أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

سكريبت كل ما اخويا يجي عندنا مراتي كان يغمى عليها فورا ،

كل ما اخويا يجي عندنا مراتي كان يغمى عليها فورا ، ولما سألت اخويا عن السبب قاللي حاجه غريبه جدا متدخلش العقل ، فقررت اراقبهم واستخبيت في الشقه من وراهم، واللي عمله اخويا اول ما مراتي فتحتله الباب كان جنون بمعنى الكلمه ،خلاني مش قادر انطق حرف من شدة الصدمه !!!

محمدمحمدالكاتب 31 د للقراءة 0.00 المراجعات
سكريبت كل ما اخويا يجي عندنا مراتي كان يغمى عليها فورا ،

 سكريبت كل ما اخويا يجي عندنا مراتي كان يغمى عليها فورا ، كاملة زهرة الربيع 


 


 


 

سكريبت كل ما اخويا يجي عندنا مراتي كان يغمى عليها فورا ، كاملة زهرة الربيع 


 

زهرة ااربيع

كل ما اخويا يجي عندنا مراتي كان يغمى عليها فورا ، ولما سألت اخويا عن السبب قاللي حاجه غريبه جدا متدخلش العقل ، فقررت اراقبهم واستخبيت في الشقه من وراهم، واللي عمله اخويا اول ما مراتي فتحتله الباب كان جنون بمعنى الكلمه ،خلاني مش قادر انطق حرف من شدة الصدمه !!!


 

 


 

أنا اسمي عمر، متجوز من خمس سنين، وعايش أنا ومراتي وابني في شقه لوحدنا.


 

حياتنا كانت ماشية بهدوء وبساطه وبيني وبين مراتي حب كبير كل الناس كانت بتحسدنا عليه.


 

مراتي إنسانية هادية، طيبة، وعمرها ما عملت مشكلة مع حد، وخصوصاً أهلي؛ كانت دايماً محسساني إنهم أهلها، وعلاقتها بهم ممتازة.


 

لكن، من حوالي سنة تقريباً، ظهرت مشكلة غريبة ملهاش أي تفسير منطقي، وبدأت تهز استقرار بيتنا بالتدريج وتخليني عايش في حيرة وعلامات استفهام مالهاش نهاية.


 

الموضوع بدأ لما أخويا الكبير جه يزورنا لأول مرة في الشقة الجديدة. يدوبك خبط، ومراتي فتحت له الباب، وعلى طول.. وبدون أي مقدمات، وقعت من طولها وفقدت وعيها تماماً!


 

طبعاً اتخضيت، وشلتها وأنا مرعوب، وطلبنا الدكتور بسرعة. الدكتور جه، كشف عليها، وقال إن الضغط واطي فجأة وده اللي سبب الإغماء، وكتب لها على مقويات وفيتامينات، وعدت الليلة على خير.


 

بس الغريب إن الموضوع اتكرر.. المرة التانية حصلت بعد شهر تقريباً، وبرضه أول ما أخويا جه يزورنا ودخل من الباب، حصل نفس الإغماء الفوري.


 

هنا أنا بدأت أقلق بجد. قولت يمكن عندها مشكلة صحية خفية، فعرضتها على دكتور مخ وأعصاب كبير، وعملنا رنين مغناطيسي وتحليلات شاملة، والدكتور أكد لي وقاللي : “مرتك سليمة مية في المية، ومفيش أي سبب طبي يخليها يغمى عليها كده!”


 

فضلت محتار في امرها لحد ما بدأت ألاحظ حاجة عجيبه جدا الإغماء ده مبيحصلش أبداً الا لما اخويا يجي البيت .


 

في أي وقت تاني! مراتي ممكن تعيش سليمة وزي الفل لأشهر، بس أول ما أخويا يدخل البيت، تقع مغمي عليها في ساعتها.


 

بقيت مذهول وعقلي هيطير. وعشان أتاكد من الشكوك اللي بدأت تاكل دماغي، بقيت أعزم أخويا عندي باستمرار وبشكل متكرر عشان أراقب الوضع بنفسي.


 

وكل مرة، كانت النتيجة واحدة؛ أول ما يظهر، تقع من طولها على طول .


 

فقعدت مع مراتي بعد ما الموضوع اتكرر كتير، وسألتها بهدوء : “هو في إيه يا مريم؟ هو إنتي بيحصلك كده ليه كل ما أخويا بيجي؟”


 

بصتلي باستغراب شديد وقالت لي: ايه دخل اخوك بحالتي


 

حكيتلها وقالتلها اني اتاكدت ان الموضوع ده بيتكرر في وجوده


 

وهيه استغربت جدا وقالتلي….”والله العظيم ما أعرف يا عمر! أنا أصلاً مخدتش بالي إن الإغماء ده مرتبط بجيته غير لما إنت قولت دلوقت .. وأنا مستغربة زيك والله، عمري ما كرهته ولا حصل بينا أي حاجة.”


 

ولاني محصلتش أي إجابة عند مراتي، فقررت أروح لأخويا وأكلمه في الموضوع وجهاً لوجه، يمكن هو لاحظ حاجة أنا مش واخد بالي منها.


 

قابلته في كافيه، وقعدت احكيله وأنا على آخري.


 

بص لي بسخرية وقالي بصوت واطي: “بص يا عمر.. أنا كنت ساكت ومش عايز أقولك عشان مزعلكش، بس أنا ملاحظ الموضوع ده من زمان، وشاكك بصراحة إن مرتك بتعمل الحركة دي متعمدة عشان تكرّهنا في بعض، وتمنعني إني أدخل بيتك أساساً.. دي بتمثل يا ابني!”


 

اتصدمت من كلامه، وقلت له بانفعال: “بتمثل إيه يا بني آدم! دي بتفقد وعيها تماماً ووشها بيصفر وبيبقى حالة صعبة، وبعدين دي عمرها ما قالت عنك كلمة وحشة ولا كرهتك أبداً!”


 

رد وهو بيهز كتفه: “ما أنا مستغرب لنفس السبب، بس مش لاقي أي تفسير تاني غير كده!”


 

الكلمتين دول نار ولعوا في دماغي، مبقتش عارف أنام ولا أركز في أي حاجة. هل مراتي بتمثل؟ طب ليه؟ ليه تخدعنا كده؟ ولا يكونش اخويا بيظلمها؟ ولا إيه الحكاية بالضبط؟


 

قررت إني لازم أفهم بنفسي ومن غير كلام كتير.. لازم أكشف الحقيقة بعيني.


 

تاني يوم الصبح، صحيت وجهزت نفسي للشغل، وقولت لمراتي بصوت عادي: “أنا نازل ورايا شغل كتير وممكن أطول.”


 

ودعتني كالعادة بابتسامتها الهادية ودخلت تريح في الاوضة. نزلت لفيت شوية في الشارع وبعدين اتصلت على اخويا وطلبت منه يجيلي البيت


 

قال بضيق…ما بلاش البيت عشان موضوع مراتك ده


 

قولتله بتأكيد…لا انا مش قادر انزلك وعايزك ضروري، تعالى وملكش دعوه


 

وقفلت معاه وطلعت شقتي وفتحت باب الشقة ببطء شديد، كأن حرامي داخل، ودخلت من غير ما اعمل صوت. بصيت حواليا ولقيت الدنيا هادية، فاستخبيت ورا الستارة التقيلة بتاعت الصالة، وكنت شايف باب الشقة بوضوح تام.


 

بعد حوالي عشر دقايق، سمعت صوت خطوات برة.. حد بيخبط على الباب خبطات خفيفة ومترددة.


 

سمعت صوت مراتي طالع من جوة وهي بتقول: “مين؟”


 

رد اخويا وقال: “أنا.. خالد.”


 

سمعت صوت خطواتها السريعة وهي رايحة تفتح الباب، وهي بتعدل طرحتها. وفتحت الباب


 

أنا اسمي عمر، متجوز من خمس سنين، وعايش أنا ومراتي مريم وابني يوسف في شقتنا اللي كنا لسه ناقلين فيها من فترة. حياتنا كانت بسيطة وهادية، ويمكن ماكنّاش أغنى ناس في الدنيا، لكن كنت حاسس إني أملك الدنيا كلها طول ما مريم جنبي وابني بيجري في البيت ويضحك.


 

مريم كانت ست طيبة وهادية، من النوع اللي بيحاول يرضي كل اللي حواليه حتى لو على حساب راحته. عمرها ما كانت بتحب المشاكل، ولا عمري سمعتها بتتكلم على حد من وراه. وكانت علاقتها بأهلي كويسة جدًا، خصوصًا أمي اللي كانت بتعتبرها بنتها مش مرات ابنها.


 

أما أخويا الكبير خالد، فكان بالنسبالي أكتر من مجرد أخ. أنا أصغر منه بسبع سنين، ومن وأنا طفل وهو اللي كان بيساعدني في كل حاجة. لما أبويا مات وأنا في بداية حياتي، خالد وقف جنبي وساعدني أخلص دراستي، وحتى لما اتجوزت، كان أول واحد ساعدني في تجهيز شقتي.


 

علشان كده، عمري ما تخيلت إن في يوم من الأيام هقف بينه وبين مراتي، وأشك في واحد فيهم بسبب حاجة مش قادر أفهمها.


 

الحكاية بدأت من حوالي سنة، في يوم عادي جدًا.


 

كنت راجع من الشغل، ولقيت خالد بيتصل بيا وبيقولي إنه قريب من البيت وعايز يعدي يشوفنا. فرحت جدًا، لأن بقالنا فترة ما اتقابلناش، وقلت له ييجي على طول.


 

طلعت الشقة قبله بدقايق، ولقيت مريم بتحضر الغدا، ويوسف قاعد على الأرض بيلعب بعربيته الصغيرة.


 

قولتلها وأنا بخلع الجاكيت:


 

“خالد أخويا جاي يتغدى معانا النهارده.”


 

ابتسمت وقالت:


 

“أهلًا وسهلًا بيه، ده البيت بيته.”


 

وبالفعل، بعد شوية سمعت جرس الباب.


 

مريم مسحت إيديها في الفوطة، وراحت تفتح.


 

لكن أول ما فتحت الباب وشافت خالد واقف قدامها، حصلت حاجة عمري ما هقدر أنساها.


 

وشها اتغير فجأة، وعينيها اتسعت، وإيدها مسكت في طرف الباب كأنها بتحاول تتوازن. حاولت تقول حاجة، لكن صوتها ماطلعش، وبعدها وقعت على الأرض قدام خالد مباشرة.


 

جريت عليها وأنا بصرخ:


 

“مريم! مالك يا حبيبتي؟ مريم ردي عليا!”


 

خالد وقف مكانه مصدوم، وبعدها نزل على ركبته جنبي وقال:


 

“يا نهار أبيض! هي مالها دي؟ حصل لها إيه؟”


 

شيلناها وحطيناها على الكنبة، ورشيت على وشها شوية مية، لكن ماكانتش بتستجيب. اتصلت بالدكتور، وفضلت ماسك إيدها وأنا حاسس إن قلبي هيقف من الخوف.


 

بعد حوالي عشر دقايق، بدأت تفتح عينيها واحدة واحدة.


 

أول ما شافتني، سألتني بصوت ضعيف:


 

“أنا فين يا عمر؟”


 

قولتلها وأنا بحاول أخفي رعشة صوتي:


 

“إنتي في البيت يا حبيبتي، متخافيش. إنتي أغمي عليكي.”


 

بصت حوالين نفسها، ولما عينيها وقعت على خالد، لقيتها بتشد الغطا عليها، وبتحاول تقوم من مكانها رغم إنها لسه تعبانة.


 

خالد لاحظ الحركة دي، لكنه ماعلّقش.


 

الدكتور جه وكشف عليها، وقال إن ضغطها منخفض، وإن الإغماء ممكن يكون بسبب الإرهاق أو قلة الأكل أو أسباب تانية، وطلب منها تعمل شوية تحاليل.


 

عملنا التحاليل، وكانت النتيجة مطمئنة. الدكتور كتب لها على بعض الفيتامينات، ونصحها تهتم بأكلها ونومها.


 

عدى اليوم، وأنا اقتنعت إن اللي حصل مجرد تعب عادي.


 

لكن بعد حوالي شهر، اتكرر نفس المشهد بالضبط.


 

خالد جه يزورنا، ومريم كانت واقفة في المطبخ بتحضر الشاي. أول ما سمعت صوته وهو بيسلم عليا، خرجت ناحية الصالة، وبمجرد ما شافته، وشها اصفر، وإيدها بدأت ترتعش، وبعدها وقعت على الأرض.


 

المرة دي أنا ماقدرتش أخبي خوفي.


 

صرخت فيها، وشيلتها، وخالد كان واقف مش عارف يعمل إيه.


 

بعد ما فاقت، فضلت طول الوقت ساكتة، وعينيها في الأرض، ولما خالد مشي، سألتها:


 

“إنتي ليه كل مرة تتعبي بالشكل ده لما خالد ييجي؟”


 

بصتلي باستغراب وقالت:


 

“هو إنت بتقول إيه يا عمر؟”


 

قولتلها:


 

“دي تاني مرة يحصل فيها نفس الكلام، وأول مرة كنت فاكرها صدفة، لكن دلوقتي الموضوع غريب.”


 

ردت وهي بتضغط على إيدي:


 

“والله ما أعرف يا عمر، أنا نفسي مش فاهمة اللي بيحصلي. يمكن مجرد ما بشوفه بكون تعبانة أو الضغط بينزل.”


 

ماحبيتش أضغط عليها، لكن جوايا بدأت تتكون أسئلة كتير.


 

عرضتها على دكتور باطنة، وبعدها دكتور مخ وأعصاب. عملنا تحاليل شاملة، ورسم قلب، وفحوصات تانية، لكن ماكانش فيه سبب واضح يفسر تكرار الإغماء في اللحظات دي تحديدًا.


 

الدكتور قال لي:


 

“الإغماء ليه أسباب كتير، ومش دايمًا بنقدر نحدد السبب من أول مرة. المهم تتابع حالتها، ولو تكرر الموضوع لازم تتكشف وقتها، خصوصًا لو حصلت إصابة أو أعراض جديدة.”


 

خرجت من عنده وأنا مش فاهم أي حاجة.


 

وبدأت ألاحظ إن مريم بتكون طبيعية تمامًا قبل زيارة خالد. بتضحك، وبتلعب مع يوسف، وبتحضر الأكل، لكن بمجرد ما تعرف إنه جاي، كانت بتسكت فجأة، وأحيانًا بتدخل أوضتها بحجة إنها بتغير هدومها.


 

ولما أسألها إذا كانت تعبانة، تقول لي إنها كويسة.


 

وفي كل مرة يدخل خالد البيت، كانت بتفقد وعيها.


 

مرة حصلت قدام أمي، ومرة قدام أختي، ومرة كنا أنا وخالد لوحدنا.


 

وفي كل مرة، نفس النتيجة.


 

لحد ما بدأت ألاحظ حاجة تانية.


 

خالد نفسه بقى متوتر قبل ما ييجي عندنا. كان يتصل بيا ويسألني إذا كنت لوحدي، وإذا كانت مريم موجودة، وأحيانًا يعتذر عن الزيارة في آخر لحظة.


 

وفي مرة، اتصل بيا وقال:


 

“بص يا عمر، أنا مش عايز أزعل مراتك، بس أنا حاسس إني بقيت ضيف تقيل عليكم.”


 

استغربت كلامه وقلت:


 

“ليه بتقول كده؟ ده إنت أخويا، والبيت بيتك.”


 

سكت شوية، وبعدها قال:


 

“ماشي يا عمر، ربنا يخليك ليا.”


 

وقفل.


 

الكلام فضل يرن في ودني، وقررت إني لازم أتكلم معاه بصراحة.


 

قابلته في كافيه قريب من شغله، وقعدنا على ترابيزة بعيدة عن الناس.


 

بصيت له وقلت:


 

“يا خالد، أنا عايز أسألك سؤال، وعايزك تجاوبني بصراحة.”


 

قال:


 

“اتفضل يا عمر.”


 

قولت:


 

“إنت ملاحظ إن مريم كل ما تيجي عندنا بيحصل لها إغماء؟”


 

بصلي شوية، وبعدها نزل عينيه في فنجان القهوة.


 

قلت بانفعال:


 

“إنت عارف حاجة ومخبيها عني؟”


 

رفع راسه وقال:


 

“بص يا عمر، أنا كنت ساكت عشان مش عايز أخرب بيتك، لكن بما إنك سألتني، فأنا شايف إنك لازم تفكر كويس.”


 

قلبي بدأ يدق بسرعة.


 

قلت:


 

“أفكر في إيه؟”


 

قال بصوت واطي:


 

“أنا مش عارف إذا كانت بتمثل ولا لأ، لكن مش طبيعي إن كل مرة أدخل فيها بيتك يحصل نفس الموضوع. يمكن هي مش عايزة وجودي، ومش عارفة تقولك.”


 

حسيت إن حد صب عليا مية ساقعة.


 

قلت له:


 

“إنت بتقول إن مراتي بتمثل الإغماء؟”


 

هز كتفه وقال:


 

“أنا ماجزمش بحاجة، لكن ده اللي وصلت له من اللي بشوفه.”


 

قمت من مكاني وأنا متضايق.


 

قلت له:


 

“مريم عمرها ما اشتكت منك، ولا قالت إنها مش عايزاك تيجي. وبعدين أنا شوفتها بعيني وهي بتفقد وعيها.”


 

رد بهدوء:


 

“وأنا شوفتها بعيني برضه يا عمر. فكر في كلامي، وماتزعلش مني.”


 

رجعت البيت وأنا مش قادر أرتب أفكاري.


 

كنت عارف خالد كويس، وعارف إنه مش من النوع اللي يتهم حد بسهولة. وفي نفس الوقت، كنت عارف مراتي، وعارف إنها عمرها ما كانت بتكره حد من أهلي.


 

لكن لو خالد صادق، ليه مريم بتعمل كده؟


 

ولو مريم مش بتعمل كده بإرادتها، يبقى إيه اللي بيحصل لها؟


 


 

قعدت معاها في نفس الليلة، ويوسف كان نايم في أوضته.


 

قولتلها:


 

“مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم.”


 

بصتلي وابتسمت ابتسامة بسيطة:


 

“خير يا عمر؟”


 

مسكت إيديها وقلت:


 

“إنتي عارفة إن خالد أخويا، وإنه غالي عندي. وعارفة كمان إني عمري ما هقبل إن حد يظلمك. بس أنا محتاج أفهم منك، ليه كل مرة بييجي عندنا بتفقدي وعيك؟”


 

ابتسامتها اختفت.


 

فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:


 

“أنا مش عارفة يا عمر. والله العظيم مش عارفة.”


 

قولتلها:


 

“خالد شايف إنك بتعملي كده عشان تمنعيه ييجي البيت.”


 

مريم رفعت عينيها ليا بسرعة، ووشها اتغير.


 

قالت بصوت مبحوح:


 

“هو قالك كده؟”


 

قلت:


 

“أيوه، لكنه قال إنه مجرد شك.”


 

سحبت إيديها من إيدي، وقامت وقفت قدامي.


 

“يعني إنت مصدقه؟”


 

قلت بسرعة:


 

“أنا ماصدقتش حد، أنا بس بحاول أفهم.”


 

فضلت تبصلي شوية، وبعدها قالت:


 

“طيب لو أنا فعلًا بكره وجوده، كنت هعمل إيه؟ كنت هقولك إني مش عايزاه ييجي؟ هو أنا عمري منعتك من حد بتحبه؟”


 

قلت:


 

“لأ.”


 

قالت:


 

“طب ليه أعمل حاجة زي دي؟ وليه أعرّض نفسي للخوف والإحراج كل مرة؟”


 

ماعرفتش أرد.


 

قربت مني، وعيونها بدأت تتملي دموع.


 

“يا عمر، أنا عارفة إن الموضوع غريب، وعارفة إنك مش فاهم، بس أرجوك ماتخلينيش أحس إني متهمة في بيت المفروض يكون أماني.”


 

الكلام وجعني، فحضنتها واعتذرت لها.


 

لكن رغم اعتذاري، فضلت الحيرة موجودة.


 

تاني يوم الصبح، وأنا رايح الشغل، قررت إني مش هفضل طول عمري عايش في الشك.


 

لازم أعرف الحقيقة بنفسي.


 

اتصلت بخالد وقلت له إني عايزه ييجي البيت بعد الضهر، لأن عندي موضوع مهم لازم نتكلم فيه.


 

رفض في البداية وقال:


 

“يا عمر، بلاش نكرر اللي حصل.”


 

لكنني أصريت.


 

قلت له:


 

“تعالى، وأنا هكون موجود. ومش هسيب الموضوع ده مفتوح أكتر من كده.”


 

وافق أخيرًا.


 

رجعت البيت قبل المعاد، وقلت لمريم إن عندي شغل ضروري وهضطر أنزل تاني، وإن خالد ممكن يعدي عليها شوية.


 

بصتلي باستغراب.


 

“إنت مش كنت رايح الشغل؟”


 

قلت:


 

“أيوه، بس عندي مشوار تاني.”


 

ماحبيتش أكذب عليها أكتر من كده، لكنني كنت مصمم أشوف اللي بيحصل.


 

نزلت من الشقة، واستنيت شوية في الشارع، وبعدها رجعت بهدوء وفتحت الباب بالمفتاح.


 

دخلت من غير ما أعمل صوت، وقفلت الباب ورايا بالراحة.


 

الشقة كانت هادية.


 

سمعت صوت مريم في المطبخ وهي بتتكلم مع يوسف، وبعدها سمعت صوت خطواتها وهي بتروح ناحية الصالة.


 

دخلت ورا الستارة التقيلة اللي جنب الشباك، ووقفت في مكان يخليني أشوف باب الشقة بوضوح.


 

قلبي كان بيدق بسرعة، وإيدي كانت بتترعش.


 

ماكنتش عارف أنا بعمل إيه بالضبط، لكن كنت محتاج أعرف إذا كان في حاجة بتحصل قدامي وأنا مش واخد بالي منها.


 

بعد حوالي عشر دقايق، سمعت خبط على الباب.


 

مريم قالت:


 

“مين؟”


 

جاء صوت خالد من بره:


 

“أنا يا مريم، خالد.”


 

سكتت لحظة، وبعدها سمعتها بتقرب من الباب.


 

خطواتها كانت بطيئة، وكأنها بتفكر إذا كانت تفتح ولا لأ.


 

وبعدين سمعت صوت المفتاح وهو بيلف.


 

الباب اتفتح.


 

خالد كان واقف بره، شايل كيس صغير في إيده.


 

قال:


 

“إزيك يا مريم؟ عمر موجود؟”


 

ردت بصوت منخفض:


 

“لأ، قال إنه نازل مشوار.”


 

خالد بص وراه في الطرقة، وبعدها دخل خطوة واحدة.


 

وفي اللحظة دي، حصلت حاجة ماكنتش أتخيلها حتى في أسوأ كوابيسي.


 

خالد ما بصش ناحية الصالة، ولا سأل على يوسف، ولا حتى دخل جوه زي كل مرة.


 

بمجرد ما مريم قفلت الباب، نزل الكيس من إيده، وبص لها بعينين مليانين دموع، وقال بصوت متقطع:


 

“مريم… لحد إمتى هنفضل ساكتين؟”


 

اتجمدت مكاني.


 

مريم حطت إيدها على بقها، وبدأت تعيط.


 

قالت له:


 

“أرجوك يا خالد، مش دلوقتي.”


 

رد عليها وهو بيهز راسه:


 

“لأ، لازم دلوقتي. عمر بقى شاكك فيكي، وأنا مش قادر أستحمل أكتر من كده.”


 

مريم قربت منه بسرعة وقالت:


 

“إنت وعدتني إننا مش هنفتح الموضوع ده تاني.”


 

خالد رد بصوت مليان وجع:


 

“أنا وعدتك إني مش هتكلم قدام عمر قبل ما تكوني مستعدة، لكن دلوقتي الموضوع خرج عن السيطرة.”


 

حسيت إن رجلي مش شيلاني.


 

إيه الموضوع اللي بينهم؟


 

وليه خالد بيتكلم معاها بالشكل ده؟


 

وليه مريم بتعيط كأنها شايلة سر تقيل بقالها سنين؟


 

كنت لسه بحاول أفهم، لما خالد مد إيده في جيبه وطلع صورة قديمة، حوافها كانت متنية ولونها مصفر من الزمن.


 

مد الصورة لمريم وقال:


 

“بصي عليها كويس، وقوليلي إنك لسه قادرة تفضلي مخبية الحقيقة عن عمر.”


 

مريم بصت للصورة، وفجأة صرخت:


 

“خالد! قلتلك ماتجيبش الصورة دي هنا!”


 

الصوت كان عالي لدرجة إن يوسف خرج من أوضته وهو بيفرك عينيه.


 

“ماما؟ إنتي بتعيطي ليه؟”


 

مريم مسحت دموعها بسرعة، وجريت عليه وحضنته.


 

“مفيش حاجة يا حبيبي، تعالى اقعد جوه شوية.”


 

خالد نزل على ركبته قدام يوسف، وحاول يبتسم له.


 

“إزيك يا بطل؟”


 

يوسف ابتسم له، وبعدها رجع لأوضته وهو شايل لعبته.


 

أول ما اختفى، مريم رجعت تبص لخالد وقالت:


 

“لو عمر عرف، كل حاجة هتتغير.”


 

خالد رد:


 

“يمكن كل حاجة تتغير فعلًا، بس مش معنى كده إننا نفضل نكدب عليه.”


 

ماقدرتش أستحمل أكتر من كده.


 

خرجت من ورا الستارة فجأة، وقلت بصوت عالي:


 

“كفاية!”


 

الاتنين اتخضوا والتفتوا ناحيتي.


 

مريم شهقت وحطت إيدها على صدرها، وخالد وقف بسرعة، والصورة وقعت من إيده على الأرض.


 

بصوا لي كأنهم شافوا شبح.


 

أنا نفسي ماكنتش عارف أبدأ منين.


 

بصيت لخالد، وبعدها لمريم، وقلت:


 

“أنا عايز أفهم حالًا. إيه الصورة دي؟ وإيه الحقيقة اللي مخبيينها عني؟”


 

مريم حاولت تتكلم، لكن صوتها خانها.


 

أما خالد، ففضل ساكت، وعينيه مثبتة على الصورة اللي وقعت قدام رجليه.


 

انحنيت والتقطتها.


 

كانت صورة قديمة لوالدي، واقف قدام بيتنا القديم، وورا منه أمي وهي شايلة طفل صغير ملفوف في بطانية بيضا.


 

بصيت للصورة باستغراب.


 

“دي صورة بابا وماما… إيه الغريب فيها؟”


 

قلبت الصورة، ولقيت على ضهرها تاريخ مكتوب بخط أمي.


 

كان التاريخ قبل ولادتي بحوالي سبع سنين.


 

رفعت عيني لخالد وقلت:


 

“إنت كنت لسه طفل وقتها؟”


 

هز راسه ببطء.


 

“أيوه.”


 

قلت:


 

“والطفل اللي في الصورة ده مين؟”


 

خالد ما ردش.


 

مريم بدأت تعيط أكتر، وقالت:


 

“عمر، أرجوك اقعد.”


 

صرخت فيها:


 

“أنا مش هقعد غير لما أعرف الحقيقة! أنا بقالي سنة كاملة مش فاهم إيه اللي بيحصل في بيتي. كل ما أخويا ييجي، إنتي بيغمى عليكي، ولما أواجهه يقوللي إنك بتمثلي، ودلوقتي ألاقيكم بتتكلموا عن سر وصورة قديمة! إيه اللي بيحصل؟”


 

خالد قرب مني وقال:


 

“اهدى يا عمر، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.”


 

ضحكت بمرارة.


 

“أمال زي إيه؟ إنتوا الاتنين واقفين قدامي وبتعيطوا وبتتكلموا عن الحقيقة اللي هتغير كل حاجة. قولوا!”


 

مريم قعدت على الكنبة، وغطت وشها بإيديها.


 

خالد بص لها، وبعدها بص لي وقال:


 

“عمر، أنا عايزك تسمع للآخر من غير ما تقاطعني، لأن اللي هقولهولك مش سهل عليا أنا كمان.”


 

قعدت على الكرسي اللي قصاده، وأنا ماسك الصورة.


 

بدأ خالد يتكلم.


 

“إنت فاكر إن بابا وماما كانوا عايشين في سعادة طول الوقت، وإن بيتنا عمره ما كان فيه مشاكل. لكن الحقيقة إن في حاجات كتير حصلت وإنت صغير، ومكنتش تعرف عنها حاجة.”


 

قلت له:


 

“زي إيه؟”


 

تنهد وقال:


 

“قبل ما تتولد، بابا وماما كانوا بيحاولوا يخلفوا طفل تاني بعدي. حصلت مشاكل كتير، وماما كانت بتدخل المستشفى باستمرار، وفي مرة الدكتور قال إن الحمل بقى صعب وخطير عليها.”


 

سكت لحظة، وبعدها كمل:


 

“بعدها بكام سنة، بابا قرر إنهم يكفلوا طفل صغير من دار رعاية، وكان نفسه يكون عنده ولد تاني يربيني معاه. ماما وافقت، لكن الإجراءات ماكملتش، والموضوع انتهى قبل ما الطفل يدخل حياتنا.”


 

بصيت للصورة وقلت:


 


 

“طيب والطفل ده إيه علاقته بمريم؟”


 

خالد نزل عينيه.


 

“استنى يا عمر، لسه.”


 

كمل كلامه وقال إن بعد فترة قصيرة، أمي اكتشفت إنها حامل بيا، وإن البيت كله انشغل بقدومي، وإن موضوع الطفل اللي كانوا بيفكروا يكفلوه اتقفل تمامًا.


 

لكن بعد وفاة أبويا، حصلت حاجة محدش كان بيتكلم عنها.


 

أمي لقت ورق قديم متعلق بالموضوع، وحاولت تعرف مصير الطفل اللي كانوا بيفكروا ياخدوه، لكنها ماوصلتش لحاجة واضحة.


 

خالد قال إنه احتفظ بالصورة دي لأنها كانت آخر ذكرى من الفترة دي، وإنه ماكانش يعرف أي حاجة عن الطفل بعد كده.


 

بصيت له وأنا بدأت أفقد صبري.


 

“كل ده جميل، لكن إيه علاقة الكلام ده بمراتي؟”


 

خالد بص لمريم، ومريم كانت بتبص للأرض.


 

وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم ينسحب من وشي.


 

“الطفل اللي في الصورة مش هو السر يا عمر… السر إن مريم تعرف الحكاية دي من قبل ما تتجوزك.”


 

لفيت ناحية مراتي.


 

“إنتي تعرفي إيه يا مريم؟”


 

مريم رفعت وشها، وكانت دموعها بتنزل من غير توقف.


 

قالت:


 

“أنا ماكنتش أعرف حاجة عن الصورة دي، ولا عن موضوع الكفالة. أنا عرفت جزء من الحقيقة من سنة تقريبًا، لما خالد جه عندنا لأول مرة.”


 

قلت:


 

“عرفتي إيه؟”


 

بصت لخالد، وبعدها رجعت بصت لي.


 

“عرفت إن في حاجة تخص عيلتك، وإن خالد كان خايف يقولك.”


 

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.


 

“يعني إنتي كنتي عارفة إنه مخبي عني حاجة؟”


 

قالت بسرعة:


 

“أيوه، بس ماكنتش عارفة كل التفاصيل.”


 

بصيت لخالد.


 

“وإنت يا خالد؟ إنت كنت جاي بيتي عشان تقول لمريم سر عني؟”


 

هز راسه وقال:


 

“أنا كنت جاي أحذرها من حاجة، لكن الموضوع اتعقد أكتر مما توقعت.”


 

صرخت:


 

“تحذرها من إيه؟”


 

خالد أخد نفس طويل، وبعدها قال:


 

“من إنك تعرف إن أمك قبل ما تتوفى كانت بتدور على بنت اسمها نادية.”


 

سكتت مريم فجأة.


 

أنا ماكنتش أعرف أي نادية.


 

قلت:


 

“مين نادية دي؟”


 

خالد رد:


 

“بنت كانت بتشتغل عند أمك في البيت زمان، وكانت قريبة منها جدًا. اختفت من حياتنا من سنين طويلة، وبعد وفاة أمك، لقيت جواب مكتوب بخطها، كانت بتطلب مني فيه إني أدور عليها لو حصل لها حاجة.”


 

بصيت له باستغراب.


 

“وليه ماقولتليش؟”


 

رد:


 

“لأني حاولت أدور عليها ومقدرتش أوصل لها. وبعدها اتجوزت إنت، والدنيا شغلتنا، ونسيت الموضوع.”


 

مريم كانت بتعيط في صمت.


 

لفيت ناحيتها.


 

“إنتي تعرفي نادية؟”


 

هزت راسها ببطء.


 

“أيوه.”


 

وقفت من مكاني.


 

“إزاي؟”


 

قالت بصوت ضعيف:


 

“نادية دي أمي.”


 

حسيت إن الكرسي بيتحرك من تحتي.


 

“أمك؟”


 

هزت راسها وهي بتعيط.


 

“أيوه يا عمر. أمي كانت بتشتغل عند عيلتك من سنين طويلة، وكانت بتحكيلي عن الست اللي كانت بتعاملها كويس، وعن ابنها خالد، وعن طفل صغير كانت بتحبه جدًا.”


 

بصيت لخالد.


 

هو كمان كان مصدوم، وكأنه بيسمع المعلومة دي لأول مرة.


 

مريم كملت:


 

“أمي كانت سابت الشغل عندكم قبل ما أنا أتولد، وبعدها اتجوزت أبويا وعاشت بعيد عنكم. طول عمرها كانت بتقول إن في عيلة طيبة كانت بتساعدها، لكنها عمرها ما كانت بتحب تحكي تفاصيل كتير.”


 

قلت لها:


 

“طيب إيه اللي حصل من سنة؟”


 

مريم مسحت دموعها وقالت:


 

“من سنة، أمي تعبت جدًا، وقبل ما تتوفى بكام يوم، طلبت مني أفتح صندوق قديم عندها. لقيت فيه صور وخطابات، ومن ضمنها صورة لوالدك ووالدتك، وصورة لخالد وهو صغير.”


 

خالد قرب منها بسرعة.


 

“إنتي عندك صور ليا وأنا صغير؟”


 

مريم هزت راسها.


 

“أيوه. وكانت في جواب مكتوب من والدتك لأمي، بتقول لها فيه إنها مش هتنسى أبدًا وقفتها جنبها في أصعب أيام حياتها.”


 

أنا كنت واقف مش قادر أستوعب.


 

مريم كملت:


 

“لما خالد جه عندنا أول مرة، شاف الصورة اللي كانت معايا بالصدفة. اتصدم، لأنه عرفها على طول. ساعتها أنا اتخضيت، وحسيت إني واقفة قدام جزء من ماضي أمي كنت معرفش عنه حاجة.”


 

بصيت لخالد.


 

“طيب ليه أغمي عليها؟”


 

خالد رد بصوت هادي:


 

“لأنها لما شافتني، افتكرت أمها والكلام اللي سمعته منها قبل ما تموت. كانت بتقول إنها نفسها تشوفني مرة، وتشكرني على حاجة عملتها زمان.”


 

قلت:


 

“إنت عملت إيه؟”


 

خالد سكت.


 

مريم بصت له، وبعدها قالت:


 

“خالد كان ساعد أمي زمان في موقف صعب جدًا، وهو طفل، ومن يومها أمي فضلت فاكرة الموقف ده طول عمرها.”


 

خالد هز راسه وقال:


 

“أنا فاكر جزء من الحكاية، لكن مش فاكر التفاصيل كلها. كنت صغير، وأمي كانت بتساعد ناس كتير. اللي فاكره إن نادية كانت تعبانة جدًا في يوم، وإن أمي خلتها ترتاح عندنا، وأنا كنت بجيب لها المية والأكل. مكنتش أعرف إن الموقف ده فضل في ذاكرتها بالشكل ده.”


 

بصيت لمريم وقلت:


 

“يعني إنتي كنتي بتغمى عليكي لأنك بتفتكري أمك؟”


 

قالت:


 

“أنا نفسي كنت فاكرة كده في الأول. لكن الحقيقة إني كل مرة كنت بشوف خالد، كنت بحس بخوف شديد مش قادرة أفسره. مش خوف منه هو، لكن خوف من إني أفتح باب لماضي أمي وألاقي نفسي قدام حاجات أكبر مني.”


 

قلت:


 

“طيب ليه ماقولتيليش؟”


 

مريم انهارت في العياط.


 

“لأني كنت خايفة تفتكر إني بخبي عنك حاجة تخص عيلتك، أو إني بدور على مصلحة. وأنا والله ماكنتش عايزة غير إني أفهم حكاية أمي.”


 

خالد قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.


 

“وأنا غلطت يا عمر. بدل ما أقولك من الأول إن في حاجة غريبة حصلت، خوفت إنك تفهم الموضوع غلط، فبدأت أفسر تصرفات مريم بطريقة ظالمة.”


 

بصيت له بوجع.


 

“إنت اتهمت مراتي إنها بتمثل.”


 

هز راسه وقال:


 

“عارف، وأنا ندمان.”


 

سكتنا كلنا.


 

لكن وسط كل الكلام ده، كان في سؤال لسه معلق في دماغي.


 

ليه الإغماء كان بيحصل بالشكل المفاجئ ده؟ وليه مريم نفسها ماكنتش قادرة تسيطر عليه؟


 

قررت إني مش هكتفي بتفسيراتنا.


 

تاني يوم، أخدت مريم وروحنا لدكتور متخصص، وحكيت له كل اللي حصل بالتفصيل. طلب منها تسجل الأعراض اللي بتحس بيها قبل الإغماء، وتعمل فحوصات إضافية، وأكد إننا ماينفعش نفترض إن السبب نفسي أو عصبي من غير تقييم دقيق.


 

وبعد فترة من المتابعة، بدأنا نفهم إن مريم كانت بتتعرض لنوبات خوف شديدة مع بعض الأعراض الجسدية، وإن الخوف والضغط النفسي ممكن يكونوا جزءًا من المشكلة، لكن الإغماء نفسه محتاج متابعة طبية، خصوصًا لو اتكرر.


 

بدأت مريم تتكلم عن اللي جواها بدل ما تكتمه.


 

وحاولت أنا كمان أبطل أفسر كل حاجة على إنها خداع أو كذب.


 

أما خالد، فكان أكتر واحد حاسس بالذنب.


 

بعد كام يوم، جه البيت من غير ما يتصل قبلها، لكنه وقف قدام الباب فترة طويلة قبل ما يخبط.


 

لما فتحت له، لقيته شايل علبة صغيرة.


 

قال لي:


 

“أنا جاي أعتذر لمريم، ولو هي مش عايزة تشوفني، همشي من غير ما أزعل.”


 

دخلته، وناديت مريم.


 

خرجت من الأوضة، ولما شافته، وقفت مكانها للحظة.


 

خالد حط العلبة على الترابيزة وقال:


 

“دي حاجة لقيتها عندي من زمان، وافتكرت إنها ممكن تكون تخص والدتك.”


 

مريم فتحت العلبة بحذر.


 

كان جواها جواب قديم، ومنديل مطرز عليه اسم نادية، وصورة صغيرة لوالدتي وهي قاعدة جنب سيدة شابة.


 

مريم مسكت الصورة، وبدأت تعيط.


 

“دي أمي.”


 

خالد قال:


 

“أمي كانت محتفظة بالصورة دي، وأنا لقيتها وسط حاجاتها بعد وفاتها. ماكنتش أعرف إن الست دي هي والدتك.”


 

فتحت مريم الجواب، وبدأت تقرأ بصوت متقطع.


 

كان جواب من أمي لنادية، مكتوب فيه إنها ممتنة ليها، وإنها مش هتنسى أبدًا وقفتها جنبها في وقت كانت فيه لوحدها ومحتاجة حد يسمعها.


 

وفي آخر الجواب، كانت أمي كاتبة:


 

“لو الأيام فرقتنا، أتمنى أولادنا يعرفوا إن المحبة الصادقة مش بتضيع، وإن المعروف اللي بنعمله من قلبنا ممكن يفضل عايش بعدنا بسنين.”


 

مريم حطت الجواب على صدرها، وفضلت تبكي.


 

وأنا، لأول مرة من شهور، حسيت إن في جزء من الصورة بدأ يكتمل.


 

لكن القصة ما انتهتش عند الجواب.


 

بعد أسبوع، مريم اتصلت بيا وأنا في الشغل، وصوتها كان مختلف.


 

قالت:


 

“عمر، لازم تيجي البيت. لقيت حاجة في صندوق ماما.”


 

رجعت بسرعة، ولقيتها قاعدة على الأرض وسط مجموعة من الصور والجوابات القديمة.


 

قدامها كان فيه ظرف بني صغير، مكتوب عليه اسمها بخط أمها.


 

فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة مطوية بعناية.


 

قالت لي:


 

“أنا ماكنتش شفت الورقة دي قبل كده. كانت مستخبية في جيب داخلي في الصندوق.”


 

قعدت جنبها وبدأنا نقرأ.


 

كان مكتوب فيها:


 

“بنتي مريم، لو وصلتي للورقة دي، يبقى غالبًا أنا مش موجودة جنبك. في حاجة فضلت مخبياها عنك طول عمري، مش عشان أخدعك، لكن عشان كنت خايفة أجرحك أو أخليكي تشيلي هم مش بتاعك. أنا عشت سنين طويلة وأنا شايلة سر يخص الأيام اللي قضيتها في بيت الست الطيبة اللي اسمها أم عمر. في يوم من الأيام، حصل موقف غيّر حياتي، وكنت فاكرة إن الموضوع انتهى، لكن الحقيقة إنه لسه له أثر لحد النهارده.”


 

مريم وقفت عن القراءة.


 

بصيت لها وقلت:


 

“كملي يا حبيبتي.”


 

كملت وهي بتترعش:


 

“في اليوم ده، كنت شغالة في البيت، وسمعت الست أم عمر بتتكلم مع زوجها عن طفل صغير محتاج عيلة ترعاه. الطفل كان وحيد، وماكانش عنده حد يسأل عليه. الست كانت نفسها تساعده، لكن ظروفها الصحية ماسمحتلهاش تكمل الإجراءات. وأنا وقتها كنت حامل فيكي، وخايفة من المستقبل، وماكنتش أعرف إذا كنت هقدر أربيكي لوحدي ولا لأ.”


 

مريم رفعت عينيها ليا.


 

“عمر، أمي كانت بتتكلم عن الطفل اللي في الصورة.”


 

رجعت أكمل القراءة.


 

“بعد فترة، عرفت إن الطفل راح يعيش مع عيلة تانية، وارتحت لأنه لقى مكان آمن. لكن بعد سنين، لما سمعت إن الست أم عمر توفت، حاولت أوصل لولادها عشان أقول لهم إنها كانت ست عظيمة، وإن المعروف اللي عملته معايا أنقذني في وقت كنت فيه محتاجة حد يقف جنبي.”


 

الورقة كانت بتتكلم عن ذكريات قديمة، وعن علاقة إنسانية بين أمي ونادية، وعن طفل كانت العيلة بتفكر تساعده، لكن مفيش أي دليل إن الطفل ده له علاقة مباشرة بحياتنا الحالية.


 

ومع ذلك، كان في آخر سطر حاجة غريبة.


 


 

“يا مريم، لو قابلتي خالد في يوم من الأيام، قولي له إن أمه كانت فخورة بيه، وإنه لازم يسامح نفسه على حاجة حصلت وهو صغير، لأنه ماكانش يعرف وقتها إن تصرفاته البسيطة هتفضل عايشة في قلوب الناس.”


 

بصيت لخالد لما حكيت له الكلام ده بعدين، ولقيته بيعيط.


 

قال:


 

“أنا فاكر اليوم ده دلوقتي.”


 

سألته:


 

“يوم إيه؟”


 

قال:


 

“كان في طفل صغير جه عندنا مع واحدة من العاملات في دار الرعاية، وكان خايف جدًا ومش راضي ياكل. أنا كنت طفل وقتها، فقعدت جنبه ولعبت معاه، وأمي كانت بتقول لي إني خليته يضحك لأول مرة من أيام. يمكن نادية كانت موجودة يومها، ويمكن كانت بتراقب الموقف.”


 

قلت له:


 

“بس إنت ماكنتش تعرف إن الموضوع له علاقة بيها.”


 

قال:


 

“أبدًا.”


 

في اللحظة دي، فهمت إن أحيانًا المواقف الصغيرة اللي بنعملها من غير ما نفكر ممكن تفضل محفورة في ذاكرة حد طول عمره.


 

لكن لسه كان عندي سؤال أخير.


 

سألت مريم:


 

“طب ليه كنتي بتخافي بالشكل ده كل ما خالد ييجي؟”


 

مريم مسكت إيدي وقالت:


 

“لأن أمي قبل ما تموت قالت لي إنها نفسها أشوف خالد وأشكره، وإنها كانت عايزة تسلّمه الجواب. وأنا كنت خايفة من المواجهة، وخايفة أقولك إني عرفت عن عيلتك حاجات من غير ما تكون إنت عارفها. كل ما كان خالد ييجي، كنت بحس إني لازم أتكلم، لكن الخوف كان بيغلبني.”


 

قلت لها:


 

“كان ممكن تقوليلي من الأول.”


 

قالت:


 

“عارفة. وده أكتر حاجة ندمانة عليها.”


 

حضنتها وقلت:


 

“إحنا المفروض نواجه أي حاجة سوا، مش كل واحد فينا يفضل شايل خوفه لوحده.”


 

من اليوم ده، قررنا نبدأ صفحة جديدة.


 

خالد بقى يزورنا بشكل طبيعي، ومريم بدأت تتعامل معاه براحة أكتر، ومع المتابعة الطبية، بقت تفهم أعراضها وتتعامل معاها بشكل أفضل.


 

لكن في يوم، وبعد ما افتكرنا إن كل حاجة انتهت، حصل موقف خلانا نرجع نفكر من جديد.


 

كنت راجع من الشغل، ولقيت خالد قاعد في الصالة، ومريم واقفة قدامه، وبينهم صورة قديمة تانية.


 

أول ما دخلت، خالد رفع عينيه ليا وقال:


 

“عمر، إحنا لازم نتكلم في حاجة تخص أبوك.”


 

وقفت مكاني.


 

“أبويا؟ ماله؟”


 

خالد بص لمريم، وبعدها رجع بص لي.


 

“الصورة اللي لقيناها مش آخر حاجة سابتها أمي. أنا لقيت جواب تاني في درج قديم، وكان فيه اسم شخص ماكنتش أعرفه.”


 

قربت منهم، وقلبي بدأ يدق.


 

“مين الشخص ده؟”


 

خالد طلع ورقة من جيبه، ومدها لي.


 

كان مكتوب فيها اسم رجل، وتحت الاسم عنوان قديم في مدينة تانية.


 

لكن اللي خلاني أتجمد مش الاسم.


 

اللي خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي هو الجملة اللي كانت مكتوبة بخط أبويا في آخر الورقة:


 

“لو عمر عرف الحقيقة دي في يوم من الأيام، لازم يسمعها مني أنا الأول.”


 

بصيت لخالد وأنا مش قادر أتكلم.


 

“يعني إيه؟ بابا كان مخبي عني إيه؟”


 

خالد قال:


 

“أنا معرفش يا عمر. الجواب ده كان متخبي من سنين، ومش فاهم ليه أبويا كتب اسم الراجل ده، ولا ليه قال إنك لازم تسمع الحقيقة منه هو.”


 

مريم قربت مني وقالت:


 

“إحنا مش لازم نستعجل. ممكن يكون الموضوع أبسط مما إحنا متخيلين.”


 

لكن أنا كنت حاسس إن في حاجة أكبر بكتير من مجرد صور قديمة وجوابات.


 

تاني يوم، أخدت العنوان وروحت أدور على الراجل.


 

وصلت لشارع قديم، فيه بيوت صغيرة ومحلات مقفولة، وسألت واحد من السكان عن الاسم المكتوب.


 

الراجل فكر شوية، وبعدها قال لي:


 

“أيوه، كان فيه راجل بالاسم ده عايش هنا من سنين، لكنه نقل من زمان. على حد علمي، ابنه لسه ساكن في المنطقة اللي جنبنا.”


 

شكرته وروحت العنوان التاني.


 

بعد شوية، وصلت لبيت قديم، وخبطت على الباب.


 

فتحت لي ست كبيرة في السن، سألتها عن الرجل، فقالت إنه متوفى من حوالي خمس سنين، لكن ابنه موجود في البيت.


 

نادته، وبعد دقائق خرج راجل في أواخر الأربعينات.


 

قلت له:


 

“أنا عمر، ابن محمود منصور. لقيت ورقة قديمة فيها اسم والدك، وكنت عايز أعرف إذا كان يعرف أبويا.”


 

أول ما سمع اسم أبويا، وشه اتغير.


 

فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال:


 

“إنت ابن محمود؟”


 

قلت:


 

“أيوه.”


 

بصلي بتركيز وقال:


 

“كنت مستني اليوم ده من سنين.”


 

حسيت إن قلبي هيقف.


 

“مستني ليه؟”


 

دخل الراجل البيت، ورجع ومعاه صندوق صغير.


 

حطه قدامي وقال:


 

“أبويا كان موصيني لو جه حد من عيلة محمود منصور، أسلمه الصندوق ده، وأقوله إن اللي حصل زمان ماكانش ذنب حد من ولاده.”


 

فتحت الصندوق بإيدين بتترعش.


 

لقيت فيه جوابات قديمة، وصورة لأبويا مع الراجل ده، وورقة مكتوب عليها تاريخ يرجع لأكتر من أربعين سنة.


 

بدأت أقرأ أول جواب.


 

كان مكتوب فيه إن أبويا وصاحب الجواب كانوا أصدقاء من أيام الشباب، وإنهم مروا بظروف صعبة، وإن أبويا ساعده في وقت كان محتاج فيه فلوس وعلاج.


 

لكن في جواب تاني، لقيت كلام عن حادث قديم حصل في العيلة، وعن خلاف كبير بين أبويا وأحد أقاربه.


 

ماكانش فيه أي دليل على سر خطير يخصني أنا، ولا على أي حاجة من اللي كنت متخيلها.


 

لكن كان فيه اعتراف واضح إن أبويا كان شايل ذنب إنه قطع علاقته بشخص قريب منه بسبب سوء تفاهم، وإنه حاول يصلح العلاقة قبل وفاته لكنه ماقدرش.


 

رجعت البيت وأنا حاسس بمشاعر متلخبطة.


 

خالد ومريم كانوا مستنييني.


 

حطيت الصندوق قدامهم، وحكيت لهم كل اللي حصل.


 

خالد قرأ الجوابات، وبعدها قال:


 

“أبويا كان نفسه يصلح حاجات كتير قبل ما يموت، لكن يمكن الظروف ما ادتلوش الفرصة.”


 

مريم مسكت إيدي وقالت:


 

“يمكن كل اللي حصل خلانا نفهم إن السكوت عن الحاجات اللي بتوجعنا بيكبرها، وإن الكلام الصريح كان ممكن يوفر علينا شهور من الخوف والشك.”


 

بصيت لها وقلت:


 

“عندك حق.”


 

وفي الليلة دي، قعدنا إحنا التلاتة نتكلم لساعات.


 

اتكلمنا عن أبويا، وعن أمي، وعن الذكريات اللي كل واحد فينا كان شايلها لوحده. خالد حكى لي عن طفولتنا، وعن الأيام اللي كان بيخاف فيها عليا وأنا صغير، وعن وعد قطعه لأبويا إنه يفضل جنبي مهما حصل.


 

ومريم حكت لي عن أمها، وعن حياتها الصعبة، وعن خوفها من إنها تخسر أي حد بتحبه.


 

ولأول مرة من سنة كاملة، حسيت إننا مش واقفين قصاد بعض، لكن قاعدين في نفس الناحية، بنحاول نفهم الماضي من غير ما نخليه يبوظ حاضرنا.


 

بعد شهور، في يوم عيد ميلاد يوسف، جمعنا العيلة كلها في البيت.


 

أمي كانت غايبة عن الدنيا، وأبويا كمان، لكن صورهم كانت موجودة على الرف، جنب صورة قديمة لخالد وهو طفل، وصورة لنادية مع أمي.


 

مريم كانت واقفة في المطبخ بتحضر التورتة، وخالد كان بيلعب مع يوسف، وأنا كنت بتفرج عليهم من بعيد.


 

فجأة، مريم خرجت من المطبخ، ووقفت قدام خالد.


 

قالت له بابتسامة هادية:


 

“خالد، أنا عايزة أقولك حاجة.”


 

بص لها وقال:


 

“اتفضلي يا مريم.”


 

قالت:


 

“أنا عمري ما كنت بكره وجودك في بيتنا. بالعكس، كنت بتمنى أقدر أتكلم معاك من أول مرة، وأقولك إن أمي كانت بتحب سيرتك جدًا. لكن الخوف خلاني أتصرف بطريقة خلتك تشك فيا، وخلت عمر يعيش في حيرة.”


 

خالد نزل عينيه وقال:


 

“وأنا كمان ظلمتك لما شكيت إنك بتمثلي. أنا آسف.”


 

مريم ابتسمت وقالت:


 

“خلاص، إحنا كلنا اتعلمنا.”


 

خالد بص لي وقال:


 

“سامحني يا عمر.”


 

قربت منه وحضنته.


 

“إنت أخويا الكبير. مهما حصل، أنا مش هسمح لشك يدخل بينا تاني.”


 

وفي اللحظة دي، يوسف جري علينا وهو شايل قطعة تورتة، وقال ببراءة:


 

“إنتوا بتعيطوا ليه؟ ده عيد ميلادي!”


 

ضحكنا كلنا، ومريم مسحت دموعها، وخالد شال يوسف على كتفه.


 

كانت لحظة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت أغلى من أي حاجة.


 

لأنني أخيرًا فهمت إن اللي حصل ماكانش مجرد إغماءات غريبة أو سر قديم، لكنه كان نتيجة خوف اتكتم، وذكريات اتدفنت، وكلام اتأجل لحد ما بقى أكبر من قدرتنا على احتماله.


 

ومن يومها، كل ما خالد كان بييجي عندنا، مريم كانت هي اللي بتفتح له الباب، وتقول له بابتسامة:


 

“اتفضل يا خالد، البيت نور.”


 

وأنا كنت واقف وراها، شايفها وهي بتستقبله من غير خوف، وبحمد ربنا إننا قدرنا نرجع لبعض قبل ما الشك يضيع منا أغلى الناس.


 

لكن قبل ما أقفل الحكاية، في حاجة لازم أقولها.


 

بعد حوالي ست شهور من اليوم ده، كنت برتب حاجات أمي القديمة، ولقيت ظرف صغير مكتوب عليه اسمي.


 

فتحته، ولقيت جواه ورقة قصيرة بخطها.


 

كانت بتقول:


 

“يا عمر، لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنت كبرت وبقيت راجل مسؤول عن بيت وأسرة. عايزاك تعرف إن الإنسان ساعات بيشوف تصرفات غريبة من اللي حواليه، وبيفتكر إن وراها سوء نية، لكن الحقيقة ممكن تكون خوف أو وجع أو سر مش قادرين يحكوه. اسمع قبل ما تحكم، واسأل قبل ما تتهم، لأن الكلمة اللي بتطلع وقت الغضب ممكن تفضل في قلب حد طول عمره.”


 

قعدت على السرير، وفضلت أقرأ الرسالة مرة واتنين.


 

وبعدين دخلت مريم الأوضة، ولما شافتني ماسك الورقة، سألتني:


 

“إيه ده يا عمر؟”


 

ابتسمت لها ومديت لها الرسالة.


 

قرأتها، وبعدها بصت لي وقالت:


 

“كأنها كانت عارفة اللي هيحصل.”


 

حضنتها وقلت:


 

“يمكن كانت عارفة طبيعة البشر أكتر مننا.”


 

ومن يومها، بقيت لما أشوف حد بيتصرف بطريقة مش مفهومة، ماستعجلش في الحكم عليه.


 

لأنني اتعلمت بالطريقة الصعبة إن ورا بعض التصرفات اللي بتبان غريبة، ممكن يكون فيه حزن قديم، أو خوف من مواجهة، أو ذكرى بتوجع صاحبها كل ما يحاول يهرب منها.


 

وأهم حاجة اتعلمتها، إن البيت اللي فيه حب مش معناه إن مفيهوش أسرار أو خلافات، لكن معناه إن اللي جواه عندهم استعداد يسمعوا بعض، ويواجهوا الحقيقة مهما كانت صعبة.


 

أما مريم، فبقت كل ما تفتكر السنة اللي فاتت، تبتسم وتقول لي:


 

“فاكر لما كنت بتستخبى ورا الستارة عشان تراقبني؟”


 

أضحك وأقول لها:


 

“يا ستي ماتفكرينيش، أنا كنت هتجنن!”


 

فتضحك وترد:


 

“وأنا كنت خايفة أتكلم، وكل واحد فينا كان بيخاف من حاجة مختلفة.”


 

وبعدين تبص لي بجدية وتقول:


 

“بس الحمد لله إننا اتكلمنا في الآخر.”


 

وساعتها كنت بمسك إيديها وأقول:


 

“الحمد لله يا مريم. الحمد لله إننا عرفنا إن الحقيقة مش دايمًا زي ما إحنا بنتخيل، وإن اللي بنحبه يستحق مننا نسمعه قبل ما نشك فيه.”


 

وهكذا انتهت الحكاية اللي بدأت بإغماءات متكررة، وخوف غامض، واتهامات كادت تفرق بين أخين وزوجين.


 

لكن نهايتها كانت بداية جديدة لعيلة اتعلمت إن الصراحة مش دايمًا سهلة، وإن الاعتذار مش ضعف، وإن المحبة الحقيقية مش معناها إننا عمرنا ما نغلط في حق بعض، لكنها معناها إننا لما نغلط، نقدر نعترف ونصلح ونرجع نفتح الباب لبعض من جديد.


 

وكل ما جرس الباب يرن عندنا، مريم بتبص لي وتضحك، وأنا أروح أفتح وأنا مطمن، لأنني عرفت أخيرًا إن الخوف اللي كان بيملأ بيتنا ماكانش دليل على إن الحب انتهى، لكنه كان دليل على إن في كلام لازم يتقال، وقلوب محتاجة تتصالح، وحقيقة لازم تظهر للنور.


 

تمت.


 

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

 

تابع جديد محمد

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق