في هذا المقال
حكاية الشيخ الخليجي كامله انجي الخطيب
حكاية الشيخ الخليجي كامله انجي الخطيب
كان الشيخ الخليجي الشاب قاعد في أحد المطاعم الفخمة، قدامه سفرة مليانة بأصناف الأكل، وحواليه اتنين من الحرس واقفين على مسافة قريبة منه، بيراقبوا المكان بحذر كعادتهم. كان قاعد بهدوء، بيتناول أكله، لحد ما باب المطعم اتفتح ودخلت شابة شكلها كان كفيل يخلي أي حد يبصلها باستغراب.
كانت لابسة هدوم قديمة ومبهدلة، باين عليها التعب والإرهاق، وشعرها مش مترتب، ووشها شاحب بشكل يوجع القلب. كانت بتبص حواليها بتردد وخوف، وكأنها مش عارفة هي دخلت المكان ده إزاي ولا المفروض تعمل إيه. خطواتها كانت بطيئة ومترددة، وعينيها بتتنقل بين الترابيزات لحد ما وقعت على الترابيزة اللي قاعد عليها الشيخ.
فضلت واقفة ثواني، عينيها متعلقة بالأكل اللي قدامه، وكأنها مش شايفة غيره. بلعت ريقها بصعوبة، وقربت خطوة، وبعدها خطوة تانية، لحد ما بقت واقفة جنبه. وفي لحظة، ومن غير ما تنطق بكلمة، مدت إيدها وخطفت قطعة أكل من الطبق اللي قدامه، وحطتها في بقها بسرعة.
بدأت تاكل بنهم شديد، إيديها بتتحرك بسرعة، وكأنها خايفة حد ياخد الأكل منها قبل ما تلحق تشبع. كانت بتاكل بطريقة عشوائية، لدرجة إن اللي يشوفها يحس إنها بقالها أيام ما داقتش طعم الأكل. الحرس أول ما شافوا اللي حصل، اتحركوا ناحيتها بسرعة.
واحد منهم قال بحدة: ـ إنتِي بتعملي إيه يا بت إنتِي؟! ابعدي عن الترابيزة فورًا! والتاني مد إيده عشان يمسكها من دراعها، لكن الشيخ رفع إيده بسرعة وقال بصوت حاسم: ـ مكانك! الحارسين وقفوا في مكانهم فورًا، وبصوا له باستغراب.
الشيخ حط الشوكة من إيده، وسند ضهره للكرسي، وفضل باصص للشابة اللي كانت لسه بتاكل، لكن إيديها بدأت ترتعش أول ما استوعبت إن في ناس حواليها ممكن يأذوها. رفع عينيه لوشها كويس، ولاحظ الخوف اللي مالي نظراتها، والارتباك اللي ظاهر على ملامحها.
حس إنها مش بتتصرف بالطريقة دي استهتارًا أو قلة ذوق، لكن الجوع هو اللي وصلها للحالة دي. ورغم الهدوم القديمة والملامح المرهقة، كان في وشها جمال غريب، ملامح ملائكية وعينين واسعتين فيهم براءة ممزوجة بحزن عميق.
الشيخ فضل ساكت لحظات، وبعدها عدّل الكرسي اللي جنبه، وبص لها بنبرة هادية على غير المتوقع: ـ تعالي، اقعدي هنا وكلي براحتك. الشابة وقفت مكانها، وإيدها لسه ماسكة قطعة الأكل، وبصت له بعدم تصديق. قالت بصوت ضعيف ومتقطع: ـ إنت… إنت مش هتضربني؟
الشيخ عقد حاجبيه باستغراب، ورد بهدوء: ـ أضربك ليه؟ أنا قلتلك اقعدي وكلي. بصت للحرس بخوف، ورجعت بصت له تاني، وكأنها مستنية منه يغير رأيه في أي لحظة. قال واحد من الحرس باحترام: ـ سيدي، دي دخلت من غير إذن، وممكن تكون بتستدرج حضرتك أو.
.. قاطعه الشيخ بنظرة حادة: ـ أنا ما طلبتش رأيك. قلت محدش يقربلها. سكت الحارس فورًا، و الشيخ رجع بعينيه للشابة وقال: ـ اسمعيني، محدش هنا هيأذيكي. اقعدي وكلي الأول، وبعدها نبقى نتكلم. الشابة نزلت عينيها للأرض، وبدأت دموعها تتجمع في عينيها، لكنها حاولت تمنعها.
همست بصوت مكسور: ـ أنا آسفة… والله ما كنت أقصد أسرق منك، بس أنا جعانة أوي. الكلمة الأخيرة خرجت منها وهي بتشهق، وكأنها كانت بتحاول تخبي ضعفها طول الوقت، لكن مقدرتش. الشيخ اتغيرت ملامحه، وبص لها باهتمام أكبر. ـ من إمتى ما كلتيش؟
هزت راسها وهي مش قادرة ترد، فكرر سؤاله بنبرة أحن: ـ بسألك من إمتى ما كلتيش ؟ ردت بعد تردد: ـ مش فاكرة… يمكن من يومين… يمكن أكتر. الشيخ بص للحارس وقال بحزم: ـ اطلب من المطعم يجهزوا لها أحسن أكل عندهم، وخليهم يجيبوا مية وعصير، ومحدش يقف فوق دماغها وهي بتاكل.
الحارس انحنى برأسه: ـ أمرك يا سيدي. وبعد ما الحارس مشي، الشيخ قرب طبق الأكل ناحيتها وقال: ـ يلا، كلي براحتك. الأكل ده كله ليكي، ومحدش هيحاسبك على حاجة. الشابة بصت للطبق، وبعدها رفعت عينيها له، وكأنها مش مصدقة إن في حد ممكن يعاملها بالطيبة دي من غير مقابل.
قعدت أخيرًا على الكرسي، وبدأت تاكل، لكن المرة دي كانت بتحاول تسيطر على نفسها. الشيخ كان بيراقبها في صمت، وكل شوية يطلب من العاملين يجيبوا لها طبق جديد، لحد ما لاحظ إنها كل ما تسمع صوت باب المطعم بيتفتح، جسمها ينتفض، وإيديها تتوقف عن الأكل، وعينيها تروح ناحية المدخل برعب واضح.
وفي المرة التالتة، مقدرش يتجاهل اللي بيحصل. حط الكوباية من إيده وسألها: ـ إنتِي خايفة من مين؟ الشابة اتجمدت مكانها، وقطعة الأكل وقعت من إيدها. ـ مفيش… أنا مش خايفة من حد. الشيخ ضيق عينيه وقال: ـ بصيلي وإنتِي بتتكلمي.
رفعت عينيها له بالعافية، لكن أول ما بصت ناحيته، دمعة نزلت على خدها. ـ لو سمحت… أنا لازم أمشي. ـ تمشي فين؟ إنتِي لسه ما خلصتيش أكلك. هزت راسها بسرعة وقالت بصوت بيترعش: ـ هما هيلاقوني… ولو لقوني هنا، مش هيسيبوني في حالي.
الشيخ استقام في قعدته، واختفت نبرة الهدوء من صوته وحل مكانها الجدية: ـ مين هما؟ الشابة بصت ناحية باب المطعم، ووشها شحب أكتر، وكأنها شافت شبح واقف بره. همست: ـ الناس اللي كانوا حابسيني… الشيخ ساب الشوكة من إيده، وبص للحرس اللي اتحركوا فورًا ناحية المدخل.
وقبل ما يقدر يسألها أي سؤال تاني الشابة شهقت، وقامت من مكانها وهي بتترعش، لكن الشيخ أشار لها تقعد. ـ استني… متخافيش بصت علي الازاز بتاع المطعم وكأنها شافت حد رراه رعبها ، وأول ما شافتة، شهقت وحطت إيدها على بقها، وبدأت دموعها تنزل بغزارة.
الشيخ لاحظ إن إيديها بتترعش بشكل غير طبيعي، فسألها: ـ مين اللي مخوفك اوي كدا ؟ بصت له بعينين مليانين رعب، وقالت بصوت بالعافية مسموع: ـ ده مش مجرد شخص بيدور عليا… ده الشخص اللي لو عرف إني هنا، ممكن يقتل كل اللي في المطعم.
وفي اللحظة دي، الحارس اللي كان واقف عند الباب رجع بسرعة، وقرب من الشيخ وهمس له بكلمتين خلوا ملامحه تتغير تمامًا: ـ سيدي… في عربية سودا واقفة بره، وفيها تلاتة مسلحين، وواحد منهم بيسأل بالاسم وبيوصف البنت اللي قاعدة مع حضرتك.
الشيخ رفع عينيه ناحية الشابة، وبص لها نظرة طويلة، وبعدها قال بهدوء مخيف: ـ اهدي … ومن اللحظة دي، إنتِي في حمايتي. لكن قبل ما تلحق ترد، وصل صوت خبط عنيف على باب المطعم، وبعده صوت راجل جهوري من بره: ـ إحنا عارفين إنها عندكم.
.. سلّموها حالًا، وإلا محدش هيخرج من هنا سليم!الشبخ قام وقال حاجة خلت اللي واقفين برا منطقوش بس اللي حصل منهم كان غريب..
الشيخ قام من مكانه بهدوء، وعدّل ساعته في إيده، وبعدها بص للحارسين وقال بصوت ثابت: ـ محدش يتحرك من مكانه، ومحدش يطلع سلاحه غير بأمري. الحارس الأول قرب منه وهمس: ـ سيدي، عددهم مش قليل، وإحنا مش عارفين إذا كان معاهم دعم بره ولا لأ. الشيخ بص له بطرف عينه وقال ببرود: ـ أنا سألتك عن عددهم؟ ـ لا يا سيدي. ـ يبقى نفّذ كلامي. اتجه الشيخ ناحية باب المطعم بخطوات ثابتة، وكأن التهديد اللي بره مجرد صوت مزعج مش أكتر، ووقف على مسافة بسيطة من الباب، وبعدها أشار لأحد العاملين يفتحه. الباب اتفتح ببطء، وظهر قدامه راجل ضخم، لابس بدلة سودا، وفي إيده مسدس، وورا منه اتنين تانيين. الراجل ابتسم ابتسامة مستفزة وقال: ـ أخيرًا ظهر صاحب المكان… إحنا مش عايزين مشاكل، إحنا عايزين البنت اللي عندك. الشيخ بص له من فوق لتحت، وبعدها قال بلهجة خليجية هادية: ـ إنت عارف إنت واقف قدام مين؟ الراجل ضحك بسخرية: ـ مش فارقة معايا إنت مين، ولا اسمك إيه، ولا عندك كام حارس. البنت دي ملكنا، وعايزين ناخدها. الشيخ رفع حاجبه وقال: ـ ملككم؟! ـ أيوه، ودي مسألة متخصكش. الشيخ ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها كانت كفيلة تخلي الراجل يتوتر. ـ واضح إنك داخل المكان الغلط، وبتكلم الشخص الغلط، وناسي إنك مش في الشارع اللي متعود تفرض فيه سيطرتك.
الراجل رفع المسدس شوية وقال: ـ آخر مرة هقولها، سلّم البنت. الشيخ مد إيده بهدوء، وطلع تليفونه، واتصل برقم معين، وأول ما الطرف التاني رد قال جملة واحدة: ـ نفّذوا الخطة السودا… دلوقتي. قفل المكالمة، ورجع بص للراجل وقال: ـ عندك عشر ثواني تختار فيهم إنت واللي معاك هتخرجوا من هنا برجليكم ولا هتخرجوا متشالين. الراجل انفجر في الضحك. ـ إنت فاكر نفسك مين يا عم؟ لكن قبل ما الشيخ يرد، حصلت حاجة غريبة خلت الابتسامة تختفي من وش الراجل. عربيات سودا بدأت تظهر في الشارع واحدة ورا التانية، ونزل منها رجال بملابس رسمية، وانتشروا حوالين المطعم بسرعة منظمة، وفي ثواني اتقفل الشارع من الناحيتين. واحد من الرجال قرب من الراجل المسلح وقال بصوت حاسم: ـ حط السلاح على الأرض وارفع إيدك! الراجل اتلفت حواليه بعدم تصديق، وبص للي معاه، لكن الاتنين كانوا بدأوا يتراجعوا للخلف. الشيخ قال ببرود: ـ قلتلك المكان غلط. الراجل حاول يرفع سلاحه، لكن أحد رجال الأمن سيطر عليه قبل ما يلحق يعمل أي حركة، وفي لحظات التلاتة كانوا اتقبض عليهم واتسحبوا بره المطعم. الشيخ لف ناحية الحارس وقال: ـ سلّمهم للشرطة، وخلي بالك محدش يتعرض للبنت أو يحاول يقرب منها. الحارس رد: ـ أمرك يا سيدي. رجع الشيخ ناحية الترابيزة، لكنه اتفاجئ إن البنت كانت واقفة في مكانها، جسمها كله بيرتعش، ووشها بقى أبيض كأن الدم انسحب منه.
كانت باصة ناحية الباب ومش مستوعبة اللي حصل. قرب منها وقال بهدوء: ـ خلاص… مشيوا. لكنها فضلت ساكتة، وفجأة ركبتها خانتها ووقعت على الأرض. الشيخ لحقها قبل ما تخبط في الأرض، ونادى بصوت عالي: ـ دكتور! حد يطلب دكتور فورًا! حطها على الكنبة القريبة، وفضل يحاول يفوقها، لحد ما فتحت عينيها بصعوبة. أول كلمة خرجت من بقها كانت: ـ هما… ماتوا؟ الشيخ عقد حاجبيه. ـ مين اللي مات؟ ـ الرجالة اللي بره… إنت قتلتهم؟ هز راسه وقال: ـ لا، كلهم عايشين، واتقبض عليهم. محدش هيقدر يأذيكي دلوقتي. دموعها نزلت، وغطت وشها بإيديها، وفضلت تعيط بصوت مكتوم. الشيخ ساب لها مساحة تهدى، وبعد شوية جاب لها منديل وقال: ـ أنا اسمي راشد بن ناصر، وعايز أعرف اسمك. رفعت عينيها له بتردد. ـ اسمي جود. ـ جود إيه؟ سكتت لحظة، وكأنها بتفكر إذا كان من الآمن تقول اسمها بالكامل، وبعدها همست: ـ جود عبد الرحمن. ـ طيب يا جود، ممكن تقوليلي إيه اللي حصل؟ ومين الناس دي؟ جود مسحت دموعها، وبصت حواليها قبل ما ترد: ـ أنا مش عارفة أبدأ منين. ـ ابدأي من أول مرة حسيتي فيها إن حياتك اتغيرت. أخدت نفس طويل، وبدأت تحكي. ـ أنا كنت عايشة مع أبويا في بيت صغير في منطقة هادية، أمي ماتت وأنا عندي عشر سنين، وأبويا كان كل حياتي.
كان راجل بسيط، بيشتغل محاسب في شركة كبيرة، وكان دايمًا بيقولي إن الفلوس مش أهم حاجة في الدنيا، وإن الإنسان لازم يفضل نضيف حتى لو الدنيا كلها بقت وسخة حواليه. راشد كان بيسمعها باهتمام. كملت: ـ من حوالي ست شهور، أبويا بدأ يتغير. بقى ساكت طول الوقت، وخايف، وكل شوية يقفل باب أوضته ويتكلم في التليفون بصوت واطي. ولما كنت أسأله، كان يقولي مفيش حاجة، وإنه مجرد ضغط شغل. ـ وبعدين؟ ـ في يوم رجع البيت متأخر، وكان وشه متبهدل، وفيه دم على قميصه. اتخضيت وسألته حصل إيه، لكنه حضني وفضل يعيط. دي كانت أول مرة أشوف أبويا بيعيط بالشكل ده. راشد مال بجسمه للأمام. ـ قالك إيه؟ ـ قالي لو حصل له أي حاجة، لازم أدور على ملف أزرق كان مخبيه في مكان محدش يعرفه، وقالي كمان ما أثقش في أي حد ييجي يسألني عنه. ـ والملف ده فيه إيه؟ جود هزت راسها. ـ معرفش، والله ما فتحته. وبعدها بيومين أبويا اختفى. سكتت، وبلعت ريقها بصعوبة، وبعدها كملت: ـ فضلت أدور عليه، رحت الشركة، وكلمت أصحابه، وكل الناس كانت بتقولي إنه سافر ومحدش يعرف راح فين. وبعد أسبوعين، جالي تليفون من رقم مجهول، واللي رد قالي إن أبويا تعبان ولازم أروح أشوفه. ـ وروحتي؟ ـ أيوه… كنت هموت من الخوف عليه.
ادوني عنوان في منطقة بعيدة، ولما وصلت لقيت عربية مستنياني. قالولي إنهم هيوصلوني له، وركبت معاهم… لكنهم خطفوني. قبض راشد إيده بغضب. ـ وخدوكي فين؟ ـ مكان كبير شبه مخزن، كان فيه بنات تانيين. كانوا قافلين علينا وممنوع نخرج، واللي تعترض كانوا بيضربوها. الراجل اللي شوفته النهارده كان مسؤول عن المكان. اسمه منصور. راشد سكت لحظة، وبعدها سأل: ـ وإيه علاقة أبوكي بالموضوع؟ جود بصت له وقالت: ـ منصور كان كل يوم يسألني عن الملف الأزرق. كان بيقولي إن أبويا سرق حاجة تخصهم، وإنه لازم يرجعها. ولما كنت أقول إني معرفش حاجة، كان بيهددني إنه هيقتل أبويا قدامي. ـ إزاي قدرتي تهربي؟ جود نزلت عينيها لإيديها، وكان واضح إنها بتحاول تسيطر على رعشتها. ـ واحدة من البنات ساعدتني. اسمها رحمة. كانت أكبر مني، وكانت بتعاملني زي أختها الصغيرة. في ليلة حصلت خناقة بين الحراس، وهي فتحت لي باب المخزن وخلتني أهرب من باب خلفي. لكنها فضلت مكانها. راشد سألها بسرعة: ـ وهي فين دلوقتي؟ جود بدأت تعيط تاني. ـ معرفش… آخر حاجة قالتها لي إنها هتفضل تشغلهم لحد ما أبعد، وإن لو خرجت لازم أوصل للشرطة. لكنهم لو عرفوا إنها ساعدتني هيقتلوها. راشد قام من مكانه واتجه ناحية الحارس. ـ عايز كل المعلومات عن المكان اللي خرجت منه البنت دي، وعايز أسماء كل المقبوض عليهم، واللي وراهم كمان.
وبلغ الجهات المختصة إن فيه بنات محتجزين في مكان غير معلوم. الحارس رد فورًا: ـ حاضر يا سيدي. راشد رجع لجود وقال: ـ اسمعيني كويس، مش هنسكت على اللي حصل، والبنت اللي ساعدتك لازم نرجعها. جود مسكت طرف جاكتها بتوتر وقالت: ـ بس أنا مش عايزة حد يتأذى بسببي. راشد بص لها بجدية. ـ إنتِ مش السبب يا جود. الناس دي هي اللي اختارت تبقى مجرمة، وإحنا مش هنسيبهم يكملوا جرايمهم. في اللحظة دي وصل طبيب المطعم، وبعد الكشف عليها أكد إنها مرهقة جدًا وعندها جفاف وهبوط بسبب قلة الأكل والمية، ولازم ترتاح وتدخل مستشفى لو ظهرت عليها أي أعراض تانية. راشد طلب عربية خاصة، وقرر ياخدها لمستشفى تابع للمركز الطبي اللي بيتعامل معاه. جود أول ما سمعت كلمة مستشفى، اتوترت وقالت: ـ لأ، أرجوك، مش عايزة مستشفى. ـ ليه؟ ـ هما ممكن يوصلوا لي هناك. راشد رد بثبات: ـ المستشفى اللي هنروحها فيها تأمين كامل، ومحدش هيقدر يدخل عندك من غير تصريح. وأنا هفضل معاكي لحد ما تطمني. جود فضلت باصة له شوية، وبعدها هزت راسها بالموافقة. في الطريق، كانت قاعدة في المقعد الخلفي، لافة جاكتها القديم حواليها، وباصّة من الشباك. راشد كان قاعد في المقعد المقابل، وكل شوية يبص عليها يتأكد إنها كويسة. بعد فترة قالت فجأة: ـ هو إنت ليه ساعدتني؟
راشد لف وشه ناحيتها. ـ تقصدي إيه؟ ـ يعني إنت متعرفنيش، وأنا دخلت مطعمك وخطفت الأكل من قدامك، وكنت ممكن أعمل أي حاجة… ومع ذلك ساعدتني. ابتسم بهدوء وقال: ـ لأن الجوع مش جريمة، والخوف مش تهمة. وبعدين أنا لو كنت مكانك، كنت هتمنى ألاقي حد يساعدني. جود سكتت، وبعد لحظات قالت: ـ شكراً. راشد رد: ـ متشكرينيش دلوقتي، لسه قدامنا شغل كتير. وصلوا المستشفى، وتم استقبال جود في جناح خاص، وبدأ الأطباء يعملوا لها الفحوصات اللازمة. راشد وقف بره الأوضة بيتكلم في التليفون، لحد ما وصله اتصال من مدير الأمن الخاص بيه. ـ سيدي، عندنا تطور خطير. ـ اتكلم. ـ الراجل اللي اتقبض عليه اسمه منصور الديب، وعنده سوابق كتير، لكن المفاجأة إن فيه اسم كبير ظهر في التحقيقات الأولية. ـ مين؟ ـ فهد الكيلاني. راشد سكت للحظة، وملامحه اتغيرت. ـ إنت متأكد؟ ـ أيوه يا سيدي، فيه تحويلات مالية بينه وبين منصور، وكمان لقينا إن الشركة اللي كان بيشتغل فيها والد البنت مملوكة لشركة تابعة لمجموعة الكيلاني. راشد قبض على التليفون بقوة. فهد الكيلاني ماكانش مجرد رجل أعمال عادي، ده كان شريكه السابق في مشروع استثماري ضخم، وكان بينهم خلاف انتهى بانسحاب راشد من المشروع بعد ما اكتشف مخالفات مالية. لكن اللي ماكانش يعرفه إن الموضوع أكبر من مجرد فساد مالي.
قال راشد: ـ عايز كل حاجة عن فهد، تحركاته، شركاؤه، حساباته، وكل شخص بيتعامل معاه. مدير الأمن رد: ـ فيه حاجة تانية يا سيدي. ـ قول. ـ منصور طلب يقابل حضرتك. راشد ضحك بسخرية. ـ هو فاكر نفسه في وضع يسمح له يطلب؟ ـ قال إن عنده معلومة تخص والد البنت. راشد بص ناحية باب أوضة جود، وبعدها قال: ـ خليه تحت الحراسة، ومحدش يتكلم معاه غير في وجود النيابة. أنا هعرف كل حاجة في وقتها. قفل التليفون، ودخل الأوضة. جود كانت قاعدة على السرير، ووشها باين عليه الإرهاق، لكنها بدأت تستعيد جزء من لونها. أول ما شافته قالت: ـ هو حصل حاجة؟ ـ ليه بتسألي؟ ـ عشان شكلك اتغير. راشد حاول يبتسم. ـ شوية شغل. جود بصت له بشك. ـ الموضوع ليه علاقة بأبويا؟ راشد سكت، وده كان كفاية يخليها تفهم. ـ أنا عارفة إنك مخبي عني حاجة. قرب منها وقعد على الكرسي. ـ اكتشفنا إن فيه شخص كبير ممكن يكون متورط في اللي حصل، لكن لسه بنتأكد. جود قبضت على الغطا وقالت: ـ اسمه فهد؟ راشد رفع عينيه بسرعة. ـ إنتِ تعرفيه؟ ـ أيوه… شوفته قبل كده في المكان اللي كانوا حابسيني فيه. كان بييجي كل أسبوع تقريبًا، ومنصور كان بيتعامل معاه باحترام وخوف شديد. ـ سمعتيهم بيتكلموا عن إيه؟
ـ مرة سمعته بيقول إن الحسابات لازم تتقفل قبل ما الملف يوصل للشيخ راشد. راشد اتجمد مكانه. ـ قال اسمي؟ جود هزت راسها. ـ أيوه، وقال كمان إنك لو عرفت الحقيقة مش هتسيبهم. راشد فضل باصص لها من غير كلام. دلوقتي الموضوع بقى شخصي أكتر مما كان متخيل. لكن جود قالت جملة خلت قلبه ينقبض. ـ أنا خايفة يكون أبويا مات. راشد رد بحسم: ـ طول ما مفيش دليل إنه مات، يبقى إحنا هندور عليه باعتباره عايش. جود بصت له بامتنان، وبعدها غمضت عينيها من التعب. راشد استنى لحد ما نامت، وخرج من الأوضة. في نفس الليلة، وصلته رسالة من رقم مجهول. كانت الرسالة قصيرة: «لو عايز تعرف مكان عبد الرحمن، تعالى لوحدك على المخزن القديم الساعة اتناشر. ولو جبت معاك حد، هتستلم جثته.» راشد قرأ الرسالة مرتين، وبعدها رفع عينه لمدير أمنه. ـ تتبع الرقم. ـ حاضر. ـ ومحدش يعرف بالمقابلة دي غيرنا. مدير الأمن اتردد وقال: ـ سيدي، ده ممكن يكون فخ. راشد رد: ـ وأنا عارف. ـ يبقى حضرتك مش هتروح لوحدك. راشد بص له وقال: ـ أنا مش هسيب راجل أب لسه بنته مستنية يرجع لها، لمجرد إن حد بيهددني. بعدها بساعات، كان راشد واقف قدام مخزن قديم في منطقة صناعية مهجورة. المكان كان ضلمة، والهواء مليان تراب، وفيه صوت صاج بيخبط من شدة الهوا.
دخل بخطوات محسوبة، وأول ما وصل لنص المخزن، سمع صوت راجل من آخر المكان. ـ كنت عارف إنك هتيجي. راشد بص ناحية الصوت. ـ وريني عبد الرحمن. خرج فهد الكيلاني من بين الظلال، ووشه عليه ابتسامة باردة. ـ لسه مستعجل زي زمان يا راشد. راشد رد من غير ما يغير نبرة صوته: ـ فين الراجل؟ فهد أشار ناحية كرسي في آخر المخزن. كان فيه رجل مربوط، وشه متورم، وشعره أبيض أكتر مما تتخيل، لكنه كان لسه بيتنفس. راشد اتحرك خطوة، لكن فهد رفع إيده. ـ على مهلك. قبل ما تقرب منه، عايز نتكلم. ـ مفيش كلام بيني وبينك. ـ فيه كتير. إنت فاكر إنك خرجت من الشركة وخلاص؟ إنت كنت السبب في خسارتي، وكنت السبب إن كل حاجة بنيتها تقع. راشد بص له باحتقار. ـ إنت اللي سرقت فلوس الناس، وإنت اللي زورت الحسابات، وإنت اللي حولت شركتك لوكر للبلطجية. فهد ضحك. ـ كنت محتاج حد ينفذ شغلي، ومنصور كان مناسب جدًا. ـ وعبد الرحمن؟ ـ أبو البنت اكتشف كل حاجة، وكان فاكر إنه هيقدر يسلمني للشرطة. راشد قال: ـ عشان كده خطفتوه؟ فهد قرب منه وقال: ـ أنا كنت عايز الملف، مش أكتر. لكن البنت كانت بتعاند، وأبوها رفض يقول مكانه. راشد بص لعبد الرحمن، ولاحظ إنه بدأ يحرك راسه بصعوبة.
ـ سيبه. فهد ابتسم. ـ الملف الأول. راشد قال: ـ لو الملف معايا، كنت جبتك هنا عشان أديهولك؟ فهد سكت لحظة، وبعدها قال: ـ البنت أكيد تعرف مكانه. ـ البنت مش هتقرب منك تاني. فهد رفع إيده، وظهر من ورا الأعمدة أربعة رجال مسلحين. ـ إنت مش فاهم إنك في أرضي؟ راشد بص حواليه، وبعدها قال: ـ لأ، إنت اللي مش فاهم. وفي اللحظة دي، اتسمع صوت صفارات عربيات الشرطة من بره. فهد اتلفت بسرعة. ـ إيه ده؟ راشد ابتسم. ـ إنت بعتلي رسالة من رقمك الحقيقي، وافتكرت إنك أذكى من الناس كلها. كل كلمة اتقالت هنا متسجلة، ومكانك متراقب من أول ما خرجت من المطعم. فهد صرخ: ـ اضربوه! لكن قبل ما أي حد يتحرك، اقتحمت قوات الأمن المخزن، وبدأت السيطرة على المسلحين. فهد حاول يهرب من باب جانبي، لكن اتنين من رجال الشرطة لحقوه وقبضوا عليه. راشد جري ناحية عبد الرحمن، وبدأ يفك الحبال من إيده. ـ إنت كويس؟ عبد الرحمن رفع عينه بصعوبة. ـ جود… بنتي… فين بنتي؟ راشد رد: ـ بنتك بخير، ومستنياك. الراجل بدأ يعيط، وفضل يردد اسم بنته وهو مش مصدق. راشد ساعده يخرج، لكن قبل ما يوصلوا للعربية، عبد الرحمن مسك إيده وقال: ـ استنى… لازم أقولك حاجة. ـ اتفضل. ـ الملف مش مع جود، ولا في البيت.
راشد سأله: ـ أمال فين؟ عبد الرحمن بص حواليه بحذر، وبعدها قال: ـ أنا خبّيته في مكان محدش يتوقعه… في المكتبة القديمة بتاعة مراتي الله يرحمها. راشد استغرب. ـ وليه ما قلتش ده للشرطة؟ عبد الرحمن رد بصوت ضعيف: ـ لأن الملف مش مجرد حسابات… فيه أسماء ناس كتير، وفيه دليل على شبكة كاملة بتتاجر في البنات وبتغسل فلوسها عن طريق شركات وهمية. ولو الملف وقع في إيد غلط، ناس كتير هتختفي قبل ما التحقيق يبدأ. راشد هز راسه. ـ متقلقش، هنأمن كل حاجة. في المستشفى، كانت جود صاحية، قاعدة جنب الشباك، وكل شوية تبص للساعة. الممرضة دخلت وقالت: ـ لازم ترتاحي يا حبيبتي، إنتِ لسه تعبانة. جود ابتسمت ابتسامة صغيرة. ـ هستريح لما أعرف بابا بخير. في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح. دخل راشد، ووشه عليه ابتسامة مختلفة. جود قامت من مكانها بسرعة. ـ حصل إيه؟! راشد قال: ـ عندي ليكي خبر. ـ بابا؟ ابتسم وقال: ـ أبوكي عايش، وجاي لك دلوقتي. جود حطت إيديها على بقها، ودموعها نزلت فورًا. ـ بجد؟ ـ بجد. ماكملش كلامه حتى سمعوا صوت خطوات في الممر. وبعد ثواني ظهر عبد الرحمن على كرسي متحرك، ووشه متعب، لكن عينيه مليانة شوق. جود صرخت: ـ بابا! وجريت ناحيته، وحضنته بقوة، وفضلت تعيط وهي بتبوس إيده ووشه.
ـ وحشتني أوي يا بابا… كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني. عبد الرحمن حضنها، وفضل يمسح على شعرها. ـ سامحيني يا بنتي… سامحيني إني سيبتك لوحدك. جود هزت راسها وهي بتعيط. ـ إنت رجعت يا بابا، خلاص… أنا مش عايزة أي حاجة تانية. راشد وقف بعيد، وساب لهم لحظتهم. بعد شوية، عبد الرحمن بص له وقال: ـ مش عارف أشكرك إزاي يا ابني. راشد قرب منه. ـ متقولش كده، أهم حاجة إنكم بخير. عبد الرحمن مسك إيده وقال: ـ أنا عايز أقولك حاجة، بس لازم تعرف إن اللي عملته مع بنتي مش هنساه طول عمري. راشد ابتسم. ـ وأنا مش مستني منك مقابل. لكن الأيام اللي جاية كانت هتثبت إن الموضوع أكبر من مجرد إنقاذ بنت وأبوها. بعد القبض على فهد ومنصور، بدأت التحقيقات تكشف شبكة كبيرة ممتدة في أكتر من دولة، وكان فيها مسؤولين ورجال أعمال وموظفين بيستغلوا نفوذهم عشان يخفوا جرائمهم. الملف الأزرق اللي أخفاه عبد الرحمن كان فيه مستندات وتحويلات وتسجيلات تثبت كل حاجة. وبعد ما الشرطة استخرجته من المكتبة القديمة، اتضح إن فيه قائمة بأسماء أكتر من عشرين بنت تم اختفاؤهم خلال السنين اللي فاتت. جود لما عرفت، فضلت ساكتة فترة طويلة. وبعدها قالت لراشد: ـ لازم نعرف البنات دول فين. راشد رد: ـ الجهات المختصة بدأت تتحرك، وهيتم تحديد الأماكن اللي كانوا محتجزين فيها.
ـ أنا عايزة أساعد. عبد الرحمن اعترض فورًا: ـ لأ يا جود، إنتِ كفاية اللي شفتيه. جود بصت لأبوها وقالت: ـ يا بابا، أنا عشت الخوف ده، وعارفة كل بنت هناك بتفكر في إيه. أنا مش عايزة أي واحدة تانية تمر بنفس اللي مريت بيه. راشد سألها: ـ إنتِ متأكدة إنك تقدري؟ جود هزت راسها. ـ أقدر، بس مش عايزة أرجع لأي مكان اتأذيت فيه. راشد رد: ـ مش هتروحي أي مكان لوحدك، ومش هنعرضك لأي خطر. بدأت جود تساعد المحققين في تحديد بعض الأشخاص والأماكن من خلال الصور اللي كانت شافتها أثناء احتجازها. وبعد أيام، وصلت أول معلومة مؤكدة عن مكان رحمة. كانت محتجزة في بيت قديم على أطراف المدينة، تحت حراسة مجموعة من الرجال. جود أول ما سمعت الخبر، قلبها بدأ يدق بسرعة. ـ رحمة عايشة؟ المحقق رد: ـ عندنا مؤشرات قوية إنها موجودة هناك. جود بصت لراشد. ـ لازم ننقذها. راشد قال: ـ هيتم تنفيذ العملية بمعرفة الشرطة، وإنتِ هتفضلي هنا. جود اعترضت: ـ بس أنا أعرف صوتها وشكلها، وممكن أقدر أساعدهم. راشد رد بصرامة: ـ جود، مش كل مرة لازم تحطي نفسك في الخطر عشان تثبتي إنك قوية. جود سكتت، وبعد لحظة قالت: ـ أنا مش بحاول أثبت حاجة. أنا بس مش عايزة أصحى يوم وأعرف إن رحمة راحت مني عشان مقدرتش أساعدها.
راشد اتأثر بكلامها، لكنه فضل متمسك برأيه. ـ أنا فاهم، بس سلامتك مسؤولية مش هستهين بيها. في اليوم التالي، تمت المداهمة، وبعد ساعات طويلة من التوتر، وصل اتصال للمستشفى. ـ تم تحرير المحتجزات. جود وقفت مكانها. ـ ورحمة؟ جاءها الرد: ـ موجودة، وحالتها مستقرة. جود انهارت من الفرحة، وفضلت تعيط وهي بتشكر ربنا. بعد ساعتين، دخلت رحمة الأوضة. كانت أضعف مما جود تفتكر، وشعرها قصير، وعلى إيديها آثار إصابات قديمة، لكنها كانت واقفة على رجليها. أول ما شافت جود، فتحت دراعها. جود جريت عليها وحضنتها. ـ كنت عارفة إنك هتخرجي… كنت عارفة إنك قوية. رحمة ابتسمت وسط دموعها. ـ وأنا كنت عارفة إنك هتوصلي لمكان آمن. جود مسكت إيدها وقالت: ـ إنتِ اللي أنقذتيني. رحمة هزت راسها. ـ وإنتِ رجعتي عشان تنقذينا كلنا. في الأيام اللي بعدها، جود بدأت تتعافى تدريجيًا، ورجعت تضحك من قلبها لأول مرة من شهور. لكن راشد كان واخد باله من حاجة. رغم إنها بقت أحسن، كانت لسه بتخاف من الأصوات العالية، وبتصحى مفزوعة من النوم، وأحيانًا كانت بتعتذر عن حاجات ملهاش أي سبب. وفي يوم، كانت قاعدة في حديقة المستشفى، وهو وصل لها ومعاه كوب عصير. حطه قدامها وقال: ـ إيه الأخبار النهارده؟ ابتسمت. ـ أحسن. ـ أحسن بس؟ ـ أحسن بكتير. قعد على الكرسي اللي قدامها.
ـ ده المطلوب. سكتوا شوية، وبعدها جود قالت: ـ إنت مش بتتعب؟ ـ من إيه؟ ـ من إنك تفضل مسؤول عن كل الناس دي؟ الحرس، والشركات، والمشاريع، والمشاكل… حتى أنا بقيت مشكلة في حياتك. راشد بص لها باستغراب. ـ إنتِ مشكلة؟ ـ أيوه، من ساعة ما دخلت المطعم بتاعك وأنا قلبتلك الدنيا. ضحك لأول مرة قدامها بالشكل ده. ـ بالعكس، من زمان ما حصلش حاجة تفوقني من روتين الاجتماعات والأرقام. جود ضحكت، وبعدها قالت: ـ بس أنا مش عايزة أفضل حاسة إني مديونة ليك. راشد بصلها بجدية. ـ إنتِ مش مديونة ليا بحاجة، ومش مطلوب منك تفضلي فاكرة اللي حصل طول عمرك. أنا ساعدتك لأن ده الصح، مش عشان أستنى منك مقابل. جود نزلت عينيها. ـ أنا عمري ما قابلت حد اتعامل معايا بالطريقة دي. راشد رد بهدوء: ـ يبقى من حقك تتعاملي كويس، ومن حقك تعيشي من غير خوف. كانت الكلمات بسيطة، لكنها فضلت ترن في ودنها طول اليوم. بعد فترة، خرج عبد الرحمن من المستشفى، واتنقل مع بنته لشقة آمنة، وراشد عرض عليهم يوفر لهم الحماية لحد ما القضية تنتهي. عبد الرحمن في البداية رفض، لكنه وافق بعد إصرار جود. وفي يوم، راشد كان عنده اجتماع مهم في مقر الشركة، وفجأة دخل عليه مدير مكتبه وقال: ـ سيدي، فيه ضيف مصمم يقابل حضرتك.
ـ مين؟ ـ الأستاذ عبد الرحمن. راشد ابتسم. ـ دخّله فورًا. دخل عبد الرحمن، وكان شكله أحسن بكتير، ووقف قدام راشد وقال: ـ أنا جاي أطلب منك طلب. راشد قام من مكانه. ـ اتفضل، اعتبر نفسك في بيتك. عبد الرحمن قعد وقال: ـ أنا عارف إنك عملت معانا كتير، ويمكن أكتر مما كنت أقدر أطلب، لكن أنا عندي بنت واحدة، وكل اللي يهمني إنها تعيش حياة طبيعية. راشد هز راسه. ـ وده حقها. عبد الرحمن كمل: ـ هي طول عمرها بتحلم تشتغل في مجال مساعدة الناس، وكانت بتدرس علم نفس قبل اللي حصل. وأنا عايزها ترجع تكمل تعليمها، وتبني حياتها من جديد. راشد ابتسم. ـ دي حاجة كويسة جدًا. عبد الرحمن بص له نظرة مترددة. ـ بس فيه حاجة تانية. ـ قول. ـ أنا لاحظت اهتمامك بيها، وشايف إنك بتعاملها باحترام، وبتحافظ على كرامتها، وده شيء أنا مقدّره. لكن عايز أسألك سؤال، وإجابته لازم تكون صريحة. راشد اعتدل في قعدته. ـ اتفضل. ـ إنت شايف بنتي إزاي؟ راشد سكت لحظة، وبعدها قال: ـ شايفها إنسانة قوية، رغم كل اللي شافته. وشايف إنها تستحق فرصة جديدة في الحياة. وأنا… معجب بيها. عبد الرحمن فضل ساكت. راشد كمل: ـ بس أنا مش عايزها تحس إن اللي عملته معاها بيحطها تحت أي ضغط.
لو هي مش شايفاني غير شخص ساعدها، هفضل أحترم ده، ومش هطلب منها أكتر من كده. عبد الرحمن ابتسم ابتسامة صغيرة. ـ دي أول إجابة تطمني. لكن في نفس الوقت، كان فيه شخص تاني بيراقب كل التحركات. فهد الكيلاني، رغم وجوده في الحبس، كان لسه عنده ناس بره، وأحدهم اسمه سامي، مدير حساباته القديم، بدأ يحاول يوصل لجود عشان يعرف إذا كان فيه مستندات تانية مخفية. وفي ليلة، كانت جود راجعة من جلسة علاج نفسي برفقة رحمة وسائقهما، وفجأة عربية اعترضت طريقهم. السائق فرمل بقوة، ورحمة صرخت. قبل ما حد يفهم حاجة، نزل من العربية التانية رجلين، وواحد منهم قرب من باب جود. ـ انزلي يا آنسة، عايزين نتكلم معاكي. جود اتجمدت، ورجعت لورا. رحمة مسكت إيدها وقالت: ـ متنزليش. الرجل خبط على الزجاج. ـ افتحي الباب أحسنلك. السائق ضغط على زر الإنذار، وفي اللحظة دي ظهر ضوء عربيتين من آخر الشارع. رجال الحراسة اللي راشد عيّنهم كانوا متابعينهم من بعيد. حصلت مواجهة سريعة، واتقبض على الرجلين قبل ما يقدروا يوصلوا لجود. لكن جود كانت دخلت في نوبة خوف شديدة، وفضلت بتترعش ومش قادرة تتكلم. راشد وصل بعد دقائق، وأول ما شافها فتح باب العربية وقعد قدامها. ـ جود، بصيلي. كانت عينيها مليانة دموع. ـ هما رجعوا… ـ لأ، مش هيرجعوا.
ـ أنا تعبت يا راشد… تعبت من إني أفضل خايفة. راشد مد إيده، لكنه استنى موافقتها قبل ما يمسك إيدها. ولما هي مدت إيدها ناحيته، مسكها برفق وقال: ـ أنا عارف إنك تعبتي، بس اسمعيني، المرة دي إحنا مش هنسيب أي حد يطاردك. والناس اللي حاولوا يخوفوكي هيتحاسبوا. جود بصت له وقالت بصوت مكسور: ـ أنا عايزة أعيش زي أي بنت، أخرج من غير ما أبص ورايا، وأنام من غير ما أصحى مفزوعة. راشد قال: ـ وهتعيشي كده، أوعدك. في الليلة دي، راشد قرر إنه مش هيسيب القضية تقف عند القبض على فهد ومنصور. اتواصل مع المحققين، وقدم كل المعلومات اللي عنده عن سامي وباقي أفراد الشبكة. وبعد تتبع طويل، اكتشفوا إن سامي كان بيحاول يتخلص من كل الأدلة اللي ممكن توصل لباقي المتورطين، وإنه كان بيجهز يهرب خارج البلاد. تم تحديد مكانه، والقبض عليه قبل ما يقدر ينفذ خطته. وخلال التحقيق، اعترف بمكان مخزن تاني كان فيه مستندات وأدلة إضافية، واتضح إن الشبكة كانت بتستخدمه لإخفاء هويات بعض الضحايا ونقلهم بين أماكن مختلفة. بالأدلة الجديدة، اتوسعت التحقيقات، وتم القبض على باقي المتورطين، واتحطت حماية رسمية للشهود والضحايا. ولأول مرة من شهور، جود حسّت إن الكابوس بدأ ينتهي فعلًا. بعد مرور تلات شهور، كانت جود رجعت لجامعتها، وبدأت تحضر محاضراتها من جديد.
كانت لسه بتاخد جلسات علاج نفسي، وبتحاول تتعامل مع ذكرياتها واحدة واحدة، لكن بقت أقوى، وبقت تعرف إن طلب المساعدة مش ضعف. رحمة كمان بدأت حياة جديدة، واشتغلت في جمعية بتساعد البنات اللي تعرضوا للعنف والاستغلال. أما عبد الرحمن، فرجع لشغله في مجال المحاسبة، بعد ما وافق يشهد في القضية، وبدأ يحس إن الحياة رجعت له من جديد. وفي يوم، جود كانت في المكتبة بتذاكر، وفجأة لقت راشد واقف قدامها. رفعت عينيها وقالت بابتسامة: ـ إنت بتعمل إيه هنا؟ رد وهو بيحط كيس صغير على الترابيزة: ـ جاي أزور واحدة مشغولة عن العالم كله. ضحكت. ـ عندي امتحان، مش فاضية. ـ طب أنا هقعد ساكت. قعد قدامها، وفضل ساكت فعلًا، لحد ما هي رفعت عينيها بعد عشر دقايق وقالت: ـ إنت بتبصلي ليه؟ ـ بحاول أفهم إزاي حد يقدر يفضل مركز في كتاب كل ده. ـ عشان عندي مستقبل عايزة أبنيه. راشد ابتسم. ـ وأنا أول واحد هكون فخور بيكي. جود نزلت عينيها، وابتسمت بخجل. بعد ما خلصت مذاكرة، خرجوا يتمشوا في حديقة الجامعة، وراشد قال: ـ عندي سؤال. ـ اتفضل. ـ لو رجع بيكي الزمن لليلة المطعم، كنتِ هتدخلي تاني؟ جود ضحكت وقالت: ـ لو كنت جعانة بنفس الدرجة، كنت هخطف الطبق كله المرة دي. راشد انفجر في الضحك.
ـ يعني أنا كنت محظوظ إنك اكتفيتي بقطعة واحدة. ضحكوا سوا، لكن بعد لحظة جود بصت له بجدية. ـ راشد، أنا عايزة أقولك حاجة. ـ سامعك. ـ أنا عارفة إنك ساعدتني من غير ما تستنى مني حاجة، وعارفة إنك كنت ممكن تسيب الموضوع للشرطة وتمشي في حالك. لكنك فضلت معايا، ووقفت جنبي، وخلتني أحس إن لسه فيه ناس كويسة في الدنيا. راشد فضل ساكت، مستني تكمل. ـ أنا في الأول كنت بخاف منك، مش عشان عملت حاجة، لكن عشان كنت خايفة أثق في أي حد. وبعدها بقيت أستنى أشوفك، وأفرح لما أعرف إنك جاي. ولما بتغيب، بحس إن اليوم ناقص حاجة. راشد قلبه دق أسرع، لكنه حاول يحافظ على هدوئه. ـ جود… قاطعته بابتسامة خجولة: ـ أنا مش عارفة أسمي الإحساس ده إيه، بس حاسة إنه مش مجرد امتنان. راشد قرب خطوة، وقال: ـ وأنا من أول يوم شفتك فيه، كنت عايز أساعدك من غير ما أفكر في أي حاجة تانية. لكن مع الوقت اكتشفت إن وجودك بقى مهم عندي، وإن ضحكتك بقت أحلى حاجة في يومي. جود بصت له، ودموع خفيفة لمعت في عينيها. ـ بجد؟ ـ بجد. راشد كمل: ـ بس فيه حاجة لازم تعرفيها. أنا مش عايزك تاخدي أي قرار عشان حاسة إنك مدينة ليا، ولا عشان خايفة أخسر اهتمامي بيكي.
أنا عايزك تختاريني وإنتِ حرة، ومطمنة، وعارفة إنك تقدري تقولي لأ في أي وقت. جود ابتسمت وقالت: ـ عشان كده أنا مطمنة. في اليوم التالي، راشد راح بيت عبد الرحمن، وكان معاه والده ووالدته، وطلب إيد جود بشكل رسمي. عبد الرحمن استقبلهم بحفاوة، وكان واضح عليه الفرح، لكنه قال لراشد: ـ بنتي غالية عندي، وأنا مش هقبل إنها ترجع تعيش لحظة خوف واحدة. راشد رد بثبات: ـ وأنا مش جاي أوعدك إنها مش هتقابل صعوبات في حياتها، لأن محدش يقدر يضمن ده، لكن أوعدك إني عمري ما هكون سبب في خوفها أو كسرها، وإن رأيها وكرامتها هيبقوا قبل أي حاجة. والدة راشد ابتسمت وقالت: ـ وإحنا جايين نطلب بنت أصول، ونتمناها فرد من عيلتنا، مش مجرد زوجة لابننا. عبد الرحمن بص لجود، وسألها: ـ إيه رأيك يا بنتي؟ جود بصت لراشد، وبعدها ابتسمت وقالت: ـ موافقة. عبد الرحمن رفع إيده بالدعاء، والفرحة ملأت المكان. لكن قبل تحديد موعد الخطوبة، حصلت مفاجأة ماكانتش في الحسبان. وصل اتصال من النيابة، بيبلغهم إن منصور طلب يدلي باعترافات جديدة، وإن عنده معلومة مهمة تخص جود. راشد اتجه مع عبد الرحمن للنيابة، وجود أصرت تكون موجودة، بعد ما أكدوا لها إن حضورها اختياري وإنها تقدر ترفض. دخلوا غرفة الزيارة، وكان منصور قاعد ووشه شاحب، ومفيش فيه أي أثر للغرور اللي كان بيظهره قبل كده.
أول ما شاف جود، نزل عينيه. قال بصوت واطي: ـ أنا عارف إنك مش هتسامحيني، ومش طالب منك كده. جود ردت ببرود: ـ يبقى قول اللي عندك. منصور بلع ريقه وقال: ـ أبوكي ماكانش أول واحد يكتشف شغل فهد، فيه واحد تاني كان بيساعده من جوه الشركة، وكان هو اللي بيسرب له كل المعلومات. عبد الرحمن اتوتر. ـ مين؟ منصور قال اسم شخص كان عبد الرحمن يعرفه كويس، زميله القديم وصديقه المقرب، اسمه نادر. عبد الرحمن رجع لورا كأن حد ضربه. ـ مستحيل… نادر كان صاحبي من عشرين سنة. منصور كمل: ـ هو اللي بلغ فهد إن عندك الملف، وهو اللي حدد مكان بيتك، وهو اللي كان بيديله أخبار بنتك. جود بصت لأبوها بحزن. ـ عشان كده كانوا عارفين كل حاجة عننا. عبد الرحمن غمض عينيه، وبعدها سأل: ـ ونادر فين دلوقتي؟ منصور رد: ـ هربان، بس عنده نسخة من مستندات تانية، وممكن يستخدمها عشان يساوم بيها. راشد قال للمحقق: ـ لازم نتحرك فورًا. لكن جود قالت بهدوء: ـ استنوا. الكل بص لها. كملت: ـ نادر كان بييجي بيتنا كتير، وكان دايمًا بيتكلم عن المكتبة القديمة، وكان يعرف إن بابا بيحب يحتفظ بكل أوراقه فيها. يمكن عنده مفتاح قديم أو يعرف مكان النسخة التانية. عبد الرحمن فكر شوية، وبعدها قال: ـ كان فيه درج سري في المكتب، محدش يعرف عنه غيري ونادر، لكن أنا متأكد إني قفلته قبل ما أسيب البيت.
راشد سأل: ـ فيه احتمال إنه يكون وصل له؟ عبد الرحمن رد: ـ وارد. تم إرسال فريق متخصص لتفتيش البيت، وتم اكتشاف إن الدرج اتفتح بالفعل، لكن الأوراق المهمة كانت لسه موجودة. وفي نفس الوقت، بدأت الشرطة تتبع نادر. بعد يومين، وصلهم خبر إنه موجود في فندق صغير، وبيجهز يسافر. تمت مداهمة المكان والقبض عليه، لكن المفاجأة إنه قبل القبض عليه كان بعت نسخة من المستندات لشخص مجهول. بدأت حالة من التوتر، لأن المستندات كانت بتضم بيانات الشهود وأسماء البنات اللي تم تحريرهم. راشد قرر يتواصل مع الجهات المختصة لتأمين كل الشهود، وتم نقلهم لأماكن آمنة. أما جود، فكانت بتتابع الأحداث وهي حاسة إن كل ما الكابوس يقرب ينتهي، يظهر له باب جديد. في ليلة، كانت قاعدة مع راشد في حديقة البيت، وقالت: ـ هو إحنا هنفضل كده لحد إمتى؟ راشد رد: ـ لحد ما كل اللي أذوكي يتحاسبوا. ـ أنا مش عايزة أعيش عمري كله في المحاكم والتحقيقات. راشد بص لها وقال: ـ ومش هتعيشيه كده. إحنا هنسيب القانون ياخد مجراه، وإنتِ هتركزي في حياتك. جود ابتسمت وقالت: ـ نفسي أفتح مركز يساعد البنات اللي مروا بتجارب صعبة، ويكون فيه دعم نفسي وقانوني، ومكان آمن ليهم. راشد ابتسم. ـ فكرة عظيمة. ـ بس محتاجة إمكانيات كبيرة. ـ الإمكانيات موجودة.
جود رفعت حاجبها. ـ مش هتقول إنك هتمول المشروع وخلاص؟ راشد ضحك. ـ لأ، هقول إننا هنعمله سوا، وإنتِ اللي هتديريه، وأنا هساعدك في توفير المكان والموارد. جود ابتسمت بامتنان. ـ بس أنا عايزة أكون مؤهلة، مش عايزة حد يفتكر إن المركز مجرد هدية من الشيخ راشد. راشد رد: ـ يبقى تكملي دراستك وتاخدي خبرة، وأنا هكون أول واحد يشجعك. وفعلًا، بدأت جود تخطط للمشروع، ورحمتها كانت أول شخص تنضم ليها، وعبد الرحمن تطوع يساعدهم في تنظيم الحسابات والإدارة. وبعد شهور، صدر الحكم في القضية بعد تحقيقات طويلة وشهادات الضحايا والأدلة المالية والتسجيلات. تمت إدانة فهد ومنصور ونادر وباقي المتورطين، وصدر بحقهم أحكام رادعة وفق القانون. والأهم إن عدد كبير من البنات رجعوا لأهاليهم، وبعضهم بدأ حياة جديدة بمساعدة الجهات المعنية. يوم إعلان الحكم، جود كانت قاعدة جنب أبوها، ماسكة إيده بقوة. أول ما سمعت النتيجة، نزلت دموعها. عبد الرحمن حضنها وقال: ـ خلاص يا بنتي… الكابوس انتهى. جود ردت وهي بتعيط: ـ الحمد لله يا بابا… الحمد لله. راشد كان واقف على مسافة، ولما بصت له، ابتسم لها ورفع إيده بعلامة تطمين. في المساء، راشد أخد جود وعبد الرحمن ورحلة قصيرة لمكان هادي على البحر، بعيد عن الزحمة والضغوط. كان المكان جميل، والهواء نضيف، وصوت الموج مريح للأعصاب. جود وقفت قدام البحر وقالت: ـ غريبة الدنيا.
.. من كام شهر كنت فاكرة إن حياتي انتهت، والنهارده واقفة هنا وبفكر في بكرة. راشد وقف جنبها وقال: ـ ساعات أصعب الأيام بتكون بداية لحاجة ماكناش متخيلينها. جود بصت له بابتسامة. ـ بس أنا مش عايزة أنسى اللي حصل. راشد استغرب. ـ ليه؟ ـ مش عشان أعيش في الحزن، لكن عشان أفتكر إني قدرت أعدي، وأفتكر كل بنت لسه محتاجة حد يقف جنبها. راشد مسك إيدها برفق وقال: ـ وأنا هفضل جنبك طول الطريق، طول ما إنتِ عايزاني. جود ابتسمت. ـ عايزاك. عدت الأيام، وجاء يوم افتتاح المركز اللي أطلقت عليه جود اسم «بداية جديدة». كان مبنى واسع، فيه غرف للاستشارات النفسية، وقاعات تدريب، ومكاتب للمساعدة القانونية، ومساحة آمنة للبنات اللي محتاجين يبدأوا حياتهم من جديد. رحمة كانت مسؤولة عن استقبال الحالات، وعبد الرحمن تولى الإدارة المالية، أما جود فكانت المديرة التنفيذية للمركز بعد ما استكملت دراستها وتدريباتها. في يوم الافتتاح، وقفت جود قدام الحضور، وكان راشد وأهله وأبوها في الصف الأول. مسكت الميكروفون وقالت بصوت ثابت: ـ المكان ده اتعمل عشان كل بنت دخلت يوم من الأيام في طريق ضلمة، وافتكرت إنها مش هتعرف تخرج منه. عايزة أقول لكل واحدة فيكم إن اللي حصل مش ذنبها، وإن الماضي مهما كان صعب مش هو اللي بيحدد قيمتها ولا مستقبلها. إحنا هنا عشان نسمعكم، ونساعدكم، ونمشي جنبكم لحد ما تقدروا تقفوا على رجليكم من جديد.
القاعة كلها صقفت، وعبد الرحمن كان بيعيط من الفخر. راشد بص لها وهو مبتسم، وحس إن البنت اللي دخلت مطعمه يوم من الأيام وهي مش قادرة تقف على رجليها، بقت واقفة قدام الناس كلها بكل قوتها. بعد انتهاء الافتتاح، جود راحت له وقالت: ـ إيه رأيك؟ رد وهو بيبصلها بفخر: ـ رأيي إنك عملتي حاجة أعظم من أي مشروع أنا بنيته. ضحكت وقالت: ـ بتجاملني. ـ أنا آخر واحد محتاج يجاملِك. بعد فترة قصيرة، اتحدد موعد الفرح. راشد كان مصر إن كل حاجة تتم بالشكل اللي جود تحبه، من غير مبالغة ولا مظاهر تخليها متوترة. اختارت فستان بسيط وأنيق، وكانت والدتها غايبة عن يومها، لكن عبد الرحمن كان جنبها طول الوقت. قبل الفرح بيوم، دخل عليها أبوها لقاها قاعدة قدام صورة أمها القديمة. قرب منها وقعد جنبها. ـ بتكلمي ماما؟ جود ابتسمت وسط دموعها. ـ كنت بقولها إن بنتها اتجوزت يا بابا. عبد الرحمن مسح دمعة من عينها. ـ كانت هتبقى أسعد واحدة في الدنيا. جود حضنته وقالت: ـ أنا عايزاك تفضل معايا دايمًا. ـ أنا جنبك يا قلب أبوكي، وهفضل أدعيلك طول عمري. في يوم الفرح، كانت القاعة مليانة بالناس اللي بيحبوهم، وراشد كان واقف مستنيها، وأول ما دخلت مع أبوها، عينه ما فارقتهاش. عبد الرحمن سلم إيدها لراشد وقال له: ـ دي أمانة، بس قبل ما تكون أمانة عندك، هي إنسانة ليها رأيها وحريتها وكرامتها.
خليك فاكر ده دايمًا. راشد رد باحترام: ـ أوعدك إنها هتفضل شريكتي قبل أي حاجة، وهفضل أختارها كل يوم من جديد. عبد الرحمن باس راس بنته، وبعدها سلمها له. جود بصت لراشد وقالت بابتسامة: ـ فاكر أول مرة اتقابلنا؟ راشد ضحك. ـ أنسى إزاي؟ دي أول مرة حد يسرق من طبقي وأنا قاعد قدام الحرس. ضحكت وقالت: ـ كنت جعانة! ـ وأنا لحد النهارده مش عارف إنتِ كنتِ جعانة أكتر ولا خايفة أكتر. جود بصت له بحب وقالت: ـ كنت خايفة من الدنيا كلها. راشد رد: ـ والنهارده؟ ابتسمت وقالت: ـ النهارده حاسة إني أخيرًا لقيت مكان أقدر أكون فيه على طبيعتي. راشد قرب منها وقال: ـ يبقى وعد مني، بيتنا عمره ما هيكون مكان تخافي فيه. وبعد شهور من الزواج، كان راشد راجع من اجتماع طويل، ودخل البيت فشم ريحة أكل جميلة جاية من المطبخ. لقى جود واقفة بتحضر السفرة، ولما شافته ابتسمت. ـ حمد الله على السلامة. قرب منها وباس راسها. ـ الله يسلمك، إيه الريحة الحلوة دي؟ ـ عاملالك الأكلة اللي بتحبها. قعد على الكرسي، وبص للأطباق قدامه، وبعدها ضحك. ـ على فكرة، أنا عندي طلب. ـ إيه؟ ـ المرة دي عايزك تاكلي من طبقي عادي، مش لازم تستني لما أقولك. جود ضحكت ورمت له فوطة المطبخ بخفة.
ـ يا سلام! بعد الجواز بقيت كريم أوي. ضحكوا، وبعدها قعدوا يتعشوا سوا. وفي نص الأكل، دخلت رحمة عليهم في زيارة، وكانت شايلة صندوق صغير. قالت لجود: ـ عندي ليكي مفاجأة. جود فتحت الصندوق، ولقت صورة قديمة ليها مع رحمة من أول يوم اتعرفوا فيه، وكانت معاها رسالة مكتوبة بخط رحمة: «إنتِ كنتِ سبب إني أصدق إن النجاة ممكنة، حتى بعد أصعب الأيام.» جود حضنتها وقالت: ـ وإنتِ كنتِ أول إيد اتمدتلي وأنا في عز خوفي. راشد بص لهم بابتسامة، وقال: ـ واضح إن أنا الوحيد اللي مش عارف أشارك في الذكريات دي. رحمة ضحكت: ـ متقلقش يا شيخ راشد، إنت ليك نصيب الأسد في حكاية المطعم. جود بصت له وقالت: ـ أيوه، ده حتى الطبق اللي سرقته منه لسه فاكره. راشد رد وهو بيضحك: ـ أنا بدأت أندم إني أنقذتك! جود ضحكت من قلبها، والضحكة دي كانت أجمل مكافأة ممكن يحصل عليها. وفي آخر الليل، بعد ما رحمة مشيت، وقفت جود في شرفة البيت، وراشد جه وقف جنبها. بصت للسماء وقالت: ـ تعرف إيه أكتر حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل؟ ـ إيه؟ ـ إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير، وممكن يتوجع لدرجة إنه يفتكر إن مفيش بكرة، لكن طول ما فيه أمل، وطول ما فيه حد يمد إيده بالخير، ممكن يبدأ من جديد.
راشد مسك إيدها وقال: ـ وإنتِ بقيتي الأمل ده لناس كتير. جود ابتسمت وسندت راسها على كتفه. وفي صباح يوم جديد، كان المركز بيستقبل أول دفعة من البنات اللي جايين يتعلموا حرفة تساعدهم يعتمدوا على نفسهم، وجود كانت واقفة بتستقبلهم بابتسامة. واحدة من البنات كانت صغيرة، ووشها مليان خوف، وقفت عند الباب ومقدرتش تدخل. جود قربت منها، ونزلت لمستواها وقالت: ـ متخافيش يا حبيبتي، هنا محدش هيزعقلك، ومحدش هيجبرك على حاجة. خدي وقتك، ولما تحبي تدخلي هتلاقينا مستنيينك. البنت رفعت عينيها وقالت: ـ هو فعلًا محدش هيضربني هنا؟ جود حسّت بقلبها بيتوجع، لكنها ابتسمت وقالت: ـ أبدًا، هنا إنتِ في أمان، وهنتعامل معاكي باحترام. البنت دخلت بخطوات صغيرة، وجود فضلت واقفة لحد ما اتأكدت إنها ارتاحت. ومن بعيد، كان راشد بيتابعها، وفهم إن الحكاية اللي بدأت بقطعة أكل اتخطفت من طبق رجل غريب، انتهت بإنقاذ حياة ناس كتير. قرب منها وقال: ـ جاهزة نرجع البيت؟ جود ابتسمت وقالت: ـ استنى شوية، لسه عندي بنات محتاجين يسمعوا إن الحياة ممكن تبدأ من جديد. راشد رد: ـ خدي وقتك، أنا مستنيكي. وبعد ما خلصت شغلها، خرجت معاه، ومشيت جنبه وهي ماسكة إيده. كانت عارفة إن الطريق مش هيكون خالي من المشاكل، وإن الحياة مش دايمًا هتديها اللي تتمناه، لكن بقى عندها بيت آمن، وأب بتحبه، وصديقة عمر وقفت جنبها، ورجل اختار يحبها من غير ما يسلبها حريتها.
أما راشد، فكان كل ما يفتكر أول يوم شافها فيه، يفتكر عينيها المليانة خوف، وإيديها اللي كانت بتترعش وهي بتاكل، ويبتسم لأنه عرف إن أحيانًا أعظم الصدف بتبدأ من لحظة صغيرة محدش يديها أهمية. وفي ذكرى أول مقابلة بينهم، رجع راشد نفس المطعم، وحجز نفس الترابيزة، وطلب نفس الأكل اللي كان قدامه يومها. جود بصت للسفرة وضحكت. ـ إنت جايب كل ده ليه؟ إحنا كام واحد؟ راشد قال وهو بيحاول يمنع ضحكته: ـ عندي ضيفة مهمة، ومش عايزها تضطر تسرق من طبقي. جود ضحكت، ومدت إيدها وخطفت قطعة أكل من طبقه قدامه، وقالت: ـ خلاص، اعتبرني سرقت. راشد ضحك وقال: ـ بالهنا والشفا يا ست جود. وبين ضحكهم وصوت الموسيقى الهادية، كانت جود بتاكل وهي مطمنة، من غير ما تبص ناحية الباب كل شوية، ومن غير ما تخاف من أي صوت، ومن غير ما تستنى حد يمد إيده وياخد منها الأكل. لأنها أخيرًا فهمت إن الأمان مش مجرد باب مقفول أو حراسة واقفة، الأمان إنك تبقى وسط ناس بتحبك، وتحترمك، وماتخافش منهم. أما راشد، فكان عارف إن اللي حصل في الليلة دي غيّر حياته هو كمان، وإنه مهما امتلك من مال ونفوذ وقصور، عمره ما كان هيحس بالسعادة دي لو ماكانش وقف في اللحظة المناسبة وقال للحرس: محدش يقرب منها.
ومن يومها، فضلت الحكاية تتقال في كل مناسبة، حكاية الشيخ اللي قابل بنت جعانة في مطعمه، فبدل ما يطردها، فتح لها باب الأمان، والبنت اللي دخلت المطعم وهي بتدور على لقمة تسد جوعها، خرجت من الحكاية وهي سبب في إنقاذ عشرات البنات، وبنت حياة جديدة مليانة حب وكرامة ونجاح. ويمكن أجمل حاجة في الحكاية كلها إن جود ما رجعتش بس لحياتها القديمة، لكنها صنعت لنفسها حياة أحسن، حياة ماكانش فيها خوف ولا تهديد ولا انكسار، حياة اختارتها بإرادتها، وكانت كل يوم بتشكر ربنا إنها قدرت تبدأ من جديد.
تمت حكايات الكاتبة انجي الخطيب
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق