سِلفي ضربني بعصاية المقشة كامله
سِلفي ضربني بعصاية المقشة كامله حكـايات مني السيد حصري
سِلفي ضربني بعصاية المقشة كامله حكـايات مني السيد حصري
سِلفي ضربني بعصاية المقشة وكسرني، وحماتي قافلة عليا الشقة عشان مروحش أعمل محضر.
الحكاية بدأت من يوم ما جوزي حجز تذكرته وسافر يشتغل برة، وقبل ما يركب الطيارة قال لي جملته اللي كانت بداية العذاب اقفلي شقتنا الإيجار دي ووفري فلوسها، وانزلي عيشي مع أمي وأختي لحد ما أرجع، البيت كبير وهتبقي وسط أهلي أأمن ليكي. سمعت كلامه ونزلت برجلي للجحيم وأنا فاكرة إني رايحة لناس هيصونوني في غيابه.
من أول أسبوع، والوضع اتحول من مجرد إقامة لخدمة وسخرة من أول ما النهار يطلع؛ طلبات مابتخلصش، ومعاملة ناشفة، ونظرات من حماتي تحسسني إني تقيلة عليهم. أما أخته نورا، فكانت شايفة البيت ملكها لوحدها، وأنا ماليش حتى حق أتنفس من غير إذنها. بلعت وصبرت وقلت عشان خاطر جوزي والغربة اللي هو فيها، لحد ما جت ليلة امبارح.
الساعة كانت يادوبك اتناشر بالليل، مخلصة شغل البيت والمطبخ وهد حيلي، قعدت في الصالة أشوف التلفزيون وموطية الصوت على الآخر عشان أهدي أعصابي شوية. فجأة، دخلت نورا زي الإعصار، خطفت الريموت من قدامي وقفلت الشاشة وقالت بأسلوب مستفز اطفي الزفت ده، مش عارفين ننام، هو أنتي فاكرة نفسك قاعدة في فندق؟.
دمي غلي من طريقتها، رديت عليها الساعة لسه اتناشر، والصوت واطي جداً ومفيش حد نايم أصلاً، سيبيني أكمل اللي بتفرج عليه.
اتنرفزت وزقتني في كتفي بعنجهية وقالت لما أقول كلمة تتسمع، إنتي هنا مش في بيت أبوكي!. ساعتها مقتدرتش أمسك نفسي، قمت وقفت قدامها والشرار طالع من عيني، شدينا في بعض بالكلام واتقلبت لخناقة وتشابك بالأيدي وصوتنا علي في الشقة كلها. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
في عز ما إحنا ماسكين في بعض، لقينا باب الشقة بيتفتح ودخل أحمد سلفي. أي راجل في مكانه، عنده شوية عقل أو نخوة، كان هيدخل يحوش، يفصل بينا ويهدي الدنيا. لكن هو اتصرف بغل غريب؛ لمح عصاية المقشة الخشب جنب الباب، مسكها وهجم علينا زي المجنون. نزل خبطة خفيفة على أخته عشان يبان إنه بيحوش، ولف عليا بكل قوته، ونزل بالعصاية على ضهري خبطة قاطعة خلت روحي تطلع.
الوجع كان بشع، حسيت بلسعة نار قطمت ضهري، صرخت صرخة هزت البيت ووقعت في الأرض مش قادرة أتنفس ولا أتحرك، وهو واقف فوق راسي يزعق ويقول إنتي بتعلي صوتك في بيتنا وتتمدي على أختي يا قليلة الرباية؟. قمت بزحف بالعافية، وجريت على أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح وأنا بنهار من البكا والقهر.
طلعت التليفون ورنيت على أمي وأنا بترعش، ردت بصوت نايم ومخنوق، وأول ما حكيت لها قالت ببرود كسر خاطري يا بنتي أنا نايمة ومصدعة ومش ناقصة وجع دماغ، الصبح نبقى نشوف الحكاية دي، وقفلت السكة. اتصلت بأخويا، اتعصب وقال لي اهدي ومتفتحيش الباب لحد، أول ما النهار يطلع هاخد أول ميكروباص وأكون عندك.
حماتي من ساعتها واقفة ورا باب الأوضة، مش عشان تطمن عليا، دي بتزعق وبتهدد ومستحلفة لي قسماً بالله لو فكرتي تخطي عتبة الباب ده لأكسر رجلك، مش هتخرجي تفضحينا، الموضوع ده هيتلم هنا!
.
أنا متبهدلة وكتفي وضهري معلمين ومورمين، والغضب مالي كل حتة فيا؛ من سلفي اللي استقوى عليا، ومن حماتي اللي حابساني، ومن جوزي اللي رماني ومشي. عقلي بيودي ويجيب، فكرة إني أستنى الصبح بقيت مستحيلة، كل ثانية بتمر حاسة إنهم بيدبروا لي مصيبة أكبر عشان يكسروا عيني ويمنعوني أشتكي.
حسمت أمري وقررت مش هستنى النهار، لميت بطاقتي ودهبي في جيبي ومشيت على طراطيف صوابعي، فتحت شباك الأوضة المطل على المنور عشان أنط للشقة اللي تحتنا، بس أول ما طلعت راسي اتجمدت مكاني من الصدمة؛ حماتي وأحمد سلفي كانوا واقفين تحت ومستنيني، وعينه جت في عيني!
الدم نشف في عروقي وأنا متشعلقة على حرف الشباك، راسي برة في الهوا الساقع ورجلي بترتعش جوة الأوضة.
النظرة اللي في عين أحمد تحت في ضلمة المنور كانت نظرة ذئب وعارف إنه خلاص قفل عليها كل السكك. جنبه كانت أمه واقفة، متلفحة بإيشاربها الأسود، ملامح وشها ماكنتش باينة أوي في العتمة، بس لمعة عينيها وابتسامتها الباردة كانت كفيلة تخلي شعر جسمي يقف.
قال بصوت واطي بس طالع زي الفحيح، مليان غل وتحدي انزلي يا فالحة.. انزلي عشان تشوفي هتعملي إيه مع اللي مستنيكي تحت.
سحبت جسمي لجوة بسرعة، قفلت ضلفة الشباك بالراحة والترباس الحديد في إيدي كان بيزيق زي ما يكون روحي هي اللي بتنسحب. رجعت بضهري لحد ما خبطت في الحيطة، قعدت على الأرض مش قادرة أصلب طولي، أنفاسي كانت طالعة متقطعة وصوت ضربات قلبي مسموع في الأوضة الفاضية. الوجع اللي في ضهري من خبطة المقشة رجع يفور من جديد، حسيت كأن فيه مية نار بتغلي تحت جلدي، وكل حركة كانت بتخليني أعض على شفايفي عشان مطلعش صرخة يسمعوها.
قعدت ألوم في نفسي.. إزاي غفلت عن المنور؟ إزاي نسيت إن الشباك ده بيبص على الحوش الصغير اللي تحت اللي أحمد حاطط فيه كراكيبه وعدته؟ هما مكانوش نايمين، هما كانوا عارفين إني بفكر أهرب، وكانوا مستنيين الغلطة دي عشان يمسكوا عليا حجة أكبر.
مسكت الموبايل تاني، بصيت في الساعة.. تلاتة الفجر. الوقت بيمر زي السلحفاة، وكل ثانية
بتدبح فيا. فتحت شات الواتساب مع أخويا محمد، كتبت له وإيدي بترتعش محمد، أحمد وأمه صاحيين ومحاصرين الأوضة والمنور، متستناش النهار بالله عليك، انزل دلوقتي حالا، أنا بموت من الخوف والوجع.
الرسالة فضلت بعلامة صح واحدة رمادي.. لسه نايم أو الموبايل فاصل شحن. رميت التليفون على السرير بيأس ودفنت وشي بين إيديا.
فجأة، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم.. خطوات تقيلة وبطيئة. وقفت الخطوات برة باب الشقة، وبعدها صوت مفاتيح بتترج في الباب البراني، اتفتح واتقفل بتكة ناشفة، ورجعت الخطوات تقرب من أوضتي.
وقفت ورا الباب وأنا سانة ضهري على الدولاب، مش قادرة أقف مستقيمة من الوجع. حماتي اتكلمت من ورا الخشب بصوت فيه نبرة غدر متغطية بنصيحة افتحي يا شيماء.. افتحي بدل ما نخلي الليلة دي سودا على دماغك ودماغ اللي جابوكي. إنتي فاكرة نفسك بتلعبي مع مين؟ ده إحنا ندفنك مكانك ولا حد يدري بيكي.
مردتش، كتمت نفسي عشان متسمعش صوت بكايا. كملت هي بنبرة أعلى شوية أخوكي اللي بتستقوي بيه ده، لو جه هنا وحاول يعمل راجل، أحمد مش هيحله، وهنلبسه قضية تهجم وسرقة ونرميه في الحجز جنب أختك. البيت ده له حرمة، وإنتي اللي بدأتي ومديتي إيدك على بنتي في بيتها.
صرخت من ورا الباب بحرقة ودموعي نازلة كالشلال بنتك اللي قفلت الشاشة في وشي وزقتني!
بنتك اللي كانت بتعاملني زي الشغالة! وابنك المحترم دخل بدل ما يحوش مسك العصاية ونزل عليا ضرب.. ضهري وارم ومعلم يا ظالمة، والله لأعمل فيكم محضر وأجرجركم في الأقسام.
ضحكت حماتي ضحكة صفرا هزت الممر، وقالت محضر؟ ومين هيصدقك يا عينيا؟ ما إنتي جوة شقتنا، ومحدش شاف حاجة، وبنتي وشها مخربش، يعني لو على المحاضر إحنا اللي نقدر نسبق ونعمل فيكي تقرير طبي إنك اللي اتهجمتي عليها، وساعتها ابننا اللي برة ده أول واحد هيبعت ورقة طلاقك في ظرف ويسيبك تلفي حوالين نفسك.
الكلمة نزلت على دماغي زي المطرقة.. جوزي! مصطفى اللي وثقت فيه وسبت أهلي وشقتي عشانه، بقى السلاح اللي بيهددوني بيه.
الصوت اختفى من ورا الباب، ورجع الهدوء القاتل يعم الشقة تاني، بس أنا كنت عارفة إن ده مش هدوء أمان، ده هدوء المتربص اللي مستني الفريسة تستسلم.
رجعت سريري، قعدت وأنا باصة للسقف. شريط السنتين اللي عشتهم مع مصطفى بدأ يمر قدام عيني؛ افتكرت يوم ما اتقدملي، كان راسم دور الملاك، الراجل الطيب الغلبان اللي مالوش غير شغله وبيته. افتكرت شقتنا الإيجار البسيطة اللي فرشناها حتة حتة على قد إيدينا، كنت راضية باللقمة الناشفة وبقول بكرة ربنا يفرجها. لحد ما ربنا فتحها عليه وجاله عقد العمل في السعودية.. يومها زغردت وفرحت وافتكرت إن باب الفرج اتفتح، مكنتش أعرف إنه فتحلي باب القبر.
أول ما مسك القرشين في إيده، اتغير. بدأت أمه تزن عليه ليه تدفع إيجار كل شهر لشقة غريبة وإنت مسافر ومراتك قاعدة لوحدها؟ ما توفر الفلوس وتيجي تقعد في شقتنا، تونسنا وتخدمنا والقرشين يبقوا لأولادكم بعدين.
ومصطفى، كعادته، مبيكسرش كلمة لأمه، جه وضغط عليا وقالي عشان خاطري، ده مؤقتاً لحد ما أرجع في أول إجازة ونشتري شقة تمليك. صدقته.. ووافقت، ومن يومها وأنا عايشة في كابوس.
أخته نورا كانت مطلقة وراجعة تعيش مع أمها، شايفة فيا كل حاجة هي خسرتها؛ كرهها ليا كان غير مبرر، كانت تطلب مني أغسل هدومها بالاسم، ولو اتأخرت في فنجان قهوة لحماتي تسمعني كلام يسم البدن. ومصطفى لما كنت أشتكيله في التليفون كان يقولي معلش يا شيماء، استحملي عشان خاطري، دول أهلي برضه، بلاش مشاكل عشان أعرف أركز في شغلي. كان بيموتني بالبطيء بكلامه ده.
الوقت كان بيعدي، والساعة دقت أربعة ونص، آذان الفجر بدأ يتردد من الجامع اللي في آخر الشارع.. صوت الشيخ كان بيطمن القلوب الخايفة، بس قلبي كان بيعتصره الرعب.
فجأة، تليفوني نور.. بصيت لقيت الشاشة بتنور برقم مصطفى الدولي!
اتنفست بارتياح للحظة، قلت لنفسي أكيد حس بيا، أكيد ربنا ألهمه يتصل عشان ينجدني، فتحت الخط بسرعة ولسه هقول الحقني يا مصطفى، أهلك كسروني، لقيت صوته طالع زي الرصاص، قاطعني من غير حتى ما يقول سلام عليكم إنتي اتهبلتي يا بت ولا إيه الحكاية في نافوخك بالضبط؟.
اتصدمت، بلعت ريقي بصعوبة وقلت مصطفى.. إنت مش عارف إيه اللي حصل، أخوك ضربني بعصاية... أخويا راجل وبيحمي أخته وبيته!.. صرخ في التليفون لدرجة ودني وجعتني.. أمي اتصلت بيا من شوية منهارة، قالتلي إنك اتطاولتي على نورا وقطعتي هدومها، ولما أحمد دخل يحوش اتطاولتي عليه وقلتي أدبك، ده إنتي فاجرة وصوتك طالع لآخر الشارع!.
الدموع خانتني وبقيت أشهق إنت بتصدقهم عليا؟ إنت عارفني وعارف أخلاقي، أنا اللي اتضربت وضهري وارم ومحبوسة في الأوضة وخايفة أخرج، هما اللي متبلين عليا يا مصطفى، افتح كاميرا وأوريك ضهري معمول فيه إيه!. مش فاتح زفت، ولا عايز أشوف حاجة!.. رده كان فيه قسوة تقطع القلب.. أنا ماليش غير أهلي، وكرامة أمي وأختي من كرامتي. إنتي لو فكرتي تعتبي برة باب الشقة دي قبل ما تعتذري لأمي راس نورا،
هطلقك بالثلاثة وهسيبك في الشارع، وأخوكي اللي باعتاله يستقوى بيا ده، لو حط رجله في البيت، أحمد مجهزله رجالة الحارة ومش
هيطلع منها سليم! فاهمة ولا لأ؟.
وقبل ما أنطق بحرف، قفل السكة في وشي.
اللحظة دي كانت هي النقطة الفاصلة.. عارفين الإحساس لما تموت من جواك فتفقد الخوف من أي حاجة برة؟ أنا وصلت للمرحلة دي بالظبط. وجع ضهري مبقاش يفرق، خوفي من أحمد راح، كل حاجة اتبخرت وما فضلش غير غضب أعمى وكرامة مهدورة. الراجل اللي كنت شايلاه في عيني وعايشة عشان خاطره رماني عشان يرضي كبرياء أهله الباطل.
مسحت دموعي بكم بيجامتي بعنف. مفيش عياط تاني، مفيش استسلام.
وقفت على حيلي، الوجع كان لسه بيمزع في ضهري، بس القوة اللي نزلت عليا فجأة خلتني قادرة أتحرك. مشيت نحية مراية الدولاب، رفعت التيشرت وبصيت في الانعكاس.. كان فيه كدمة زرقا مايلة للسواد واخدة نص ضهري بالعرض، مع جروح سطحية من الخشب الخشن بتاع العصاية. طلعت التليفون، شغلت الكاميرا، وخدت كذا صورة وفيديو واضحة جداً للعلامات والضرب، وصورت وشي والدموع والبهدلة. الصور دي كانت سلاحي الوحيد اللي محدش هيقدر ينكره.
بعتت الصور دي فورا على الواتساب لمحمد أخويا، ورجعت بعتتهم على إيميل الشغل بتاعي عشان لو الموبايل اتكسر أو اتمسح منه حاجة تفضل الأدلة موجودة على الإيميل ومحدش يقدر يوصلها.
الساعة بقت خمسة وربع، النور بدأ يشقشق من ورا الستارة، وبدأت أسمع حركة في الشارع تحت؛ عربيات الفول، عمال اليومية، والناس اللي رايحة أشغالها. صوت الحياة برة فكرني إني مش لوحدي في الدنيا، وإن اللي جوة الشقة دول مجرد شوية بلطجية مستقويين على ست في أوضة مقفولة.
فجأة، تليفوني رن تاني.. كان محمد أخويا!
فتحت الخط، سمعت صوت أنفاسه عالية وصوت موتور عربية بيجري شيماء! إنتي بخير؟ إيه الصور دي يا نهار أسود ومنيل! مين اللي مد إيده عليكي كده؟. أحمد يا محمد.. وأمه حابساني، ومصطفى اتصل بيا يهددني بالطلاق لو فتحت بوقي. والله ما هسيبهم، والله لأدفعه تمن كل كدمة في جسمك!.. صوت محمد كان بيترج من الغضب الشديد.. أنا في الطريق ومعايا خالي سالم وعمي رجب، إحنا على الدائري أهو وقدامنا ربع ساعة بالكتير ونكون تحت العمارة.
اقفلي على نفسك ومتفتحيش لحد نهائي.
محمد.... قلتله بصوت هادي غير عادتي.. هما محضرين رجالة في الحارة عشان أحمد كان عامل حسابه إنك جاي لوحدك، خلي بالك ومتنزلش من العربية إلا وإنت متأكد إن الناس حواليك. سيبك من أحمد ومن الحارة كلها، ربع ساعة وتلاقيني فوق.
قفلت مع محمد، حسيت بشوية أمان، بس في نفس الوقت الخوف من الدم اللي ممكن يسيل كان مرعب. خالي سالم وعمي ناس شداد، ومحمد دمه حامي ومبيقبلش الضيم، والموضوع كده هيتحول لمجزرة، وأنا مش عايزة أخويا يضيع مستقبله عشان حتة بلطجي زي أحمد.
فكرت بسرعة.. الحل الوحيد إني أخرج من الشقة دي قبل ما محمد يوصل، أخرج وأروح على القسم برجلي، ساعتها البوليس هو اللي هيجي يلمهم كلهم، ومحمد مش هيتورط في خناقة.
بس إزاي أخرج؟
رجعت بصيت على الشباك اللي بيبص على المنور.. مفيش فايدة، مش هنزل هناك، ده فخ. بصيت على باب الأوضة، كان في حركة برة، صوت حماتي وهي بتوزع التعليمات على نورا جهزي الشاي واقعدي في الصالة، وأخوكي نزل تحت عند ورشة عمك رمضان، مظبط كام راجل عشان لو حد جه من طرفها.. إحنا هنا في حتتنا ومحدش يقدر يدوسلنا على طرف.
يعني أحمد مش جوة الشقة دلوقتي! أحمد نزل تحت في الشارع!
دي كانت فرصتي.. حماتي وبنتها بس هما اللي جوة. اتنين ستات، واحدة عجوزة والتانية جبانة وبتستقوى بأخوها.
قلبي بدأ يدق بسرعة، مشيت لحد التسريحة، خدت شنطة إيدي، حطيت فيها بطاقتي، شهادة ميلادي، دهبي اللي كنت حاطاه في علبة صغيرة، وفلوس بسيطة كنت شايلاها على جنب. شلت الموبايل في جيبي الداخلي وقفلته عشان ميرنش في لحظة حرجة.
بصيت حواليا في الأوضة، كنت محتاجة أي حاجة أدافع بيها عن نفسي لو اعترضوا طريقي. عيني جت على فازة كريستال تقيلة كانت محطوطة على الكومودينو، مسكتها بإيدي اليمين وخبيتها ورا ضهري بطرف الإسدال اللي لبسته على عجل.
أخدت نفس عميق، استرجعت كل القوة اللي اتسلبت مني، وحطيت إيدي على كالون الباب.
فتحت الباب فجأة وبقوة، لدرجة إنه خبط في الحيطة وعمل صوت عالي!
حماتي ونورا اتفاجئوا ووقفوا في الصالة، نورا كانت ماسكة مج الشاي واتخضت لحد ما الشاي ادلق على الترابيزة. حماتي بصتلي بذهول، وقالت وهي بتتقدم ناحيتي بعصبية إنتي خارجة رايحة فين يا مقصوفة الرقبة؟ مش قلتلك مالكيش خروج من هنا؟ ادخلي جوة بدل ما أنده لأحمد يكمل عليكي!.
مشيت بخطوات سريعة وثابتة ناحية باب الشقة من غير ما أنطق بكلمة، نظرة عيني كانت كفيلة تخليهم يترددوا للحظة.
بس نورا حاولت تستعرض شجاعتها، جريت ووقفت قدام باب الشقة وسدت السكة بجسمها، وقالت بصوت مليان حقد على جثتي لو عديتي من هنا، ده إنتي ليلتك مش هتعدي يا شيماء!.
رفعت إيدي بالفازة الكريستال ووجهتها لوشها مباشرة، وقلت بصوت حاد وواطي زي حد السيف ابعدي عن الباب يا نورا.. أقسم بالله العظيم، لو لمستي طرف هدومي لهكون قالباها في دماغك، وساعتها مش أحمد اللي هيلحقك، إسعاف القصر العيني هي اللي هتيجي تلمك.
نورا شافت الشرار اللي في عيني، شافت إني مبقتش البنت الغلبانة المستكينة اللي
بتسكت على الإهانة. وشها اصفر ورجعت خطوة لورا بخوف حقيقي. حماتي اتخضت وقالت بصريخ إنتي اتجننتي يا بت؟ هترفعي إيدك على بنتي قدامي؟.
استغليت اللحظة دي، مديت إيدي الشمال وفتحت كالون باب الشقة وسحبته لبرة. الهوا بتاع بير السلم لفح وشي، كان ريحته حرية بعد ليلة من الحبس والذل.
خرجت وجريت على السلم بأقصى سرعة أقدر عليها، الوجع في ضهري كان بيموتني، كل خطوة على الدرج كانت بتسمع في عمودي الفقري زي السكاكين، بس الأدرينالين اللي في دمي كان مخليني مش حاسة بحاجة غير الرغبة في النجاة.
من ورايا، سمعت صوت حماتي وهي طالعة على السلم وبتصرخ من البلكونة اللي بتبص على الشارع أحمد!
الحق يا أحمد! البت هربت! امسكها يا ابني متخليهاش تخرج من الحارة!.
نزلت الدور التالت، التاني، الأول.. ووصلت لمدخل العمارة. وقفت ورا البوابة الحديد لثانية أستكشف الشارع..
كانت الساعة داخلة على ستة الصبح، الشارع لسه هادي والناس فيه قليلة. على بعد عشرين متر، عند ورشة الميكانيكا، كان أحمد سلفي واقف مع تلاتة من شباب الحارة، بيشربوا شاي ومعاهم عصيان وشوم مستخبية ورا الكراسي. أول ما سمع صوت أمه بتزعق من فوق، لف راسه بسرعة وبص ناحية مدخل العمارة.
عينه جت في عيني للمرة التانية، بس المرة دي مكنتش متشعلقة في شباك.. المرة دي كنت على الأرض، والمسافة بيني وبين الشارع العمومي اللي فيه النجدة كانت يادوبك مية متر.
أحمد صرخ في الشباب اللي معاه امسكوها! متخلوهاش توصل للشارع الرئيسي!.
طلعت أجري بكل ما فيا من عزم، صرخاتهم ورايا كانت بترن في الحارة، وصوت خطواتهم السريعة وهي بتدق على الأسفلت كانت بتقرب مني زي الكابوس. كنت بجري وأنا حاطة إيدي على ضهري اللي بينزف وجع، وحاطة الأمل كله في إني ألمح عربية أخويا أو أوصل لأقرب نقطة شرطة.
وصلت لأول الحارة، ولسه بلف عشان أدخل الشارع الرئيسي، لقيت إيد خشنة مسكتني من كتفي بقوة وشدتني لورا بعنف خلتني أقع على الأرض، ورجعت علامة الضرب تتخبط في الرصيف!
رفعت راسي وأنا بصرخ، لقيت أحمد، عيونه بتبخ سم، ومسكني من طرحتي وهو بيجرني على الأرض وبيقول بصوت مرعب إنتي فاكرة نفسك هتعرفي تفلتي مني؟ تعاليلي هنا بقى عشان أعلمك الأدب اللي نسيتي تتعلميه في بيت أبوكي!.
وفي نفس اللحظة دي بالظبط، سمعت صوت فرامل عربية بتصرخ على الأسفلت، ونزل منها تلات رجالة بيجروا زي الوحوش.. بس اللي صدمني مكنش وصول أخويا، اللي صدمني كان الراجل الرابع اللي نزل من الباب اللي ورا، راجل مكنتش متوقعة أشوفه نهائي في المشهد ده، ومكنش المفروض يكون موجود في مصر أصلاً في الوقت ده!
يتبع
الراجل اللي نزل من الباب اللي ورا كان مصطفى جوزي!
عقلي اتشل للحظات، مكنتش قادرة أستوعب إزاي ده واقف قدامي بلحمه ودمه.
مصطفى المفروض مسافر بقاله شهور وميعاد إجازته بعد سنة، إيه اللي نزله مصر في التوقيت ده بالذات؟ كان وشه شاحب، لابس قميص وبنطلون باين عليهم بهدلة السفر وسهر الليل، ومعاه شنطة يد صغيرة رماها على الأرض أول ما رجله لمست الأسفلت.
أحمد أول ما شاف مصطفى داخل عليه ومعاه محمد أخويا وخالي سالم وعمي رجب، إيده فلتت من على طرحتي ببطء، وعينيه برقت بذهول مش مصدق اللي بيحصل. الشارع كله اتقلب في ثواني، صوت الفرامل مع الرزع على الأبواب وصريخ الناس في الحارة خلى بلكونات البيوت تتفتح كلها، والستاير تترفع عشان يتفرجوا على الفضيحة اللي حماتي كانت مرعوبة منها.
محمد أخويا مأداش لأحمد فرصة يستوعب الصدمة؛ جه زي الإعصار ووجهله لكمة في فكه طيرته على الرصيف قدام ورشة الميكانيكا، وصرخ بصوت زلزل الحارة إنت بتمد إيدك على أختي وبتجرجرها في الشارع يا واطي؟ ده أنا هخليك تشحت كرامتك من على الأرض!.
الشباب اللي كانوا واقفين مع أحمد ومعاهم الشوم حاولوا يتدخلوا عشان يعملوا معركة، بس عمي رجب وخالي سالم وقفوا قدامهم زي الجبال. عمي رجب راجل كبير وهيبته تخرس عشرة، شاور بإيده وقال بصوت جهوري ولا حركة منك له!
اللي هيحط صباعه في المشكلة دي هيتحبس بتهمة شروع في قتل ومشاركة في بلطجة، البوليس مبلّغينه وعلى وصول، ومحدش فيكم يبلّط على حساب ولاد الشوارع دول!.
الشباب لما لقوا خالي وعمي مصممين، ولما شافوا منظر مصطفى وعربية التاكسي اللي وراهم باين إنها جاية من المطار، رجعوا خطوتين لورا وركنوا شومهم على الحيطة وفضلوا يراقبوا من بعيد؛ محدش منهم كان مستعد يتحبس عشان خاطر أحمد وأمه.
أنا كنت لسه واقعة على الأرض، هدومي متبهدلة تراب وطرحتي مفكوكة، وضهري حاسة إنه مكسور نصين من شدة الخبطة على الرصيف. بصيت لمصطفى بدموع مغرقة وشي، كنت مستنية أشوف هيعمل إيه، هيثبت إنه راجل ويقف مع الحق، ولا هيفضل الكائن اللي صدق أمه وقفل السكة في وشي من شوية؟
مصطفى فضل باصص عليا وأنا مرمية في الأرض، عينيه كانت بتتحرك ما بين وشي المتبهدل وبين أخوه اللي واقع تحت رجل محمد وعمال يتلوى. وفجأة، لقيت مصطفى بيقرب مني بخطوات سريعة، وطى على ركبه في التراب ومسك كتافي بإيدين بترتعش، صوته كان طالع مخنوق ومكسور شيماء.. إنتي كويسة؟ إيه اللي عمل فيكي كده؟.
زقيته بكل ما فيا من غيظ ووجع، صرخت في وشه والحرقة بتكوي في صدري ابعد عني! متلمسنيش! مش إنت اللي قلتلي من ساعتين على التليفون مالكيش خروج وهرميكي في الشارع وهطلقك بالثلاثة؟ مش إنت اللي صدقت كلام أمك وأختك وقلتلي أخوك راجل وبيحمي بيته؟ جاي دلوقتي تعمل عليا الحنين؟ إنت أرخص واحد فيهم يا مصطفى، إنت اللي رمتني هنا وسافرت وسبتهم يكسروني!.
مصطفى وشه اصفر ونزل راسه في الأرض وهو بيتنهد بألم، ومحمد أخويا شده من لياقة قميصه بقسوة وقال له سيبها متلمسهاش!
ده بدل ما تستر مراتك وتصونها في غيابك، مسيب عليها شوية كلاب يضربوها بالعصيان؟ لو فاكر إنك راجل عشان جيت من المطار، فإنت غلطان.. حق أختي أنا اللي هاخده بالقانون وبإيدي!.
مصطفى رفع إيده باستسلام لمحمد وقال بنبرة مكسورة اسمعني بس يا محمد.. اسمعني عشان تفهم. أنا مانزلتش عشان كلام أمي في التليفون.. أنا كنت في الطيارة أصلاً من امبارح العصر!.
الكل سكت للحظة، وبصينا له بعدم استيعاب. كمل مصطفى وهو باصص في الأرض أنا نزلت إجازة مفاجئة، كنت ناوي أعملهالك مفاجأة يا شيماء.. مكنتش قايل لأمي ولا لأي حد عشان أفرحك وأجيبلك الشقة التمليك اللي وعدتك بيها. أول ما طيارتي نزلت المطار بعد نص الليل وفتحت تليفوني المصري، لقيت رنات كتير ورسايل، وأول ما كلمت أمي لقيتها بتصرخ وبتقولي شيماء اتهجمت علينا وبتعمل وبتسوي.
. أنا اتصدمت واتعميت وكلمتك وأنا في التاكسي من غير ما أفكر، بس لما قفلتي وشوفت الشات عندك لقيتك باعتالي رسايل وصور.. بس أنتي مبعتيليش أنا، أنتي بعتيهم لمحمد، ومحمد هو اللي اتصل بيا ووراني الحقيقة.
محمد خفف قبضته على قميص مصطفى وقال بصوت ناشف أول ما شيماء بعتتلي صور ضهرها الفجر، اتصلت بيه وهو كان لسه خارج من المطار، قولتله افتح الواتساب وشوف أهلك بيعملوا إيه في مراتك اللي أمنتها في رقبتهم، وجيت أخدته في سكتي من على أول طريق المطار عشان يشوف الخيابة والندالة بعينيه!.
في اللحظة دي، سمعنا صريخ حماتي ونورا نازلين على السلم زي المجانين، حماتي كانت بتلطم على خدودها بنفاق أول ما شافت ابنها الكبير واقف في الشارع يا مصطفى! يا حبة عيني! شوفت مراتك جابتلنا مين عشان يضربوا أخوك؟ شوفت قليلة الأصل فضحانا في المنطقة إزاي؟ ضربت أختك وكسرت الشاشة وخربشت وشها، ولما أحمد دخل يحوش، رمت نفسها على الأرض وجابت أهلها يتبلوا علينا!.
نورا كمان جريت وقفت جنب أمها وعاملة نفسها بتعيط شوفت يا مصطفى؟ شتمتني ومدت إيدها عليا في بيتنا، وخلت أخوها يضرب أحمد ابن بطنك!
ده يرضي ربنا ده؟.
أحمد كان قام وقف وسند على عربية جنبه، وشه متورم من ضربة
محمد، وقال بصوت خشن مراتك دي فاجرة وماتنفعش تلزمك يا مصطفى، دي كانت بتجري في الشارع زي الهربانة عشان تروح القسم تفضحنا!.
مصطفى بص لأمه وأخته ونظراته كانت بتتحول من الحزن لغضب جارف، غضب راجل اكتشف إنه كان عايش في كدبة سنين طويلة، وإنه كان مأمن أفاعي على بيته ومراته. مشي خطوات بطيئة ناحية أمه، وقال بصوت واطي بس يرعب يعني هي اللي ضربت نورا؟ وهي اللي رمت نفسها على الأرض؟.
حماتي ردت بسرعة أيوا يا ابني، دي شيطانة وعايزة تفرق بينك وبين لحمك ودمك!.
مصطفى طلع تليفونه من جيبه، وفتح الشاشة ووجهها لوش أمه وأخته.. كانت الصورة اللي أنا بعتتها لمحمد، والكدمة الزرقا السودة العريضة اللي واخدة ضهري كله. صرخ مصطفى بأعلى حسه لدرجة إن صوته شرخ ودي إيه دي يا أمي؟ دي خربوش قطة؟ ده شغل حوشة بالراحة؟ دي خبطة عصاية مقشة خشب مسحوبة بكل غل وقوة من راجل بجتة بيهجم على ولية مالهاش ضهر! ده اللي وصيتكم عليها؟ دي الأمانة اللي سيبتهالكم تصونوها لحد ما أرجع؟.
حماتي بلعت ريقها واتلجمت، وشها جاب ألوان ومقدرتش تنطق. بص لنورا وقال بقرف عشان طفت التلفزيون؟ عشان مش عارفة تنامي يا هانم بعد ما خلتوها تخدمكم ليل ونهار زي الخدامة؟ نسيتي لما كنتي بتطلبي مني فلوس كل شهر وأنا برة عشان أجهزك بعد طلاقك، ومين اللي كانت بتقولي ابعت لأختك دي مكسورة الجناح؟
شيماء اللي كنتي بتعامليها بالوساخة دي هي اللي كانت بتدافع عنك!.
لف مصطفى لأحمد أخوه، وقرب منه لحد ما بقى وشه في وش أحمد، وضربه قلم طرقع في سكون الصبحية، قلم خلى أحمد يلف وشه في الأرض من الخزي إنت تمد إيدك على مراتي يا أحمد؟ تضربها على ضهرها؟ إنت مش راجل، لو راجل مكنتش استقويت على ست في بيت مقفول عليها! عيب الشنب اللي في وشك، ده إنت خسارة فيك اسم عيلتنا!.
في عز الزفة دي، سمعنا سارينة البوليس بتقرب.. عربية النجدة دخلت الحارة ووقفت قدام باب العمارة، ونزل منها أمين شرطة وظابط برتبة نقيب ومعاهم عسكريين.
الظابط بص للمشهد والشارع المتجمع والناس اللي واقفة، وقال بصوت حازم فيه إيه هنا؟ مين اللي متصل بالنجدة ومقدم بلاغ تعدي واحتجاز؟.
خالي سالم شاور عليا وقال بوقار إحنا يا فندم.. بنتنا اتهجموا عليها بالضرب وحبسوها في الشقة طول الليل عشان يمنعوها تروح تعمل محضر، وده سِلفها ضربها على ضهرها بالعصاية ومعانا الصور والشهود.
الظابط بص عليا، شاف حالتي والتراب اللي في هدومي ووشي المتبهدل، وبص لأحمد اللي وشه متورم، وقال بصرامة كله على البوكس.. مفيش كلام هنا، البنت تطلع فورا على المستشفى مع دورية عشان يتعملها تقرير طبي شامل للإصابات اللي فيها، والباقي كله يحصلنا على القسم!.
حماتي أول ما سمعت كلمة البوكس والقسم، رجليها سابت وقعدت في الأرض تصوت يا مصيبة سودة! بوليس في حارتنا؟ هناخد ولادي في البوكس قدام الجيران يا فضيحتنا وسط الناس! ابوس إيدك يا بيه ولادي ملهمش دعوة، دي مشاكل عائلية وهنحلها بالود!
.
نورا جريت على الظابط بتترجاه، وأحمد كان واقف وراسه في الأرض والكلابشات بتتحط في إيديه وهو باصص للشارع بخزي بعد ما كان فاكر نفسه فتوة الحارة.
الظابط مبصش لولولة حماتي وقال للعسكري ركبهم كلهم فوراً.. والمدام تطلع مع أمين الشرطة على أقرب مستشفى عام عشان التقرير الطبي، والزوج يجي مع أهله في عربية تانية.
مصطفى حاول يقرب مني ويسندني عشان أركب عربية الشرطة، بس محمد أخويا حط إيده في صدره ومنعه متحطش إيدك عليها يا مصطفى.. دورك خلص خلاص، القانون هو اللي هيحكم بينا.
روحنا المستشفى، وهناك الدكتور كشف عليا وعملي أشعة على العمود الفقري عشان يتأكد إن مفيش شروخ في العضم، والحمد لله طلع سليم بس التقرير اتكتب فيه كدمات شديدة وتهتك في الأنسجة السطحية ونزيف تحت الجلد بالظهر والكتفين ناتج عن الاعتداء بآلة راضة خشبية، مع كدمات بالمعصمين ناتجة عن السحل والاحتجاز، ومدة العلاج تزيد عن واحد وعشرين يوماً.
التقرير ده بالذات كان مسمار في نعش أحمد، لأن مدة علاج أكتر من 21 يوم بتحول القضية من مجرد جنحة ضرب بسيطة لجناية أو جنحة مشددة تستوجب الحبس الإجباري وتحويله للنيابة!
رجعنا على القسم والنهار كان طلع تماماً، قعدنا في مكتب التحقيقات قدام وكيل النيابة المساعد. أحمد كان قاعد في الكلبش متبهدل، وحماتي ونورا قاعدين على دكة خشب برة المكتب بيبكوا ويندبوا حظهم بعد ما سمعوا نص كلام التقرير الطبي وعرفوا إن أحمد مش هيخرج بكفالة النهاردة ورايح على الحجز.
مصطفى دخل مع المحامي بتاعه، كان باين عليه إنه مش قادر يبص في عيني، قعد قدامي في الاستراحة وقال بصوت مهزوم شيماء.. أنا عارف إني غلطت، عارف إني رمتك في النار وكنت أعمى.. بس عشان خاطري، بلاش تحبسي أحمد، أهلي هيتدمروا وأمي مش حمل الصدمة دي، أحمد عنده شغل ومستقبله هيضيع في السجن.
بصيت له بكل برود، نظرة خلت كل كلمة في حلقة تقف، وقلت له ومستقبلي أنا؟ وجسمي اللي اتعلم عليه بالعصاية زي البهايم؟
وكرامتي اللي اتمرغت في تراب الحارة وأنا بتجرجر من طرحتي؟ دول مكنش ليهم تمن عندك؟ لما كنت بتصل بيك أستنجد بيك وقولتلي مش
عايز أسمع صوتك وأخويا راجل، كنت ناسي ساعتها إن ليا كرامة؟ أحمد هيدخل السجن وهيتحاكم، وحماتك وأختك هاخد ضدهم عدم تعرض ومحضر رسمي عشان يعرفوا مقامهم كويس.
طب وأنا يا شيماء؟ أنا نزلت عشانك.. أنا شاري وعايز أصلح كل حاجة.
ابتسمت بسخرية ووجع إنت خلاص يا مصطفى.. الراجل اللي يبيع مراته بكلمتين من أمه في التليفون، والراجل اللي يرميني في بيت ماليش فيه أمان، ميبقاش راجل يلزمني ولا يستاهل أعيش معاه ثانية واحدة. اللي بينا خلص من اللحظة اللي قفلت فيها السكة في وشي وأنا بنهار جوة الأوضة المقفولة.
طلعت من جيبي علبة الدهب وبطاقتي، حطيتهم في شنطتي، وبصيت للمحامي بتاعي اللي محمد أخويا جابه يا أستاذ، سجل أقوالي.. مش هتنازل عن حقي في محضر الضرب والاعتجاز والتعذيب الجسدي، ومش هقبل أي صلح عرفي.
وكيل النيابة استدعاني، دخلت ومعايا محمد وخالي، حكيت كل كلمة حصلت من أول ما قفلت نورا الشاشة لحد ما أحمد ضربني بالعصاية، وقدمت الصور اللي في التليفون وفيديوهات التسجيل اللي حماتي كانت بتزعق فيها ورا الباب وبتهددني بكسر رجلي لو خرجت، والتسجيل ده كان الدليل القاطع على تهمة الاحتجاز غير القانوني.
النيابة أصدرت قرارها بعد الضهر حبس المتهم أحمد أربعة أيام على ذمة التحقيقات بتهمة الضرب وإحداث عاهة محتملة واحتجاز مواطنة دون وجه حق، واستدعاء كلاً من الأم والابنة نورا لأخذ أقوالهم في تهمة التحريض والمشاركة في الاحتجاز، وعرض الشاكية على الطب الشرعي لإعداد تقرير نهائي.
لما أحمد خرج من أوضة التحقيق ورايح على الحبس، حماتي رمت نفسها تحت رجليه وهي بتصرخ ابني! هيضيع مني يا مصطفى! اتصرف يا ابني، خلي مراتك تتنازل!.
حماتي لفت عليا ودموعها نازلة من غير تمثيل المرة دي، مسكت في كم عبايتي وقالت بصوت مكسور أبوس إيدك يا شيماء.. أبوس رجلك يا بنتي، بلاش تخربي بيتنا وتضيعي مستقبل أحمد، حقك عليا أنا، تعالي اضربيني أنا واعملي اللي يريحك بس فكي رقبة ابني من الحبس!.
شيلت إيدها من عليا بهدوء وقوة، وبصيت في عينيها اللي كانت بتبخ سم من كام ساعة بس إنتي كنتي بتقوليلي بالليل مين هيصدقك وإحنا اللي نقدر نلبسك قضية.
. ربنا هو اللي صدقني، والقانون هو اللي جابلي حقي. أحمد هيدوق طعم القفلة اللي قفلتوها عليا، وهيتحاسب على كل ضربة ضربهالي.
خرجت من القسم مسنودة على دراع أخويا محمد، وخالي وعمي ماشيين في ضهري.. الشمس كانت مالية الشارع وهوا الضهرية بينعش روحي. كنت لسه بتألم من ضهري وكتفي، وهحتاج علاج وراحة أسابيع عشان جسمي يتعافى، بس من جوايا كنت حاسة إني طايرة، حاسة إن روحي رجعتلي وإن كرامتي اتغسلت ورفعت راسي وسط الدنيا كلها.
مصطفى فضل واقف على باب القسم مكسور، عينه متبتانة في الأرض ومش قادر يرفعها في حد. بعد أسبوعين من القضية، ومع ضغط المحامين والقضايا، رفعت قضية طلاق للضرر وأخدت كل حقوقي ومؤخري وقايمتي كاملة مكملة بحكم محكمة، ومصطفى مقدرش ينطق بحرف قدام القاضي، طلقني رسمي وهو معترف إنه خسر كل حاجة.
أحمد أخد حكم بالحبس سنة مع الشغل والنفاذ، وبقى اسم عيلتهم عبرة في المنطقة كلها، ومحدش بقى قادر يرفع عينه في الشارع بعد ما كانت حماتي شايفة نفسها سيدة المنطقة اللي محدش يقدر يدوسلها على طرف.
روحت بيت أهلي، دخلت أوضتي القديمة اللي اتربيت فيها بين أمي وإخواتي، اتمددت على سريري وغمضت عيني، وأنا متأكدة إن الست لما تختار متسكتش على حقها وتاخده بالقانون، مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها.
. حتى لو كان اللي ضربها سِلفها، واللي اتخلى عنها جوزها.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق