومسكت إيد يزن بسرعة: “يلا يا حبيبي.”
يزن مستغرب: “ماما؟”
شريف فاق واتقدم خطوة: “نغم… استني.”
غمضت عينيها للحظة، كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي بس متخيلتش إنها هتبقى موجعة أوي كده. لفت له وعيونهم اتقابلت بعد خمس سنين كاملة من الاشتياق والوجع.
قال بصوت مبحوح: “انتي كنتي فين ؟…”
دمعة نزلت منها ومسحتها بسرعة. أما شريف فكان باصص بين يزن ونغم، وقلبه بيدق بعنف مرعب لأنه بدأ يلاحظ تفاصيل مينفعش تكون صدفة أبدا.
“عنده خمس سنين؟” سألها بهدوء مخيف.
وشها شحب وعرفت إن السر اللي خبته خمس سنين على وشك ينهار.
حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.
كان شريف واقف مكانه عينه متعلقة بيزن ونغم حاسة قلبها هيخرج من مكانه.
“نغم … قوليلي الحقيقة.. الطفل دا ابني؟”
الطفل باصص بينهم مش فاهم. نغم حست إن مفيش مهرب خلاص.
غمضت عينيها وقالت: “أيوة يا شريف… يزن ابنك.”
اتجمد مكانه رغم إنه كان متوقع الإجابة بس سماعها وجع قلبه بشكل عمره ما تخيله.
“ابني…” همسها بصعوبة وبص ليزن كأنه بيشوفه روحه . خمس سنين كاملة اتسرقت منه، أول كلمة، أول خطوة، أول يوم مدرسة.
رفع عينه لنغم والوجع ظاهر: “ليه يا نغم؟ ليه تحرميني من ابني؟”
نزلت دموعها: “كنت فاكرة إنك فقدت الأمل فيا، كنت خايفة داليا وناسها يوصلوا لنا، كنت فاكراك هتصدق إني مت وتبدأ حياة جديدة.”
قال بوجع: “ولا يوم نسيتك، خمس سنين كل يوم كنت بدور عليكي، كل سنة، كل مناسبة كنت مستنيكي ترجعي.”
……
في كافيه هادي حكت له كل حاجة، وعن خوفها، وعن إنها افتكرته هينساها. وهو كان ساكت بيسمع ودموعه محبوسة.
أما يزن فكان قاعد بيشرب عصيره وفجأة قال: “هو حضرتك تعرف ماما من زمان؟”
ضحك شريف رغم ألمه: “أيوة، من قبل ما انت تيجي الدنيا.”
يزن فكر شوية ببراءة: “طب ليه ماما بتعيط؟”
شريف قاله بوعد:”ماما مش هتعيط تاني.. اوعدك ”
شريف وعدها انه هينتقم من اللي فرقوهم السنين دي.. وطمنها انه هيأمنها هي وابنه.. وطلب منها تفضل في الإسكندرية لحد ما هو يحل كل المشاكل.. وكانت أكبر مشكله عندهم ان يزن يعرف ان شريف باباه.
شريف رجع القاهرة وانتقم من كل إللي شاركوا داليا في الخطة اللي فرقته عن مراته وابنه طول الخمس سنين.
وبعدها رجع الإسكندرية تآني.
وقف شريف قدام نغم على نفس البحر، طلع من جيبه علبة صغيرة فيها دبلة، عينها وسعت بصدمة وهو ابتسم ابتسامته القديمة اللي رجعت كاملة لقلبه:
“إحنا ضيعنا وقت كتير أوي يا نغم… تتجوزيني مرة تانية؟ واوعدك ان المرادي هقدر احميكي آنتي وابننا”
ضحكت وسط دموعها: “انا مراتك العمر كله يا شريف .”
ضحك: “يعني موافقة؟”
هزت راسها: “موافقة.”
وقبل ما يكمل سمعوا صوت يزن من بعيد بيجري عليهم: “مامااا… بابااا! يلا بقى… انا عايز أشوف بيتنا الجديد ”
ضحكوا كلهم وحسوا إن كل الوجع اللي عاشوه كان مجرد طريق طويل وصلهم للمكان اللي كانوا المفروض يكونوا فيه من البداية.
ورجعوا وسط كل الناس اللي بتحبهم، المرة دي مفيش أسرار ولا مؤامرات ولا خوف، بس حب.
حب قدر يعيش رغم الغياب ورغم السنين ورغم كل اللي حصل.
أما يزن فكان أسعد واحد في الدنيا كلها، لأنه أخيرا بقى عنده ماما وبابا مع بعض.
وفي آخر الليل كانت نغم واقفة في البلكونة وشريف حضنها من ضهرها.
وفي جوه كان صوت ضحك يزن مالي البيت… البيت اللي أخيرا بقى بيت حقيقي بيجمعهم.
تمت ❤️

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق