في هذا المقال
سكريبت اتهانت كرامتي كامله حكايات صافي هاني
سكريبت اتهانت كرامتي كامله حكايات صافي هاني
قدام سبعين موظف قامت عروسة رئيس المافيا اللي بشتغل عنده بشد شعري وقصتلي شعري اللي كنت بطوله وبحافظ عليه من سنين جوه ممتلكات أديان كول
الصبح وصلت الشغل زي كل يوم وفي نص النهار المكان كله بدأ يتقلب فوق تحت
أديان كان عنده تلاتة وخمسين سنة ووسيم وقوي وواحد من أخطر رجال المافيا اللي الناس بتخاف منهم على الساحل الشرقي
شغله كان بيشمل شركات شحن ونوادي ليلية فخمة ومراكز تجارية ومطاعم
أما شغله التاني فكان حاجات محدش بيتكلم عنها
أديان كان فاكر كل حاجة عني
كان فاكرني كويس
كان فاكرني يا مدام
ما تستهونش بيا
كل الناس بتلاحظ يا مدام
قلت لها ما تستهونش بيا
وقبل ما ألحق أتحرك مدت إيدها وشدت شعري
وبعدها قصته بالمقص
رفعت شعري المقصوص قدامي وقربته من وشي وهي بتبصلي بشماتة
وبعدين مسكت خصلات شعري بإيديها وفضلت تتأمل فيها كأنها حققت انتصار كبير
الشعر ده كان ذكرى غالية عندي من جدتي الله يرحمها وكانت وصتني أحافظ عليه
وفانيسا كانت عارفة ده كويس
ابتسمت بسخرية وقالت
يمكن دلوقتي تفتكري مقامك الحقيقي وتعرفي إنتي مين هنا
وبصتلي من فوق لتحت وسألتني باستهزاء
ولا تحبي أكمّل وأخليكي تندمي إنك فكرتي تعاندي معايا
بصيتلها بهدوء وقلت
إنتي بتهدديني
ردت بسرعة وهي بتبتسم
لأ أنا بس بفهمك مكانك
ما رديتش عليها ولا دخلت معاها في جدال
خدت قفازات المطبخ بتاعتي ورجعت أكمل شغلي كأن مفيش حاجة حصلت
لكن اللي محدش في المكان كله كان يعرفه إن اللي حصل النهارده مش هيعدي زي أي يوم تاني
في الصبح اللي بعده وصلت الساعة أربعة وستة وعشرين دقيقة
يعني قبل معادي بأربع دقايق
كان حارس البوابة واقف مكانه ولما شاف شعري القصير بصلي بحزن وقال
يا نورا أنا آسف بجد على اللي حصل لك
ابتسمتله وسألته
بنتك عاملة إيه دلوقتي بعد الالتهاب الرئوي اللي كان عندها
وشه نور شوية وقال
أحسن الحمد لله
قلتله
الحمد لله ربنا يشفيها ويخليهالك
وبعدين دخلت لجوه
طلعت السلالم وراجعت دواليب المفروشات وجهزت أوض الضيوف واتأكدت إن كل حاجة في مكانها
كل ده كان مكتوب في عقد شغلي
لكن أنا كنت بعمل أكتر بكتير من اللي العقد بيطلبه مني
خمس سنين كاملة وأنا بشيل مسؤولية حاجات محدش كان بيشوفها ولا حتى بيقدرها
كنت فاكرة مين عنده حساسية من أكل معين ومين لازم يتجهز له أكل مخصوص
كنت بنظم مواعيد النقل وأراجع جداول العربيات وأتأكد إن كل حاجة وصلت في معادها
كنت براجع الشحنات وأكتشف الأخطاء قبل ما أي حد ياخد باله منها
ولو حاجة حصل فيها خلل كنت بحلها بهدوء من غير ما أعمل دوشة أو أحرج حد
ولو ضيف مهم وصل فجأة كنت بعرف أجهز له كل اللي يحتاجه في وقت قياسي
ولو موظف تعب كنت بساعده
ولو حد اتأخر عن شغله كنت بغطي مكانه عشان الدنيا ما تقفش
خمس سنين وأنا بعمل كل ده من غير ما أطلب ترقية ولا زيادة ولا حتى كلمة شكر
لكن بعد اللي عملته فانيسا فيا فهمت إن فيه فرق كبير بين إن الناس تحتاجك وبين إنها تحترمك
وفي نفس الصبح وأنا براجع طلبات المطبخ اكتشفت إن فيه مشكلة كبيرة في تجهيزات المطعم
كان فيه طلبات ناقصة وحاجات متسجلة بأعداد غلط ولو الموضوع اتساب كده كانت الوليمة اللي هتتعمل بالليل هتتحول لكارثة
وقفت قدام الدفاتر وراجعت كل حاجة من الأول
وبعد أقل من نص ساعة اكتشفت إن الخطأ مش من المطبخ ولا من العمال
كان فيه حد غيّر الطلبات بعد اعتمادها
قفلت الدفتر بهدوء ورفعته على الرف ورجعت أكمل شغلي
ما كنتش ناوية أتكلم
ولا كنت ناوية أشتكي
ولا حتى كنت ناوية أقول لحد إن فيه حاجة غلط
لأن من اللحظة دي قررت إن كل واحد هيتحمل نتيجة شغله بنفسه
ولما الساعة قربت من الضهر سمعت صوت خطوات سريعة في الطرقة وصوت واحد من الموظفين بيقول بقلق
أديان باشا وصل
المكان كله اتغير في ثانية
العمال وقفوا في أماكنهم والموظفين عدلوا هدومهم والحراس انتشروا عند المداخل
أما أنا ففضلت واقفة قدام طاولة المطبخ براجع آخر قائمة طلبات
وفجأة سمعت صوته من ورايا
نورا
لفيت ناحيته بهدوء
كان واقف عند باب المطبخ وباصصلي مباشرة
عينه نزلت على شعري القصير وفضل ساكت كام ثانية
وبعدين سألني بصوت هادي لكنه مخيف
مين عمل فيكي كده؟
رفعت عيني ليه وقلت
محدش يا فندم
فضل باصصلي من غير ما يرمش
أنا سألتك مين عمل فيكي كده
سكت لحظة وبعدين قال
أنا مش هسألك تالت مرة يا نورا
وساعتها بس عرفت إن اليوم اللي كنت بحاول أعديه في هدوء بدأ ياخد طريق تاني خالص
وقفت قدامه وأنا حاسة إن كل العيون اللي في المطبخ متعلقة بيا
كان أديان واقف مستني إجابتي ومش بيحاول يخبي غضبه اللي بدأ يظهر في ملامحه
أنا عارفة كويس إن مجرد كلمة مني ممكن تقلب المكان كله وإن فانيسا لو عرفت إني حكيت له اللي حصل هتعتبرني عدوة ليها
لكن اللي كان مضايقني أكتر من أي حاجة هو إني مش عايزة أكون السبب في مشكلة أكبر بين اتنين أنا ماليش دعوة بحياتهم الشخصية
قلت بهدوء
يا فندم أنا جاية أشتغل وأخلص شغلي وأمشي وكل اللي حصل مش هيأثر على شغلي
بصلي باستغراب وقال
إنتي فاكرة إني سألتك عشان شغلك؟
ما رديتش
قرب خطوة وقال
أنا عندي سبعين موظف في المكان ده وكل واحد فيهم له احترامه وكرامته ومحدش فيهم مسموح له يمد إيده على التاني أو يهينه مهما كان منصبه
وبعدين أشار لشعري وقال
واللي حصل ده مش مجرد قصة شعر اتقصت يا نورا
دي إهانة حصلت قدام الناس كلها
حاولت أتكلم لكنه رفع إيده إشارة إنه لسه مخلصش
أنا مش محتاج أعرف منك مين عمل كده عشان أفهم إنك بتحاولي تحمي حد
اتجمدت مكاني
بص ناحية باب المطبخ وقال بصوت مسموع
عايز كل الموظفين اللي كانوا موجودين امبارح في الصالة الرئيسية يجتمعوا في المكتب الكبير بعد نص ساعة
وبعدين رجع بصلي وقال
وإنتي يا نورا هتكوني موجودة
قلت بسرعة
بس يا فندم عندي تجهيزات الغدا ولازم أراجع طلبات المطعم
رد من غير ما يتردد
الطلبات هتتراجع مع مدير المطبخ
إنتي دلوقتي هتكملي شغلك لحد ما أطلبك
خرج من المطبخ وسابني واقفة مكاني
أول ما اختفى من قدامي سمعت واحدة من العاملات بتهمس
يا نهار أبيض يا نورا ده الموضوع شكله كبير
بصتلها وقلت
الموضوع مش محتاج يكبر
ردت عليا وهي بتبص ناحية الباب
هو اللي كبره يا حبيبتي مش إنتي
رجعت لشغلي وحاولت أركز في كل تفصيلة قدامي
لكن إيدي كانت بتترعش كل ما أفتكر شكل فانيسا وهي ماسكة شعري وبتضحك
أنا مش كنت زعلانة على شكلي قد ما كنت زعلانة على السنين اللي قضيتها وأنا بحافظ على حاجة كانت بتفكرني بجدتي
جدتي كانت أكتر حد وقف جنبي في الدنيا
بعد وفاة أمي وأبويا وأنا لسه صغيرة هي اللي ربتني وكانت بتسرحلي شعري كل ليلة قبل النوم
كانت دايما تقولي إن البنت مش بقيمة جمالها ولا بطول شعرها وإن كرامتها هي الحاجة الوحيدة اللي لازم تحافظ عليها مهما حصل
ولما كبرت وبقيت أشتغل وأصرف على نفسي كنت كل ما أتعب أفتكر كلامها وأكمل
الشعر اللي فانيسا قصته ما كانش مجرد شعر بالنسبة لي
كان جزء من ذكرياتي معاها
وكان آخر حاجة من الحاجات الصغيرة اللي فضلت محتفظة بيها من أيام ما كانت بتقعدني جنبها وتحكيلي عن الحياة
مسحت دمعة نزلت من عيني بسرعة قبل ما حد يلاحظها ورفعت رأسي وكملت شغلي
أنا مش هسمح لحد يشوفني مكسورة
حتى لو كنت من جوايا مش قادرة أوقف دموعي
بعد نص ساعة بالظبط كنت واقفة قدام باب المكتب الكبير
الموظفين كانوا متجمعين جوه في صفوف صغيرة وكل واحد بيبص للتاني وكأنهم مستنيين يعرفوا إيه اللي هيحصل
دخلت بهدوء ووقفت جنب الحيطة
أديان كان قاعد ورا مكتبه وبجانبه مدير الممتلكات ومدير الأمن
أما فانيسا فكانت قاعدة على الكنبة المقابلة ليه لابسة فستان أبيض أنيق وشعرها متصفف بعناية وكأنها جاية تحضر مناسبة سعيدة مش اجتماع طارئ
أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
صباح الخير يا نورا
ما رديتش عليها
أديان لاحظ النظرة اللي تبادلتها معايا لكنه ما علقش
قفل الملف اللي قدامه وقال
أنا جمعتكم النهارده عشان فيه حاجة حصلت في المكان ده وعايز أفهم إزاي محدش فكر يبلغني بيها
واحد من الموظفين بص للأرض والتاني بدأ يحرك إيده بتوتر
أديان كمل
امبارح حصل تصرف غير مقبول قدام عدد كبير من الناس واللي حصل مش هيتعامل معاه على إنه هزار ولا خلاف شخصي
فانيسا ضحكت ضحكة خفيفة وقالت
أديان حبيبي إنت مكبر الموضوع ليه؟ دي كانت لحظة عصبية وعدت خلاص
بصلها وقال
أنا لسه ما سألتكيش عن رأيك يا فانيسا
ابتسامتها اختفت للحظة لكنها رجعتها بسرعة
أنا بس مش عايزاك تضيع وقتك في حاجة تافهة
حط أديان إيده على المكتب وقال
بالنسبة لك ممكن تكون حاجة تافهة لكن بالنسبة ليا إهانة موظفة عندي قدام سبعين شخص مش حاجة تافهة
فانيسا شبكت إيديها وقالت ببرود
طيب اسألها هي عملت إيه عشان أوصل للمرحلة دي
كل العيون اتحولت ناحيتي
أديان بصلي وقال
نورا احكي اللي حصل من البداية
أخدت نفس طويل وقلت
أنا كنت في الصالة براجع تجهيزات المناسبة ولقيت مدام فانيسا بتتكلم معايا عن مكان وقوفي وطريقة تعاملي مع الضيوف
فطلبت مني أغير مكاني وأسيب المهمة اللي كنت مكلفة بيها
قلت لها إن فيه تعليمات من مدير الممتلكات وإن تغيير الترتيب في اللحظة دي ممكن يسبب مشكلة في التنظيم
هي اتضايقت وقالت إني بتعمد أحرجها قدام الناس
حاولت أوضح لها إن ده مش صحيح لكنها ما سمحتليش أكمل كلامي
وبعدها شدت شعري وقصته بالمقص قدام الموظفين
سكت شوية وبعدين كملت
أنا ما رديتش عليها وما حاولتش أعمل مشكلة ورجعت لشغلي
فانيسا قامت من مكانها وقالت بعصبية
ده مش اللي حصل!
أديان رفع عينه ليها وقال
اقعدي يا فانيسا
ردت بانفعال
إنت بتصدق كلامها من غير ما تسمعني؟
قال بهدوء
هسمعك لما ييجي دورك
رجعت قعدت وهي بتبصلي بنظرة مليانة غضب
أديان لف ناحية الموظفين وقال
هل فيه حد منكم شاف اللي حصل؟
ساد الصمت
كنت عارفة إن ناس كتير شافت كل حاجة لكن محدش عايز يدخل نفسه في مشكلة
ما كنتش بلومهم
كل واحد فيهم عنده بيت ومسؤوليات وخايف يخسر شغله
أديان استنى شوية وبعدين قال
أنا مش هعاقب حد عشان قال الحقيقة ومش هسمح لأي حد يضغط على موظف عشان يغير كلامه
واحد من العاملين رفع إيده بتردد
أديان أشار له يتكلم
الراجل قال بصوت مهزوز
أنا كنت موجود يا فندم وشوفت اللي حصل
فانيسا لفت ناحيته بسرعة
إنت متأكد من كلامك؟
بلع ريقه وقال
أيوه يا مدام
أنا شوفت حضرتك وإنتي بتشدي شعر نورا وبتقصيه
وبعدين واحدة من العاملات اتكلمت وقالت
وأنا كمان كنت موجودة وشوفت كل حاجة
وبعدها موظف تالت اتكلم
أنا كنت واقف عند المدخل وشوفت اللي حصل من أوله
فانيسا بصت حواليها بصدمة وهي بتكتشف إن الناس اللي كانت فاكرة إنهم مش هيقدروا يفتحوا بقهم بدأوا يتكلموا واحد ورا التاني
أديان ساب كل واحد يقول اللي عنده من غير ما يقاطعه
ولما خلصوا قفل الملف قدامه وبص لفانيسا
دلوقتي عايز أسمع تفسيرك
فانيسا عدلت قعدتها وقالت بنبرة حاولت تخليها هادية
أنا كنت متعصبة لأنها رفضت تنفذ تعليماتي وفضلت تجادلني قدام الموظفين
قلت لها إنها لازم تعرف حدودها وإنها مش من حقها تكلمني بالطريقة دي
ولما لقيتها بترد عليا بنفس الأسلوب فقدت أعصابي
أديان سألها
وإيه علاقة ده إنك تقصي شعرها؟
فانيسا سكتت
كرر سؤاله
إيه علاقة ده باللي عملتيه؟
قالت بضيق
أنا اعترفت إني اتعصبت وخلاص
أديان رد عليها
الاعتراف بالغلط مش معناه إن الغلط انتهى
وبعدين بص لمدير الممتلكات وقال
عايز تقرير مكتوب بكل اللي حصل وأسماء الشهود وتفاصيل الواقعة
وبعدها رجع بص لفانيسا
ومن النهارده مفيش أي تعليمات شفهية من أي شخص لموظفي الممتلكات خارج نطاق شغله إلا من خلال الإدارة المسؤولة
فانيسا قامت مرة واحدة وقالت
يعني إنت بتعاملني كأني واحدة غريبة هنا؟
أديان رد بهدوء
أنا بعامل كل واحد حسب تصرفاته
قالت وهي بتبصلي
وكل ده عشان واحدة شغالة عندك؟
أديان وقف من مكانه وبص لها مباشرة
لأ يا فانيسا
كل ده عشان أنا مش هسمح لحد يستخدم اسمي عشان يهين إنسان تاني
الصمت نزل على المكتب كله
فانيسا أخدت شنطتها وقالت
أنا مش هنسى اللي حصل النهارده
وبصتلي نظرة أخيرة قبل ما تخرج وتقفل الباب وراها بعنف
أديان استنى لحد ما خطواتها اختفت وبعدين قال للموظفين
تقدروا ترجعوا شغلكم
لما الكل بدأ يخرج نده عليا
نورا استني
وقفت مكاني
بصلي وقال
اقعدي
قعدت على الكرسي اللي قدام المكتب وأنا مش عارفة هو عايز مني إيه
فتح درج مكتبه وطلع ظرف صغير وحطه قدامي
قلت باستغراب
إيه ده يا فندم؟
قال
تعويض عن اللي حصل
بصيت للظرف وبعدين رجعته ناحيته من غير ما أفتحه
أنا مش عايزة فلوس يا فندم
رفع حاجبه باستغراب
كل الناس بتحتاج فلوس يا نورا
قلتله
أنا محتاجة أشتغل في مكان أحس فيه إن كرامتي محفوظة ومحدش يقدر يهينني عشان هو شايف نفسه أحسن مني
فضل ساكت وهو باصصلي
كملت كلامي وأنا بحاول أسيطر على صوتي
أنا بشتغل هنا بقالي خمس سنين وعمري ما طلبت حاجة زيادة عن حقي
لو أنا غلطت في شغلي حاسبوني
لو قصرت في حاجة نبهوني
لكن محدش من حقه يمد إيده عليا أو يقلل مني
والفلوس مش هترجعلي الحاجة اللي اتاخدت مني
أديان بص للظرف شوية وبعدين شاله من قدامي
وقال بصوت مختلف
إنتي عندك حق
الكلمة دي فاجأتني لدرجة إني رفعت عيني له بسرعة
هو كمل
أنا مش هقدر أرجعلك شعرك ولا هقدر أغير اللي حصل
لكن أقدر أضمن إن اللي عمل كده مش هيكرر التصرف ده مع أي حد تاني في المكان
قلتله
أتمنى ده يحصل يا فندم
قام من مكانه وراح ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على الحديقة
فضل باصص بره شوية وبعدين قال
أنا عارف إنك بتشتغلي هنا من خمس سنين
وعارف إنك من أكتر الناس اللي شايلين مسؤولية المكان ده
بس واضح إني كنت شايف شغلك ومش شايف التعب اللي وراه
ما عرفتش أرد عليه
رجع بصلي وقال
من النهارده أي مشكلة تخصك هتتقدم للإدارة بشكل رسمي وهتتاخد بجدية
ولو حد حاول يضغط عليكي عشان تسكتي عن حقك تقدري تيجي تتكلمي معايا مباشرة
شكرته وقمت من مكاني
وقبل ما أوصل للباب سمعته بيقول
نورا
لفيت له
قال بهدوء
أنا آسف
الكلمة كانت بسيطة لكنها خرجت من شخص قليل ما بيعتذر لحد
حسيت إن عيني هتدمع لكني تماسكت وقلت
شكرا يا فندم
وخرجت
عدت للمطبخ وأنا حاسة إن حاجة جوايا بدأت تهدى
مش لأن المشكلة اتحلت بالكامل لكن لأن للمرة الأولى من وقت طويل حسيت إن صوتي اتسمع وإن اللي حصل لي مش لازم أقبله لمجرد إني محتاجة شغلي
بدأت أراجع تجهيزات العشا وطلبت من مدير المطبخ يتأكد من الكميات الناقصة
لكنه كان متوتر وفضل يراجع الدفاتر أكتر من مرة
بعد شوية قرب مني وقال بصوت واطي
يا نورا إنتي متأكدة إنك مش عارفة مين اللي غير الطلبات؟
بصيتله وقلت
أنا عارفة إن فيه حاجة اتغيرت لكن مش هتهم حد من غير دليل
هز رأسه وقال
ربنا يستر
رجعت للدفتر وبدأت أقارن الطلبات القديمة بالجديدة
وفي اللحظة دي لقيت ورقة صغيرة واقعة بين الصفحات
كانت فيها أرقام مكتوبة بخط مختلف عن الخط اللي متسجل في باقي الدفتر
راجعت الأرقام مرة واتنين
وبعدين فتحت سجل التسليمات
كل حاجة بدأت تتضح قدامي
فيه طلبات اتلغت بعد اعتمادها وفيه طلبات اتبدلت بأصناف أقل جودة وفيه توقيعات مش مطابقة للتوقيعات الموجودة في الملفات القديمة
ما كانش الموضوع مجرد غلطة
كان فيه حد بيحاول يخلينا نقدم خدمة أقل من المستوى المعتاد من غير ما الإدارة تعرف
حطيت الورقة في ملف منفصل وكتبت ملاحظة بتاريخ اليوم ووقت اكتشاف المشكلة
وبعدين كملت شغلي
لما خلصت تجهيزات العشا سلمت الملف لمدير الممتلكات وطلبت منه يراجعه بنفسه
سألني
إنتي شايفة إن الموضوع خطير؟
قلتله
أنا شايفة إن الأرقام مش متطابقة وإن لازم نعرف السبب قبل ما نوافق على أي فاتورة
هز رأسه وقال
هراجع كل حاجة
رجعت البيت في آخر اليوم وأنا مرهقة
أول حاجة عملتها إني وقفت قدام المراية وبصيت لشعري
كان قصير بشكل عمري ما تخيلت إني أشوفه عليه
لمست أطرافه بأصابعي وافتكرت جدتي وهي بتقولي
يا نورا الشعر بيطول تاني لكن اللي يهمني إن قلبك ما يتكسرش بسبب حد
قعدت على طرف السرير وعيطت
عيطت على جدتي وعلى السنين اللي قضيتها أحاول أكون قوية طول الوقت وعلى نفسي اللي كانت بتخاف تزعل أي حد حتى لو كان على حسابها
ولما خلصت مسحت وشي وفتحت الدرج اللي كنت محتفظة فيه بحاجات جدتي
طلعت صورة قديمة ليا وأنا صغيرة قاعدة جنبها وهي بتسرحلي شعري
بصيت للصورة وابتسمت وسط دموعي
وقلت بصوت واطي
أنا هفضل قوية يا تيتة
مش عشان حد يشوفني قوية
عشان أنا أستاهل أعيش من غير ما أخاف من حد
حطيت الصورة مكانها ونمت وأنا مقررة إني مش هسمح للي حصل يغيرني للأسوأ
تاني يوم وصلت الشغل في معادي
لكن أول ما دخلت البوابة لقيت الحارس بينادي عليا
يا نورا استني شوية
وقفت وسألته
فيه إيه؟
قال
مدير الممتلكات عايزك في المكتب
استغربت وطلعت على المكتب
لقيته قاعد قدام مجموعة من الملفات ووشه متغير
أول ما شافني قال
اقفلي الباب يا نورا
قفلت الباب وقعدت قدامه
قال
أنا راجعت الطلبات اللي سلمتيهالي امبارح
وفيه مشكلة أكبر مما كنت متخيل
سألته
إيه اللي حصل؟
فتح ملف قدامه ووراني مجموعة من الفواتير
قال
فيه فواتير اتسجلت بمبالغ أكبر من قيمة الطلبات الفعلية وفيه أصناف اتسجلت إنها وصلت للمخازن وهي ما وصلتش أصلا
بصيت للأوراق وأنا مش مصدقة
قلتله
يعني حد بيغير السجلات؟
رد
ده اللي لازم نعرفه
وبعدين سألني
إنتي لاحظتي الحاجات دي من إمتى؟
قلتله
امبارح بس لما كنت براجع تجهيزات العشا
قال
كويس إنك بلغتي
وبعدين فتح درج مكتبه وطلع ورقة وقال
أديان باشا طلب مراجعة كاملة لكل السجلات الخاصة بالمطعم والمخازن خلال آخر ست شهور
حسيت بقلق
ست شهور فترة طويلة وفيها تعاملات كتير جدا
لكن قلتله
أنا أقدر أساعد في مراجعة السجلات اللي تخص شغلي
ابتسم وقال
كنت عارف إنك هتقولي كده
بدأنا نراجع الملفات واحدة واحدة
كل ما نخلص مجموعة ننتقل للي بعدها
وفي كل مرة كنا بنلاقي اختلافات صغيرة لكنها متكررة
طلب ناقص
فاتورة مش متطابقة
توقيع مش واضح
تاريخ اتعدل بخط مختلف
ومع مرور الساعات بدأنا نفهم إن المشكلة مش محصورة في يوم واحد
كان فيه خلل مستمر في طريقة تسجيل الطلبات والتسليمات
في نهاية اليوم دخل أديان المكتب
بص للملفات المتراكمة وسأل
وصلنا لإيه؟
مدير الممتلكات شرح له اللي اكتشفناه
أديان سمع للنهاية وبعدين بصلي
إنتي اللي اكتشفتي كل ده؟
قلتله
أنا لاحظت اختلافات في الطلبات وحبيت أتأكد قبل ما أتكلم
قرب من المكتب وفتح واحد من الملفات
فضل يقلب في الأوراق لحد ما وقف عند صفحة معينة
قال
مين اللي راجع الملف ده؟
مدير الممتلكات رد
نورا يا فندم
أديان بصلي تاني وقال
إنتي فاهمة إن مراجعة النوع ده من السجلات مش من ضمن مسؤولياتك الأساسية؟
قلتله
عارفة يا فندم لكن لو فيه خطأ بيأثر على الشغل كله لازم حد ياخد باله منه
سكت لحظة وبعدين قال
من النهارده هتكوني مسؤولة عن مراجعة جودة الخدمات والتنسيق بين المطبخ والمخازن بالتعاون مع الإدارة
بصيتله باستغراب
يا فندم أنا مش عندي خبرة إدارية كبيرة
رد
عندك خبرة خمس سنين في إدارة تفاصيل المكان ده من غير ما يكون مكتوب في مسماكي الوظيفي
واللي ناقصك من خبرة هتاخديه بالتدريب
حسيت إني مش عارفة أقول إيه
لكن قبل ما أقدر أرد سمعنا صوت الباب بيتفتح بقوة
دخلت فانيسا
كانت ملامحها متوترة وعينيها راحت من أديان للملفات اللي قدامه
قالت
إيه اللي بيحصل هنا؟
أديان رد بهدوء
اجتماع شغل يا فانيسا
بصتلي وقالت
وشغل مين ده اللي نورا قاعدة فيه وسط ملفات الإدارة؟
أديان قفل الملف وقال
نورا بتساعدنا في مراجعة السجلات
ضحكت بسخرية
نورا؟ اللي شغلتها إنها تجهز الأوض وتنظم المطبخ؟
حسيت بالإهانة لكني فضلت ساكتة
أديان قال
نورا عندها خبرة أكبر من المسمى الوظيفي اللي اتعينت عليه
فانيسا قربت من المكتب وقالت
يعني بعد كل اللي حصل امبارح إنت قررت تكافئها بمنصب جديد؟
أديان رد
أنا قررت أستفيد من شخص أثبت إنه بيقدر يتحمل المسؤولية
فانيسا بصتلي بنظرة حادة وقالت
واضح إنك عرفتي تستغلي اللي حصل لصالحك
المرة دي ما قدرتش أسكت
بصيتلها وقلت بهدوء
أنا ما طلبتش المنصب يا مدام فانيسا
أنا كنت بعمل شغلي ولما اكتشفت أخطاء بلغّت عنها
لو عند حضرتك أي اعتراض على شغلي تقدري تتكلمي مع الإدارة
لكن أنا مش هقبل إن حد يتهمني بحاجة ما عملتهاش
المكتب كله سكت
فانيسا بصتلي كأنها أول مرة تسمعني بتكلم بالطريقة دي
أما أديان ففضل ساكت لثواني وبعدين قال
أعتقد إن الكلام انتهى هنا
فانيسا لفت ناحيته وقالت
إنت اتغيرت يا أديان
رد بهدوء
يمكن أنا بس بدأت أشوف حاجات كنت بتجاهلها
وشها اتغير
خرجت من المكتب من غير ما تقول كلمة تانية
وأنا فضلت واقفة مكاني وأنا حاسة إن حياتي في المكان ده بدأت تتغير بطريقة ما كنتش أتوقعها
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن فانيسا مش هتسيب الموضوع عند كده
مرت أيام وأنا بدأت أتعلم مسؤولياتي الجديدة
كان فيه موظفين رحبوا بيا وشجعوني وفيه ناس تانية كانت شايفة إن وجودي في الإدارة تهديد ليهم
كنت بسمع تعليقات من بعيد وأحيانا كنت بلاقي حد بيحاول يخفي عني معلومة أو يتأخر في تسليم ملف
لكن بدل ما أتعصب كنت بوثق كل حاجة
كل طلب له تاريخ
كل فاتورة ليها رقم
وكل اختلاف لازم يتراجع قبل ما يتحط عليه اعتماد
ومع الوقت بدأت الأخطاء تقل وبدأت الخدمة ترجع لمستواها الطبيعي
أديان كان بيتابع التقارير بنفسه
ما كانش بيتدخل في كل تفصيلة لكنه كان بيطلب مني شرح أي نقطة مش واضحة
وفي إحدى المرات كنت بعرض عليه تقرير عن مصروفات المطعم لما سألني
نورا إنتي بتعملي كل ده إزاي؟
بصيتله باستغراب
قصدك إيه يا فندم؟
قال
إزاي بتقدري تراجعي كل الأرقام دي وتفتكري التفاصيل من غير ما تتلخبطي؟
ابتسمت وقلت
أنا مش بفتكر كل حاجة يا فندم
أنا بس بكتب كل حاجة
ضحك لأول مرة قدامي وقال
واضح إنك بتعرفي تخليني أدفع تمن كل مرة كنت فاكر فيها إن التفاصيل الصغيرة مش مهمة
قلتله
التفاصيل الصغيرة هي اللي بتمنع المشاكل الكبيرة
فضل باصصلي لحظة وبعدين قال
جدتك كانت محظوظة بيكي
اتصدمت من الجملة
سألته
حضرتك عرفت منين عن جدتي؟
قال
يوم ما حصلت المشكلة سألت مدير الموارد البشرية عن ملفك الوظيفي عشان أتأكد من بياناتك وخبرتك
لقيت في الملف إنك فقدتي أهلك بدري وإن جدتك هي اللي ربتك
نزلت عيني للأوراق وقلت
أيوه يا فندم هي اللي علمتني كل حاجة مهمة في حياتي
سألني
كانت بتشتغل إيه؟
ابتسمت بحزن
كانت خياطة بسيطة في البيت
لكن كانت بتقول إن الشغل اللي يتعمل بإيد أمينة عمره ما يضيع حتى لو محدش شافه
أديان سكت شوية وبعدين قال
كانت ست فاهمة الدنيا كويس
قلتله
أكتر مما تتخيل
رجعت لشغلي بعد الاجتماع وأنا حاسة إن الكلام البسيط ده خفف عني حاجات كتير
لأول مرة من وقت طويل حسيت إن حد بيسأل عني من غير ما يكون عايز مني خدمة أو بيقيمني على أساس مظهري
لكن الهدوء ما استمرش كتير
بعد يومين وصلت الشغل ولقيت الموظفين متجمعين قدام المخزن
كان فيه نقص في مجموعة كبيرة من المفروشات اللي كانت مخصصة لتجهيز مناسبة مهمة في المساء
مدير المخازن كان واقف متوتر وبيقول إن كل الكميات اتسلمت حسب السجلات
أما فريق التجهيزات فكان بيأكد إن جزء كبير من الطلبات ما وصلش
بدأت أراجع سجلات التسليمات وطلبت من كل مسؤول يجيب النسخة اللي عنده
بعد ساعة اكتشفت إن فيه اختلاف بين سجل المخزن وسجل الاستلام
الكمية المكتوبة في سجل المخزن أكبر من الكمية اللي استلمها فريق التجهيزات
سألت مدير المخزن
مين اللي وقع على التسليم ده؟
بص في الورقة وقال
المفروض إن التوقيع ده توقيع مسؤول التوريدات
قلتله
والمفروض إن الكميات دي خرجت إمتى؟
راجع السجل وقال
من تلات أيام
طلبت منه يجيب أصل الفاتورة وكل المستندات المتعلقة بالتسليم
وبعد شوية رجع ومعاه الملف
وأنا بقلب في الأوراق لقيت إن رقم الطلب متكرر في ملفين مختلفين لكن بتواريخ مختلفة
طلبت من مدير الممتلكات يوقف اعتماد الفاتورة لحد ما نراجع الموضوع
وبالفعل قدرنا نعرف مكان جزء من المفروشات الناقصة ونكمل تجهيزات المناسبة في الوقت المناسب
لكن المشكلة إن التوقيعات اللي على المستندات كانت مرتبطة باسم شخص قريب من الإدارة
ولما أديان عرف بالتفاصيل طلب اجتماع عاجل
دخلت المكتب وأنا شايلة الملف
كان أديان واقف عند الشباك ومدير الممتلكات قاعد قدام المكتب
حطيت الملف على الطاولة وشرحت اللي اكتشفته
أديان سأل
إنتي متأكدة إن فيه حد بيغير السجلات عمدا؟
قلتله
أنا متأكدة إن فيه اختلافات غير مبررة لكن مش هقدر أقول إن فيه تعمد غير لما نراجع كل المستندات
هز رأسه وقال
ده الكلام الصح
وبعدين طلب من مدير الممتلكات إنه يراجع الموضوع مع المحاسب المسؤول
خرج المدير وبعدها أديان طلب مني أقعد
قال
نورا عايز أسألك سؤال بعيد عن الشغل
اتوترت شوية وقلت
اتفضل يا فندم
سألني
إنتي ليه عمرك ما اشتكيتي من الضغط اللي كنتي بتشتغلي تحته قبل ما تتنقلي للإدارة؟
فكرت شوية وبعدين قلت
لأني كنت فاكرة إن لو أنا قدرت أخلص شغلي يبقى مفيش داعي أشتكي
قال
وده كان بيخلي الناس تعتمد عليكي أكتر من اللازم
ابتسمت ابتسامة صغيرة
يمكن
قال
مش يمكن يا نورا
أنا راجعت تقارير الشغل القديمة ولقيت إنك كنتي بتغطي غياب موظفين وبتصلحي أخطاء مش مسؤوليتك وبتفضلي ساعات زيادة من غير ما تطلبي مقابل
ليه؟
بصيت لإيدي وقلت
لأني كنت محتاجة الشغل
ولأني كنت بخاف لو رفضت أساعد حد ييجي يوم وأحتاج مساعدة وما لاقيش
أديان سكت شوية وبعدين قال
المساعدة حاجة كويسة لكن مش لازم تكون على حساب نفسك
الجملة دي فضلت ترن في ودني
لأنها كانت نفس الفكرة اللي جدتي حاولت تعلمني إياها طول عمرها لكني ما فهمتهاش غير بعد ما تعبت
قبل ما أخرج من المكتب سمعته بيقول
نورا أنا عايزك تعرفي إن منصبك الجديد مش هدية ولا تعويض عن اللي حصل
إنتي وصلتي له بشغلك
وأي حد يحاول يقلل من قيمتك بسبب ماضيكي أو وظيفتك القديمة هيتحاسب على تصرفه
شكرته وخرجت
لكن وأنا ماشية في الطرقة سمعت صوت فانيسا جاي من آخر الممر
كانت بتتكلم في التليفون بصوت منخفض
أنا مش هسيبها تفضل هنا كتير
وقفت مكاني من غير ما أقصد
كملت كلامها
هي فاكرة إنها بقت مهمة دلوقتي لكن أنا هخليهم كلهم يعرفوا حقيقتها
قلبي بدأ يدق بسرعة
ما كنتش عايزة أسمع أكتر ولا أدخل نفسي في حاجة جديدة
تحركت بهدوء ناحية السلم وكملت طريقي
لكن في نفس اللحظة سمعتها بتنادي
نورا!
وقفت ولفيت ناحيتها
كانت واقفة عند باب مكتبها وبتبتسم ابتسامة باردة
قالت
تعالي عايزة أتكلم معاكي شوية
دخلت مكتب فانيسا وأنا حاسة إن كل خطوة بتقربني من مشكلة جديدة
أشارت للكرسي اللي قدامها وقالت
اقعدي
قعدت من غير ما أتكلم
فتحت درج مكتبها وطلعت ملف صغير وحطته قدامي
قالت
أنا عايزة أفهم حاجة واحدة
إنتي فاكرة إن اللي حصل امبارح هيخليني أخاف منك؟
بصيتلها بهدوء وقلت
أنا مش عايزاكي تخافي مني يا مدام فانيسا
أنا عايزة كل واحد فينا يحترم التاني
ضحكت بسخرية
احترام؟ إنتي بتتكلمي عن الاحترام وإنتي مجرد موظفة هنا؟
قلت
أيوه أنا موظفة هنا وده شغل أعتز بيه
أنا عمري ما اتكسفت من شغلي ولا من تعبي
واللي بيشتغل بإخلاص مش أقل من أي حد
ملامحها اتغيرت وقالت
واضح إن أديان أثر عليكي بكلمتين حلوين وخلاكي فاكرة نفسك حاجة كبيرة
رديت
أديان باشا ما قالش حاجة غير إن كل إنسان لازم يحترم التاني
فانيسا مالت لقدام وقالت
اسمعيني كويس يا نورا
أنا هتجوز أديان قريب وهبقى صاحبة الكلمة في المكان ده
ووقتها مش هينفعك لا التقارير ولا الملفات ولا أي حد وقف في صفك
أنا مش هطلب منك تمشي دلوقتي
أنا هخليكي إنتي اللي تطلبي تمشي بنفسك
بصيتلها شوية وبعدين قلت
أنا مش هقدر أمنعك من إنك تزعلي مني
لكن مش هسمحلك تخليني أسيب شغلي بسبب تهديد
قامت من مكانها ولفت حوالين المكتب وقالت
إنتي مش فاهمة أنا مين
قلت
يمكن مش فاهمة إنتي مين في حياتك الشخصية لكن أنا فاهمة كويس إنك مش مديرتي المباشرة وإن أي تعليمات تخص شغلي لازم تيجي من الإدارة
وشها احمر من الغضب
قالت
إنتي بتردي عليا؟
قلت بهدوء
أنا برد على كلام حضرتك
مش قصدي أقلل منك لكن أنا مش هقبل إن حد يهددني عشان يخليني أسيب حقي
فضلت باصة لي فترة طويلة وبعدين رجعت قعدت
قالت بنبرة باردة
تمام يا نورا
هنشوف مين فينا هيقدر يكمل للآخر
قمت من مكاني وخرجت من غير ما أقول كلمة تانية
لكن قبل ما أقفل الباب سمعتها بتقول
ومتنسيش إن كل الناس ليها أسرار
وقفت لحظة
بعدين خرجت وقفلت الباب ورايا
الجملة فضلت في بالي طول اليوم
مش لأني كنت خايفة إنها تعرف حاجة عني
لكن لأني كنت حاسة إنها بتدور على أي حاجة تستخدمها ضدي
وفي المساء وأنا براجع البريد الداخلي لقيت رسالة من إدارة الموارد البشرية بتطلب مني الحضور في اليوم التالي لمناقشة موضوع متعلق بملفي الوظيفي
ما كانش فيه أي تفاصيل إضافية
طبعت الرسالة وحطيتها في الملف الخاص بيا
وقلت لنفسي إن مهما كان الموضوع أنا هواجهه بالحقيقة
تاني يوم دخلت مكتب الموارد البشرية في الموعد المحدد
لقيت مدير الموارد البشرية قاعد ومعاه موظفة من الإدارة القانونية
طلبوا مني أقعد وبدأ المدير كلامه
يا نورا إحنا طلبنا حضورك عشان وصلتنا شكوى بخصوص بعض الإجراءات اللي اتبعتيها في مراجعة سجلات المخازن
استغربت وقلت
شكوى من مين؟
قال
الشكوى بتقول إنك تجاوزتي صلاحياتك وطلبتي مستندات من موظفين من غير موافقة رسمية
قلتله
أنا طلبت المستندات بعد تكليف من مدير الممتلكات وكنت بحاول أراجع اختلافات في سجلات التسليم
الموظفة اللي جنبه فتحت ملف وقالت
هل عندك ما يثبت إنك كنتي مكلفة بالمراجعة؟
طلعت نسخة من رسالة التكليف اللي وصلتني من مدير الممتلكات وحطيتها قدامها
راجعتها وبعدين بصت للمدير
قال
تمام هنضيف المستند ده للملف
وبعدين سألني
هل حصل أي خلاف بينك وبين مدام فانيسا خلال الأيام الماضية؟
فهمت وقتها إن الموضوع مش مجرد مراجعة إدارية
قلت
أيوه حصل خلاف بعد واقعة قص شعري لكن الخلاف ما كانش له علاقة بمراجعة السجلات
المدير سألني
هل هددتك بأي شكل؟
افتكرت كلام فانيسا في مكتبها لكني قررت أجاوب بدقة
قلت
هي قالت إنها هتخليني أسيب شغلي بنفسي وإن كل الناس ليها أسرار
المدير كتب الملاحظة وبعدين قال
إحنا هنراجع الشكوى وهنبلغك بالنتيجة
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن فيه حاجة بتتجهز من ورايا
لكن ما كنتش ناوية أسيب الخوف يتحكم في قراراتي
رجعت لمكتبي الجديد وبدأت أراجع الملفات اللي كنت شغالة عليها
وبعد أقل من ساعة دخل مدير الممتلكات وقال
نورا أديان باشا طالبك في المكتب الكبير
طلعت عنده
لقيته واقف ومعاه مدير الموارد البشرية
أديان أشارلي أقعد وقال
وصلني تقرير عن الشكوى اللي اتقدمت ضدك
قلتله
أنا شرحت كل حاجة وقدمت رسالة التكليف
قال
أنا عارف وراجعت المستندات بنفسي
وبعدين بص لمدير الموارد البشرية وسأله
هل فيه أي دليل إن نورا خالفت تعليمات مكتوبة؟
رد المدير
لأ يا فندم بالعكس المستندات بتثبت إن الإجراءات تمت بتكليف رسمي
أديان هز رأسه وقال
يبقى الشكوى تتقفل بعد تسجيل نتيجة المراجعة بشكل واضح
وبعدين طلب من المدير يسيبنا لوحدنا
لما خرج قال لي
فانيسا بتحاول تضغط عليكي
قلت
أنا مش عايزة أتهمها بحاجة من غير دليل يا فندم
قال
أنا مش بطلب منك تتهمي حد
أنا بطلب منك ما تخبيش أي حاجة بتحصل
لو فيه مشكلة قولي
ولو فيه دليل قدميه
لكن ما تسمحيش لحد يخليكي تشكي في نفسك
حسيت إن الكلام لمس حاجة جوايا
لأني بالفعل بدأت أشك في نفسي وأتساءل إذا كنت غلطانة لما قررت أتكلم
قلتله
أنا ساعات بحس إني لو سكت هرتاح أكتر
أديان رد
يمكن ترتاحي يومين لكن بعد كده هتفضلي شايلة جواكي إحساس إنك سمحتي لحد ياخد منك حقك
سكت شوية وبعدين قلت
أنا مش عايزة المشاكل تزيد
قال
وأنا مش عايز المشاكل تزيد برضه
لكن الحل مش إن الشخص اللي اتظلم هو اللي يمشي عشان الباقيين يرتاحوا
الجملة دي خلتني أبصله باهتمام
كان بيتكلم من غير غضب ولا تهديد
كأنه أخيرا فهم إن العدل مش معناه إننا نعاقب الناس لمجرد إننا غاضبين منهم
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن عندي قوة أكبر من قبل
مش قوة منصب ولا سلطة
لكن قوة إني بقيت عارفة إن حقي مش عيب وإن المطالبة بيه مش قلة احترام
بعد أسبوع وصلتني مكالمة من المستشفى اللي كانت بتتعالج فيها بنت حارس البوابة
عرفت إن حالتها اتحسنت وإنها محتاجة متابعة وتحاليل إضافية
كنت أعرف إن الحارس بيحاول يوفر مصاريف العلاج وإنه اشتغل ساعات إضافية كتير عشان يقدر يدفع تكاليفها
كلمته وقلتله
لو محتاج تبدل مواعيدك الفترة دي عشان تتابع مع بنتك أنا أقدر أساعدك في تنظيم الجدول مع الإدارة
اتأثر جدا وقال
أنا مش عارف أشكرك إزاي يا نورا
قلتله
ما تشكرنيش يا عم محمود
إنت لو كنت مكاني كنت هتعمل نفس الحاجة
في اليوم نفسه طلبت من الإدارة توضيح سياسة الإجازات الطارئة للموظفين عشان محدش يضطر يخبي ظروفه خوفا من الخصم
ما كنتش بعمل ده عشان أبان كويسة قدام أديان
كنت بعمله لأنني عارفة معنى إن الإنسان يبقى مضطر يختار بين شغله وبين حد من أهله محتاجه
ولما أديان عرف بالتعديل اللي اقترحته طلب مني أشرح له الفكرة
بعد ما خلصت قال
دي حاجة كان المفروض تتعمل من زمان
قلتله
الموظف اللي بيحس إن شغله مقدر بيقدر يدي أكتر
ابتسم وقال
واضح إن عندك أفكار كتير كنتي مخبياها
قلت
أنا ما كنتش مخبياها يا فندم
أنا بس ما كانش عندي فرصة أتكلم
فضل ساكت لحظة وبعدين قال
يمكن دي كانت غلطتي
خرجت من المكتب وأنا مش عارفة ليه حسيت إن العلاقة بيني وبينه بقت مختلفة
ما بقاش مجرد صاحب المكان اللي بشتغل فيه
بقى شخص بيسمعني وبيسألني وبيحاول يصلح حاجات كان ممكن يسيبها زي ما هي
لكنني كنت حريصة إني ما أخلطش بين الاحترام اللي بدأ يظهر في التعامل وبين أي توقعات تانية
أنا جاية أشتغل
وده كان هدفي من البداية
في مساء يوم الخميس كان فيه اجتماع كبير مع مجموعة من شركاء أديان وعدد من الضيوف المهمين
المكان كان متجهز بعناية وكل العاملين بيجروا عشان يخلصوا آخر الترتيبات
كنت براجع ترتيب الطاولات لما واحدة من العاملات جتلي وقالت
يا نورا مدام فانيسا عايزاكي في الصالة الجانبية
روحت لها
لقيتها واقفة قدام مرآة كبيرة وبتعدل عقدها
أول ما شافتني قالت
أنا محتاجة منك خدمة بسيطة
سألتها
اتفضلي يا مدام
قالت
فيه ضيفة جاية النهارده وعايزة تقعد في مكان معين
أنا عايزاكي تغيري ترتيب الطاولات وتحطيها جنب الطاولة الرئيسية
قلت
ممكن أعرف اسم الضيفة عشان أتأكد من الحجز والترتيب؟
فانيسا بصتلي باستغراب وقالت
هو لازم كل حاجة عندك تبقى تحقيق؟
قلت
لأ يا مدام لكن فيه ترتيب معتمد ولازم أي تعديل يتسجل عشان ما يحصلش تداخل مع حجوزات الضيوف
قالت بضيق
أنا بقولك غيري الترتيب
رديت بهدوء
لو حضرتك بعتّي الطلب للإدارة هيتنفذ فور مراجعته
فانيسا قربت مني وقالت بصوت منخفض
إنتي لسه فاكرة نفسك محمية؟
بصيتلها من غير ما أتكلم
كملت
أديان مش هيفضل واقف في ضهرك طول العمر يا نورا
قلت
أنا مش مستنية حد يقف في ضهري
أنا بس بعمل شغلي حسب التعليمات
ابتسمت ابتسامة باردة وقالت
تمام
نشوف
خرجت من الصالة الجانبية ورجعت لمكتبي
بعد دقائق وصلتني رسالة رسمية من الإدارة بتعديل ترتيب الجلوس بناء على طلب فانيسا
راجعت الطلب ولقيت إن المكان اللي اختارته محجوز بالفعل لضيف تاني
كلمت المسؤول عن الحجوزات واتأكدت من البيانات
وبعدين بعت للإدارة توضيح إن تنفيذ التعديل بالشكل المطلوب هيؤدي لتعارض في الحجز واقترحت مكان بديل قريب من الطاولة الرئيسية
بعد دقائق جالي الرد بالموافقة على المكان البديل
نفذت التعديل من غير أي جدال
وقبل بداية المناسبة دخلت الصالة الرئيسية عشان أتأكد إن كل حاجة تمام
لقيت فانيسا واقفة جنب أديان وبتتكلم معاه
أول ما شافتني قالت
أهو نورا وصلت
أديان بصلي وقال
كل حاجة جاهزة؟
قلت
أيوه يا فندم وتم تعديل ترتيب الجلوس حسب الموافقة اللي وصلت من الإدارة
فانيسا قالت
بس أنا طلبت مكان تاني
رديت
المكان اللي حضرتك طلبتيه كان محجوز لضيف آخر وتم اقتراح البديل واعتماده رسميا
أديان بص لها وقال
البديل مناسب؟
قالت بضيق
مش هو اللي كنت عايزاه
أديان رد
طالما الترتيب اتراجع واتوافق عليه يبقى مفيش مشكلة
فانيسا سكتت وبصتلي بنظرة غاضبة
لكن المفاجأة حصلت بعد بداية العشا بوقت قصير
واحد من الضيوف طلب يشوف المسؤول عن التنظيم لأنه اكتشف إن فيه اختلاف في عدد المقاعد المخصصة لمجموعته
اتوتر فريق التجهيزات وبدأ كل واحد يدور على السبب
راجعت القائمة ولقيت إن العدد المكتوب في نسخة قديمة مختلف عن العدد الموجود في آخر تأكيد
كان ممكن الموضوع يتحول لإحراج كبير قدام الضيوف
لكنني اتكلمت مع مسؤول الصالة وطلبت منه يجهز طاولة إضافية في المساحة الجانبية من غير ما يعطل حركة الخدمة
وفي أقل من عشر دقايق اتظبطت المقاعد واتحل الموقف
الضيف شكرنا ورجع لمكانه
أديان كان واقف بعيد وشاف اللي حصل كله
بعد ما انتهى الجزء الأساسي من المناسبة نده عليا
قال
نورا
روحت له
قال
إنتي أنقذتي الليلة من مشكلة كبيرة
قلت
دي كانت مشكلة بسيطة واتحلت يا فندم
ابتسم وقال
إنتي دايما بتقولي بسيطة حتى لما تكوني إنتي اللي شايلة كل حاجة
ما عرفتش أرد
كمل
أنا عايزك تعرفي إن شغلك مش بقى ملحوظ عندي بس
الناس كلها بدأت تلاحظ الفرق
حسيت بالفخر لكني ما خليتش نفسي تنسى إن الطريق لسه طويل
قلتله
أتمنى إن النظام يفضل ماشي حتى لو أنا مش موجودة
رد
وده بالظبط السبب اللي مخليني واثق فيكي
لأنك مش بتحاولي تخلي كل حاجة تعتمد عليكي
إنتي بتحاولي تخلي كل حاجة تمشي صح
قبل ما أرجع للمطبخ سمعت صوت فانيسا من ورايا
نورا
لفيت ناحيتها
كانت واقفة لوحدها عند مدخل الصالة وملامحها متجمدة
قالت
إنتي مبسوطة دلوقتي؟
قلت
أنا مبسوطة إن الليلة عدت من غير مشاكل
قالت
ما تعمليش نفسك بريئة
إنتي بتعرفي كويس إزاي تخلي أديان يشوفك أحسن من أي حد
رديت
أنا مش محتاجة أبقى أحسن من حد يا مدام فانيسا
أنا محتاجة أعمل شغلي بس
ضحكت بسخرية وقالت
هنشوف لحد إمتى هتفضلي تقولي الكلام ده
وبعدين مشت وسابتني واقفة مكاني
في اللحظة دي فهمت إن نجاحي في شغلي مش هيكون كفاية عشان فانيسا تتوقف عن محاولاتها
لكنني قررت إنني مش هخلي الخوف منها يسرق مني الحاجة الوحيدة اللي بدأت أستعيدها
ثقتي في نفسي
عدت الأيام وبدأت مراجعة السجلات توصل لنتيجة مهمة
الإدارة اكتشفت إن جزء من الفواتير كان محتاج مراجعة إضافية وإن فيه إجراءات قديمة كانت بتسمح بتكرار الأخطاء من غير ما حد يكتشفها بسرعة
تم تعديل نظام التسجيل والتسليم واتعملت مراجعة مستقلة لكل المعاملات اللي عليها اختلاف
أنا ما اتهمتش حد بعينه
وما كنتش عايزة أكون سبب في ظلم أي موظف
كل اللي كنت عايزاه إن الحقيقة تظهر وإن كل واحد يتحاسب على اللي يثبت إنه عمله
وفي يوم وصلني استدعاء لاجتماع مع أديان ومدير الممتلكات والمحاسب المسؤول
دخلت لقيت الملفات مترتبة على المكتب
أديان قال
نورا التقرير النهائي وصل
قعدت قدامه
فتح التقرير وبدأ يشرح إن المراجعة أثبتت وجود أخطاء إدارية متكررة وإن جزء من المسؤولية ناتج عن ضعف الرقابة وإن فيه معاملات محتاجة استكمال مستندات
أما الوقائع اللي ما كانش عليها دليل كافي فتم تسجيلها للمراجعة من غير اتهام أي شخص
لما خلص قال
أنا عايز أشكرك لأنك ما استعجلتيش في اتهام حد وما حاولتيش تستخدمي اللي اكتشفتيه ضد أي شخص
قلتله
أنا كنت خايفة أظلم حد يا فندم
قال
وده سبب كافي إننا نثق في حكمك
مدير الممتلكات ابتسم وقال
بصراحة يا نورا إحنا محتاجين ناس بتفكر بالطريقة دي
حسيت بالفخر لكني كنت لسه فاكرة الأيام اللي كنت بدخل فيها المكان من غير ما حد يعرف اسمي غير لما يحتاج مني حاجة
أديان لاحظ سكوتي وسألني
فيه حاجة مضايقاكي؟
قلت بعد تردد
أنا مبسوطة إن الشغل اتحسن لكن ساعات بفكر في الناس اللي زيي اللي بتشتغل سنين من غير ما حد يلاحظ تعبها
أديان قال
إحنا محتاجين نراجع طريقة تقييم الموظفين
مش بس نكافئ اللي بيحقق أرقام كبيرة لكن كمان نقدر اللي بيحافظ على سير العمل وبيساعد غيره
وبالفعل بدأنا نراجع ملفات الوظائف ونحدد مسؤوليات كل شخص بشكل أوضح
ما كانش التغيير سحري ولا كل المشاكل اختفت في يوم وليلة
لكن على الأقل بقى فيه نظام واضح والموظفين بقوا عارفين حقوقهم وواجباتهم
وفي يوم استدعاني مدير الموارد البشرية وسلمني خطاب رسمي بتثبيت منصبي الجديد وزيادة مرتبي
وقفت أبص للورقة وأنا مش مصدقة
قال
مبروك يا نورا
إنتي استحقيتي ده
شكرته وأنا حاسة بفرحة كبيرة
مش عشان الفلوس بس
لكن لأنني لأول مرة شفت نتيجة تعب سنين مكتوبة قدامي بشكل واضح
في المساء رجعت البيت واشتريت وردة بيضا وحطيتها جنب صورة جدتي
قلت لها
يا تيتة أنا لسه فاكرة كلامك
لسه بحاول أعمل شغلي بإخلاص وأحافظ على كرامتي
ويمكن أخيرا بدأت أفهم إن الطيبة مش معناها إني أسمح للناس تدوس عليا
بعد شهر تقريبا كنت براجع جدول الموظفين لما وصلني خبر إن أديان وفانيسا أجلوا موعد إعلان خطوبتهم الرسمي
ما كنتش أعرف تفاصيل حياتهم الشخصية وما حاولتش أسأل
لكن الخبر انتشر بين الموظفين بسرعة
فيه ناس قالت إنهم اختلفوا
وفيه ناس قالت إن أديان بدأ يعيد التفكير في قرارات كتير
أنا ما علقتش على أي كلام
لأن علاقتي بيه كانت علاقة شغل واحترام وكنت حريصة إنها تفضل كده
وفي يوم كنت خارجة من الإدارة بعد نهاية الدوام لقيته واقف في الحديقة الداخلية
كان ماسك كوب قهوة وباصص للنباتات اللي جنب الممر
لما شافني قال
خلصتي شغلك؟
قلت
أيوه يا فندم
قال
ممكن أسألك سؤال؟
وقفت
قال
لو رجع بيكي الزمن ليوم ما بدأتي هنا كنتي هتختاري نفس الشغل؟
فكرت شوية وبعدين قلت
أيوه
ابتسم وقال
حتى بعد كل اللي حصل؟
قلت
أنا مش ندمانة إني اشتغلت هنا
أنا بس ندمانة إني استحملت حاجات كان المفروض أتكلم عنها من بدري
هز رأسه ببطء وقال
يمكن دي أهم حاجة اتعلمتيها
قلت
يمكن أهم حاجة اتعلمتها إن الإنسان يقدر يحترم الناس من غير ما يسمح لهم يقللوا منه
فضل ساكت وبعدين قال
نورا أنا عايز أعتذرلك مرة تانية
بصيتله باستغراب
قال
مش عن اللي حصل في يوم قص شعرك بس
عن كل مرة كنت فيها بعتمد على شغلك من غير ما أسأل إذا كان الحمل أكبر من قدرتك
وعن كل مرة كنت بشوف النتيجة ومش بفكر في الشخص اللي تعب عشان يوصلها
حسيت إن الكلام صادق فقلت
أنا قبلت اعتذار حضرتك من أول مرة
لكن المهم إن اللي اتغير يفضل متغير
رد
وده اللي بحاول أعمله
وبعدين سألني
إنتي لسه بتفتكري جدتك كل ما تبصي لشعرك؟
لمست شعري القصير وابتسمت
أيوه
بس دلوقتي بقيت بفكر في كلامها أكتر من شعري
قال
كانت بتقولك إيه؟
قلت
كانت بتقولي إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير في حياته لكن ما يخسرش نفسه وهو بيحاول يرضي الناس
أديان بصلي باهتمام وقال
كانت حكيمة فعلا
قلت
كانت بسيطة يا فندم
بس كانت عارفة إن البساطة مش معناها إن الإنسان ضعيف
ابتسم وقال
أتمنى تفضلي فاكرة ده دايما
استأذنته ومشيت ناحية البوابة
وأنا ماشية حسيت إن المرحلة دي من حياتي قربت تخلص
مش لأن كل حاجة بقت مثالية
لكن لأنني بقيت عارفة أنا مين وإيه اللي أستحقه
بعد كام أسبوع جه يوم افتتاح المطعم الرئيسي بعد تجديده
كان فيه عدد كبير من الضيوف والصحفيين وبعض العاملين اللي اشتغلوا في المكان من سنين طويلة
الإدارة طلبت مني أكون مسؤولة عن التنسيق النهائي للمناسبة
من أول دخول الضيوف لحد ترتيب الخدمة ومتابعة فريق العمل
كنت واقفة عند مدخل الصالة براجع القائمة لما شفت فانيسا داخلة
كانت لابسة فستان أنيق وماسكة شنطتها ووشها هادي بشكل غريب
لما شافتني وقفت قدامي وقالت
مبروك يا نورا
استغربت من كلامها
قلت
شكرا يا مدام فانيسا
قالت
سمعت إنك بقيتي مسؤولة عن التنظيم كله
قلت
أنا مسؤولة عن التنسيق مع الفريق والإدارة
هزت رأسها وقالت
واضح إنك نجحتي في اللي كنتي عايزاه
بصيتلها بهدوء وقلت
أنا كنت عايزة أعمل شغلي كويس من البداية
فانيسا سكتت لحظة وبعدين قالت
أنا عارفة إن اللي حصل بينا كان غلط
ما توقعتش أسمع منها الجملة دي
فضلت باصة لي وكملت
أنا اتعصبت وتصرفت بطريقة ما كانش ينفع أتصرف بيها
ما رديتش بسرعة
مش لأنني كنت عايزة أعاقبها بالصمت لكن لأنني كنت محتاجة أفهم إذا كانت بتتكلم بصدق ولا بتحاول تفتح باب جديد للمشاكل
في النهاية قلت
أنا مقدرة إنك بتعترفي بالغلط يا مدام فانيسا
لكن اللي حصل وجعني جدا
قالت وهي بتبص للأرض
أنا عارفة
قلت
أنا مش عايزة أعيش طول عمري شايلة غضب من حد
لكن برضه مش هقدر أتصرف كأن حاجة ما حصلتش
رفعت عينيها ليا وقالت
أنا مش بطلب منك تنسي
أنا بس حبيت أقولك إني آسفة
سكتنا شوية
وبعدين قلت
أتمنى إنك ما تعمليش كده مع أي حد تاني
هزت رأسها وقالت
أتمنى أنا كمان
ما حصلش بينا عناق ولا بقينا أصحاب فجأة
كل اللي حصل إننا وقفنا قدام بعض واتكلمنا بصراحة للمرة الأولى من غير تهديد ولا سخرية
وبالنسبة لي كان ده كفاية
فانيسا دخلت الصالة وأنا رجعت أراجع ترتيبات المناسبة
بعد شوية وصل أديان واستقبل الضيوف
ولما شافني واقفة مع فريق التنظيم قرب مني وقال
كل حاجة ماشية كويس؟
قلت
أيوه يا فندم كل حاجة جاهزة
بص ناحية الصالة وقال
أنا فخور بالشغل اللي اتعمل هنا
وبعدين رجع بصلي وقال
وأتمنى تكوني إنتي كمان فخورة بنفسك
ابتسمت وقلت
أنا فخورة إني ما استسلمتش
هز رأسه وقال
وده أهم من أي منصب
بعد انتهاء الافتتاح كنت براجع آخر التقارير قبل ما أمشي
المكان كان هادي والموظفين بدأوا يلموا آخر التجهيزات
لقيت على مكتبي صندوق صغير مربوط بشريط أبيض
استغربت وفتحته
جواه كانت فيه صورة مؤطرة ليا مع جدتي
الصورة كانت قديمة جدا وكنت فاكرة إني فقدتها من سنين
قلبي دق بسرعة وأنا بمسك الإطار
كان فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها
بعض الذكريات تستحق أن نحافظ عليها مهما تغيرت الأيام
ما كانش فيه اسم على الورقة
لكنني عرفت إن الصورة دي مش مجرد هدية عادية
خرجت من المكتب وأنا ماسكة الصندوق وروحت لمكتب أديان
خبطت على الباب ولما سمحلي بالدخول دخلت
كان قاعد بيقرا بعض الأوراق
أول ما شاف الصورة في إيدي ابتسم
قلتله
حضرتك اللي بعت الصورة دي؟
قال
أيوه
قعدت قدامه وأنا مش عارفة أقول إيه
سألته
عرفت تجيبها منين؟
قال
لما كنتي بتراجعي بياناتك القديمة مع الموارد البشرية اكتشفت إن فيه ملف شخصي ليكي كان فيه صورة مرفقة
طلبت من الإدارة تطبعها وتجهزها في إطار
بصيت للصورة وعيني دمعت
قلت
دي آخر صورة عندي أنا وجدتي
قال بهدوء
كنت فاكر إنها هتكون مهمة بالنسبة لك
مسحت دموعي وقلت
مهمة جدا
شكرا يا فندم
رد
العفو يا نورا
فضلت باصة للصورة شوية وبعدين قلت
أنا كنت فاكرة إن اليوم اللي فانيسا قصت فيه شعري هو اليوم اللي خسرت فيه آخر حاجة بتفكرني بجدتي
لكن دلوقتي فهمت إن الذكريات مش بتضيع لمجرد إن شكلنا اتغير
أديان ابتسم وقال
يمكن ساعات بنحتاج نخسر حاجة عشان نعرف إن قيمتها الحقيقية مش في شكلها
خرجت من مكتبه وأنا حاضنة الصورة لصدري
وفي الطريق للبيت اشتريت مشبك شعر صغير وحطيته في الدرج جنب الصورة
ما كانش شعري رجع لطوله القديم
وما كانتش الأيام الصعبة اختفت من ذاكرتي
لكنني كنت أخيرا قادرة أبص لنفسي في المراية من غير ما أفتكر إهانة فانيسا
بقيت أشوف بنت صغيرة كانت جدتها بتسرحلها شعرها وتقولها إنها تستحق الاحترام
وشفت ست كبرت واشتغلت وتعبت واتظلمت لكنها ما سمحتش للي حصل يكسرها
بعد مرور سنة كاملة على اليوم اللي اتقص فيه شعري وقفت في نفس الصالة اللي حصلت فيها الواقعة
المكان كان متجدد والموظفين الجدد واقفين يستعدوا لاجتماع مهم
كنت أنا المسؤولة عن تدريبهم على نظام العمل الجديد وشرح قواعد التعامل بين الموظفين
بدأت الاجتماع وقلت
أنا مش هتكلم معاكم عن الأرقام ولا الجداول بس
أنا عايزة كل واحد فيكم يعرف إن شغله مهم مهما كان منصبه
اللي بينضف المكان مهم
واللي بيجهز الأكل مهم
واللي بيراجع الحسابات مهم
واللي بيستقبل الضيوف مهم
وكل واحد فينا ممكن يغلط لكن الغلط يتصلح بالكلام والاحترام مش بالإهانة
واحد من الموظفين سألني
طيب ولو حد أعلى مننا في المنصب أهاننا نعمل إيه؟
بصيتله وقلت
نحافظ على هدوئنا ونوثق اللي حصل ونقدم شكوى رسمية
ما نردش الإهانة بإهانة لكن برضه ما نسكتش عن حقنا
لأن احترامك للناس ما يلغي حقك في إن الناس تحترمك
بعد الاجتماع خرج الموظفين وفضلت واقفة لوحدي للحظات
لمست شعري اللي بدأ يطول تاني وابتسمت
سمعت صوت أديان من عند الباب
واضح إن عندك موهبة في التدريب
لفيت ناحيته وقلت
أنا بس بحكي لهم اللي اتعلمته
قال
وده أحسن نوع من التدريب
قرب من الطاولة وحط ملف قدامي
قال
أنا عايزك تبصي على العرض ده
فتحته ولقيت إنه اقتراح لإنشاء برنامج تدريب داخلي للموظفين اللي عندهم خبرة طويلة لكن ما أخدوش فرصة يتطوروا في شغلهم
قلتله
ده اقتراح ممتاز
قال
أنا عايزك تكوني مسؤولة عن تنفيذه
بصيتله بدهشة
أنا يا فندم؟
رد
أيوه إنتي
إنتي عارفة معنى إن الشخص يفضل سنين بيشتغل كويس من غير ما حد يشوف إمكانياته
وعارفة إزاي الفرصة الصغيرة ممكن تغير حياته
مسكت الملف وأنا حاسة بفرحة كبيرة
قلتله
هعمل كل اللي أقدر عليه عشان البرنامج ينجح
ابتسم وقال
أنا متأكد
وقبل ما يخرج وقف عند الباب وقال
على فكرة يا نورا
فيه حاجة كنت عايز أقولهالك من زمان
بصيتله
قال
لو كنت أعرف من البداية إن الموظفة اللي كنت بشوفها كل يوم وهي بتراجع تفاصيل المكان هتكون السبب في التغيير ده كله كنت اهتميت أسمعها من أول يوم
ابتسمت وقلت
يمكن كل حاجة حصلت في وقتها يا فندم
هز رأسه وقال
يمكن
وخرج
رجعت بصيت للصورة الصغيرة اللي كنت حطاها في درج مكتبي
كانت صورة جدتي وهي مبتسمة
طلعتها وحطيتها على المكتب جنب الملف الجديد
وبصيت لها وقلت بهمس
شايفة يا تيتة؟
أنا ما بقيتش بخاف أتكلم
وما بقيتش فاكرة إن لازم أتحمل كل حاجة لوحدي عشان أكون إنسانة كويسة
أنا لسه بحب أساعد الناس ولسه بحب شغلي
لكن بقيت عارفة إن قلبي الطيب مش تصريح مفتوح لأي حد إنه يوجعني
في اللحظة دي دخلت واحدة من الموظفات الجديدات وكانت عينيها مليانة دموع
قالت بتردد
يا أستاذة نورا ممكن أتكلم معاكي؟
قمت من مكاني وقلت
طبعا يا حبيبتي اتفضلي
قعدت قدامي وبدأت تحكيلي عن مشكلة حصلت بينها وبين مسؤولة القسم وإنها خايفة تقدم شكوى عشان ما تخسرش شغلها
سمعتها للنهاية من غير ما أقاطعها
وبعدين قلتلها
إنتي مش لوحدك
هنراجع اللي حصل وهنمشي في الإجراءات الصح
ولو عندك حق هتاخديه من غير ما تحتاجي تهيني حد أو تخافي من حد
البنت مسحت دموعها وابتسمت لأول مرة
ولما خرجت من مكتبي رجعت قعدت مكاني وبصيت للصورة مرة أخيرة
كنت فاكرة إن انتصاري الحقيقي هيكون يوم ما فانيسا تعتذر أو يوم ما أديان يعترف بقيمة شغلي
لكن الحقيقة إن انتصاري بدأ يوم ما وقفت قدام فانيسا وقلت لها إني مش هسيب حقي
وبقى أكبر يوم ما قدرت أساعد إنسانة تانية إنها ما تمرش بنفس اللي مريت بيه
أما شعري اللي اتقص قدام سبعين موظف فكان بيطول من جديد
لكن الحاجة اللي كبرت جوايا أكتر من شعري كانت ثقتي بنفسي
والحاجة اللي ما رجعتش زي الأول كانت نظرتي لأي شخص يفتكر إن منصبه أو فلوسه أو علاقاته تخليه أعلى من غيره
لأنني اتعلمت إن الإنسان ممكن يقف قدامك بفستان غالي أو بدلة فخمة أو اسم كبير
لكن اللي يحدد قيمته مش اللي لابسه ولا اللي بيملكه
اللي يحدد قيمته هو الطريقة اللي بيعامل بيها الناس اللي ما يقدرش يستفيد منهم بأي حاجة
وفي آخر اليوم قفلت مكتبي وخدت صورة جدتي في إيدي
وقبل ما أخرج بصيت للصالة اللي اتغير شكلها واتغيرت معاها حياتي
ابتسمت وقلت لنفسي
الشعر هيرجع يطول
والأيام الصعبة هتعدي
لكن عمري ما هسمح لحد يقنعني تاني إن كرامتي ثمنها إني أسكت
وبعدين خرجت من المكان وأنا رافعة رأسي لأول مرة من غير ما أحاول أخبي وجعي أو أبرر وجودي
لأنني أخيرا فهمت إنني ما كنتش محتاجة أكون أقوى من فانيسا ولا أهم منها ولا أقرب لأديان
كنت محتاجة بس أفتكر إنني إنسانة تستحق الاحترام
وإن حقي في الكرامة مش محتاج موافقة من أي حد.
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق