في هذا المقال
سكريب شابة بلا مأوى تطلق سراح زعيم مافيات كاملة قصة شروق خالد
شابة بلا مأوى تطلق سراح زعيم مافيات مكبل بالسلاسل في مسلخ، وطلب منه أصابها بالرعب!
أول حاجة لفتت نظري في الراجل اللي كان متعلّق من خطاف اللحمة إنه بطل يترعش خلاص.
وتاني حاجة، إن فيه حد سابه هناك متعمّد، حافي على الثلج، في مبنى كان هيتهدّي كمان أربعة أيام.
والتالتة، صوته اللي كان هادي أوي والبرد بيسحبه للموت.
—قبل ما تنزليني، قوليلي فيه كم عربية برّه.
اللوح الخشبي المعفّن طقطق تحت جزمتي اليمين الساعة واحدة وسبع دقايق بالليل.
اتزحلقت على حبل الأمان بتاعي، اللي كنت ربطاه في عمود مصدي.
كتفي خبط في درابزين كُلّه تلج.
وتحت رجلي اتفتحوا تلات أدوار ظلام.
السلخانة القديمة كانت زمانه دلوقتي مقبرة طوب مكسور، مواسير متلجة، وخطافات حديد.
قضيت شتاين وأنا بفكك المباني الميتة.
عارفة إيه الدور اللي يشيل وزن، وإيه السلالم اللي مقلب، وإيه الأصوات اللي مش ممكن تكون في مبنى فاضي.
الصوت اللي سمعته لما رجعت للممر مكنش واحد من دول.
طفيت كشّافي ووقفت مكاني متسمرة.
عديت سبع دقات لقلبي.
صوت ضعيف.
سبعة كمان.
بطيء.
منتظم.
نَفَس.
مشيت ورا الصوت في ممر بيبانه معوجة.
الأوضة الأولى: مفيش.
التانية: خرابة.
التالتة: ضلمة.
في الأوضة الرابعة وقفت.
نَفَس.
زقيت الباب بكتفي لحد ما اتفتح بصريفة تطلع طقطقة تخدش.
طلع هوا ساقع أوي كأنه ليه وزن.
سلطت النور فوق: خط حديد، خطافات، تلج متعلّق زي سنان بيضا.
وشفته.
كان فيه راجل متعلّق من الخطاف اللي في النص.
إيديه متكلبشة فوق راسه وفيه سلسلة تانية لافة على وسطه.
كانوا مقلوعين جزمته.
رجليه العاريين لامسين طبقة مياه نص متلجة.
لابس بنطلون غامق وقميص أبيض مفتوح من الرقبة.
كان ضخم، في أوائل الأربعينات، وشعره فيه خصل فضي.
مبصّتش على وشه الأول.
تدريب قديم صحي جوايا قبل الخوف.
لون الجلد.
النَفَس.
شكل العضلات.
الرعشة.
مفيش أي رعشة.
ودي أكتر حاجة رعبتني.
الناس فاكرة إن الرعشة هي الخطورة في البرد الشديد.
لا، مش هي.
اللحظة المرعبة بجد هي لما الرعشة تقف.
حطيت الكشاف على كرتونة، وموجّهه للسقف عشان ما اعميهوش.
قربت عشان ألمس رقبته.
عنيه اتفتحت.
رمادي.
أصفى بكتير من العادي.
قلعت الجوانتي بتاعي وضاغط بصبعين تحت دقنه.
النبض.
بطيء.
ضعيف.
موجود.
— تقدري…؟
— دخلتي منين؟
صوته كان خشن بس مسيطر على نفسه.
— إيه؟
— المدخل.
— من الغرب.
— باب التحميل الرئيسي اللي في الغرب؟
— باب الشحن، ورا كومة البالتات.
— فيه كام عربية برّه؟
— مفيش.
— لفتّي على السور كله؟
— أيوة.
— كله؟
— أيوة.
— التلج غويط قد إيه؟
— فوق الكاحل بشوية.
— لسه بينزل؟
— أيوة.
هز راسه برقة.
وهنا فهمت.
مكنش بيسألني لو أقدر أنقذه.
كان بيقيس إذا كان المكان ده لسه فخ.
وإذا كنت بقوله الحقيقة ولا لأ.
طلعت من شنطتي القصافة اللي بقطع بيها النحاس اللي باكل منه عيش.
أول حلقة قطمت بصوت طلقة رصاص.
التانية أخدت وقت أكبر، عشان إيدي كانت بترعش وهو إيديه مبقتش تقدر ترعش.
لما آخر سلسلة وقعت، جسمه انهار زي شوال ميت.
مسكته بكتفي ونزلته على الأرض المتلجة.
نفسه كان خيط رفيع.
ساعتها إيده قفلت على معصمي.
مش ضعيفة.
مش مرتعشة.
ناشفة وزي الكلابشات الحديد.
واتكلم الأول، بصوت واطي ومهدج جمدني أكتر من التلج:
— حاجة كمان… وعاوزك تقولي أيوة.
— إيه هي؟
— خبيني النهاردة بالليل، في المكان اللي بتنامي فيه أنتِ.
عنيه الرمادي متتحركش.
— ولو جم قبل الفجر، اطفي النور، متعمليش أي صوت، واعملي نفسك أصلاً ما لقيتنيش.
— عشان لو عرفوا إني لسه بتنفس… مش جايين عشاني لوحدي.
بصيت في عينه الرمادي اللي مليانة غموض، وحرارة الخوف سرت في عروقي، بس حسيت إن مفيش مجال للنقاش أو الاختيار.
— قوم معايا… بس من غير صوت واحد.
سندته، وكان وزنه كله تقيل على كتافي. خرجنا من الباب الخلفي للسلخانة، والثلج كان بيغطي آثار رجليننا أول بأول. مشينا في الحواري المظلمة والمناطق الهادية لحد ما وصلنا لمخبلي؛ أوضة صغيرة فوق سطح مبنى قديم في حتة مقطوعة.
دخلت وقفلت الباب بالترباس وحطيت كرسي وراه للزوم الأمان. نيمته على الفرشة القديمة اللي على الأرض، وجريت أجيب طبق فيه مية دافية وحتة قماشة نضيفة.
كنت بمسح أثر الدم والتجمد من على جلده، وهو كان باصص للسقف بعينين بتراقب كل حركة كأنه قاعد في ساحة حرب مش مجرد أوضة خرقا.
— اسمك إيه؟ — سألته بصوت واطي وخايف.
— فؤاد. — قالها ونبرة صوته فيها حسم مش مسموح بالنقاش فيه. — ومن اللحظة دي، إحنا الاتنين في نفس المركب المخرومة.
قبل ما ألحق أرد، صوت عربية وقفت تحت المبنى على طول.
نور كشاف قوي عدى من شق الشباك وعمل خطوط بيضا على الحيطة المتقشرة.
فؤاد اتعدل في سرعة البرق، وشدني من دراعي وخلاني أنزل معاه على الأرض جنب الحيطة، وحط كفه القوي على بوقي عشان يكتم أي نَفَس.
برّه، صوت خطوات تانية تقيلة وطالعة على السلم الخشبي بتاع السطح… وتقرب من الباب خطوة بخطوة.
الخطوات وقفت برّه الباب بالضبط.
صوت احتكاك خشن على الخشب. حد كان بيلمس الترباس أو بيجرب يزق الباب.
النَفَس بتاعي كان واقف في زوري، وحرارة جسم فؤاد كانت لازقة في كتفي وهو كاتم بوقي بإيده القوية. عينه الرمادي كانت مثبتة على باب الأوضة، كأنه صقر بيستعد ينقض، رغم كل البرد والتعب اللي جسمه لسه طالع منه.
الصوت برّه سكت ثواني، وبعدين رجع صوت تلات رجالة بيتكلموا بصوت واطي وخشن:
— “فتشنا الدور اللي تحت.. اطلع شوف السطوح دي يمكن يكون خبى نفسه هنا ولا هنا.”
صوت خطوات تقيلة بدأت تطلع على السلم الخشبي، خشب السطح طقطق تحت رجليهم، وقربوا لدرجة إننا كنا سامعين صوت أنفاسهم من وراء الباب المخلّع.
إيدي على الأرض اتمسكت برملة وخشب قديم، كنت حاسة إن النهاية جت خلاص.
فجأة، الخطوات وقفت قدام الباب مباشرة، وتنهيدة قريبة قطعت النفس.
وبعدين… صوت راجل تاني نده من تحت:
— “يا عماد! تعال هنا.. لقينا أثر رجلين نازل على الناحية التانية من الشارع!”
الخطوات اللي برّه الباب ترددت ثواني، وبعدين رجعت تبعد بسرعة، وسامعين صوتهم وهو بينزلوا السلم نطة ورا نطة لحد ما الصوت اختفى في الشارع المظلم.
فؤاد شال إيده من على بوقي ببطء، وخد نَفَس عميق، ووشه كان باين عليه إن الإجهاد مأثر فيه بس هادي بشكل يخلي الواحد يخاف أكتر.
— “كانوا على بُعد خطوة.” — قالها بصوت واطي جداً.
بلعت ريقي بصعوبة وسألته، وصوتي كان بيترعش:
— “هما مين دول يا فؤاد؟ وإيه اللي جابك في السلخانة دي وأنت بالمنظر ده؟”
بص لي نظرة طويلة كأنه بيوزن إذا كان يقدر يثق فيا للآخر، وبعدين اتكلم بجدية:
— “اللي رموني هناك هم رجالتي.. أو بالأحرى، شريكي اللي حب يخلص مني عشان ياخد كل حاجة لوحده. ودول ناس مبيهزروش ومش هيسيبوا أثر وراهم.”
وقف بصعوبة واعتمد على دراعه، وكمل:
— “ولأنك شوفتيني وأنقذتيني، بقيتي في نفس الدائرة معايا يا…؟”
سكت وهو مستني اسمي.
رديت بصوت متهدج:
— “شروق.”
هز راسه ببطء وقال:
— “يا شروق.. لو فضلنا هنا دقيقة زيادة، هنموت إحنا الاتنين. قومي، لازم نتحرك فوراً قبل ما يفهموا لعبتنا.”
قمنا بسرعة. بصيت للفرشة والحتة اللي قاعدين فيها، بس مكنش فيه وقت للتفكير أو الحزن على أي حاجة.
— استنى يا فؤاد، رجليك لسه متاثرة من التلج والكلبشات. — قلتها وأنا بمد إيدي أجيب قطعة قماشة نضيفة أربط بيها رجله بسرعة عشان توقف الوجع شوية.
— مش وقته يا شروق، الوجع ده ولا حاجة قصاد الرصاص اللي هيستنانا لو فضلنا هنا دقيقة كمان. — قالها وهو بيسند بكتفه على الحيطة وبيحاول يوازن نفسه.
فتحت باب الأوضة بحذر شديد، وبصيت في السلم المظلم. الدنيا برّه كانت هدوء مرعب، والبرد قارس والثلج خفيف لسه بيطير في الهوا. سحبته ورايا ونزلنا على مهلنا، خطوة بخطوة، بنحاول متسيبش أي صوت يفتن علينا.
لما وصلنا للشارع، الهوا الساقع ضرب في وشنا زي السكاكين. فؤاد كان ماشي بصعوبة وبيداري ألمه بوش جامد، وعينه الرمادي بتراقب كل زاوية في الشارع المظلم كأنه بيقيس المسافات لاشتباك جاي.
— على فين؟ — سألني بصوت واطي وهو بيكح كحة خفيفة كاتمها بصعوبة.
— فيه ورشة تصليح قديمة في آخر المنطقة، بعيدة عن عيونهم ومفيش حد بيروحها خالص.. تعال ورايا.
مشينا في الحواري الضيقة والمظلمة، متواريين في ظل الحيطان، وكل عربية تعدي في الشارع الرئيسي كانت بتخلي قلبنا يقف في مكانه. وبعد مشقة وتعب، وصلنا قدام مبنى مهجور بابه مكسور.
فتحت الباب ودخلناه بسرعة. قعد على الأرض وهو بيلتقط أنفاسه بصعوبة، وبص لي بنظرة كلها تقدير وسط الجدية والبرود اللي في عينه.
— شكلك أصلب بكتير مما كنت متوقع يا شروق. — قالها وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة.
رديت عليه وأنا بقفل الباب بحذر:
— الشارع بيعلم يا فؤاد… ودلوقتي، قولي خطتك إيه؟ الناس دي مش هتبطل دوران لحد ما يلاقوك، وإحنا كده بقينا في وش المدفع.
فؤاد غمض عينه ثواني، ولما فتحها، نظرة الانتقام كانت بتلمع في عينه بوضوح:
— خطتي بسيطة… هندخل معركة كسر عظم مع الشريك الخاين ده، بس الأول لازم نجمع قوتنا ونعرف مين من رجالتي لسه مخلص ومستنيني، ومين اللي باعني في اللعبة دي.
بص في ركن الورشة المظلم، ودعك دماغه بإيده كأنه بيحاول يطرد الصداع ويفكر وسط التعب.
— معاكي تليفون؟ أي حاجة نقدر نتواصل بيها من غير ما يتتبعوا إشارتنا؟
فتحت شنطتي وطلعت جهاز قديم بشاشة مشروخة بس لسه شغال.
— ده أخدته من مبنى قديم كنت بفككه من فترة، الشريحة متشالة بس فيه شبكة طوارئ، وكنت بستخدمه أحياناً.
فؤاد أخد التليفون وبصه بتركيز شديد، وقال بصوت حازم:
— كويس جداً. مش هنخاطر ونكلم حد مكالمة عادية، بس لازم نبعت رسالة لرجل واحد بس من رجالتنا القدام… واحد اسمه “سليم”. لو هو لسه على العهد وماتباعش زي الباقيين، هيعرف إزاي يوصل لنا من غير ما حد يحس.
— وسليم ده مضمون؟ — سألته بقلق وأنا باصة للباب المكسور وعيني على الشارع.
— الوحيد اللي أقدر أثق فيه أكتر من نفسي. — قالها وهو بيضغط بحذر على أزرار التليفون القديم عشان يكتب الرسالة.
قعدنا في الضلمة دقايق طويلة، كل صوت في الشارع كان بيخلي أنفاسنا تقف. وفجأة، الشاشة الصغيرة نورت بهزة خفيفة… التليفون استقبل رد.
فؤاد بص في الشاشة، وابتسامة غامضة ظهرت على وسطه، وقال:
— اللعبة بدأت.. سليم رد، وقال إنه جايلنا حالا ومعه اللي هيخلينا نقلب الطاولة على الكل.
#حكايات_شروق_خالدمرت دقائق كأنها ساعات واحنا قاعدين في زاوية الورشة الضلمة، صوت الهوا وهو بيخبط في الصفيح برّه كان بيزود التوتر. فؤاد كان قاعد مركز بعينه الرمادي على الباب، وإيده على جيبه كأنه مستعد لأي مفاجأة.
فجأة، سمعنا صوت فرامل عربية وقفت بهدوء شديد بعيد عن الورشة بشوية، وبعدها خطوات خفيفة ومنتظمة بتقرب من الباب.
فؤاد اتشدّ في وقفته ورفع إيده إشارة لي عشان ألتزم الصمت، ووقف قدام الباب بظهر مستقيم رغم التعب اللي كان مأثر عليه.
خبطة خفيفة ومترتبة على الخشب: خبطتين… وبعدهم تلاتة.
فؤاد اتنفّس بعمق وفتح الباب بحذر شديد.
دخل شاب في أواخر العشرينيات، لابس جاكيت اسمر تقيل، وشعره مندي من التلج. أول ما شاف فؤاد واقف قدامه، عينه لمعت بدموع الفرحة والدهشة، ونزل على ركبة نص نزلة باحترام كبير.
— باشا… الحمد لله إنك عايش. كنت خايف أكون جيت متأخر.
— قوم يا سليم. — فؤاد مد إيده وقفه وضمّه بحرارة سريعة. — كنت عارف إنك الوحيد اللي مش هتبيعني.
سليم بص لي نظرة سريعة فيها استغراب، وبعدين رجع وبص لفؤاد وقال بجدية:
— الوضع برّه ولّع يا فؤاد بيه. “عماد” مسك الشغل كله، ووزّع رجالة في كل حتة ومفهم الكل إنك سافرت برا البلد فجأة، واللي يعترض بينهي أمره. بس أنا قدرت أخبي كمية س\لاح وفلوس في مخزن قديم بعيد عن عينهم.
فؤاد ضيق عينه والشرارة رجعت تنور فيها:
— كويس أوي.. عماد مفكر إنه خلص مني بالضربة القاضية، بس لسه ماعرفش إن العاصفة هتبتدي دلوقتي.
سليم فتح شنطة سودة صغيرة كان جايبها معاه، وطلع منها مس\دسين، خذنة رصاص إضافية، وجهاز تتبع صغير وبعض الأوراق، ومدّهم لفؤاد، وبعدين طلع تليفون صغير نظيف وداهولي وقال:
— خدي ده يا شروق، التليفون القديم ده ممكن يتراقب في أي لحظة.. وده أقل واجب ليكي بعد ما أنقذتي الباشا.
بصيت لفؤاد وهزيت راسه بامتنان، وأخذت التليفون.
فؤاد جهز الس\لاح، ولقم الرصاص بصوت معدني واثق، وبص لنا الاتنين وقال بصوت حاسم:
— يلا يا رجالة.. الليلة دي مش هنبات غير واحنا مستردين عرشنا، وعماد هيعرف مين هو فؤاد الروبلي بجد.
ركبنا عربية سليم، عربية دفع رباعي قديمة لونها أسود ومستخبية بين الشجر برّه الورشة. سليم كان سايق بحذر شديد، والنور مطفي عشان ما يلفتش نظر حد في الحواري الضلمة.
فؤاد كان قاعد في الكرسي اللي ورا، بيجهز المس\دس وبيفحص الخزنة بهدوء تام، وعينه الرمادي مثبتة على الطريق قدامنا. أما أنا فكنت ماسكة التليفون الجديد اللي سليم إداني لي، وباصة من إزاز العربية على الشوارع اللي بتعدي بسرعة.
— عماد قاعد ونايم في العسل دلوقتي يا فؤاد بيه، مفكر إنك في خبر كان وخلاص قفل اللعبة لصالحه. — قالها سليم وهو بيبص في المراية ودايس بنزين بحذر.
— خليه نايم، عشان فجوة النوم دي هي اللي هدخلّه منها. — رد فؤاد بصوت هادي بس مليان شرارة. — مقره الجديد فين دلوقتي؟ في الفيلا الرئيسية على كورنيش المقطم؟
— لأ يا باشا، نقل قاعدته مؤقتاً لمخزن كبير تحت الإدارة بتاعت الشركة القديمة في وسط البلد، هناك بيقابل الرجالة الكبار وبيتفق على صفقات بكرة وبيوزع الغنائم.
فؤاد ضحك ضحكة قصيرة وخشنة، وقال:
— حلو أوي.. وفر علينا مشوار طويل. اطلع بينا على وسط البلد يا سليم، وليلة عماد السودة هتبتدي حالا.
بصيت لفؤاد وقلبي بيدق جامد، حسيت إن البنت اللي كانت بتفكك النحاس عشان تأكل يومها، بقت في لحظة في قلب معركة بين كبار البلد. بس مكنش فيه رجوع… يا إما نخلص عليهم، يا إما نضيع كلنا.
حكايات_شروق_خالد
العربية بلعت الأسفلت بسرعة، وسليم كان سايق باحتراف بين الشوارع الجانبية لحد ما قربنا من منطقة وسط البلد. المباني القديمة كانت بتطل علينا بظلامها، والهوا الساقع كان بيلسع الوش.
سليم وقف العربية في حتة ظلام ورا جراج قديم، بعيد عن عيون الحراسة اللي كانت منتشرة حوالين المخزن الكبير.
فؤاد فتح باب العربية بهدوء، ونزل وهو بيظبط جاكيته ومس\دسه في جنبه. بص لينا أنا وسليم وقال بصوت حاسم:
— الخطة واضحة. سليم، هتقطع كاميرات التأمين من اللوحة الخلفية للمخزن، وشروق…
قاطعته وأنا بفتح باب العربية بنظرة ثابتة:
— مش هقعد في العربية يا فؤاد. أنا عارفة المداخل الخلفية للمباني دي أكتر من أي حد، وكنت بفكك مواسير وكابلات فيها قبل كده. أقدر أدخلكم من السطح من غير ما حد يحس بينا.
فؤاد بص لي بثواني من الصمت، كأنه بيوزن كلامي، وبعدين لمعت في عينه نظرة إعجاب وابتسم ابتسامة خفيفة وسط الظلمة:
— تمام يا شروق… يبدو إن الشارع فعلًا بيطلع أبطال. يلا بينا.
اتحركنا تلاتتنا بحذر شديد، قربنا من سور المخزن الخلفي. السكون كان بقطعو صوت الرياح، والدرج الحديدي المؤدي للسطح كان مصدي بس متين يكفي نطلع عليه من غير ما نعمل أي صوت.
سليم سبقنا بخطوات خفيفة وفتح باب السطح الصغير بمفتاح سحري جابه معاه، ودخلنا كلنا جوه المبنى… وهنا بدأت المعركة الحقيقية.
نزلنا ورا سليم على سلم الخدمة الضيق، الحديد بتاعه كان بيصدر طقطقة خفيفة خلتنا نقف ونمسك أنفاسنا لحد ما العدة هديت. سليم وقف قدام باب صغير بيوصل لغرفة التحكم، وفي ثواني معدودة، قطع الكهرباء والكاميرات عن الجناح الخلفي للمخزن.
— تمام، كده عيونهم اتعمات في الناحية دي. — قالها سليم بصوت واطي وهو بيبص لفؤاد بتركيز.
نزلنا دور كمان، وابتدينا نسمع أصوات جاية من الدور اللي تحت: ضحكات خشنة، وصوت كاسات بتخبط في بعض، وأصوات رجالة عماد وهم بيحتفلوا بنفوذهم الجديد وسلطتهم اللي لسه طازة.
وصلنا لممر طويل نصه منور بنور أصفر ضعيف. قدام باب مكتب كبير في آخر الممر، كان فيه حارسين واقفين، ماسكين س\لاحهم بكسل وباين عليهم الملل من السهرة والبرد.
فؤاد أشر لنا نقف في الظل. من غير ما يفكر ثانية، اتحرك بخطوات سريعة وخفيفة زي الأشباح. قبل ما الحارس الأول يلحق يلف، كانت إيد فؤاد حوالين رقبته بحركة خاطفة كسر فيها مقاومته، وفي نفس اللحظة سليم كان خلص على الحارس التاني بحركة احترافية من غير ما يصدروا أي صوت.
سحبنا الاتنين ورا باب أوضة جانبية فاضية، وخدنا نفسنا بصعوبة بالغة.
فؤاد ظبط مس\دسه، وبص للباب الخشبي الكبير اللي قدامنا، اللي وراه صوت عماد وهو بيقول بصوت عالي واثق ومليان غرور:
— “خلاص يا رجالة.. فؤاد انتهى، ومن بكرة السوق كله وبضاعته هتكون في إيدينا لوحدنا، ومحدش يقدر يفتح بوقه!”
فؤاد ضحك ضحكة قوية وباردة هزت حوائط الممر، وبإشارة قوية منه، دفش الباب برجله بعنف لحد ما انفتح على مصراعيه بصوت مرعب سمّر الكل في مكانه!
الصدمة نزلت على الكل كالصاعقة.
الكاسات وقعت من إيدين الرجالة وانكسرت على الأرض، وعينين “عماد” اتسعت لحد ما كادت تجحظ من مكانها وهو باصص للباب بذهول مرعب، كأنه شايف شبح طالع من القبر.
— فؤاد؟!
الكلمة طلعت من زوره مهزوزة ومكسورة وسط سكوت تام جه في الأوضة. البشاشة والغرور طاروا في ثانية، وحل محلهم رعب حقيقي وهو شايف فؤاد واقف قدامه بكامل هيبته وعنفوانه، ومس\دسه موجه ناحيته مباشرة، وسليم وأنا واقفين في ضهره زي حراس الموت.
فؤاد مشي خطوتين ببطء وثبات، صوت جزمه على الأرض كان هو الصوت الوحيد الموجود في الأوضة، وبص لعماد بنظرة باردة تحرق الزلط:
— مفاجأة مش كده يا عماد؟ شكل السلخانة كانت أضيق بكتير من إني أموت فيها لوحدي.
عماد بلع ريقه بصعوبة وحاول يتماسك، ومد إيده ببطء ناحية س\لاحه اللي على الترابيزة قدامه، بس فؤاد كان أسرع.
طاخ!
رصاصة نزلت حفرت في الترابيزة على بُعد سنتيمترات من إيد عماد، وخلته يشيل إيده فوراً وهو بيرتجف.
— لو فكرت بس تلمس الس\لاح، الرصاصة الجاية مش هتكون في الخشب يا عماد. — قالها فؤاد بصوت حاسم وقاطع زي السيف.
رجالة عماد وقفوا مكانهم مچمدين، مش عارفین يتحركوا ولا يرفعوا س\لاح، خصوصاً لما شافوا سليم موجه س\لاحه عليهم هما كمان.
عماد حاول يتكلم وصوته بيترعش:
— فؤاد.. اسمعني.. اللعبة… اللعبة كلها كانت…
قاطعه فؤاد وهو بيقرب منه لحد ما وقف فوق دماغه تماماً:
— اللعبة خلصت يا عماد.. ودلوقتي، جه وقت الحساب.
عماد كان عرقان بغزارة، والدم نشف في عروقه. بص حواليه على رجالته اللي كانوا واقفين مش عارفین يعملوا إيه، وكل واحد فيهم بيدور على طريقة يخلّص بيها نفسه بعد ما شافوا فؤاد اللي كانوا فاكرين إنه مات، واقف قدامهم كأنه شبح انتقام.
— رجالتك اللي واقفين دول يا عماد… — قال فؤاد بصوت هادي ومرعب — مفكرين إنهم بيبعوا ويشتروا مع راجل خلص، لكنهم ماعرفوش إن فؤاد الروبلي مبيقعش بالضربة القاضية بسهولة.
واحد من رجالة عماد الكبار بلع ريقه بصعوبة، وببطء شديد فتح إيده وس\لاحه وقع على الأرض بصوت معدني مكتوم. وبعده التاني والتالت، لحد ما الصالة كلها بقت مليانة بصوت الس\لاح وهو بيترمي واحد ورا التاني، وكل واحد فيهم بيبعد خطوة للورا خوفاً من غضب فؤاد.
عماد حس إن الخناقة انتهت وإن الكفة مالت تماماً، فوقع بضهره على الكرسي ووشه أصابه الشحوب، وقال بصوت مكسور ومرتجف:
— عاوز إيه يا فؤاد؟ الشغل… الصفقات… الفلوس كلها تحت إيدك، هسيبلك كل حاجة بس… بس سيبني عايش.
فؤاد قرب منه أكتر، ووطى لحد ما بقى في مستوى وشه، وبص له بابتسامة ساخرة وباردة:
— الفلوس والشغل يرجعوا أصحابهم يا عماد، بس خيانتك دي ملهاش تمن غير الحساب. سليم.. اربطه كويس، وخلّي الرجالة دي تفهم مين صاحب البيت الحقيقي.
سليم اتحرك فوراً، وبحركة سريعة ومحترفة كتف عماد على الكرسي بحبل قوي، وبص لباقي الرجالة بحسم وقال بصوت قاطع:
— من اللحظة دي، اللي هيفكر ينطق بحرف أو يعمل حركة زيادة، نهايته هتكون جنب عماد.
سودت لحظة صمت في الأوضة، وبعدين فؤاد لف ناحيتي وبص لي بنظرة كلها تقدير واحترام، وابتسم وقال:
— شكراً يا شروق.. دخلتي السلخانة الصبح شابة غلبانة بتدور على لقمة عيشها وسط السقيع، وخرجتي بطلة وقفت في وش العاصفة ورجعتني للحياة. من اللحظة دي، مفيش برد ولا شقاء تاني.. حقك واصل وزيادة.
بصيت له وقلبي ارتاح، وحسيت إن كل الليالي الصعبة اللي قضيتها في الشارع والشتا والمباني المهدومة مكنتش غير اختبار لطريق أطول وأقوى. ابتسمت له وقلت بصوت واثق:
— الشارع علمني إزي أستحمل البرد يا فؤاد.. بس الأهم إني عرفت إني أقدر أكون جزء من حكاية تخلص بانتصار.
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق