أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

سكريبت الحقيقه الي ظهرت كل شي

أختي أجبرت ابني آدم اللي عنده ست سنين إنه ياكل جنب الحمامات في حفلة عيد ميلاد أمي، وقالت قدام كل الناس: «الأطفال اللي زيه مينفعش يقعدوا مع العيلة». وأمي شافت اللي حصل ولفت وشها وسابته. الساعة 12:07 بعد نص الليل، أمي اتصلت بيا وهي بتعيط. افتكرت إنها عايزة تعتذر

محمدمحمدالكاتب 29 د للقراءة 0.00 المراجعات
سكريبت الحقيقه الي ظهرت كل شي

 سكريبت الحقيقه الي ظهرت كل شي حكايات صافي هاني


 


 

سكريبت الحقيقه الي ظهرت كل شي حكايات صافي هاني


 

### الحقيقة اللي اتخبّت سنين


 

أختي أجبرت ابني آدم اللي عنده ست سنين إنه ياكل جنب الحمامات في حفلة عيد ميلاد أمي، وقالت قدام كل الناس: «الأطفال اللي زيه مينفعش يقعدوا مع العيلة». وأمي شافت اللي حصل ولفت وشها وسابته. الساعة 12:07 بعد نص الليل، أمي اتصلت بيا وهي بتعيط. افتكرت إنها عايزة تعتذر، لكن اتصدمت لما كشفتلي إيه اللي ابني لازم يعمله عشان يستحق يقعد معانا على سفرة عيد الشكر…


 

كريستين أختي أخدت طبق الأكل من قدام ابني آدم من غير ما تستأذنه، وشالت الفراخ والفاصوليا الخضرا والعيش وخرجت بيهم من قاعة الحفلة وحطتهم على كرسي في الطرقة جنب الحمامات.


 

ولما رجعت قالت قدام الكل: «الأطفال اللي زيه مينفعش يقعدوا مع العيلة».


 

آدم اللي عنده ست سنين بص ناحيتي، وكان لابس القميص اللي اخترناه سوا عشان عيد ميلاد جدته الستين، وكان طول الوقت قاعد بهدوء بيطوي المنديل بتاعه على شكل مركب صغير.


 

قبل ما ألحق أقوم من مكاني، أختي حطت إيدها على كتفه وخرجته بره القاعة.


 

بصيت لأمي، كانت واقفة جنب التورتة وماسكة السكينة، وعينيها تابعت آدم وهو خارج، وبعدها لفت وشها وكأنها مش شايفة حاجة.


 

أنا أميرة، عندي أربعة وتلاتين سنة، وبشتغل مسّاحة أراضي، وكنت جايبة ابني معايا عشان نفرح بعيد ميلاد جدته. جوزي أحمد كان مسافر مع فريق شغله لإصلاح أضرار العاصفة، فحضرت الحفلة لوحدي ومعايا آدم وسط خمسين شخص من العيلة والمعارف.


 

طول الأسبوع آدم كان بيتدرب يقول: «كل سنة وإنتي طيبة يا تيتة»، لأن بعض الحروف كانت بتاخد منه وقت أطول في النطق، وكان نفسه يقول الجملة من غير ما يتلخبط.


 

آدم طفل هادي وبيحب الحفارات الصفراء، وكان ممكن يفضل يحكي عنها بالساعات. وكان بيتابع مع أخصائية التخاطب في المدرسة مرتين كل أسبوع، وأنا كنت متابعة حالته وعارفة كل خطوة في علاجه.


 

أما أختي كريستين، فكانت أخصائية سلوك، لكنها عمرها ما سألتني عن حالة آدم ولا عن طريقة التعامل المناسبة معاه.


 

خرجت للطرقة ولقيته واقف جنب الكرسي وطبقه فوقه، وصوت مجفف الإيدين في الحمام كان عالي.


 

قعدت على الأرض جنبه، فشد الكرسي ناحيتي وقعد وهو حاطط الطبق على رجله.


 

سألني: «ماما هو ده المكان اللي الأطفال بياكلوا فيه؟»


 

قلت له: «لأ يا حبيبي، دي مجرد طرقة».


 

سألني: «ينفع نغني لتيتة برضه؟»


 

قلت له: «طبعًا نقدر نعمل اللي إحنا عايزينه».


 

قسم قطعة العيش واداني الجزء الأكبر، وبدأنا ناكل سوا. وبعد شوية كريستين ظهرت وقالتلي: «دي استراحة تنظيمية، إنتي اللي مكبرة الموضوع».


 

رديت عليها: «ده عنده ست سنين، ومش هسيبه ياكل هنا».


 

قالت بثقة: «أنا بشتغل مع أطفال طول اليوم، وعارفة أنا بعمل إيه».


 

قلت لها: «مش مع ابني».


 

وبعدين رجعت القاعة مع آدم، ولقيت أمي بتقطع التورتة وبتدي بنت كريستين ملك قطعة من الركن عليها وردة كريمة كبيرة، زي ما بتعمل كل مناسبة.


 

أمي بصت لنا، وبصت لطبق آدم، وبعدها بصت ناحية الطرقة. استنيت منها كلمة واحدة تدافع بيها عن حفيدها، لكنها كملت تقطيع التورتة.


 

قلت لها: «كل سنة وإنتي طيبة يا ماما، إحنا هنمشي».


 

ردت ببرود: «خلي بالك وإنتي سايقة».


 

في العربية، آدم سألني: «ماما هو أنا عملت حاجة غلط في الحفلة؟»


 

حبست دموعي وقلت: «لأ يا حبيبي، إنت معملتش أي حاجة غلط».


 

ولما وصلنا البيت كان نام، وجوزي أحمد اتصل بيا الساعة تسعة وربع، وحكيتله كل اللي حصل، فسكت شوية وبعدين قال: «هرجع الصبح، ومش عايزك توافقي على أي حاجة يطلبوها منك».


 

فضلت صاحية لحد الساعة 12:07 بعد نص الليل، لما أمي اتصلت بيا وهي بتعيط.


 

قالت: «أنا آسفة يا أميرة، أنا عارفة إن اللي حصل كان غلط».


 

افتكرت إنها أخيرًا فهمت اللي عملته في حفيدها، لكن كلامها اتغير فجأة وقالت: «أنا محتاجة منك طلب واحد بس، عايزاكي تمضي على استمارة تقييم آدم اللي كريستين بعتها لك».


 

وفي نفس اللحظة وصلتني رسالة من أختي فيها استمارة موافقة باسم العيادة اللي بتشتغل فيها.


 

أمي قالت: «لو آدم نجح في التقييم، هيقعد معانا على سفرة عيد الشكر، جنبي أنا بالظبط».


 

سألتها وأنا مش مصدقة: «يعني إيه لو نجح؟ هو ابني داخل امتحان عشان يستحق يقعد مع عيلته؟»


 

أمي بدأت تعيط أكتر وقالت: «يا أميرة، كريستين بتقول إن فيه مشكلة لازم نحلها، ولو رفضتي التقييم مش هتقدري تلومي غير نفسك».


 

قفلت المكالمة وكتبت وقت اتصالها على ظرف، وبعدها بصيت لاستمارة الموافقة من غير ما أفتحها.


 

لكن قبل ما أحط الموبايل، وصلتني رسالة تانية من كريستين، وكان مكتوب فيها:


 

«قبل ما ترفضي، لازم تعرفي إن التقييم مش عشان آدم بس… فيه حاجة اكتشفناها في ملف قديم من أيام طفولتك، وأمي مش عايزة تعرفك الحقيقة».


 

ساعتها حسيت إن موضوع آدم مش مجرد تقييم، وإن أمي وأختي مخبيين عني سر بقاله سنين، ويمكن السبب اللي خلّى أمي تسكت النهارده كان أكبر بكتير مما تخيلت.


 

فضلت باصة للموبايل فترة طويلة، وبعدين دخلت على الرسالة اللي بعتها كريستين وكتبتلها:


 

«إنتي تقصدي إيه بملف طفولتي؟ وإيه علاقة ابني بالموضوع؟»


 

الرسالة اتقرت، لكن مفيش رد.


 

بعد حوالي عشر دقايق سمعت صوت مفتاح أحمد في الباب. دخل وهو باين عليه التعب، حط شنطته جنب الباب وأول حاجة سألني عنها كانت آدم.


 

قلتله إنه نايم، وإنه من ساعة ما رجع من الحفلة وهو بيسألني إذا كان عمل حاجة غلط.


 

أحمد قرب مني وحط إيده على كتفي وقال:


 

«أنا مش هسمح لحد يخلي ابننا يحس إنه أقل من أي طفل تاني، حتى لو كان الشخص ده جدته أو خالته».


 

وريته الرسالة والاستمارة.


 

فضل يقرا فيها، وبعدها رفع عينه وقال:


 

«إنتي تعرفي إن كريستين ممكن تعمل تقييم لطفل من غير موافقة ولي أمره؟»


 

قلتله:


 

«طبعًا لأ، وهي أصلًا مش دكتورة آدم ولا مسؤولة عن علاجه».


 

فتح الاستمارة وبدأ يقرا التفاصيل، وفجأة لاحظنا إن فيه جزء مكتوب فيه اسم شخص تاني باعتباره المسؤول عن طلب التقييم.


 

الاسم كان اسم أمي.


 

بصيت لأحمد باستغراب وقلت:


 

«ماما هي اللي طلبت التقييم؟»


 

رد:


 

«واضح إن الموضوع متخطط له من قبل حفلة عيد الميلاد».


 

قعدنا نراجع الورق، ولقينا إن التقييم مش مجرد متابعة للنطق زي ما أمي قالت، لكنه بيتضمن ملاحظات عن سلوك الطفل وتفاعله مع أفراد العيلة وقدرته على الالتزام بالتعليمات.


 

أحمد قفل الملف وقال:


 

«إحنا مش هنمضي على حاجة قبل ما نفهم هما عايزين إيه».


 

تاني يوم الصبح صحيت على رنة الموبايل. كانت كريستين.


 

رديت من غير مقدمات.


 

قالت بنبرة هادية:


 

«صباح الخير يا أميرة، أتمنى تكوني هديتي شوية».


 

قلت لها:


 

«أنا هادية، وعايزة أفهم إيه حكاية الملف القديم».


 

سكتت لحظة وبعدين قالت:


 

«تعالي العيادة النهارده، وهفهمك كل حاجة».


 

قلت:


 

«لا، أنا عايزة أعرف دلوقتي».


 

قالت:


 

«الموضوع أكبر من اللي إنتي متخيلاه، ومش هينفع نتكلم في التليفون».


 

قفلت المكالمة.


 

بعدها بنص ساعة أمي اتصلت، وطلبت مني أروح لها البيت لوحدي.


 

أحمد رفض إني أروح لوحدي، لكنه قال إنه مش هيضغط عليا، وإنه هيفضل مستنيني بره.


 

وصلنا بيت أمي قبل الضهر. فتحت لنا الباب وكانت عينيها وارمة من العياط، وباين إنها منمتش طول الليل.


 

أول ما دخلت بصت ورايا وسألت:


 

«آدم مجاش معاكي؟»


 

قلت:


 

«لأ، ومش هجيبه مكان فيه ناس شايفين إنه مش من حقه يقعد معاهم».


 

نزلت عينيها وقالت:


 

«أنا عارفة إني غلطت».


 

رديت عليها:


 

«إنتي مش غلطتي بس، إنتي شوفتي حفيدك بيتطرد من مكانه وسكتي، وبعدها اتصلتي بيا تطلبي مني أمضي ورقة عشان تسمحوله يقعد على سفرة العيلة».


 

قعدت على الكنبة وغطت وشها بإيديها.


 

وبعد شوية دخلت أوضتها ورجعت بصندوق خشب قديم، وحطته على الترابيزة قدامي.


 

قالت:


 

«الصندوق ده كان بتاع جدتك، وأنا محتفظة بيه من سنين».


 

فتحته ولقيت صور قديمة وشهادات مدرسية وخطابات متجمعة في ملفات.


 

أمي طلعت ملف لونه أزرق وفتحته على صفحة فيها اسمي وأنا في سن ست سنين.


 

كان فيه تقرير مدرسي قديم بيتكلم عن تأخر بسيط في النطق وصعوبة في التعبير قدام الناس، وإن المدرسة كانت بتنصح بمتابعة تخاطب ودعم تعليمي.


 

فضلت باصة للورقة وأنا مش فاهمة.


 

قلت:


 

«إيه ده؟»


 

أمي ردت بصوت واطي:


 

«إنتي كنتي شبه آدم جدًا وإنتي صغيرة».


 

حسيت إن قلبي اتقبض.


 

قالت إنها كانت بتاخدني لمواعيد متابعة، وإن كريستين كانت وقتها طفلة صغيرة بتشوف كل اللي بيحصل، وإن العيلة كانت بتخاف من كلام الناس.


 

لكن اللي صدمني مش التقرير نفسه.


 

الصدمة كانت في الورقة اللي بعده.


 

كان فيه خطاب من المدرسة بيطلب من أمي إنها توافق على نقلي لفصل فيه دعم إضافي، لكنها رفضت ووقعت إنها مش محتاجة أي مساعدة.


 

بصيت لها وقلت:


 

«ليه رفضتي؟»


 

قالت وهي بتعيط:


 

«كنت خايفة عليكي من كلام الناس، وكنت فاكرة إن الموضوع هيعدي مع الوقت».


 

سألتها:


 

«وإيه علاقة كريستين بكل ده؟»


 

قبل ما ترد، سمعنا صوت المفتاح في الباب.


 

كريستين دخلت ومعاها ملف كبير، وأول ما شافتني قالت:


 

«كويس إنك جيتي، لأن فيه حاجة لازم تشوفيها بنفسك».


 

حطت الملف على الترابيزة وفتحته، وطلعت منه صورة قديمة ليا وأنا طفلة واقفة في حفل مدرسي، وبجانبي أمي وكريستين.


 

قلت:


 

«إيه علاقة الصورة بالموضوع؟»


 

كريستين ردت:


 

«دي مش مجرد صورة، دي من نفس الفترة اللي اتكتب فيها التقرير».


 

وبعدين طلعت ورقة تانية وقالت:


 

«أنا اكتشفت إن ماما قدمت معلومات غير صحيحة عن حالتك للمدرسة، وإنها كانت بترفض أي مساعدة تتقدم لك».


 

بصيت لأمي، وكانت ساكتة.


 

كريستين كملت:


 

«أنا من وقت ما شفت آدم في الحفلة وأنا مقتنعة إن التاريخ بيتكرر، وإن ماما بتحاول تخبي نفس المشكلة تاني».


 

اتعصبت وقلت لها:


 

«آدم مش مشكلة، ومش معنى إن عنده صعوبة بسيطة في النطق إنه يبقى نسخة من طفولتي».


 

قالت:


 

«أنا عارفة، لكن فيه حاجة تانية إنتي مش عارفاها».


 

طلعت ورقة من آخر الملف ومدتهالي.


 

كانت رسالة قديمة مكتوبة بخط أمي، وموجهة لمديرة المدرسة، وفيها طلب واضح إنها تمنعني من المشاركة في حفل المدرسة عشان مكنتش قادرة أقول كلمة الترحيب بشكل صحيح.


 

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.


 

سألت أمي:


 

«إنتي عملتي فيا كده؟»


 

أمي انهارت في العياط وقالت:


 

«أنا كنت خايفة عليكي، ومكنتش عايزاكي تتعرضي للإحراج».


 

قلت لها:


 

«بس إنتي اللي حرمتيني من إني أعيش طفولتي بشكل طبيعي».


 

فضلت كريستين واقفة ساكتة، وبعدها قالت:


 

«فيه سبب تاني خلاني أطلب تقييم آدم».


 

بصيت لها.


 

قالت إن أمي كانت بتجهز من فترة إنها تسجل بعض ممتلكاتها باسم كريستين، وإنها كانت عايزة تتأكد إن مفيش أي خلاف عائلي ممكن يحصل بسبب طريقة تربية الأطفال أو بسبب وجود احتياجات خاصة داخل العيلة.


 

قلت باستغراب:


 

«يعني إنتي عايزة تثبتي إن ابني عنده مشكلة عشان إيه؟»


 

كريستين اتلخبطت، وأمي رفعت راسها بسرعة وقالت:


 

«لأ يا أميرة، مش ده قصدي».


 

لكن كريستين ردت:


 

«ماما كانت عايزة كل حاجة تبقى واضحة قبل ما تتخذ قراراتها».


 

في اللحظة دي فهمت إن أمي مش بس كانت بتخاف من كلام الناس، لكنها كانت بتسمح للخوف ده يتحكم في حياة ولادها وأحفادها.


 

قمت من مكاني وقلت:


 

«أنا مش همضي على أي تقييم، ولو آدم محتاج مساعدة هياخدها من المتخصصين اللي بيتابعوه، مش من حد بيستخدم شغله عشان يضغط على عيلته».


 

خرجت من البيت وأنا حاسة إن في حاجات كتير اتكسرت جوايا.


 

لكن المفاجأة الحقيقية كانت مستنياني في البيت.


 

لما رجعت لقيت أحمد قاعد على الترابيزة، وقدامه ظرف كبير، وقال إنه وصل مع مندوب الصبح، وإن عليه اسم أمي.


 

فتحنا الظرف ولقينا جواه جواب مكتوب بخط جدي الله يرحمه، وكان موجه ليا أنا بالاسم.


 

بدأت أقراه، وكل سطر كان بيكشف حاجة جديدة.


 

جدي كان كاتب إنه كان عارف إن أمي رفضت مساعدتي وأنا صغيرة، وإنه حاول أكتر من مرة يتدخل، لكنه كان بيتراجع كل مرة بسبب المشاكل اللي بتحصل في البيت.


 

وفي آخر الجواب كتب إنه سايب ليا أمانة، وإنه طلب من المحامي يحتفظ بيها لحد ما أكبر وأكون قادرة أفهم الحقيقة.


 

كان فيه رقم تليفون وعنوان مكتب محامي قديم.


 

أحمد بصلي وقال:


 

«لازم نعرف إيه الأمانة دي».


 

تاني يوم اتصلت بالمحامي، وحددلي ميعاد.


 

لما رحت المكتب، استقبلني راجل كبير في السن، وكان فاكر جدي كويس جدًا.


 

فتح درج مكتبه وطلع ملف باسمي، وقال:


 

«جدك طلب مني أسلمك الملف ده بنفسك لو حصل خلاف عائلي بسبب حقوقك أو بسبب أي من أحفاده».


 

فتحت الملف ولقيت أوراق ملكية لمحل تجاري وشقة صغيرة كانت ملك جدي، ومعاهم وصية واضحة إن نصيبي من الممتلكات محفوظ ليا ولابني آدم.


 

لكن اللي خلاني أستغرب إن فيه شرط مكتوب في آخر الوصية.


 

المحامي شرحلي إن جدي كان عارف إن أمي ممكن تحاول تتصرف في الممتلكات من غير ما ترجعلي، فعشان كده طلب تسجيل حقي بشكل رسمي وعدم نقل أي ملكية قبل التأكد من موافقتي.


 

رجعت البيت وأنا مش عارفة أفرح ولا أزعل.


 

بعد يومين أمي اتصلت بيا وطلبت تقابلني، المرة دي وافقت، لكن أحمد أصر ييجي معايا.


 

لما دخلنا لقيت كريستين موجودة، وملك بنتها قاعدة جنبها، وأمي حاطة قدامها صور قديمة لجدي.


 

أمي بدأت كلامها وقالت:


 

«أنا عارفة إنك زعلانة مني، بس أنا عايزة نرجع زي الأول».


 

قلت لها:


 

«الرجوع مش بكلمتين، إنتي لازم تفهمي إن آدم مش هيبقى طفل بيطلب رضاكم عشان تقبلوه».


 

كريستين قالت:


 

«إنتي بتكبري الموضوع، أنا كل اللي كنت عايزاه مصلحة الطفل».


 

أحمد رد عليها:


 

«مصلحة الطفل إنكم تحترموه، مش تحطوه في طرقة جنب الحمامات».


 

ملك اللي كانت قاعدة ساكتة رفعت راسها فجأة وقالت لأمها:


 

«ماما، هو ليه آدم كان بياكل بره؟ هو عمل حاجة وحشة؟»


 

كريستين بصتلها بسرعة وقالت:


 

«إحنا بنتكلم يا ملك، متدخليش».


 

لكن البنت فضلت باصة لأمها وقالت:


 

«بس أنا شوفته كان بيعيط لما خالتي خرجت معاه، وأنا كنت عايزة أقعد جنبه».


 

أمي بدأت تعيط تاني، أما كريستين فوشها اتغير.


 

ملك كملت:


 

«أنا كمان مش عايزة حد يخليني أقعد لوحدي لما أكبر».


 

الكلام ده كان أقوى من أي مواجهة حصلت بيني وبين أختي.


 

قربت منها وقلت:


 

«إنتي مش غلطانة يا ملك، وآدم كمان مش غلطان».


 

بعدها أمي طلبت مني أسامحها، وقالت إنها هتعتذر لآدم بنفسها.


 

وافقت بشرط إنها متحاولش تفرض عليه أي حاجة، وإن الاعتذار يكون من غير تبرير ولا لوم.


 

وبعد كام يوم، أمي جات بيتنا.


 

آدم كان بيلعب بالحفارات في الصالة، ولما شافها وقف وبصلي.


 

أمي نزلت لمستواه وقالت:


 

«أنا آسفة يا آدم، أنا غلطت لما خليتك تاكل بعيد عننا، ومكانش ينفع أسمح لحد يضايقك».


 

آدم فضل ساكت شوية وبعدين سألها:


 

«هو أنا ينفع أقعد جنبك المرة الجاية؟»


 

أمي دموعها نزلت وقالت:


 

«إنت ينفع تقعد في أي مكان يا حبيبي، ده بيتك زي ما هو بيتي».


 

آدم ابتسم ورجع يلعب.


 

أما كريستين فمبعتتش اعتذار، لكنها بعتت رسالة قالت فيها إنها محتاجة وقت عشان تفهم اللي حصل، وإنها مش هتطلب مني أوافق على التقييم تاني.


 

عدت الأيام، وقرب عيد الشكر.


 

أمي بعتت دعوة لينا كلنا، لكن المرة دي كتبت في آخرها بخط إيدها:


 

«آدم مكانه محفوظ على السفرة، ومحدش من حقه يحدد إذا كان يستحق يقعد معانا أو لأ».


 

قررت أروح، مش عشان أثبت لأمي حاجة، لكن عشان آدم يعرف إن الغلط اللي حصل مكنش بسببه.


 

يوم العيد وصلنا، وكان آدم ماسك في إيده حفارة صفراء صغيرة جابها معاه.


 

أول ما دخلنا، أمي قامت من مكانها وراحت استقبلته، وأشارت للكرسي اللي جنبها.


 

قالت:


 

«ده مكانك يا آدم».


 

قعد وهو مبتسم، وبدأ يحكي لجدته عن الحفارة الجديدة، وهي كانت بتسمعه باهتمام.


 

وبعد شوية كريستين وصلت ومعاها ملك.


 

ملك جريت على آدم وقعدت جنبه، وقالتله إنها جابتله هدية صغيرة.


 

طلعت من شنطتها رسمة كانت راسماها في البيت، فيها سفرة كبيرة وحواليها كل أفراد العيلة، وكان آدم مرسوم قاعد جنب جدته.


 

آدم فرح جدًا، وحط الرسمة جنب طبقه.


 

افتكرنا إن اليوم هيعدي بهدوء، لكن قبل ما نبدأ الأكل، أمي قامت وطلبت من الكل يسمعها.


 

قالت إنها عايزة تعتذر قدام العيلة كلها عن اللي حصل في عيد ميلادها، وإنها غلطت لما سمحت لآدم يتعامل بالطريقة دي.


 

وبعدين بصتلي وقالت:


 

«وفيه حاجة تانية لازم تعرفوها».


 

طلعت صورة قديمة من شنطتها وحطتها على الترابيزة.


 

كانت صورة ليا وأنا صغيرة، واقفة جنب جدي في نفس البيت.


 

قالت:


 

«جدكم قبل ما يموت طلب مني أحافظ على حق أميرة، وأنا للأسف مخبتش عنها الحقيقة بس، أنا كمان حاولت أتصرف في حاجة هو كان سايبها ليها».


 

كريستين اتغير وشها وقالت:


 

«ماما، مش هنا».


 

أمي ردت:


 

«لأ، لازم هنا، كفاية سكوت».


 

وبعدين قالت إن المحل اللي جدي سابه ليا كان مصدر دخل ثابت، وإنها كانت بتاخد إيجاره من سنين من غير ما تقولي، وكانت بتقول لنفسها إنها بتحافظ على حقي لحد ما أحتاجه.


 

بصيت لها وقلت:


 

«يعني كنتي عارفة بحقوقي طول الوقت؟»


 

هزت راسها وهي بتعيط.


 

لكن المفاجأة إن المحامي كان بعتلها إخطار رسمي قبلها بأيام بخصوص الملكية، وطلب منها توضيح المبالغ اللي استلمتها خلال السنين اللي فاتت.


 

كريستين قامت من مكانها وقالت:


 

«أنا ماليش دعوة بالموضوع ده».


 

أمي بصتلها وقالت:


 

«إنتي عارفة كل حاجة، وإنتي اللي قلتيلي إن أميرة مش هتطالب بحقها».


 

ساعتها بصيت لأختي وقلت:


 

«إنتي كنتي عارفة إن ليّا حق، وبدل ما تقوليلي، حاولتي تخلي ابني ينجح في تقييم عشان تسمحي له يقعد مع العيلة؟»


 

كريستين ماردتش.


 

ملك كانت باصة لأمها بحزن، وبعدين مدت إيدها ومسكت إيد آدم.


 

أما أنا فجمعت أوراقي وحطيتها في شنطتي، وقلت لأمي:


 

«أنا مش جاية النهارده عشان فلوس ولا ممتلكات، أنا كنت جاية عشان ابني يحس إنه وسط عيلته، لكن واضح إننا محتاجين نبدأ من الأول».


 

قمت من مكاني، وأحمد شال شنطة آدم، لكن قبل ما نخرج أمي نادت عليا.


 

قالت:


 

«أميرة، استني، فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها».


 

لفيت ناحيتها.


 

قالت وهي بتبص لكريستين:


 

«التقييم اللي أختك كانت عايزة تعمله لآدم مكنش فكرتها لوحدها، أنا اللي طلبت منها تدور في أوراقك القديمة، وأنا اللي طلبت منها تثبت إن حالته شبه حالتك زمان».


 

سألتها:


 

«وليه؟»


 

أمي مسحت دموعها وقالت:


 

«لأن جدك كان سايب رسالة تانية، وكنت خايفة توصلك».


 

طلعت من درج السفرة ظرف قديم عليه اسمي، وقالت إنه وصلها بعد وفاة جدي، لكنها خبتّه عني.


 

أخدت الظرف وفتحته، ولقيت جملة واحدة مكتوبة بخط جدي:


 

«يا أميرة، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى لازم تعرفي إن اللي حصل معاكي وإنتي صغيرة مكانش مجرد خوف من كلام الناس، وكان فيه شخص من العيلة هو السبب في حرمانك من حقك، وأنا محتفظ بدليل يثبت ده».


 

رفعت عيني من الورقة وبصيت لأمي وكريستين.


 

أمي غطت وشها بإيديها، وكريستين رجعت خطوة لورا.


 

وفي اللحظة دي فهمت إن السر اللي اتخبى سنين لسه مخلصش، وإن الشخص اللي جدي كان بيتكلم عنه موجود قدامي على نفس السفرة…


 

لكن لما قلبت الظرف ولقيت الاسم المكتوب في آخره، اكتشفت إن الشخص ده مش أمي ولا كريستين… ده كان أقرب إنسان ليا في طفولتي، واللي طول عمري كنت فاكرة إنه الوحيد اللي وقف جنبي!


 

ملاحظة: القصة الكاملة تجدونها مثبتة في التعليقات على صفحة عالم السطور، مش في الجروبات. اضغطوا على اسم الصفحة وهيظهر لكم المنشور باللينك 


 

#حكايات_صافي_هاني #حصرياً


 

قلبت الظرف بإيدي وأنا حاسة إن قلبي بيدق بسرعة، وعيني وقعت على الاسم المكتوب في آخر الرسالة.


 

كان اسم خالي محمود، أخو أمي الأصغر، الشخص اللي طول طفولتي كنت بعتبره أقرب حد ليا، واللي كان دايمًا بياخدني في حضنه لما أرجع من المدرسة زعلانة، ويقولي إن مفيش حاجة في الدنيا تستاهل إني أعيط.


 

فضلت باصة للاسم ومش قادرة أستوعب.


 

قلت لأمي: «خالي محمود؟ إنتوا تقصدوا خالي محمود؟»


 

أمي نزلت عينيها وقالت: «أيوه يا أميرة».


 

حسيت إن رجلي مش شايلاني، وقعدت على أقرب كرسي.


 

قلت: «إيه اللي عمله خالي؟ وإيه علاقته بالتقرير القديم؟»


 

أمي فضلت ساكتة، لكن كريستين اتكلمت بدلها وقالت: «خالك كان وقتها مسؤول عن متابعة موضوعك مع المدرسة، وكان هو اللي بيروح يستلم التقارير ويتكلم مع المدرسين».


 

بصيت لها وقلت: «وبعدين؟»


 

ردت: «هو اللي طلب من ماما إنها متوافقش على نقلك لفصل الدعم، وقال لها إن وجودك في الفصل العادي أحسن لمستقبلك، وإن الموضوع مجرد تأخر بسيط وهيتحسن».


 

قلت وأنا مش مصدقة: «يعني خالي كان بيدافع عني؟ إيه الغلط في كده؟»


 

أمي رفعت عينيها وقالت: «استني لما تسمعي الباقي».


 

طلعت ورقة تانية من الصندوق، كانت عبارة عن خطاب من المدرسة، وفيه طلب من ولي الأمر حضور اجتماع لمناقشة احتياجاتي التعليمية.


 

لكن في آخر الخطاب كان فيه توقيع باسم خالي محمود، وتحت التوقيع جملة مكتوبة بخط إيده بتقول إنه موافق على متابعة حالتي.


 

سألت أمي: «هو وافق على المساعدة، وإنتي اللي رفضتي؟»


 

هزت راسها وقالت: «لأ، هو مضى على الموافقة من غير ما يقولي، ولما عرفت حصلت بينا مشكلة كبيرة».


 

كريستين تدخلت وقالت: «بس ده مش كل حاجة».


 

بصيت لها، فكملت: «بعد الاجتماع، المدرسة طلبت إنك تدخلي برنامج متابعة لفترة معينة، وخالي كان مصمم إنك تكملي، لكن ماما رفضت، وبعدها حصلت مشكلة بين الاتنين، وخالي بطل ييجي البيت فترة طويلة».


 

افتكرت فجأة إن خالي اختفى من حياتنا فترة وأنا صغيرة، وإن أمي كانت بتقولي إنه مسافر بسبب شغله، وإنه مشغول ومش هيقدر يزورنا.


 

قلت: «طب ليه جدي كان كاتب إنه فيه دليل؟»


 

أمي مدت إيدها للصندوق وطلعت ظرف تاني، وقالت: «جدك كان محتفظ بنسخة من خطاب خالك، وكان عارف إننا ممكن نختلف يوم من الأيام».


 

فتحت الخطاب وبدأت أقراه.


 

كان خالي كاتب إنه مش موافق على الطريقة اللي أمي بتتعامل بيها معايا، وإنه شايف إني محتاجة مساعدة مش عقاب، وإنه مستعد يتحمل مصاريف المتابعة لو أمي مش قادرة.


 

وفي آخر الخطاب كتب جملة وقفت عندها كتير:


 

«أنا مش عايز أميرة تكبر وهي فاكرة إن اختلافها عيب، ولا عايزها تخاف تتكلم قدام الناس».


 

دموعي نزلت من غير ما أحس.


 

لكن كان فيه سؤال واحد لسه محتاج إجابة.


 

قلت لأمي: «طيب ليه جدي كان مخبي الخطاب؟ وليه انتي مخبية كل ده عني؟»


 

أمي ردت بصوت مكسور: «لأن خالك لما عرف إن جدك محتفظ بالخطاب، طلب منه يسيبه بعيد عنك، وقال إنه مش عايزك تعرفي إن العيلة اختلفت بسببك».


 

بصيت لها وقلت: «هو كان بيحاول يحميني، وإنتي كنتي بتحاولي تخبي عني الحقيقة».


 

أمي ما ردتش.


 

أحمد كان واقف جنبي طول الوقت، ولما شاف إني تعبت قال: «كفاية لحد كده النهارده، أميرة محتاجة ترتاح».


 

لكن قبل ما نخرج، موبايل أمي رن.


 

بصت للشاشة واتغير وشها.


 

كان خالي محمود.


 

ردت عليه وقالت: «محمود، أميرة عرفت».


 

سمعت صوته من الناحية التانية وهو بيسألها: «عرفت إيه؟»


 

أمي قالت: «عرفت موضوع المدرسة والخطابات القديمة».


 

سكت شوية، وبعدها قال: «خليها متجيش عندك، أنا اللي هروح لها».


 

قفلت أمي المكالمة وبصتلي.


 

قلت لها: «أنا مش ههرب من الحقيقة، لو خالي عنده حاجة يقولها ييجي ويقولها قدامي».


 

رجعنا البيت، وطول الطريق كنت بفكر في خالي محمود، وفي كل مرة كان بييجي يزورني وأنا صغيرة ويجيبلي لعبة أو كتاب، وفي كل مرة كان بيقولي إني شاطرة وإن عندي قدرة أعمل أي حاجة نفسي فيها.


 

وصلنا البيت ولقيت آدم مستنينا في الصالة، أول ما شافني جري عليا وحضني.


 

سألني: «ماما، إنتي كنتي زعلانة؟»


 

ابتسمت ومسحت على شعره وقلت: «كنت بفكر في حاجات قديمة يا حبيبي».


 

راح جاب الحفارة الصفراء بتاعته وقال: «أنا عملت طريق طويل، وعايزك تشوفيه».


 

قعدت جنبه على الأرض، وفضل يشرحلي إزاي الحفارة بتشيل التراب وإزاي بتجهز الطريق للعربيات.


 

وأنا بسمعه افتكرت كلام خالي في الخطاب، وحسيت إن آدم مش محتاج حد يثبت إنه يستحق يكون وسطنا، هو محتاج بس ناس تسمعه وتحترمه.


 

تاني يوم الساعة عشرة الصبح، جرس الباب رن.


 

فتحت ولقيت خالي محمود واقف، وشعره بقى أبيض أكتر من آخر مرة شوفته فيها، وفي إيده شنطة جلد قديمة.


 

أول ما شافني ابتسم وقال: «كبرتي يا أميرة».


 

لكن أنا مقدرتش أبادله الابتسامة.


 

قلت: «اتفضل يا خالي، أنا مستنياك».


 

دخل وقعد في الصالة، وبص لآدم اللي كان بيلعب على السجادة.


 

سأله: «إنت آدم؟»


 

آدم هز راسه.


 

خالي ابتسم وقال: «أنا خالك الكبير محمود».


 

آدم قرب منه وسأله: «إنت بتحب الحفارات؟»


 

ضحك خالي وقال: «كنت بحبها وأنا صغير».


 

آدم جاب لعبته وقعد يشرحله أجزاءها، وخالي فضل يسمعه باهتمام، وبعدها بصلي وقال: «شايفة؟ ده طفل ذكي جدًا».


 

قلت له: «أنا مش محتاجة حد يقوللي إن ابني ذكي، أنا عايزة أعرف الحقيقة».


 

خالي سكت، وبعدها فتح الشنطة وطلع ملف قديم.


 

قال: «أنا جاي عشان أقولك كل حاجة، ومش هخبي عنك أي تفصيلة».


 

بدأ يحكي إن وقت ما كنت صغيرة، أمي كانت رافضة فكرة إن المدرسة تقدملي أي مساعدة، وكانت شايفة إن الكلام عن صعوبات النطق هيخلي الناس تبصلي بشكل مختلف.


 

وإنه حاول يقنعها إن ده حق طبيعي لأي طفل، وإن المساعدة مش عيب ولا تقلل من قيمة حد.


 

لكن أمي كانت مصممة على رأيها.


 

بعدها طلع ورقة وقال: «دي نسخة من الخطاب اللي بعته لجدك، ودي رسالة تانية كتبتها له بعد ما عرفت إن أمك رفضت كل حاجة».


 

قريت الرسالة، ولقيته بيطلب من جدي يتدخل ويحافظ على حقي، وبيأكد إنه مستعد يساعدني لحد ما أقدر أعتمد على نفسي.


 

سألته: «طيب ليه بعد كده اختفيت من حياتنا؟»


 

نزل عينيه وقال: «لأن أمك طلبت مني أبعد، وقالت إن وجودي في حياتك بيخليكي ترفضي كلامها، وإنك بقيتي بتسمعي كلامي أكتر منها».


 

قلت: «وإنت وافقت؟»


 

رد بحزن: «كنت فاكر إن البعد هيهدي المشاكل، وكنت بقول لنفسي إني هقدر أرجع لما تكبري، لكن السنين عدت، وكل مرة كنت أقرر أزورك كنت بتراجع».


 

سكت لحظة وبعدين قال: «وده كان أكبر غلط عملته في حياتي».


 

في اللحظة دي آدم قرب منه ورفع الحفارة وقال: «خالو محمود، بص، أنا عملت طريق لحد عندك».


 

خالي أخد اللعبة منه وقال: «طريق جميل يا بطل».


 

وبعدين بصلي وقال: «أنا عايز أقولك حاجة مهمة عن أختك كريستين».


 

حسيت إن الموضوع لسه مخلصش.


 

قال إن كريستين كانت صغيرة وقت الخلافات القديمة، لكنها كبرت وهي بتسمع من أمي إن أي طفل عنده صعوبة في التواصل لازم يتعامل معاه بطريقة صارمة، وإن ده السبب اللي خلاها تختار تخصصها وتعتقد إنها دايمًا صاحبة القرار.


 

لكن ده ميديش لها الحق إنها تتدخل في علاج آدم أو تستخدمه وسيلة للضغط عليا.


 

سألته: «يعني هي كانت عارفة كل حاجة عن طفولتي؟»


 

رد: «كانت تعرف جزء من الحكاية، لكن مش كل التفاصيل».


 

وقبل ما يكمل، موبايله رن.


 

رد، وسمعته بيقول: «أيوه يا جدي… لأ، أنا عند أميرة دلوقتي».


 

اتجمدت مكاني.


 

قلت له: «إنت بتكلم مين؟»


 

قفل المكالمة وبصلي وقال: «فيه حاجة تانية لازم تعرفيها، جدك قبل ما يتوفى كان مسجل رسالة صوتية ليكي، وطلب مني أوصلهالك لما تكوني مستعدة».


 

طلع جهاز صغير من الشنطة، وفضل يحاول يشغله لحد ما اشتغل.


 

سمعت صوت جدي لأول مرة من سنين.


 

قال بصوت هادي:


 

«أميرة يا بنتي، لو بتسمعي كلامي دلوقتي، يبقى فيه حاجات كتير اتأخرت في حياتك، وأنا آسف إني معرفتش أصلحها وأنا موجود. عايزك تعرفي إنك مكنتيش يومًا أقل من حد، وإن اللي حصل في طفولتك مش ذنبك، ولا ذنب أي طفل محتاج مساعدة. وفيه حق تاني ليكي لازم تعرفيه، حق يخص والدك، وكنت مستني الوقت المناسب عشان أقولك عليه».


 

الرسالة وقفت فجأة.


 

بصيت لخالي محمود وسألته: «حق يخص بابا؟ إيه اللي كان جدي عايز يقوله؟»


 

خالي فتح الملف للمرة الأخيرة وطلع صورة قديمة لأبويا، وبجانبها شهادة ملكية عليها توقيع أمي.


 

قال: «والدك قبل ما يتوفى كان سايبلك حاجة كبيرة، لكن للأسف مامتك قالت إنك تنازلتي عنها وإنتي صغيرة».


 

حسيت إن نفسي اتقطع.


 

قلت: «أنا عمري ما تنازلت عن أي حاجة».


 

خالي هز راسه وقال: «أنا عارف، وعشان كده جبتلك الورقة الأصلية».


 

مد إيده وطلع مستند قديم، وأول ما شفت التوقيع اللي عليه، عرفت إنه مش توقيعي.


 

رفعت عيني لخالي وقلت: «مين اللي مضى مكاني؟»


 

بصلي بحزن وقال:


 

«اللي مضى باسمك كان شخص من أقرب الناس ليكي، والشخص ده لسه عايش، ولسه بيحاول يتحكم في حقك لحد النهارده».


 

وفي نفس اللحظة رن جرس الباب، وأحمد راح يفتح.


 

سمعت صوت أمي من بره وهي بتقول:


 

«محمود، أوعى تكون وريتها الورقة الأصلية… أنا جاية عشان أقول الحقيقة قبل ما تعرفها من حد تاني».


 

دخلت أمي وهي ماسكة ظرف أبيض، وحطته قدامي وقالت:


 

«قبل ما تحكمي عليا، لازم تعرفي إن اللي حصل زمان مكنش بسببي لوحدي… أبوكي نفسه هو اللي طلب مني أعمل كده».


 

فتحت الظرف، وبدأت أقرا أول سطر، لكن اللي خلاني أرفع عيني بصدمة كان اسم الشخص اللي كتب الإقرار…


 

كان اسم أمي، وتحت الاسم جملة واحدة قلبت كل اللي كنت فاهمته عن وفاة أبويا وحياتي من أولها لآخرها.


 

بصيت في الورقة اللي في إيدي، وحسيت إن رجلي مش شايلاني، وفضلت أعيد قراءة السطر الأول كذا مرة، كأني مستنية الكلمات تتغير أو ألاقي نفسي فهمت غلط.


 

كان مكتوب:


 

«أقر أنا أحمد منصور، بكامل إرادتي، إن ابنتي أميرة لها حق ثابت في نصيبها من ممتلكات والدها، وإنني أطلب من زوجتي إخفاء هذا الحق عنها مؤقتًا لحمايتها من خلاف عائلي أخشى أن يدمر حياتها».


 

رفعت عيني لأمي وقلت بصوت مبحوح: ـ يعني إيه؟ بابا كان عارف؟ بابا هو اللي طلب منك تخبي عني حقي؟


 

أمي كانت بتعيط، وبتحاول تتكلم، لكن الكلمات كانت بتطلع منها متقطعة.


 

ـ أبوكي كان خايف عليكي يا أميرة… كان عارف إن فيه ناس مش هتسيبك في حالك لو عرفوا إن ليكي نصيب كبير. هو طلب مني أستنى لحد ما تكبري وتبقي قادرة تحمي نفسك، وأنا… أنا خوفت.


 

خالي محمود قاطعها بغضب: ـ الخوف مش مبرر إنك تاكلي حق بنتك وتحرميها من معرفة الحقيقة! الراجل قال تخبي مؤقتًا، مش تستولي على حقها وتسيبيها طول عمرها فاكرة إنها ملهاش حد ولا سند!


 

أمي غطت وشها بإيديها، وانهارت في العياط.


 

ـ أنا ماكنتش ناوية أحرمها… بس السنين عدت، وكل ما كنت أقول هقولها، كنت بخاف من اللي هيحصل. وبعدين لما احتجت الفلوس، بدأت آخد من الإيجار، وبعدها بقيت مش قادرة أرجع كل حاجة.


 

بصيت لها وأنا مش مصدقة إن الست اللي كنت بجري عليها وأنا صغيرة لما أخاف، هي نفسها اللي سابتني أكبر وأنا فاكرة إني أقل من إخواتي، وإن أي حاجة حلوة في حياتي لازم أكون مستحقاها بمعجزة.


 

قلت لها: ـ وإنتي لما كنتي بتشوفي كريستين بتعامل ابني بالطريقة دي، كنتي خايفة عليه برضه؟ ولا كنتي شايفة إن من حقه يتوجع عشان مختلف شوية؟


 

أمي نزلت عينيها للأرض، ومقدرتش ترد.


 

كريستين كانت واقفة جنب الباب، وشها متغير، ولأول مرة أشوفها مش عارفة تدافع عن نفسها.


 

قالت بصوت واطي: ـ أنا مكنتش أقصد أجرحه بالشكل ده يا أميرة.


 

لفيت ناحيتها: ـ إنتي عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إنك خليتي آدم ياكل بعيد عن الناس. اللي وجعني إنك كنتي عارفة إني طول عمري بخاف ابني يحس بنفس الإحساس اللي كنت بحسه وأنا صغيرة، ومع ذلك اخترتي تعملي فيه نفس اللي اتعمل فيا.


 

كريستين بدأت تعيط: ـ أنا غلطت… وكنت فاكرة إني بساعده لما أخليه يواجه الناس.


 

ـ المساعدة عمرها ما كانت بالإهانة يا كريستين. ولا إنك تحسسي طفل إنه عبء على اللي حواليه.


 

آدم كان قاعد جنبي، ماسك إيدي بإيده الصغيرة، وبيبص للكل من غير ما يفهم كل اللي بيتقال. نزلت لمستواه ومسحت على شعره.


 

ـ إنت حبيبي، ومفيش فيك أي حاجة تخلي حد يكسف منك. فاهم؟


 

هز راسه، وبعدها قال بصعوبة: ـ أنا… أنا مش عايز آكل لوحدي تاني.


 

الجملة كانت بسيطة، لكن وقعت على قلبي زي الحجر.


 

حضنته وقلت: ـ ومش هتاكل لوحدك تاني طول ما أنا جنبك.


 

بعدها خالي محمود طلب من المحامي اللي كان معاه إنه يراجع كل المستندات، ويحدد قيمة الممتلكات والإيجارات اللي اتجمعت على مدار السنين. أمي حاولت تطلب مني أسامحها، لكني قلت لها إن المسامحة مش كلمة بنقولها عشان نخلص من وجعنا.


 

قلت لها: ـ أنا مش هحرمك مني، إنتي أمي في النهاية، لكن مش هقدر أرجع أثق فيكي لمجرد إنك عيطتي وقلتي إنك ندمانة. الثقة محتاجة وقت، ومحتاجة أفعال.


 

بعد أيام بدأت الإجراءات القانونية، واتضح إن حقي أكبر بكتير من اللي كنت متخيلة. المحامي قدر يوصل لحسابات الإيجار، واتفقنا على تسوية تحفظ حقي وترجع لي اللي اتاخد على مدار السنين.


 

ماطلبتش من أمي تبيع بيتها، ولا حاولت أنتقم منها. كنت عايزة حقي وبس، وكنت عايزة أعيش من غير ما أفضل طول عمري حاسة إني مديونة لحد عشان اتعاملت معايا كويس.


 

أما كريستين، فحاولت تتواصل معايا أكتر من مرة. في البداية مكنتش برد، وبعد فترة وافقت أقابلها في بيت خالي محمود.


 

جت ومعاها ملك، بنتها، وآدم كان موجود.


 

كريستين قعدت قدامي وقالت: ـ أنا عارفة إن الاعتذار مش هيصلح اللي حصل، بس أنا عايزة أقولك إني فهمت غلطتي. وبدأت أراجع نفسي، حتى في شغلي وطريقتي في التعامل مع الأطفال. مش كل طفل محتاج يتغير عشان يناسب الناس، ساعات الناس هي اللي محتاجة تتعلم تتعامل مع اختلافه.


 

بصيت لها وسألتها: ـ وإيه اللي يخليكي متكرريش نفس الغلط؟


 

قالت: ـ مش هطلب منك تصدقيني بالكلام. سيبيني أثبتلك مع الوقت.


 

ملك قربت من آدم وقدمت له لعبة صغيرة كانت جايباها معاه، وقالت له: ـ أنا آسفة إنك قعدت لوحدك يوم عيد ميلاد تيتة.


 

آدم ابتسم لها، وأخد اللعبة.


 

كانت خطوة صغيرة، لكنها كانت أول مرة أحس إن حد في العيلة فهم إن اللي حصل مش مجرد خلاف وعدّى.


 

أما أمي، فكانت أصعب واحدة فيهم. بدأت تتصل بيا كل يوم تقريبًا، وفي كل مرة كانت تحاول تفتح موضوع الورث أو تبرر اللي حصل، كنت بوقفها بهدوء.


 

لحد ما في يوم جت تزورني من غير ما تبلغني.


 

فتحت لها الباب، ولقيتها شايلة علبة صغيرة قديمة.


 

قالت: ـ دي كانت بتاعة أبوكي. لقيتها وسط حاجاته، وكنت مخبياها من سنين.


 

فتحت العلبة قدامي، ولقيت ساعة بابا القديمة، وصورة ليا وأنا طفلة قاعدة على رجله، وورقة صغيرة مكتوب عليها بخطه:


 

«يا أميرة، لو جه يوم وحسيتي إنك لوحدك، افتكري إنك كنتي أغلى حاجة في حياتي، وإن اختلافك عمره ما كان عيب. أنا كنت فخور بيكي قبل ما تعرفي حتى معنى الفخر».


 

فضلت ماسكة الورقة ودموعي بتنزل من غير صوت.


 

أمي قعدت جنبي وقالت: ـ أبوكي كان بيحبك أوي. وكان كل ما يشوفك بتتعبي من كلام الناس، يقول لي إنك هتكبري وتبقي أقوى منهم كلهم.


 

سألتها: ـ طب ليه ماقولتيليش الكلام ده زمان؟


 

قالت وهي بتعيط: ـ لأني كنت غلطانة يا بنتي. كنت فاكرة إني لما أخبي عنك وجعك هحميكي، لكني كنت بزود وجعك من غير ما أحس.


 

المرة دي محاولتش أواسيها، ولا قلت لها إن كل حاجة عدت. أخدت صورة بابا وحطيتها على صدري، وفضلت ساكتة.


 

بعد شهور، اتغيرت حاجات كتير في حياتنا.


 

رجع لي حقي، واشتريت شقة صغيرة قريبة من مدرسة آدم، وبدأت أجهز له أوضته بنفسه. اختار لون الحيطان، والسرير، والمكتب، وحتى مكان الصور اللي هيعلقها.


 

وفي أول يوم مدرسة بعد الإجازة، وقف قدام المراية بزيه الجديد، وبص لي وقال: ـ ماما، هو أنا هعرف أتكلم قدام الفصل؟


 

ابتسمت وقلت: ـ هتعرف يا حبيبي، وحتى لو اتلخبطت، مش مشكلة. المهم متخافش من نفسك.


 

راح المدرسة، ورجع في آخر اليوم جري عليا وهو فرحان.


 

ـ ماما! أنا جاوبت المدرس قدام الفصل!


 

حضنته وفضلت أبارك له، وهو بيحكيلي إزاي وقف واتكلم، وإزاي زمايله سمعوه من غير ما حد يضحك عليه.


 

وفي نفس اليوم وصلني تسجيل صوتي من أمي.


 

فتحته، وسمعتها بتقول: ـ يا أميرة، أنا مش مستنية منك تنسي، ولا حتى تسامحيني دلوقتي. بس عايزاكي تعرفي إني بدأت أروح لأخصائية نفسية عشان أفهم ليه كنت بكرر نفس الأخطاء اللي اتربيت عليها. ومش عايزة أحفادي يدفعوا تمن أخطائي. أنا عارفة إني خسرت حاجات كتير، بس لو لسه فيه فرصة أصلح ولو جزء صغير، هحاول.


 

قفلت التسجيل، وفضلت أفكر شوية.


 

ماكنتش مستعدة أرجع كل حاجة زي زمان، لكن لأول مرة حسيت إن فيه احتمال إن الجرح يبطل ينزف.


 

عدت أسابيع، وفي عيد ميلاد آدم، قررت أعمل له حفلة صغيرة في البيت. عزمت خالي محمود، وأمي، وكريستين وملك.


 

قبل ما الناس توصل، آدم سألني: ـ ماما، لو تيتة جت، هتخليني أقعد معاهم؟


 

حضنته وقلت: ـ إنت صاحب البيت يا آدم، وإنت اللي هتختار تقعد فين ومع مين. محدش من حقه يحسسك إنك مش مرغوب فيك.


 

لما أمي وصلت، كانت أول واحدة تنزل لمستواه وتحضنه، وبعدها قالت له: ـ كل سنة وإنت طيب يا حبيبي. النهارده إنت اللي هتقعد جنبي، وأنا اللي هخدمك.


 

آدم ضحك، وجري ناحية التورتة.


 

طول الحفلة كان قاعد وسطنا، بيضحك ويتكلم على قد ما يقدر، ومحدش استعجله ولا كمل عنه جملة. ولما لسانه اتلخبط في كلمة، استنوه لحد ما خلصها بنفسه.


 

بصيت للمشهد وحسيت إن فيه حاجة جوايا بدأت تهدى.


 

بعد ما الكل مشي، دخلت أوضة آدم أطمن عليه. لقيته نايم وهو حاضن اللعبة اللي جابتها له ملك، وعلى المكتب صورة بابا.


 

وقفت قدام الصورة وقلت بهمس: ـ أنا عرفت حقي يا بابا، وعرفت كمان إن قيمتي عمرها ما كانت في فلوس ولا ميراث. بس كان نفسي تكون موجود وتشوفني وأنا بحمي ابني من نفس الوجع اللي عشته.


 

مسحت دموعي، وبصيت لآدم.


 

في اللحظة دي فهمت إن مش كل العائلات بتعرف تحافظ على أولادها، وإن مش كل اعتذار بيرجع اللي اتكسر، لكن الإنسان يقدر يوقف وجع قديم عنده، ومايسمحش إنه ينتقل للي بعده.


 

أنا مشيت من بيت أمي يومها وأنا فاكرة إني خسرت عيلتي كلها، لكن الحقيقة إني كنت أخيرًا بتعلم أختار شكل العيلة اللي ابني يستحق يعيش وسطها.


 

ومن يومها وعدت نفسي إن آدم عمره ما هيسمع مني إنه مختلف بطريقة تخليه يحس إنه أقل من غيره، لأن الطفل مش محتاج يبقى كامل عشان يستحق الحب… هو محتاج بس يحس إنه مقبول زي ما هو.

 

تابع جديد محمد

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق