أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

سكريبت ببت اخويا كامله

أخويا أصر يودي أمي دار مسنين، ولما اعترضت قاللي لو مش عاجبك خديها عندك! ولما جهز العربية عشان ياخدها، أمي مالت عليا وهمستلي بجملة جمدتني في أرضي، جملة متأكدة لو أخويا سمعها هيطب ساكت من الصدمة!!!!

محمدمحمدالكاتب 13 د للقراءة 0.00 المراجعات
سكريبت ببت اخويا كامله

 سكريبت ببت اخويا كامله حكايات زهرة حصري


 


 


 

سكريبت ببت اخويا كامله حكايات زهرة حصري


 


 

أخويا أصر يودي أمي دار مسنين، ولما اعترضت قاللي لو مش عاجبك خديها عندك! ولما جهز العربية عشان ياخدها، أمي مالت عليا وهمستلي بجملة جمدتني في أرضي، جملة متأكدة لو أخويا سمعها هيطب ساكت من الصدمة!!!!

أنا أمنية، عندي تلاتة وتلاتين سنة، وعندي أخ أكبر مني اسمه محمود، وعمري ما تخيلت إن اليوم اللي هقف فيه عاجزة قدام أمي وهي بتتساق لدار مسنين هييجي في حياتي.

أبويا ماټ وإحنا لسه صغيرين، وأنا كنت وقتها عندي سبع سنين، ومحمود كان عنده خمستاشر سنة. ومن يومها أمي بقت الأب والأم والسند والضهر لينا إحنا الاتنين.

كانت بتشتغل في البيوت، وتخيط هدوم للجيران، وتقوم من الفجر عشان تجهز لنا أكلنا قبل ما ننزل مدارسنا. عمرها ما خلتنا نحس إننا أيتام، ولا إنها ست لوحدها بټصارع الدنيا من غير راجل يسندها.

وفاكرة كويس لما خالتي عرضت عليها تتجوز راجل محترم كان عايز يسترها، أمي رفضت من غير حتى ما تفكر.

قالتلها وقتها أنا مش هعرف أجيب راجل غريب بيتي وأولادي لسه صغيرين. أنا هربيهم وأكبرهم، وبكره لما يكبروا هيعوضوني عن كل اللي شوفته.

كانت بتقول الجملة دي وهي بتبص لنا، وعينيها مليانة أمل، كأنها كانت شايفة مستقبلنا قدامها، ومستنية اليوم اللي ترتاح فيه من تعب السنين.


 


 

وفعلًا، كبرنا واتخرجنا، ومحمود اتجوز الأول وخلف ولد وبنت، وبعده أنا اتجوزت كريم، راجل طيب وابن حلال، بيحبني وبيحترمني، وعمره ما زعلني بكلمة.

بس أمي فضلت عايشة مع محمود لأنه ابنها الكبير، وكانت دايمًا تقول إنها مش عايزة تبعد عنه ولا عن أحفادها.

في الأول، محمود كان بيهتم بيها، وبيوديها للدكاترة، ومراته هبة كانت بتتعامل معاها كويس قدامي. 

لكن مع مرور السنين، أمي كبرت، وأمراض الشيخوخة بدأت تظهر عليها واحدة ورا التانية.

يوم ضغطها يعلى، ويوم رجليها توجعها، ويوم تحتاج تروح لدكتور قلب، وبعده لدكتور عظام. بقت محتاجة رعاية ومتابعة، ومواعيد دكاترة وأدوية طول الوقت.

ومحمود، مع مسؤوليات شغله وعياله، بدأ يتضايق. ومراته كمان بقت تتعامل مع أمي كأنها حمل تقيل على البيت.

كنت كل ما أروح أزورها، ألاقيها ساكتة ومكسوفة من نفسها، وتفضل تعتذر لي عن أي حاجة تطلبها.

كانت تقوللي معلش يا بنتي، أنا عارفة إني تعباهم معايا، بس أعمل إيه؟ العمر ليه أحكامه.

وأنا كنت برجع بيتي وقلبي بيتقطع عليها، بس كنت فاكرة إن مهما حصل، محمود مستحيل يتخلى عنها.

لحد اليوم اللي كلمني فيه وقاللي إنه قرر يوديها دار مسنين!

أول ما سمعت كلامه، حطيت إيدي على صدري من الصدمة وقلتله إنت اټجننت يا محمود؟! إنت بتقول إيه؟ دي أمنا!

رد عليا ببرود أنا تعبت يا أمنية، ومبقتش قادر أستحمل.


 

أنا عندي شغل وعيال ومسؤوليات، ومش معقول أفضل طول اليوم أجري بيها على الدكاترة، ليه انا اللي استحمل واشيلها.

قلتله پغضب علشان إنت ابنها الوحيد! هي دي اللي شالتنا إحنا الاتنين، وحرمت نفسها من الجواز والراحة عشاننا. إنت نسيت كل ده؟

رد بسخرية شالتنا؟ برافو عليك ، هيه شالتنا احنا الاتنين يعني لو مش عاجبك، خديها عندك!

ساعتها حسيت ان مفيش امل من الكلام معاه.

مشيت من عنده وأنا مخڼوقة، وروحت حكيت لجوزي كريم عساه يحن ويوافق تيجي عندي

لكنه اتنهد بحرج وقاللي بصي يا أمنية، أنا مقدر زعلك، وعارف إن أمك غالية عندك، بس خلينا نبقى واقعيين. محمود ابنها، وهو أولى برعايتها مني

قولتله بدموع.


 

..بس هو خلاص مش راضي وهيوديها الدار

اتنهد بحزن وقالي....والله يا حببتي كنت اتمنى اساعد ...بس انا لما جيت اتجوزك امي كانت عيزاني اعيش


 


 


 

وياها في بيت ابويا..وانا جبت الشقه دي وزعلتها وصممت اعيش وحدي عشان استقل فمش هقدر بعد ما اخترت أبعد عن أمي أقولك هاتِ أمك تعيش معانا.

كلامه وجعني، بس ملقتش رد أقوله. هو فعلًا معاه حق و أنا كنت عارفة إنه مش هيوافق إنها تعيش معانا.

فضلت طول الليل بعيط، وأنا بفكر هعمل إيه، لحد ما جه الصبح وقررت أروح لأمي وأكون معاها وهي بتروح الدار، على الأقل أعرف مكانها وأقدر أزورها كل يوم.

ولما وصلت، لقيت محمود مجهز العربية، وهبة واقفة عند الباب ووشها مش قادر يخبي فرحته، وبتقول لأمي بنبرة مصطنعة معلش يا حماتي، هنفضل نيجي نزورك على طول، وإنتِ هترتاحي هناك أكتر من هنا.

أمي كانت قاعدة على كرسي بعجل، ودموعها نازلة في صمت. كانت بتبص لشقتها، ولأوضة نومها، وللحاجات اللي عاشت وسطها سنين، وكأنها بتودع عمرها كله مش مجرد بيت.

أما أنا، فكنت واقفة جنبها بعيط، ومش قادرة أصدق إن الست اللي ضحت بعمرها كله عشاننا، بقت في يوم وليلة عبء محدش عايز يشيله.

امي بصتلي وسط دموعها وابتسمت ابتسامة صغيرة، ابتسامة وجعت قلبي أكتر من عياطها.

وبعدين شورتلي أقرب منها.

نزلت لمستواها، فمالت عليا وهمست في ودني بجمله واحده خلت جسمي كله اتخشب، وبصيتلها وأنا مش مصدقة اللي سمعته.


 

رفعت عيني ناحية محمود، اللي كان واقف مستعجل وبيبص في ساعته، وحطيت إيدي على بقي من الصدمة، وقلبي بيدق پعنف، وأنا بفكر في حاجة واحدة بس...

يا ترى محمود هيعمل إيه لو سمع اللي امي قالته ؟ متاكده انه مممكن يطب ساكت فيه!!!

أمي مسكت إيدي بقوة، وبصتلي بعيون مليانة دموع، وهمستلي بصوت واطي

أوعي تسيبيني يا أمنية... أنا مش خاېفة من دار المسنين، أنا خاېفة على أخوكي من نفسه! محمود فاكر إن الشقة دي شقته، وإنه صاحب الفضل عليا، بس هو ميعرفش إن أبوكي الله يرحمه كتب الشقة باسمي أنا، وإن عندي ورق لو عرف حقيقته عمره ما هيبصلي في عيني تاني!

حسيت إن الأرض بتلف بيا، وبصيتلها وأنا مش مستوعبة كلامها.

همست لها إنتِ بتقولي إيه يا أمي؟! شقة إيه اللي باسمك؟ وإيه الورق اللي بتتكلمي عنه؟

أمي مسحت دموعها بطرف طرحتها، وبصت ناحية محمود اللي كان واقف عند العربية بيزعق للسواق عشان يستعجل.

وبعدين قالتلي أبوكي قبل ما ېموت بسنة، كان عارف إن مرضه صعب، وخاف عليا من الدنيا ومنكم لما تكبروا. راح للشهر العقاري وسجل الشقة باسمي، وخلاني أمضي على ورق تاني يضمن حقي فيها. محمود عارف إن الشقة شقة أبوه، بس ميعرفش إنها بقت ملكي أنا من يوم ما أبوكي كتبها باسمي.

اتسعت عيني، وقلتلها طب ليه يا أمي ساكتة كل السنين دي؟

وليه مستحملة معاملته دي؟

ردت بحزن عشان ده ابني يا بنتي، وأنا طول عمري كنت مستعدة أخسر أي حاجة إلا ولادي. كنت فاكرة إن لما يكبروا ويشوفوا تعبي، هيخافوا عليا زي ما خفت عليهم. مكنتش عايزة الفلوس ولا الشقة تدخل بينكم، وكنت بقول يمكن محمود يفوق لوحده.

الكلام نزل على قلبي زي الحجر.

أمي اللي ضحت بعمرها كله عشاننا، كانت لسه بتدافع عن ابنها حتى وهو بيكسر قلبها!

قبل ما أقدر أرد عليها، محمود قرب مننا وقال بضيق خلصتوا همس؟ يلا يا أمي، أنا ورايا شغل ومش فاضي للمنظر ده!

وبعدين بصلي وقال وإنتِ يا أمنية، بدل ما ټعيطي وتعملي فيها بنت الأصول، تعالي خدي حاجتها اللي عايزاها، عشان إحنا لازم نمشي.


 

بصيتله، ولأول مرة في حياتي مشوفتش فيه أخويا الكبير


 

اللي كان بيحميني وأنا صغيرة. شوفت واحد ناسي إن أمه كانت بتبات من غير عشا عشان تشبع بطنه.

قلتله بهدوء محمود، إنت متأكد إنك عايز تودي أمي الدار؟

رد بعصبية أيوه! هو أنا هفضل أضيع عمري عشانها؟ كفاية اللي شوفته!

ساعتها أمي رفعت راسها وقالتله يا محمود، أنا عايزة أسألك سؤال قبل ما أمشي.

اتنهد وقال خير يا أمي؟

قالتله فاكر لما كنت في ثانوي، وأبوك ماټ، وكنت عايز تسيب التعليم وتشتغل؟

قال أيوه، فاكر. وإيه علاقة ده بالموضوع؟

قالتله فاكر لما بعت دهبي عشان تدفع مصاريف الكلية؟ ولما كنت بشتغل في البيوت وأرجع إيدي مشققة من الصابون، وأقولك إني كنت عند جارتنا عشان متحسش إني بتعب؟ فاكر لما اتجوزت، ودفعتلك من تحويشة عمري عشان تفرش شقتك؟

محمود اتنرفز وقال أيوه يا أمي، فاكر كل حاجة، بس إنتِ هتفضلي تحاسبيني على اللي عملتيه طول عمرك؟

أمي هزت راسها بحزن.

لا يا ابني، أنا عمري ما حاسبتك. أنا كنت بعمل ده عشانك من قلبي. بس كنت فاكرة إنك لما تكبر، هتفتكر إن أمك دي بني آدمة، وإن ليها حق ترتاح وتعيش مكرمة.

هبة كانت واقفة بعيد، ولما سمعت الكلام دخلت بسرعة وقالت يا جماعة، إحنا اتفقنا إننا هنوديها دار مسنين، مش هنقعد نفتح دفاتر قديمة!


 

بصتلها أمي وقالت ربنا يسامحك يا بنتي، أنا عمري ما قصرت معاكي، وكنت بعتبر عيالك زي عيالي.

هبة مردتش، ولفت وشها الناحية التانية.

أما محمود فمسك كرسي أمي وقال يلا بقى، كفاية كلام!

لكن المرة دي، أنا وقفت قدامه ومنعته.

قلتله استنى يا محمود. قبل ما تاخد أمي من بيتها، لازم تعرف إنك مش صاحب البيت زي ما إنت فاكر.

بصلي باستغراب، وقال إنتِ بتقولي إيه؟

أمي رفعت إيدها وطلبت مني أسكت، وبعدين بصتله بنفسها.

الشقة دي يا محمود ملكي، وأبوك الله يرحمه سجلها باسمي قبل ما ېموت.

محمود ضحك ضحكة قصيرة، كأنه سمع نكتة سخيفة.

إيه الكلام الفاضي ده؟! شقة أبويا إزاي تبقى ملكك؟!

ردت أمي بثبات لأن أبوك كان راجل بېخاف على مراته، وكان عارف إن الدنيا ملهاش أمان. وأنا معايا العقد المسجل، ولو مش مصدق، روح اسأل بنفسك.

وشه اتغير، وبص لهبة، وبعدين رجع بص لأمي.

يعني إنتِ مخبية عني الكلام ده طول السنين دي؟!

قالتله أنا مخبية عنك إيه؟ دي شقتي، وأنا كنت سايباك تعيش فيها إنت ومراتك وعيالك من غير ما أطلب منك إيجار ولا جنيه. كنت فاكرة إن البيت ده هيفضل بيتنا كلنا.

هنا هبة قربت وقالت بتوتر طب وإحنا هنروح فين لو الشقة باسمك؟!

أمي بصتلها وقالت هو إنتِ كنتِ فاكرة إن الشقة بتاعتكم؟

هبة سكتت، ومحمود بدأ يتكلم بسرعة يا أمي، إنتِ فاهمة غلط.

إحنا مكناش بنطردك، إحنا بس كنا بندور على مكان ترتاحي فيه، ومش معنى إننا قلنا دار مسنين إننا مش عايزينك!

بصيتله بمرارة وقلت غريبة! من شوية كنت بتقول إنك مش قادر تستحملها، وإنها حمل تقيل عليك. دلوقتي لما عرفت إن الشقة ملكها، بقيت خاېف عليها وبتدور على راحتها؟

صړخ في وشي إنتِ ملكيش دعوة بيني وبين أمي!

رديت عليه دي أمي أنا كمان، وۏجعها ۏجعي. وإنت بنفسك قلتلي أخدها عندي لو مش عاجبني، ولما عرفت إن ليها حق في الشقة، اتغير كلامك!

أمي كانت بتبصله بحزن، مش پشماتة ولا پغضب، وده كان أصعب عليه من أي كلام.

وبعد لحظات، قالتله يا محمود، أنا مش هحرمك من حاجة، ولا عايزة أطلعك من بيتي.

أنا بس عايزة أعرف لو مكنش عندي الشقة دي، كنت هتسيبني في الدار فعلًا؟

محمود فتح


 


 

بقه عشان يرد، لكنه معرفش يقول حاجة.

فضل ساكت، وعينيه بتزوغ من عينيها.

والسكوت ده كان كفاية.

أمي غمضت عينيها، ونزلت دمعة على خدها، وقالت كنت أتمنى أسمع منك إنك مش هتقدر تعيش من غيري، مش إنك خاېف على الشقة.

في اللحظة دي، حسيت إن أخويا لأول مرة يشوف نفسه على حقيقتها.

لكن بدل ما يعترف بغلطه، قال طيب خلاص، مفيش داعي نكبر الموضوع. أمي هتفضل معانا، وأنا هجيب لها ممرضة تساعد في رعايتها.

بصيتله وقلت مش كل حاجة تتحل بالفلوس يا محمود. أمي كانت محتاجة منك كلمة حلوة، وقعدة جنبها، وإحساس إنها مش عبء عليك.

أمي رفعت إيدها ومسحت دموعها، وقالت أنا مش هفضل في بيت حد وهو حاسس إني تقيلة عليه. أنا عايزة أعيش بقية عمري في راحة، مش كل ما أطلب كوباية مية أحس إني بطلب منه عمره.

وبعدين بصتلي وقالت يا أمنية، أنا عايزة أجي أعيش معاكي.

قلبي اتقبض. افتكرت كلام كريم، وخۏفي من إنه يرفض، لكن المرة دي مكنش ينفع أسيب أمي تواجه مصيرها لوحدها.

مسكت إيدها وقلت تعالي معايا يا أمي. أنا هتصرف، ومش هسيبك تاني.

محمود اټصدم وقال يعني إيه تاخديها؟! دي أمي، وأنا أولى بيها!

ردت أمي بهدوء كنت أولى بيا يا محمود لما كنت محتاجة لك، لكن إنت اللي اخترت تبعدني عنك.

وبعدها طلبت منه يجيب شنطتها من جوه.

هبة حاولت تتكلم، لكن محمود وقفها بإيده، وفضل واقف مكانه مش عارف يعمل إيه.

أخدت أمي وروحت بيها بيتي.

أول ما كريم فتح الباب وشافني داخلة بكرسي أمي وشنطتها، اتفاجئ، وبصلي من غير كلام.

قلتله ودموعي في عيني دي أمي يا كريم. الست اللي تعبت وشقيت عشان تربي ولادها. أنا مش هقدر أعيش وأنا عارفة إنها في مكان غريب وبتعيط كل ليلة. لو هنختلف، نختلف، بس أنا مش هسيبها.

كريم سكت شوية، وبعدين بص لأمي، اللي كانت منزلة راسها من الكسوف، وقالها اتفضلي يا أمي، البيت بيتك.

وأنا آسف لو كلامي امبارح وجعك، بس كنت خاېف من المسؤولية، مش منك إنتِ.

أمي رفعت عينيها ليه، والدموع نزلت من غير ما تتكلم.

أما أنا فبصيت لجوزي بامتنان، وحسيت إن ربنا بعتلي فرصة أصلح حاجة كنت فاكرة إني عاجزة عنها.

الأيام الأولى كانت صعبة. أمي كانت محتاجة متابعة وعلاج، وكريم ساعدني نرتب أوضتها ونجيب سرير طبي يناسب حالتها، واتفقنا مع ممرضة تيجي تساعدنا في الأوقات اللي بنكون فيها مشغولين.

ومع الوقت، البيت اتغير. بقى فيه صوت أمي وهي بتدعيلنا، وريحة الأكل اللي بتحبه، وحكاياتها القديمة اللي كانت بتحكيها لنا وإحنا قاعدين حواليها.

أما محمود، فاختفى أسبوعين كاملين، لا اتصل ولا سأل عليها.

كنت كل ليلة أقول لأمي أكلمه يا أمي؟ يمكن يكون ندمان.

فترد عليا سيبيه يا بنتي، اللي عايز أمه يعرف طريقها.

وبعد شهر، جه محمود لوحده.

كان وشه باين عليه التعب، ولما دخل وشاف أمي قاعدة في الصالة، قرب منها وركع قدام كرسيها، وقال بصوت مكسور سامحيني يا أمي.

أمي فضلت ساكتة، وهو كمل أنا كنت أناني. اتعودت إنك دايمًا موجودة، وإنك هتسامحيني مهما عملت، لحد ما نسيت إن ليكي قلب بيتوجع. لما رجعت البيت ومش لقيتك، حسيت إن كل حاجة ناقصة. حتى عيالي سألوني إنتِ فين، ومقدرتش أبص في عينيهم.

وبعدين طلع من جيبه ظرف وحطه في إيدها.

قال دي فلوس كنت موفرها، وعايزك تستخدميها في علاجك. وأنا عارف إن الفلوس مش هتصلح اللي عملته، بس أنا عايز أبدأ من جديد، لو تسمحيلي.

أمي بصتله طويلًا، وبعدين قالت أنا مسامحاك يا محمود،

عشان إنت ابني، لكن السماح مش معناه إنك تنسى اللي حصل. أنا مش عايزاك تيجي عشان الشقة، ولا عشان خاېف تخسر حق مش بتاعك. أنا عايزاك تيجي عشان وحشتك أمك.

محمود نزل راسه وعيط زي الطفل الصغير.

ومن يومها، بدأ ييجي يزور أمي بانتظام، وياخدها للدكتور، ويقعد معاها من غير ما يبص في ساعته كل شوية. وهبة كمان بدأت تيجي معاه، ومع الوقت فهمت إن أم محمود مش منافسة ليها، وإن احترامها مش هيقلل من مكانتها في البيت.


 

أما الشقة، فأمي فضلت محتفظة بيها، وقررت إنها تأجرها وتستخدم إيجارها في علاجها واحتياجاتها، من غير ما تحرم نفسها من حقها ولا تدخل في خلافات على الملكية. وخليت كل أوراقها مع محامٍ موثوق عشان تضمن إن حقوقها محفوظة.

بعد ست شهور، كنا قاعدين كلنا حوالين أمي في عيد ميلادها، وأحفادها بيضحكوا حواليها، ومحمود ماسك إيدها وبيقولها إنه مش هيسيبها تحس بالوحدة تاني.

أمي بصتلي وابتسمت، وبعدين قالت عارفة يا أمنية؟ أنا كنت فاكرة إن أكبر خسارة في عمري هي مۏت أبوكي، لكن اكتشفت إن أصعب حاجة على الأم إنها تفضل عايشة وتشوف ولادها بيتغيروا عليها.

مسكت إيدها وبوستها، وقلت وإحنا اتعلمنا يا أمي إن اللي بيحب حد بجد، مبيستناش لما يخسره عشان يعرف قيمته.

ومن يومها، فهمت إن البيت مش مجرد شقة ولا حيطان، وإن بر الوالدين مش كلام بنقوله قدام الناس، لكنه موقف بنختاره لما محدش بيكون شايفنا.

وأصعب درس اتعلمه محمود كان إن أمه، اللي قضت عمرها كله بتديله من غير ما تطلب مقابل، مكانتش محتاجة منه شقة ولا فلوس.


 

كانت محتاجة تحس إنها لسه أم، مش عبء.

والحمد لله، قبل ما يفوت الأوان، قدر يصلح جزء من اللي كسره.

تابع جديد محمد

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق