في هذا المقال
سكريبت عريسى الطبيب كاملة
سكريبت عريسى الطبيب كاملة
القصة كاملة حلقت شعري على الزيرو عشان أهرب من العريس، وادعيت إني لسه مخلصة علاج كيماوي.. لكنه بص في وشي 3 دقايق، وبدأ يسألني أسئلة طبية خلتني أتجمد مكاني!
عشان أهرب من مقابلة العريس، حلقت شعري كله على الزيرو، وقلت له إني لسه مخلصة جلسات العلاج الكيماوي.
العريس فضل باصص لي بتركيز لمدة 3 دقايق كاملة، وبعدها طلع قلم من جيبه وسألني
اسم المستشفى اللي كنتِ بتتعالجي فيها إيه؟ وإيه البروتوكول العلاجي اللي مشيتي عليه؟ وآخر نتيجة لصورة الډم الكاملة كانت كام؟
اتجمدت مكاني، ومقدرتش أنطق بحرف!
وبعد نص ساعة، لقيت نفسي راكبة معاه في الطريق لمستشفى الأورام.
كنت فاكرة إن الڤضيحة اللي هتحصل لي هتخليني أتمنى الأرض تنشق وتبلعني.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما نتيجة التحاليل ظهرت، ولقيت ملامحه اتغيرت فجأة وهو بيبص في الورقة، وبعدها رفع عينيه ليا وقال بجدية
يا سلمى، إنتِ ممكن تكوني فعلًا عندك مشكلة صحية!
شكرًا على الدعوة الكريمة!
أنا حاليًا قاعدة في أوضة المستشفى، ورأسي بتلمع أكتر من اللمبة اللي فوقي، وقلبي أبرد من أكل المستشفى نفسه.
ولو الزمن رجع بيا ليوم واحد بس قبل مقابلة العريس، فأنا أقسم بالله العظيم إني عمري ما كنت هحلق شعري على الزيرو!
الحكاية بدأت لما أمي اشتركت في جروب اسمه عرايس وعرايس.. شباب وبنات المنطقة، وكان الجروب متخصص في التعارف والجواز.
في اليوم ده، كنت لسه راجعة من الشغل، وأول ما فتحت باب الشقة، سمعت أمي قاعدة في الصالة وبتبعت رسالة صوتية لواحدة من الستات في الجروب.
كانت بتقول بكل حماس
بنتي عندها 26 سنة، وشغلها مستقر، واجتماعية وډمها خفيف، بتاكل كويس وبتنام كويس وصحتها زي الفل، يعني تنفع تعيش مع أي حد وتستحمل ظروف الحياة.
أبويا، اللي كان قاعد جنبها، حب يشارك هو كمان في تسويق البضاعة، فقال بكل جدية
وكمان مش بتتشرط في الأكل، حتى لو لقت أكل بايت بتاكله ومبتقولش لأ!
دخلت الصالة وأنا ببص لهم بذهول، لكن أمي أول ما شافتني، عينيها لمعت وكأنها كانت مستنياني من الصبح.
قالت لي بحماس
يا سلمى، بكرة الساعة 12 الضهر هتخرجي تتغدي مع الدكتور يوسف.
بصيت لها ببرود وقلت
مش رايحة.
ردت بسرعة
ده دكتور يا بنتي!
لقيت نفسي بعاند أكتر وقلت
ما هو عشان دكتور مش رايحة! ده ممكن يبص لي بصّة واحدة ويكتشف عندي أمراض الدنيا كلها.
أمي بصت لي بغيظ وقالت
بطلي كلامك الفارغ ده! ده دكتور كبير، معاه
دكتوراه، وطوله متر وخمسة وتمانين، وعنده شقة، ومش بېدخن ولا بيشرب، وفوق كل ده شكله حلو.
هزيت راسي وقلت لها
خلاص يا ماما، متكمليش. كل ما تمدحي فيه أكتر، بحس إني مش قد المقام، وإن المفروض أروح أقابله وأنا لابسة بدلة رسمية وبقدم له شهادة حسن سير وسلوك!
أمي ضحكت بسخرية، وطلعت موبايلها وحطته قدام وشي.
كان مفتوح على المحادثة بينها وبين والدة الدكتور يوسف.
المصېبة إنهم كانوا حجزوا المطعم خلاص، وأمي كمان كانت باعتة لهم صورتي!
يعني الموضوع مخلص، وأنا آخر واحدة تعرف.
بالليل، دخلت أوضتي وقفلت الباب، واتصلت بصاحبتي المقربة، مريم.
أول ما ردت، قلت لها بصوت مليان يأس
يا مريم، بكرة عندي مقابلة عريس، وأنا مش عايزة أروح.
ردت بمنتهى البساطة
ارفُضي وخلاص.
قلت لها
مش هينفع! أمي حكت لهم كل حاجة عني، حتى إني عندي حساسية من حبوب اللقاح، ومبعرفش أهضم اللاكتوز! ناقص بس تبعت لهم تحليل البراز وتبقى كملت الملف الطبي.
سكتت مريم ثانيتين، وبعدها قالت بكل هدوء
طب مثّلي إنك مريضة.
بصيت لنفسي في المراية، وفضلت أتأمل شعري اللي كنت عاملاله كيرلي، لكنه طلع منفوش بطريقة كارثية، وفجأة لمعت في دماغي فكرة عبقرية!
قلت لها بحماس
أنا هحلق شعري على الزيرو!
مريم صړخت في التليفون
يا سلمى، إنتِ اټجننتي؟! إيه اللي دخل دماغك ده؟!
رديت بمنتهى الثقة
هعمل نفسي مريضة، وأقول له إني لسه مخلصة علاج كيماوي. أول ما يشوفني كده، أكيد هيتراجع لوحده، ومش هيبقى عنده نفس يكمل المقابلة.
مريم تنهدت وقالت
يا حبيبتي، أنا هسألك سؤال واحد بس… إنتِ عارفة إن العريس ده دكتور أورام، صح؟
قلت لها بكل ثقة
وعشان كده الخطة مضمونة! أنا بحثت على الإنترنت وعرفت أعمل إيه. هحلق شعري، وأحط كريم أساس يخلّي وشي شاحب، وألبس كاب، وكل شوية أكح كحتين بصوت ضعيف.
مريم سألتني وهي مش مصدقة
مين العبقري اللي كتب لك النصيحة دي؟
رديت بكل فخر
التعليقات تحت فيديو على تيك توك.
مريم سكتت تمامًا.
وأنا اعتبرت سكوتها ده موافقة ضمنية على الخطة!
تاني يوم الصبح، رحت للكوافير.
قعدت على الكرسي، وبصيت لنفسي في المراية، وقلت للكوافير
عايزة شعري على الزيرو خالص.
الكوافير بص لي من المراية وسألني
متأكدة يا فندم؟
قلت له بثبات
أيوه، متأكدة.
بعد عشرين دقيقة، كنت قاعدة ببص لنفسي في المراية، وشعري اختفى تمامًا.
أو بمعنى أصح، بقيت صلعاء رسمي!
مش عارفة أوصف لكم إحساسي وقتها إزاي.
قبل الحلاقة كنت موظفة عادية بتروح الشغل وترجع البيت، لكن بعدها بقيت حاسة إني فرد احتياطي في فرقة رهبان معبد شاولين، واخدة إجازة من التدريب وجاية تخلص مشوار سريع!
ومع ذلك، فضلت أقنع نفسي إن الټضحية دي تستاهل، وإنها هتخلصني من موضوع العريس نهائيًا.
وقت الضهر، وصلت المطعم.
أول ما الموظف شافني، حسيت إن أسلوبه اتغير فجأة، وبقى بيتعامل معايا باهتمام زيادة عن اللزوم، وكأنه خاېف أطلب المدير أو أشتكي من الخدمة.
قعدت على الترابيزة وأنا لابسة الكاب، ومجهزة وشي الشاحب، ومستنية اللحظة اللي هعلن فيها عن مرضي المزعوم.
الساعة بقت 12 بالظبط، وفجأة دخل راجل من باب المطعم.
كان طويل، ولبسه شيك، وملامحه هادية، ومشي لحد ما وقف قدام ترابيزتي وسألني
حضرتك سلمى؟
كحيت كحة خفيفة، وقلت بصوت واطي
أيوه، أنا.
قعد قدامي، وبدأ يبص لي من وشي لحد حافة الكاب اللي على رأسي.
أنا فورًا نزلت عيني للأرض، وحاولت أبان مرهقة، وقلت
أنا آسفة، بس صحتي الفترة الأخيرة مش أحسن حاجة.
سألني بجدية
تعبانة من إيه؟
قلبي فرح من جواه!
أهو ده اللي أنا عايزاه بالظبط. هقول له إني مريضة، وهو هيعتذر بأدب، وكل واحد يروح لحاله، ونعيش كلنا في سلام.
وطيت صوتي أكتر وقلت
بصراحة، أنا أصلًا مكنش ينفع أوافق على مقابلة النهارده. أنا خاېفة أضيّع وقتك وأظلمك معايا.
سألني
ليه؟
أخدت نفسًا عميقًا، وبدأت أنفذ الخطة.
ببطء شديد، رفعت إيدي وخلعت الكاب من على رأسي.
بص لي الدكتور يوسف، وفضل مركز معايا كام ثانية من غير ما يتكلم.
وبعدين سألني
شعرك وقع بسبب العلاج الكيماوي؟
هزيت راسي وقلت
أيوه.
ملامحه اتغيرت فورًا، وبص لي بتركيز أكبر، وبعدها سألني
عندك أنهي نوع من السړطان؟
كنت محضرة الإجابة دي كويس، فقلت بسرعة
سړطان الډم.
وفجأة، الدكتور يوسف طلع قلم من جيبه، وبدأ يسألني مجموعة أسئلة ورا بعض
كنتِ بتتعالجي في أنهي مستشفى؟ ومين الدكتور اللي كان متابع حالتك؟ ومشيتي على أنهي بروتوكول علاجي؟ وآخر نتيجة لصورة الډم الكاملة كانت كام؟
في اللحظة دي، دماغي فضيت تمامًا.
أنا كنت عاملة حسابي على سؤال أو اتنين بالكتير، لكن واضح إن فيديو تيك توك نسي يشرح لي الجزء ده!
اتلخبطت وقلت
أنا… مش فاكرة الأرقام بالظبط.
بص لي باستغراب وقال
إنتِ بتقولي إن عندك سړطان ډم، ومش فاكرة حتى اسم البروتوكول العلاجي اللي كنتِ ماشية عليه؟
حاولت أطلع بأي حجة تنقذني، فقلت
أنا لما
بتوتر بنسى كل حاجة.
مد إيده ناحيتي، وأنا رجعت بجسمي لورا بسرعة وسألته پخوف
إنت بتعمل إيه؟
قال بمنتهى الجدية
عايز
أشوف دراعك، وأتأكد إذا كان فيه نقط ڼزيف تحت الجلد أو علامات ڼزيف بسيطة.
خبّيت إيدي تحت الترابيزة بسرعة وقلت
مفيش داعي، أنا حاليًا كويسة جدًا، والله!
كنت خلاص هغيّر الموضوع، وأسأله عن شغله أو هواياته أو أي حاجة تنقذني من الکاړثة دي، لكن في اللحظة نفسها، موبايله رن.
رد على المكالمة وقال
أيوه، أنا قريب من المكان. تمام، أنا جاي حالًا.
قفل التليفون وقام من مكانه.
أنا طلعت نفسًا طويلًا من الراحة، وقلت لنفسي إن المقابلة انتهت أخيرًا، وإنه غالبًا عنده شغل طارئ، وهيمشي ويسيبني أرجع بيتي وأدفن نفسي تحت البطانية من الإحراج.
لكن في الثانية التالية، بص لي وقال
تعالي معايا المستشفى.
بصيت له وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
نعم؟!
رد بمنتهى الهدوء
إنتِ بتقولي إنك مريضة بسړطان الډم، لكن مش قادرة توضحي تفاصيل علاجك، فلازم نعمل لك فحوصات تاني ونتأكد من حالتك.
قلت بسرعة
مفيش داعي، بجد! أنا مش محتاجة مستشفى.
بص لي وسألني
إنتِ خاېفة من المستشفيات؟
كنت عايزة أصرخ وأقول له لأ يا دكتور، أنا خاېفة من الڤضيحة اللي مستنياني جوا المستشفى!
لكن طبعًا، مقدرتش أقول الكلام ده.
بعد شوية، لقيت نفسي قاعدة في تاكسي مع الدكتور يوسف، في طريقنا لمستشفى الأورام.
طلعت موبايلي بسرعة وبعت رسالة لمريم
الحقيني! أنا اتسحبت بالعافية من العريس، وبيوديني المستشفى!
مريم ردت في نفس الثانية تقريبًا
مش إنتِ اللي عاملة نفسك خارجة من العلاج الكيماوي؟ أهو بقى الموضوع دخل في تخصصه!
قفلت الموبايل وحطيته على رجلي، وبصيت لحبة الحلوى اللي الدكتور يوسف كان مديهالي من شوية.
الغريب إني حسيت بتأنيب ضمير حقيقي.
الراجل بيتعامل معايا بجدية، ومعتقد إنه قدامه واحدة مريضة فعلًا ومحتاجة مساعدة، وأنا من أول المقابلة بكذب عليه لمجرد إني أهرب من الجوازة!
كل ما كنت بفكر في الموضوع، كنت بحس إني أسوأ إنسانة في الدنيا.
لما التاكسي وقف قدام المستشفى، الدكتور يوسف بص لي نظرة سريعة قبل ما ينزل.
نزلت وراه، وأنا رجلي بتترعش من التوتر.
كنت متخيلة إن مستشفى الأورام هتبقى زي الأفلام والمسلسلات، هدوء مخيف وممرات كئيبة وناس بتجري في كل مكان.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
الاستقبال كان مليان ناس، وكل واحد مشغول بحالته، وأنا لبست الكاب تاني وحاولت أندمج وسط الزحمة، على أمل محدش ياخد باله مني.
الدكتور يوسف مشي قدامي، ووداني ناحية مكان
سحب العينات.
أول ما الممرضة شافته، ابتسمت وقالت
دكتور يوسف، إنت مش أجازة النهارده؟
رد عليها
أيوه، بس جاي مع مريضة عشان نعمل لها تحليل ډم.
وقفت جنبه وأنا نفسي أقول لها
على فكرة، أنا مش مريضتك! أنا العروسة اللي أهلي حجزوا لها مقابلة معاه، والموضوع كله بدأ بسبب حلاقة شعر فاشلة!
لكن للأسف، محدش كان هيصدقني لو قلت الكلام ده.
دخلت عشان أسحب عينة الډم، ولما الإبرة دخلت دراعي، اتوجعت لدرجة إني شهقت من الألم، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا وإن عيني هتغمى عليها.
الممرضة قالت لي
اضغطي على القطنة كويس، واستني شوية لحد ما النتيجة تطلع.
ضغطت على دراعي، وبعد حوالي ربع ساعة، ظهرت نتيجة صورة الډم الكاملة.
الدكتور يوسف مسك الورقة وبدأ يقرأها بتركيز.
وبعد ثوانٍ، لاحظت إن حاجبه اتعقد وإن ملامحه اتغيرت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته پخوف
في إيه؟
مد لي الورقة.
بصيت فيها، لكن بالنسبة لي كانت مجرد أرقام وحروف وأسهم طالعة ونازلة، ومكنتش فاهمة منها أي حاجة.
كان فيه علامات كتير جنب النتائج، بعضها مرتفع وبعضها منخفض.
بلعت ريقي وسألته
هو كثرة الأسهم دي معناها إن عندي فرص كتير للتطور في المستقبل؟
الدكتور يوسف رفع عينيه وبص لي بذهول للحظة، وبعدها قال بجدية
إحنا محتاجين نعمل فحوصات إضافية، وممكن نحتاج لسحب عينة من نخاع العظم.
في اللحظة دي، حسيت إن روحي بتطلع مني!
أنا كنت داخلة المطعم عشان أهرب من مقابلة عريس، ودلوقتي بقيت قاعدة في مستشفى أورام، والدكتور بيتكلم عن فحص نخاع العظم!
مسكت نفسي من دراعي، وطلعت الموبايل واتصلت بأمي فورًا.
أول ما ردت، سألتني بحماس
ها يا سلمى؟ طمنيني، الدكتور يوسف طلع كويس؟ عجبك؟
بصيت للدكتور يوسف اللي كان واقف جنبي، وبعدها قلت لها بصوت مخڼوق
يا ماما، إحنا اتكلمنا لحد ما وصلنا لسحب عينة نخاع العظم!
أمي سكتت شوية على الناحية التانية.
وبعدين قالت باستغراب
إيه ده؟! هو الجيل الجديد بقى بيتعرف على بعض بالطريقة دي؟!
كنت على وشك أعيط، فقلت لها
يا ماما، أنا في المستشفى!
أول ما سمعت الكلمة دي، صوتها اتغير تمامًا.
قفلت معايا، وبعد حوالي عشرين دقيقة، كانت هي وأبويا داخلين المستشفى بسرعة، وملامحهم كلها خوف وقلق.
أمي أول ما شافتني، جريت عليا وسألتني
مالك يا بنتي؟ حصل لك إيه؟
وأبويا وقف جنبي، مش عارف يقول إيه، لكنه كان باين عليه الړعب.
الدكتور يوسف أخد التقرير وبدأ يشرحه
لهم بالتفصيل، ووضح لهم إن فيه نتائج غير طبيعية، وإننا لسه منقدرش نحدد السبب من تحليل واحد بس.
ولما أمي سمعت تعبير مشكلة في نظام الډم، وشها شحب تمامًا، وبدأت عينيها تتملي بالدموع.
بصت للدكتور وسألته بصوت بيرتعش
يا دكتور، هو الموضوع خطېر؟ بنتي مالها؟
الدكتور يوسف رد بهدوء
إحنا لسه منقدرش نجزم بحاجة في المرحلة دي. لازم نكمل الفحوصات، ونعمل فحص نخاع العظم لو احتجنا، وبعدها نقدر نفهم سبب النتائج غير الطبيعية ونحدد إذا كان فيه مرض فعلًا ولا لأ.
أمي بدأت ټعيط، وأبويا حاول يهديها، وأنا نفسي كنت حاسة إن قلبي بيتقطع.
مهما كنت بكذب في البداية، مكنتش أتخيل أبدًا إن الموضوع هيوصل لكده، وإن أهلي هيخافوا عليا بالشكل ده.
حسيت بالذنب ناحيتهم، وكنت عايزة أعترف بالحقيقة كلها، وأقول لهم إني عملت المصېبة دي بإيدي عشان أهرب من مقابلة عريس.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، أمي مسحت دموعها فجأة، وبصت للدكتور يوسف، وسألته السؤال اللي واضح إنه كان أهم سؤال في دماغها من أول ما دخلت المستشفى
طيب يا دكتور… بنتي لسه ينفع تتجوز ولا لأ؟
الجزء الأول الحقيقة اللي ظهرت في التحاليل
أمي مسحت دموعها بسرعة وقالت للدكتور يوسف
يا دكتور، أنا مش قصدي أضغط عليك، بس دي بنتي الوحيدة، وأنا قلبي واجعني عليها. من ساعة ما سمعت كلمة مشكلة في الډم وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني.
أبويا كان واقف جنبي، حاطط إيده على كتفي، وبيحاول يبان متماسك، لكن أنا كنت شايفة الخۏف في عينيه.
أما أنا، فكنت نفسي أصرخ وأقول لهم إن كل ده بدأ بسبب فيديو على تيك توك، وإن رأسي اللي بقت بتلمع تحت نور المستشفى هي السبب في المصېبة اللي إحنا فيها!
الدكتور يوسف سحب كرسي وقعد قدامنا، وفتح التقرير مرة تانية.
قال لأمي
بصي يا مدام، أنا مقدر خوف حضرتك، لكن لازم نفرق بين نتيجة تحليل غير طبيعية وبين تشخيص مرض خطېر. صورة الډم فيها انخفاض واضح في الهيموجلوبين، وفيه مؤشرات بتخلينا نشك في نقص الحديد، لكن لازم نعمل فحوصات تكميلية عشان نتأكد.
أمي مسكت إيده تقريبًا وهي بتسأله
يعني مش سړطان؟
رد بهدوء
أنا ما قلتش إن عندها سړطان، ومش هينفع أشخّصها من غير فحوصات كافية. خلينا نمشي خطوة خطوة.
أبويا تنهد وقال
الحمد لله، يعني فيه أمل.
أما أنا، فكنت قاعدة ببص في الأرض، وبحاول أستوعب إن الكذبة اللي اخترعتها عشان أهرب من عريس ممكن تكون اتسببت في خوف حقيقي
لأهلي.
بعد شوية، الدكتور يوسف طلب تحاليل إضافية لمخزون الحديد وبعض المؤشرات التانية، وراجع نتيجة
صورة الډم بنفسه.
ولما رجع، كانت ملامحه أهدى من الأول.
قال
النتائج بتدعم احتمال وجود أنيميا بسبب نقص الحديد، ودي حالة شائعة وليها علاج. مفيش دلوقتي ما يبرر إننا نفترض وجود لوكيميا أو نعمل سحب نخاع لمجرد إن صورة الډم فيها مؤشرات غير طبيعية. هنكمّل التقييم المناسب، وبعدها نحدد العلاج.
أمي حطت إيدها على قلبها وقالت
يا رب لك الحمد! طب هي هتخف يا دكتور؟
في الغالب، لو السبب فعلًا نقص الحديد، العلاج بيكون بسيط، لكن لازم نعرف سبب النقص كمان. ساعات بيكون مرتبط بالتغذية أو فقدان الډم، وهنسألها شوية أسئلة.
وبعدين بص لي مباشرة.
يا سلمى، دورتك الشهرية غزيرة؟
اټخضيت من السؤال، وبصيت لأمي وأبويا.
قلت بتوتر
هو لازم السؤال ده يتسأل قدامهم؟
يوسف فهم إحراجي، فطلب منهم يستنونا بره شوية لحد ما يخلص الأسئلة الطبية.
أمي قامت، لكنها قبل ما تخرج، قربت مني وهمست
متخبيش عنه حاجة يا بنتي. الدكتور ده أمين، وربنا بعته لك في الوقت المناسب.
أنا غمضت عيني.
لو أمي عرفت الحقيقة، مش هتكتفي إنها تزعل مني، دي ممكن تحلق لي حواجبى كمان!
بعد ما خرجوا، يوسف رجع بص لي وسألني عن الأعراض اللي عندي.
قلت له إني ساعات بحس بدوخة لما أقف بسرعة، وبصداع من وقت للتاني، وإني بتعب من أقل مجهود، لكني كنت فاكرة إن ده من ضغط الشغل وقلة النوم.
سألني عن أكلي، فاعترفت له إني ساعات بقعد بالساعات من غير ما آكل، وإن وجباتي مش منتظمة.
ولما سألني عن الدورة الشهرية، اتكسفت في الأول، لكن جاوبته إنها ساعات بتكون غزيرة.
هز راسه وقال
المعلومات دي مهمة، وهنحتاج نعرف إذا كانت مرتبطة بالأنيميا ولا فيه سبب تاني. المهم متهمليش الموضوع.
وبعدين سكت لحظة، وبص لي بتركيز.
بس فيه حاجة أنا مش فاهمها.
قلبي وقع في رجلي.
إيه؟
إنتِ قلتي إنك خلصتي علاج كيماوي، لكن كلامك من البداية كان فيه تناقضات كتير. أنا مش بلومك، لكن محتاج أفهم هل فيه تاريخ مرضي سابق إنتِ مش حابة تتكلمي عنه؟
حسيت إن وشي سخن، وإيدي بدأت تعرق.
دي اللحظة اللي كنت مستنياها من ساعة ما دخلت المستشفى.
كان ممكن أقول له إن عندي حالة نفسية، أو إني كنت بهزر، أو أي حجة تانية.
لكن لما افتكرت وش أمي وهي بټعيط، ووش أبويا وهو خاېف، مقدرتش أكمل.
وطيت راسي وقلت بصوت ضعيف
أنا آسفة.
يوسف ساب القلم من إيده.
على إيه؟
فضلت ساكتة ثواني، وبعدين قلت
أنا مش مريضة سړطان. أنا حلقت شعري عشان أهرب من مقابلة العريس.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعبًا.
يوسف فضل باصص لي كأنه بيحاول يتأكد إنه سمع صح.
وبعدين قال ببطء
إنتِ عملتِ إيه؟
رفعت عيني له وقلت بسرعة
أنا عارفة إن اللي عملته غباء، بس والله مكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل لكده. أنا مكنتش عايزة أتجوز بالطريقة دي، وأمي كانت مصممة على المقابلة، ففكرت إن لو شافني صلعاء وافتكر إني مريضة، هيرفضني وخلاص.
يوسف حط القلم على الترابيزة، وسند ضهره للكرسي.
يعني كل الكلام اللي قلتيه في المطعم كان تمثيل؟
أيوه.
والعلاج الكيماوي؟
كڈب.
وسړطان الډم؟
غمضت عيني وقلت
كڈب برضه.
مرر إيده على وشه، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة، مش ضحكة فرح، لكن ضحكة واحد مش عارف يصدق اللي بيسمعه.
قال
أنا قابلت حالات كتير في حياتي، لكن دي أول مرة حد ييجي لي عشان يهرب من الجواز، فأضطر أراجع له تحاليل ډم!
حطيت إيدي على وشي.
أنا آسفة جدًا. لو فيه طريقة أرجع بيها الزمن، كنت هروح المقابلة بشعري، وأطلب عصير وأمشي بعد عشر دقايق.
بص لي بجدية وقال
بصي يا سلمى، موضوع الكذب ده مش بسيط. إنتِ خليتي ناس تقلق على صحتك بجد، وخلّيتي أهلك يعيشوا لحظات ړعب من غير أي داعي. لكن بما إنك اعترفتي، خلينا نركز دلوقتي على الحقيقة اللي ظهرت في التحاليل.
سكت لحظة، ثم أضاف
إنتِ فعلًا عندك أنيميا محتاجة متابعة وعلاج، وده مالوش علاقة بالكذبة اللي قلتيها. هنحدد السبب ونعالجها بالطريقة المناسبة.
هزيت راسي وقلت
حاضر.
وفيه حاجة تانية.
بصيت له پخوف.
قال
مش كل مرة هتلاقي مشكلة في حياتك، ينفع تحلقي شعرك وتهربي منها.
رغم إحراجي، ضحكت ڠصب عني.
والله أنا بدأت أندم على شعري أكتر من أي حاجة تانية.
لأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى، يوسف ابتسم ابتسامة حقيقية.
وبعدين قام وقال
هخرج أجيب أهلك. لازم تطمنيهم بنفسك، وتعتذري لهم.
أول ما خرج، حطيت إيدي على رأسي، وقلت لنفسي
يا سلمى، إنتِ لو كنتِ ډخلتي المقابلة ورفضتي العريس، كان أهون من اللي إنتِ فيه دلوقتي.
لكن المفاجأة كانت لسه مستنياني.
لما أمي وأبويا دخلوا، يوسف قال لهم إن الفحوصات المبدئية بتشير إلى نقص الحديد، وإن مفيش تشخيص لمرض خطېر، وإننا هنكمل المتابعة اللازمة.
أمي بدأت تحمد ربنا وټعيط من الفرحة.
أبويا قرب مني وقال
الحمد لله يا بنتي. خوفتينا عليكي.
كنت على وشك أعتذر لهم، لكن أمي فجأة بصت لي من فوق لتحت، وركزت على رأسي.
قالت
استني بس… هو إنتِ حالقة شعرك ليه؟
اتجمدت مكاني.
يوسف بص بعيد، واضح إنه كان بيحاول يمنع نفسه من الضحك.
بلعت ريقي وقلت
ماما، أنا…
يوسف تدخل بهدوء
مدام، الأفضل تسمعوا منها هي.
وبعدين بص لي وقال
اتفضلي يا سلمى، احكي لهم نفس الحقيقة اللي حكيتيها لي.
في اللحظة دي، تمنيت لو كان فيه سرير تاني فاضي أستخبى تحته.
اعترفت بكل حاجة.
حكيت لهم عن الجروب، وعن إصرار أمي، وعن خطة الهروب، وعن فيديو تيك توك اللي أقنعني إن حلاقة الشعر هتخلّي العريس يرفضني.
أبويا فضل ساكت شوية، وبعدها حط إيده على جبينه.
أما أمي، فكانت بتبص لي كأنها شايفة بنت تانية خالص.
قالت
يعني أنا كنت ھموت من الخۏف عليكي، وإنتِ كل ده عاملة مقلب؟!
قلت بسرعة
أنا آسفة يا ماما.
ردت بعصبية
آسفة إيه؟! إنتِ عارفة أنا تخيلت إيه لما سمعت كلمة أورام؟!
نزلت عيني للأرض، والدموع بدأت تنزل من غير ما أحس.
عارفة يا ماما، وأنا غلطانة. والله
مكنتش عايزة أخوفكم.
أبويا تدخل وقال
خلاص يا أم سلمى، الحمد لله إن مفيش حاجة خطېرة، والبنت اعترفت بغلطها. نعاتبها بعدين.
أمي بصت لي وقالت
من النهارده، مش هفتح معاكي موضوع الجواز تاني.
رفعت راسي بسرعة.
بجد؟
أيوه. مش عايزة أشوفك، ولا أسمع صوتك، ولا أشوف وشك الصبح.
اټخضيت وقلت
ليه بس يا ماما؟!
ردت وهي بتخرج من الأوضة
عشان وشك ده محتاج يتربى من الأول!
أبويا حاول يخبي ضحكته، ويوسف خرج معاهم، وأنا فضلت قاعدة لوحدي، مش عارفة أضحك ولا أعيط.
بعد شوية، يوسف رجع ومعاه ورقة صغيرة.
قال
دي التعليمات الأولية اللي محتاجة تمشي عليها لحد ما تراجعي الطبيب المختص بنتائج الفحوصات كاملة. هتحتاجي علاج لنقص الحديد لو تأكد التشخيص، وهنحدد المتابعة المناسبة. ومتشتريش أي دواء من نفسك.
أخدت الورقة وقلت
شكرًا يا دكتور. أنا مش عارفة أعتذر لك إزاي.
رد بهدوء
ابدئي بأنك متكدبيش تاني في موضوع طبي.
هزيت راسي.
وبعدين، قبل ما يمشي، سألته
هو… إحنا كده لسه فيه مقابلة تانية؟
بص لي باستغراب.
مقابلة إيه؟
يعني… مقابلة العريس. ولا حضرتك اعتبرتني حالة طبية وخلاص؟
ابتسم وقال
بصراحة، أنا محتاج أفكر إذا كنت عايز أقابل البنت اللي كذبت عليا، ولا أفضل فاكرها باعتبارها أغرب حالة قابلتها في حياتي.
حسيت بوشي بيحمر، وقلت
من حقك طبعًا.
لكنه قبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال
على فكرة، شعرك هيطول تاني. المهم المرة الجاية، لما تحبي ترفضي حاجة، ارفضيها بصراحة.
وبعدين مشي.
فضلت باصة للباب، وأنا مش فاهمة ليه كلامه ضايقني وفرحني في نفس الوقت.
يمكن لأنه
أول شخص واجهني بغلطتي من غير ما يهينني.
ويمكن لأنني، رغم كل اللي حصل، بدأت أحس إن الدكتور يوسف مش مجرد عريس أمي اختارته لي.
لكنني وقتها مكنتش أعرف إن مقابلتنا دي كانت مجرد البداية.
لأن بعد يومين، وأنا قاعدة في البيت، سمعت صوت جرس الباب.
فتحت، ولقيت أمي واقفة وراها الدكتور يوسف!
أمي قالت بمنتهى البراءة
الدكتور جه يطمن على صحتك.
بصيت لها، وبعدين بصيت له.
وقلت في سري
يا نهار أبيض… هو أنا هفضل أشوف الراجل ده لحد ما شعري يطول؟!
لكن يوسف ابتسم وقال
مساء الخير يا سلمى. جاي أطمن إنك بدأتي تتابعي موضوع الأنيميا، وإنك مش ناوية تعالجيها بفيديو جديد من تيك توك.
ولأول مرة من يوم المقابلة، ضحكت من قلبي.
يتبع في الجزء الثاني…
الجزء الثاني الدكتور اللي رفض يمشي من حياتي
أنا كنت متخيلة إن زيارة الدكتور يوسف هتكون عبارة عن خمس دقايق، يسألني عن صحتي، ويطمن إنني بدأت أتابع الأنيميا، وبعدها يمشي في حال سبيله.
لكن اللي حصل كان مختلف تمامًا.
أمي دخلته الصالة، وقدمت له الشاي والحلوى، وقعدت تحكي له عن طفولتي، وعن شقاوتي، وعن إني كنت بعاندها حتى في أبسط القرارات.
وأنا قاعدة قدامهم، حاسة إن أمي بتقدم اعترافات كاملة عني، من غير ما تسيب لي فرصة أدافع عن نفسي.
قالت له
يا دكتور، سلمى من وهي صغيرة دماغها ناشفة. لو قررت تعمل حاجة، تعملها حتى لو الدنيا كلها قالت لها لأ.
يوسف بص لي وقال
واضح إن الصفة دي لسه موجودة.
قلت له
حضرتك جاي تطمن على صحتي، ولا جاي تعمل تقرير عن شخصيتي؟
ضحك وقال
الاتنين، طالما صاحبة الحالة مصممة تساعدني.
أمي ضحكت، وأنا كنت عايزة أستخبى جوه الكاب اللي بقيت بلبسه طول الوقت.
بعد ما شرب الشاي، يوسف سألني عن نتائج المتابعة، وهل رحت للدكتور المختص ولا لسه.
قلت له إني حجزت موعدًا لمراجعة التحاليل، وإنني بدأت أهتم بأكلي، لكنني لسه مش متعودة على فكرة إني لازم أتابع صحتي بدل ما أطنش أي تعب.
قال
كويس. المهم تلتزمي بالخطة اللي الطبيب هيحددها، ومتعتبريش إن التعب حاجة لازم تتعايشي معاها وخلاص.
ثم الټفت لأمي وقال
أنا شايف إن سلمى محتاجة تهتم بصحتها، لكن من غير خوف زيادة أو افتراض أسوأ الاحتمالات.
أمي هزت راسها، وبعدها قامت تجيب له فاكهة.
أول ما خرجت من الصالة، يوسف بص لي وقال
ممكن أسألك سؤال؟
قلت
اتفضل.
إنتِ فعلًا مكنتيش عايزة تتجوزي، ولا كنتِ بس مش عايزة تتجوزي بالطريقة اللي أهلك بيحاولوا يفرضوها عليكي؟
السؤال فاجأني.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قلت
أنا مش ضد الجواز. بالعكس، نفسي في بيت هادي وشخص أحس معاه بالأمان. بس أنا بخاف من فكرة إني أقابل حد عشر دقايق، وبعدها الناس كلها تقرر إن ده الشخص المناسب ليا، وكأن رأيي مش مهم.
يوسف كان بيسمع من غير ما يقاطعني.
كملت
أنا بخاف أوافق عشان أرضي أهلي، وبعدها أكتشف إني مش مرتاحة. وبخاف أرفض، فأبقى في نظرهم بنت بتضيع الفرص. وكل ما أمي تكلمني عن الجواز، بحس إن حياتي بقت مشروع لازم يتنفذ بسرعة.
يوسف سكت لحظة، ثم قال
أنا فاهم ده. بس فيه فرق بين إنك ترفضي حاجة مش مناسبة ليكي، وبين إنك ټأذي نفسك أو تخوفي الناس عشان تهربي منها.
هزيت راسي.
عارفة. وأنا اتعلمت الدرس بالطريقة الأصعب.
ابتسم وقال
واضح.
في اللحظة دي، أمي رجعت بالصينية، وانتهى الكلام.
لكن قبل ما يوسف يمشي، أمي أصرت إنه يتغدى معانا في يوم تاني.
هو اعتذر بأدب وقال إن عنده شغل، لكنه وعد إنه هيطمن على نتيجة المتابعة لما أكون خلصتها.
وبعد ما خرج، أمي قفلت الباب وبصت لي.
إيه رأيك فيه؟
قلت بسرعة
ماما، كفاية بقى! الراجل جاي يطمن على صحتي.
ردت
وأنا سألتك رأيك فيه، مش سألتك جاي ليه.
اتنهدت وقلت
محترم.
ابتسمت ابتسامة واسعة.
يعني عجبك؟
أنا مقولتش كده!
بس وشك قال.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وسمعت أمي بتضحك من ورا الباب.
كنت بحاول أقنع نفسي إن الموضوع مجرد زيارة عابرة، وإن الدكتور يوسف مش هيبقى جزءًا من حياتي.
لكن بعد كام يوم، حصل موقف خلاني أشوفه بطريقة مختلفة تمامًا.
كنت راجعة من الشغل، والجو كان حر جدًا، وأنا من الصبح مكلتش غير حاجة بسيطة.
وأنا طالعة السلم، حسيت بدوخة شديدة، واضطريت أقعد على أول درجة.
حاولت أقوم، لكن الدنيا كانت بتلف بيا.
طلعت موبايلي واتصلت بمريم.
أول ما ردت، قلت لها
يا مريم، أنا مش قادرة أقف.
صوتها اتغير فورًا.
إنتِ فين؟
على سلم العمارة.
إنتِ لوحدك؟
أيوه.
قالت بسرعة
متقفيش. أنا جاية لك.
قفلت معاها، وبعدها حاولت أتصل بأمي، لكن إيدي كانت بتترعش ومش عارفة أمسك الموبايل كويس.
وفجأة، سمعت صوت راجل بيقول
سلمى؟
رفعت راسي بصعوبة، ولقيت الدكتور يوسف واقف قدامي!
كان جاي يزور واحد من المرضى في نفس العمارة، وشافني قاعدة على السلم ووشي شاحب.
قرب مني وسألني
إنتِ مالك؟
قلت بصوت ضعيف
دوخة بس.
قعد على درجة السلم اللي جنبي، وسألني إذا كنت أكلت أو شربت حاجة.
ولما عرف إني تقريبًا مكلتش طول اليوم، ملامحه اتغيرت.
قال
إنتِ لسه بتهملي أكلك؟
حاولت أضحك وقلت
أنا كنت مشغولة.
رد بجدية
الانشغال مش مبرر إنك تهملي نفسك.
وبعدين سألني إذا كانت الدوخة شديدة أو معاها أي أعراض تانية، ولما لقى إني مش قادرة أقف بثبات، طلب المساعدة من البواب واتصل بالإسعاف بدل ما يحاول يخليني أمشي لوحدي.
فضل جنبي لحد ما وصلت المساعدة، وبعدها اتأكد إني وصلت للرعاية الطبية المناسبة.
كنت متوترة ومحرجة، وقلت له
أنا آسفة، شكلي بقيت عبء عليك.
بص لي باستغراب.
عبء؟ إنتِ تعبانة يا سلمى، ومحتاجة مساعدة. ده مش عيب.
الكلمتين دول أثروا فيا أكتر مما كنت متوقعة.
طول عمري كنت بحاول أبان قوية، حتى وأنا تعبانة، عشان محدش يقول عليا ضعيفة أو مدلعة.
لكن يوسف كان بيتعامل مع تعبي باعتباره حاجة طبيعية، مش دليل ضعف.
بعد ما اتطمنت إن حالتي مستقرة، وإن الدوخة محتاجة متابعة مع الطبيب بسبب الأنيميا وقلة الأكل، رجعت البيت
مع أمي.
وقبل ما يوسف يمشي، قال لي
خلي بالك من نفسك. ولو الدوخة رجعت أو ظهرت أعراض شديدة، متستنيش.
هزيت راسي وقلت
حاضر.
لكنه وقف عند الباب وأضاف
وبالمناسبة، أنا مش هفضل موجود كل مرة عشان أفكرك تاكلي.
ضحكت وقلت
يعني حضرتك ناوي تختفي؟
السؤال خرج مني من غير ما أفكر.
يوسف بص لي لحظة، وبعدها ابتسم ابتسامة خفيفة.
ده يتوقف على إذا كنتِ هتبطلي تعاندي ولا لأ.
ومشي.
فضلت واقفة عند الباب، وقلبي بيدق بسرعة غريبة.
مريم كانت موجودة، وسمعت الحوار كله.
أول ما الباب اتقفل، بصت لي ورفعت حاجبها.
إيه ده يا ست سلمى؟
قلت لها
إيه؟
هو الدكتور ده بيطمن على صحتك، ولا إنتِ اللي بدأتي تستني زياراته؟
صړخت
يا بنتي، اسكتي!
لكنها ضحكت وقالت
أنا صاحبتك من عشر سنين، وعارفاكي. إنتِ أول مرة حد يسألك أكلتي ولا لأ، تردي عليه بابتسامة بدل ما تتخانقي معاه.
رميت عليها المخدة، لكنها فضلت تضحك.
ومن يومها، بدأت علاقتي بيوسف تتغير بالتدريج.
مبقاش مجرد الدكتور اللي اكتشف كذبتي، لكنه بقى شخصًا بسأله عن حاجات كتير، مش بالضرورة طبية.
مرة سألته عن كتاب كان بيتكلم عنه، ومرة بعت له صورة لنبتة صغيرة اشتريتها وسألته إذا كان يعرف اسمها، ومرة اتصلت به أسأله عن طريقة أقدر أنظم بيها يومي من غير ما أنسى وجباتي.
كان بيرد لما يكون متاحًا، ولو مشغول، كان بيقول لي إنه هيرد بعدين.
والغريب إنه عمره ما استغل خۏفي أو إحراجي عشان يفرض نفسه عليا.
كان دايمًا واضحًا ومحترمًا، وبيسيب لي مساحة
أقرر بنفسي.
وفي يوم، كنت قاعدة معاه في كافيه بعد ما اتفقنا نتكلم بعيدًا عن جو المستشفى والمړض.
كنت لابسة فستان بسيط، وحاطة إيشارب خفيف على رأسي، لأنني لسه مش متعودة على شكلي الجديد.
بص لي يوسف وقال
إنتِ عارفة إنك مش مضطرة تستخبي طول الوقت؟
قلت
أنا مش مستخبية.
ابتسم.
طب ليه كل ما حد يبص لك، تشدي الإيشارب على راسك؟
سكت شوية، وبعدها قلت
لأني مش متعودة على شكلي. ساعات بحس إني فقدت جزءًا من أنوثتي.
يوسف فضل ساكت لحظة، وبعدين قال
أنا مش هقول لك إنك لازم تحبي شكلك من أول يوم، ولا هقول لك إن رأي الناس مش مهم، لأن ده مش حقيقي. لكن شعرك مش هو اللي بيحدد أنوثتك، ولا هو اللي بيحدد قيمتك.
رفعت عيني له.
كمل
إنتِ ممكن تحلقي شعرك، وممكن يطول، وممكن تغيري شكلك ألف مرة. لكن الأهم إنك متخليش خۏفك من نظرة الناس يمنعك تعيشي حياتك.
حسيت بغصة في حلقي.
قلت بهدوء
إنت بتتكلم كأنك عارف أنا بفكر في إيه.
رد
لأني شايفك بتحاولي تضحكي كل ما تتكسفي، وبتغيري الموضوع كل ما حد يقرب من حاجة بټوجعك.
لأول مرة، معرفتش أرد عليه.
قعدنا نتكلم وقت طويل، واكتشفت إن يوسف مش الشخص الجاد الصامت اللي كنت متخيلاه.
كان بيحب القراءة، وبيسمع موسيقى هادية وهو بيسوق، وبيكره التأخير، لكنه ساعات بينسى مفاتيحه في البيت.
ولما سألته ليه اختار تخصص الأورام، حكى لي عن تجربة قديمة في حياته، وعن شخص قريب منه مر بمرض صعب، وعن إزاي التجربة دي خلته يفهم إن المړيض مش مجرد نتائج تحاليل، لكنه إنسان عنده خوف وأحلام وحياة كاملة.
قال لي
أنا اتعلمت إن أهم حاجة أقدر أقدمها للمريض مش إني أوعده إن كل حاجة هتبقى كويسة، لكن إني أكون صريح معاه، وأساعده يفهم اللي بيحصل، وأفضل جنبه في حدود اللي أقدر عليه.
الجملة دي فضلت في دماغي طول الليل.
لأني اكتشفت إنه فعلًا عمل معايا كده.
رغم كذبتي، ورغم إنه كان ممكن يحرجني قدام أهلي، اختار يواجهني بغلطتي، ويساعدني أفهم حقيقة حالتي الصحية، من غير ما يحول الموقف لڤضيحة.
وبعد أيام، لما ظهرت نتيجة المتابعة واتأكد نقص الحديد، بدأت ألتزم بالعلاج اللي حدده الطبيب، وأهتم بأكلي، وأتابع التحسن خطوة بخطوة.
يوسف كان بيسألني من وقت للتاني إذا كنت التزمت بالمواعيد، لكنه مكنش بيتدخل في تفاصيل علاجي بدل الطبيب المسؤول.
كان بيسألني كإنسان مهتم، مش كأنه بيفرض عليا رقابة.
ومع مرور الوقت، بدأت أحس إنني بستنى رسائله.
لو بعت لي الصبح صباح الخير، أخبارك إيه؟، كنت أبتسم من غير ما أحس.
ولو اختفى يوم بسبب الشغل، كنت أفتح الموبايل كل شوية وأقنع نفسي إني مش مستنياه.
لكن الحقيقة كانت واضحة لمريم.
وفي يوم، قالت لي
إنتِ وقعتي.
قلت لها
وقعت في إيه؟
ردت
في الدكتور يوسف يا حبيبتي. ودي أول مرة أشوفك بتتكلمي عن راجل من غير ما تحاولي تلاقي فيه عيب.
حاولت أنكر، لكنني معرفتش.
كنت فعلًا بدأت أحبه.
لكن المشكلة إنني مكنتش عارفة إذا كان هو شايفني بنفس الطريقة، ولا كان مجرد شخص طيب قرر يساعدني بعد الموقف الغريب اللي حصل بيننا.
وفي مساء يوم خميس، كنت راجعة من الشغل، ولقيت رسالة منه
سلمى، لو إنتِ فاضية بكرة، عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كتبت له
موضوع طبي؟
رد بعد ثوانٍ
لأ.
فضلت باصة للشاشة، ومش عارفة أبتسم ولا أقلق.
وبعدين بعت رسالة تانية
المرة دي، مفيش تحاليل ولا مستشفيات ولا كڈب. مجرد كلام صريح بيني وبينك.
في اللحظة دي، عرفت إن اليوم اللي كنت بخاف منه من أول مقابلة العريس قرب.
لكن المرة دي، أنا مكنتش عايزة أهرب.
يتبع في الجزء الثالث والأخير…
الجزء الثالث لما حبيت الراجل اللي كنت بحاول أهرب منه
طول الليل، وأنا بفكر في رسالة يوسف.
عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
أربع كلمات كانوا كفاية يخلوني أقلب في السرير من ناحية للتانية، وأفتح الموبايل كل خمس دقايق، وأراجع المحادثة كأني بدور على دليل يثبت لي هو عايز يقول إيه.
مرة قلت لنفسي إنه هينهي علاقتنا، وإنه شايف إن اللي بيننا بدأ يتجاوز حدود الصداقة.
ومرة قلت يمكن قرر يتقدم لي رسميًا.
وبعدين أرجع أقول لنفسي
يا سلمى، إنتِ بتألفي فيلم كامل من رسالة! نامي أحسن.
لكن النوم مكنش راضي ييجي.
الصبح، مريم اتصلت بيا، وأول ما سمعت صوتي عرفت إني منمتش كويس.
قالت
ها، الدكتور قال لك إيه؟
قلت
لسه. هقابله النهارده.
صړخت بحماس
يا نهار أبيض! طب البسي أحلى حاجة عندك، واعملي شعرك…
سكتت فجأة، وبعدين قالت
آه، معلش، نسيت موضوع الشعر.
اڼفجرت في الضحك رغم توتري.
قلت
شكرًا يا مريم على دعمك النفسي العظيم.
ردت
أنا معاكي يا حبيبتي، بس عندي طلب واحد.
إيه؟
لو قال لك إنه بيحبك، متقوليلوش إنك محتاجة تفكري أسبوعين عشان تدرسي الحالة.
قفلت معاها وأنا بضحك، لكن قلبي كان لسه بيدق بسرعة.
في المساء، قابلت يوسف في نفس الكافيه اللي قعدنا فيه قبل كده.
كنت لابسة فستان كحلي بسيط، وإيشارب بلون هادي، وحاولت أتصرف بشكل طبيعي.
لكني أول ما شفته، حسيت إن كل الكلام اللي كنت محضراه اختفى.
يوسف قام لما شافني، وسحب لي الكرسي.
قال
إزيك يا سلمى؟
قلت
كويسة.
بص لي بابتسامة خفيفة.
متأكدة؟
أيوه.
عشان إنتِ ماسكة الشنطة كأنك داخلة امتحان شفوي.
بصيت لإيدي، واكتشفت إني فعلًا قابضة على الشنطة بقوة.
ضحكت وسبتها على الكرسي.
قعدنا، وطلبنا مشروباتنا، وبعد شوية يوسف بدأ يتكلم.
قال
أنا فكرت كتير في اللي حصل من أول يوم اتقابلنا فيه.
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
كمل
في البداية، كنت متضايق من الكذب. مش عشان إنتِ رفضتيني أو عشان شعرك كان محلوق، لكن لأنك اخترتي تقولي إن عندك مرض خطېر، وده موضوع مينفعش نستهين بيه.
نزلت عيني وقلت
أنا عارفة، ومش هبرر اللي عملته. أنا غلطت فعلًا.
هز راسه.
أنا مش جاي أفتح الموضوع عشان ألومك. إنتِ اعتذرتي، واتعلمتي من اللي حصل. لكن بعد كده، بدأت
أشوف جوانب تانية في شخصيتك.
رفعت عيني له.
قال
شوفت بنت پتخاف من إنها تخيب أمل أهلها، فبتحاول تهرب بدل ما تقول رأيها. وشوفت واحدة بتضحك كتير عشان تخبي توترها، وبتتصرف بقوة حتى لما تكون محتاجة مساعدة.
كنت بسمعه، وحاسة إن كل كلمة بتوصل لمكان جوايا محدش قرب منه قبل كده.
كمل
وشوفت إنك لما فهمتي إنك غلطتي، رجعتي واعتذرتي. وإنك رغم إحراجك، بدأتي تهتمي بصحتك وتغيري حاجات في حياتك.
سكت لحظة، وبعدين قال
أنا ارتحت في الكلام معاكي يا سلمى. وبقيت بستنى أشوفك، وأسمع حكاياتك، وأعرف يومك كان عامل إزاي.
قلبي بدأ يدق أسرع.
يوسف بص لي مباشرة وقال
أنا عايز أدي لنفسي وليكي فرصة نتعرف على بعض بشكل حقيقي، بعيد عن ضغط الأهل، وبعيد عن فكرة إننا لازم ناخد قرار بسرعة.
كنت ساكتة، مش عارفة أقول إيه.
سألني
إنتِ موافقة؟
أنا كنت مستعدة أوافق من غير ما أفكر، لكن المرة دي قررت أكون صريحة فعلًا.
قلت
أيوه، موافقة. بس أنا عندي خوف.
من إيه؟
من إنك تكون شايفني مجرد بنت محتاجة مساعدة، وإنك مع الوقت تكتشف إنك مش بتحب شخصيتي.
يوسف ابتسم وقال
أنا مش بدور على شخص محتاج مني حاجة عشان أفضل جنبه. أنا عايز أعرفك، وإنتِ تعرفيني، ونشوف إذا كنا مناسبين لبعض ولا لأ.
ثم أضاف
ومش مطلوب منك تبقي مثالية. أنا نفسي مش مثالي.
ضحكت وقلت
دي محتاجة إثبات.
رفع حاجبه.
أثبت لك إزاي؟
قلت
إنت بتقول إنك مش مثالي، لكن لحد دلوقتي اكتشفت إنك بتعرف تتعامل مع أي موقف،
وبتتكلم بهدوء، ومش بتتعصب.
ضحك وقال
اسألي مريم عن رأيها فيكي، وبعدها هتعرفي إننا كلنا عندنا عيوب.
ضحكنا إحنا الاتنين، وحسيت إن التوتر اللي كان مالي قلبي بدأ يختفي.
ومن اليوم ده، بدأت علاقتنا بشكل مختلف.
مبقاش يوسف الدكتور اللي أنا مدينة له بالامتنان، ولا أنا المړيضة اللي محتاجة حد ينقذها.
بقينا اتنين بيتعرفوا على بعض.
كان بيحكي لي عن ضغط شغله، وعن المواقف الصعبة اللي بيشوفها، وعن إزاي ساعات بيحتاج يرجع البيت ويسكت شوية عشان يقدر يستوعب يومه.
وأنا كنت بحكيله عن شغلي، وعن أحلامي، وعن خۏفي من إني أفضل طول عمري بحاول أرضي الناس على حساب نفسي.
وفي مرة، حكيت له إني نفسي أتعلم أقول لأ من غير ما أحس بالذنب.
قال لي
ابدئي بالحاجات الصغيرة. مش لازم تبرري كل قرار بتاخديه.
وبالفعل، بدأت أطبق كلامه.
لما أمي سألتني إذا كنت موافقة على مقابلة عريس تاني من معارفها، قلت لها بهدوء
لأ يا ماما، أنا مش حابة أقابل حد دلوقتي.
أمي بصت لي باستغراب، لكنها المرة دي متمسكتش برأيها.
قالت
براحتك يا بنتي. المهم تكوني مرتاحة.
الجملة دي خلتني أبتسم.
يمكن أمي كانت بتحاول تساعدني بطريقتها، حتى لو طريقتها كانت بتضغط عليا.
ويمكن أنا كمان كنت محتاجة أتعلم أتكلم معاها بدل ما أحول كل خلاف لمعركة.
أما يوسف، فكان بيدعمني من غير ما يحاول يتحكم في قراراتي.
ولما بدأت نتائج علاج الأنيميا تتحسن، والطبيب أكد إن مخزون الحديد والهيموجلوبين بيتحسنوا مع العلاج والمتابعة، فرحت جدًا.
اتصلت بيوسف وقلت له
عندي خبر حلو!
رد
خير؟
التحاليل اتحسنت!
قال بفرحة واضحة
الحمد لله! كنت عارف إن اهتمامك بصحتك هيفرق، بس الأهم إنك تكملي المتابعة لحد ما الطبيب يطمنك تمامًا.
قلت له
أنا حاسة إني بقيت شخص تاني.
سألني
إزاي؟
قلت
زمان كنت لما أحس بتعب، أتجاهله. ولما أخاف من حاجة، أهرب منها. دلوقتي بقيت أحاول أفهم المشكلة وأتعامل معاها.
يوسف سكت لحظة، وبعدين قال
أنا فخور بيكي يا سلمى.
الكلمتين دول خلوني أسكت تمامًا.
لأني مكنتش متعودة إن حد يلاحظ التغيير اللي بحاول أعمله، أو يشجعني من غير ما يحسسني إني مقصرة.
مرت الشهور، وبدأ شعري يطول تدريجيًا.
في البداية، كنت محرجة من شكله، لكن مع الوقت بدأت أتعامل مع الموضوع ببساطة.
اشتريت إيشاربات بألوان مختلفة، وجربت تسريحات تناسب طوله، وبقيت أخرج من البيت من غير ما أفضل أبص في المراية عشر مرات.
وفي يوم، يوسف شافني من غير إيشارب، وشعري القصير بدأ يظهر بوضوح.
بص لي وقال
إنتِ شكلك مختلف.
قلبي اتقبض للحظة.
مختلف وحش؟
ابتسم.
مختلف عن أول مرة شفتك فيها.
ضحكت وقلت
أيوه، أصل أول مرة كنت عاملة نفسي مريضة سړطان!
يوسف ضحك وقال
دي كانت مقابلة مستحيل أنساها طول عمري.
وبعدين بص لي بحنان وقال
بس على فكرة، أنا مبسوط إنك بقيتي مرتاحة مع نفسك أكتر.
ساعتها فهمت إن اللي اتغير مكنش شعري بس.
أنا كمان اتغيرت.
بقيت أقل خوفًا من رأي الناس، وأكثر قدرة على التعبير عن احتياجاتي.
وبقيت أعرف إن الشخص اللي بيحبك مش لازم يحل لك كل مشاكلك، لكنه ممكن يساعدك تواجهيها بنفسك.
وفي يوم عيد ميلادي، يوسف فاجأني بهدية صغيرة.
كانت علبة أنيقة، جواها مشبك شعر رقيق جدًا، ومعاه ورقة مكتوب فيها
إلى سلمى، اللي حاولت تهرب من أول مقابلة، لكنها علمتني إن أجمل الحكايات ساعات بتبدأ من أغرب الصدف. كل سنة وإنتِ أقرب لنفسك، وأقرب لقلبي.
قرأت الرسالة مرتين، وبعدها رفعت عيني له.
كان واقف قدامي، مبتسم، لكنه واضح إنه متوتر.
قال
أنا عارف إننا لسه بنتعرف على بعض، ومش عايز أستعجل أي خطوة. لكن أنا بقيت متأكد إني عايز أكمل معاكي، وأبني معاكي حياة نكون فيها صريحين مع بعض، حتى لو الحقيقة ساعات تكون صعبة.
عيني اتمليت بالدموع.
قلت
يوسف، أنا كنت فاكرة إن الجواز معناه إني لازم أتنازل عن حاجات كتير عشان أرضي الشخص اللي معايا. لكن إنت خليتني أفهم إن العلاقة الصح هي اللي تخليني أكون نفسي من غير خوف.
ابتسم وقال
وده اللي أنا عايزه.
وبعد فترة من التعارف، اتكلمنا مع أهلنا، واتفقنا على الخطوات الرسمية، المرة دي من غير ضغط ولا تمثيل ولا محاولات هروب.
أمي كانت فرحانة جدًا، لكن كل ما تبص لي، تفتكر اللي حصل في أول مقابلة، وتقول
الحمد لله إنك مكنتيش قررتي تعملي نفسك مريضة قلب كمان!
وأبويا كان كل ما يوسف ييجي يزورنا، يقعد يحكي له عن اليوم اللي اتصلت فيه أمي بيه من المستشفى.
أما مريم، فكانت بتقول لي إن لازم نكتب القصة دي في كتاب بعنوان إزاي تحولي مقابلة عريس إلى زيارة لمستشفى الأورام في أقل من نص ساعة.
وفي يوم كتب كتابنا، يوسف مسك إيدي وقال لي بصوت واطي
فاكرة أول مرة اتقابلنا؟
ضحكت وقلت
للأسف، دي من الذكريات اللي مستحيل أنساها.
قال
أنا كمان. بس عارفة إيه أكتر حاجة بحبها في الحكاية دي؟
إيه؟
إنك في الأول كنتِ بتحاولي تخليني أرفضك، وبعدها بقيتي الشخص اللي نفسي أرجع له كل يوم.
حسيت بالدموع في عيني، وقلت له
وأنا كنت فاكرة إنك هتكون أسوأ إحراج في حياتي، وطلعت أجمل حاجة حصلت لي.
ابتسم وقرب مني وقال
بس عندي طلب واحد.
ضحكت.
إيه هو؟
قال بمنتهى الجدية
ممنوع أي خطط هروب بعد الجواز. لو زعلتي مني، نتكلم. ولو عايزة ترفضي حاجة، ارفضيها. ولو تعبتي، نروح للدكتور. لكن مفيش كڈب عن الأمراض تاني.
اڼفجرت في الضحك، وقلت
وعد. بس إنت كمان عندك طلب لازم توافق عليه.
إيه؟
لو في يوم اتخانقنا، ممنوع تستخدم التحاليل الطبية ضدي!
ضحك وقال
اتفقنا.
وبعد شهور، في أول صباح لينا في بيتنا، صحيت على صوت يوسف في المطبخ.
خرجت وأنا لسه نص نايمة، ولقيته بيحضر الفطار.
بص لي وقال
صباح الخير يا زوجتي العزيزة. الفطار جاهز، والنهارده مفيش حجج.
ضحكت وقلت
حاضر يا دكتور.
وبعدين قربت منه، وحضنته، وقلت
تعرف؟ أنا ساعات بفكر لو كنت روحت المقابلة الأولى بشعري الطبيعي، كان ممكن كل ده يحصل؟
يوسف فكر
لحظة، وبعدها قال
مش عارف. لكن أنا عارف إن اللي خلاني أحبك مش إنك كنتِ محتاجة مساعدة، ولا إنك كنتِ مريضة. أنا حبيتك لما بدأت أشوفك على حقيقتك، لما بقيتي صريحة معايا، ولما شفتك بتحاولي تتغيري للأحسن من غير ما تفقدي روحك المرحة.
سندت رأسي على كتفه وابتسمت.
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي هي إن العريس يكتشف كذبتي.
لكن الحقيقة إن الكذبة دي خلتني أواجه مخاۏفي، وأهتم بصحتي، وأتعلم أقول رأيي، وأقابل شخصًا شاف عيوبي من أول يوم، ومع ذلك اختار يتعرف عليا بدل ما يحكم عليا من غلطة واحدة.
أما الدرس اللي اتعلمته، فهو إن الحب الحقيقي مش إن حد ييجي ينقذك من كل حاجة، لكنه إنك تلاقي شخصًا يساعدك تبقي أقوى، ويشجعك تواجهي الحقيقة، ويفضل يحترمك حتى وإنتِ بتتعلمي من أخطائك.
والأهم من كل ده؟
إنك متحتاجيش تحلقي شعرك على الزيرو عشان تهربي من حاجة مش عايزاها!
لأن أحيانًا، بدل ما الهروب يبعدك عن الشخص المناسب، ممكن يكون هو السبب اللي يخليك تقابليه.
تمت بحمد الله.
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق