في هذا المقال
سكريبت رجل عجوز كامل وحصريه
سكريبت رجل عجوز كامل وحصريه
راجل عنده 101 سنة كان هيتسجن بعد ما اتهموه انه سـ,ـرق بضاعة بأكتر من 2000 دولار. اعترف بكل حاجة من غير ما يقول ولا عذر واحد. بس أول ما القاضي كان هيكمل، جارته اللي من زمان فجأة قامت من مكانها.
"يا سيادة القاضي أرجوك! فيه حاجة لازم تعرفها. هو خلاني أوعد اني عمري ما هقولها" الراجل العجوز وشه اصفر."أرجوكي بلاش" همس. "انتي وعدتيني" بس هي ما قدرتش تسكت. عشان السبب ورا السـ,ـرقات الغامضة دي كان يقطع القلب أكتر بكتير من أي حد في المحكمة ما كان يتخيل.
والجواب المتني اللي كان في ايدها ممكن يغير كل حاجة. بقاله شهور موظفين محل محلي كانوا بيعطفوا على الراجل العجوز. عنده 101 سنة وبيتعكز على عكاز ويمشي بالعافية. كل مرة حد يمسكه وهو طالع بحاجة من غير ما يدفع كان يعتذر بهدوء ويبان عليه الاحراج جامد.
في الأول الموظفين كانوا بينبهوه بس. بس الموضوع اتكرر. وفي الآخر قيمة الحاجات الناقصة عدت الـ 2000 دولار فالمحل ما كانش قدامه حل غير انه يرفع قضية. ودلوقتي الراجل واقف قدام القاضي وصوابعه الرفيعة ماسكة العكاز الخشب جامد.
"يا حاج" القاضي بدأ وهو بيبص على كذا صورة "أنا شفت تسجيلات الكاميرات. اللي قلقني هو تشكيلة الحاجات الغريبة اللي انت كنت بتاخدها" فرد الصور قدامه. لبس أطفال. أكل معلب. كشاكيل مدرسة. حاجات للبيت أساسية."ممكن تشرح كنت محتاج الحاجات دي ليه بالذات؟ " الراجل فضل باصص في الأرض.
"لا يا سيادة القاضي. أنا خدتهم من غير ما أدفع. أنا عارف ان ده غلط" القاضي قرب."انت عارف ان التهم دي ممكن نتيجتها سجن؟" الراجل هز راسه ببطء."أيوه يا بيه" "في سنك ده حكم السجن هيبقى صعب أوي.
أكيد عندك حاجة تقولها تدافع بيها عن نفسك" الراجل العجوز بلع ريقه."أنا عندي 101 سنة يا سيادة القاضي. عشت كفاية عشان أعرف ان كسر القانون ليه عواقب. هقبل أي عقاب هتحكم بيه" القاضي فضل يبصله كام ثانية."مش هتشرح أفعالك؟
" "لا يا بيه" "ولا حتى سبب واحد خلاك ترجع المحل ده تاني؟" صوت الراجل اترعش."مليش عذر" سكوت تقيل نزل على قاعة المحكمة. وبعدين أول ما القاضي كان هيتكلم تاني، ست قامت فجأة من ورا."يا سيادة القاضي استنى! أرجوك ما تاخدش قرارك دلوقتي! " كل الرؤوس لفت ناحيتها.
"يا ست" القاضي قال بحدة "لازم تفضلي قاعدة لحد ما نسمحلك تتكلمي في المحكمة" بس الست فضلت واقفة."أرجوك يا بيه. أنا ساكنة جنب الراجل ده بقالها 30 سنة. أنا عارفة هو كان بياخد الحاجات دي ليه" الراجل لف بسرعة.
"بلاش" صوته كان خايف تقريبا. هي بصتله والدموع متجمعة في عينيها."أنا آسفة" "انتي وعدتيني" همس."أنا عارفة" خدت نفس متقطع."بس ما أقدرش أشوفك داخل السجن ومحدش هنا فاهم ايه اللي حصل بجد" القاضي رفع ايده. "يا ست انتي عايزة تقولي ايه للمحكمة بالظبط؟
" الست مدت ايدها في شنطتها. لحظة فضلت تدور وسط حاجتها. وبعدين طلعت ورقة مطبقة بعناية."الراجل ده كان مخبي سر بقاله شهور" شرحت. "وخلاني أحلف اني ما أقولش لحد، وبالذات الناس اللي ليهم علاقة بالموضوع" الراجل غمض عينيه.
"أرجوكي. ما تدخليهمش في الموضوع" صوتها اتكسر."ما أقدرش. مش قادرة أكتر من كده" لفت ناحية القاضي ورفعت الجواب."يا سيادة القاضي قبل ما تقرر ايه اللي هيحصل للراجل ده أرجوك اقرا ده. عشان البقالة ولبس الأطفال والكشاكيل المدرسية ما كانتش عشانه هو" القاضي كشر.
"أمال كانت لمين؟" الست بصت لآخر قاعة المحكمة، حيث كانت ست شابة قاعدة بهدوء وشايلة ولد صغير نايم على كتفها. وبعدين همست: "كانت لحد كان أنقذ حياة الراجل ده مرة قبل كده... واللي ما كانش عنده فكرة هو بيضحي بايه عشان يردلها الجميل" قاعة المحكمة كلها سكتت.
وأول ما الست فردت الجواب، الراجل وطى راسه، عارف ان السر اللي تعب أوي عشان يحميه أخيرا هيتكشف عايزني اكمل الجزء الثاني أعمل لايك وتعليق بتم وهرد عليك باللينك حالا في التعليقات لما الست فردت الجواب، القاضي أخده منها وبدأ يقرا أول سطر، لكن ملامح وشه اتغيرت فجأة، ورفع عينه ناحية الراجل العجوز اللي كان واقف مطأطئ راسه، وقال بصوت هادي: "يا حاج عبد الرحمن.
.. إنت تعرف الست اللي قاعدة في آخر القاعة؟" عبد الرحمن رفع عينه بصعوبة، وبص ناحية الست الشابة اللي كانت شايلة الطفل، وبعدها رجع بص للقاضي. "أيوه يا بيه... أعرفها." القاضي رجع بص للجواب وكمل قراءة، وكل ما كان بيقرا سطر كانت ملامحه بتتغير أكتر.
الست الكبيرة اللي قامت من مكانها كانت اسمها أمينة، جارة عبد الرحمن من أكتر من تلاتين سنة، وكانت عارفة عنه حاجات كتير محدش يعرفها. القاضي سألها: "يا مدام أمينة، إنتي بتقولي إن الحاج عبد الرحمن كان بيسـ,ـرق الحاجات دي علشان الست دي وطفلها؟" أمينة هزت راسها والدموع نازلة من عينيها.
"أيوه يا سيادة القاضي... بس الموضوع أكبر من كده بكتير. الراجل ده مش بيسـ,ـرق علشان نفسه، ولا علشان عنده طمع في حاجة. الراجل ده من شهور وهو بيحاول ينقذ عيلة كاملة من غير ما حد يعرف." القاضي بص ناحية الشابة. "اتفضلي يا مدام، ممكن تعرفينا بنفسك؟
" الشابة قامت وهي بتحاول تسند ابنها النائم على كتفها. "اسمي مريم يا سيادة القاضي." "وإيه علاقتك بالحاج عبد الرحمن؟" مريم بصت للعجوز، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها. "هو كان السبب إني أفضل عايشة لحد النهارده." عبد الرحمن حرك عكازه بعصبية وقال بصوت ضعيف: "يا بنتي اقعدي.
.. إنتي مالكيش ذنب في اللي حصل." لكن مريم ما قعدتش. "لا يا عمو عبد الرحمن، المرة دي لازم أتكلم. إنت فضلت ساكت كتير علشاني، ودلوقتي جه دوري أقول الحقيقة." وبدأت تحكي. من حوالي سنة ونص، كانت مريم عايشة مع جوزها وابنها الصغير في شقة إيجار بسيطة.
جوزها توفى فجأة بعد تعب قصير، وسابها لوحدها مع طفل لسه ما كملش سنتين، وديون كانت أكبر من قدرتها على الاحتمال. في الأول حاولت تقف على رجليها. اشتغلت في محل ملابس، وكانت بتسيب ابنها مع جارتها وقت الشغل، لكن بعد فترة المحل استغنى عنها بسبب ظروفه، وبدأت تلاقي نفسها مش قادرة تدفع الإيجار ولا تشتري احتياجات ابنها.
كانت بتنام وهي بتفكر هتعمل إيه تاني يوم. وفي ليلة من الليالي، ابنها سخن سخونية شديدة، وكانت معاها فلوس بالكاد تكفي المواصلات، وما كانش عندها حد تلجأ له. خرجت من البيت وهي شايلة ابنها وبتعيط، ووقفت قدام صيدلية قريبة، مش عارفة تطلب مساعدة من مين.
وقتها شافت عبد الرحمن خارج من محل صغير في الشارع، متكئ على عكازه، وبيحاول يمشي ببطء. كان يعرف مريم بالوش بس، لأنها كانت ساكنة في نفس المنطقة، وشافها أكتر من مرة وهي راجعة بابنها. وقف لما لاحظ دموعها. "مالك يا بنتي؟ الولد ماله؟" مريم حاولت تمسح دموعها.
"مفيش يا عمو، ربنا يسهل." بصلها وبص للطفل اللي كان وشه أحمر من السخونية. "طب ما تدخلي الصيدلية يا بنتي." ردت بصوت مكسور: "مش معايا فلوس." عبد الرحمن ما سألهاش تاني، دخل الصيدلية وطلب من الصيدلي يكشف على الطفل ويصرف له العلاج المناسب بعد ما يعرف حالته.
وبعدها طلع المحفظة من جيبه، ودفع الحساب. مريم حاولت تمنعه. "لا يا عمو، أنا مش هقدر أردلك الفلوس." بصلها باستغراب وقال: "هو أنا قلتلك هترجعيهم؟ ده طفل صغير، ولما يكبر ابقي ادعيلي." ومن اليوم ده بدأت علاقة غريبة بين الراجل العجوز والبنت الشابة.
كان كل ما يشوفها يسألها عن الولد، ولو عرف إنها محتاجة حاجة يحاول يساعدها على قد إمكانياته. لكن عبد الرحمن نفسه ما كانش غني. كان معاشه بسيط، وبيعيش لوحده بعد ما مراته مـ,ـاتت من سنين طويلة، وابنه الوحيد سافر بره مصر من أكتر من عشرين سنة، وانقطعت أخباره بالتدريج لحد ما بقى التواصل بينهم نادر.
كان عنده شقة صغيرة وأثاث قديم، ومعاش بالكاد يكفي أكله وعلاجه. ومع ذلك، كان شايف إن مريم وابنها بقوا أمانة في رقبته. وفي يوم، عرف إن صاحبة الشقة هتطرد مريم لأنها اتأخرت في الإيجار أكتر من شهرين. راح لها عبد الرحمن، واتكلم معاها، وطلب منها تمهل مريم شوية.
لكن صاحبة الشقة رفضت. رجع البيت يومها وهو زعلان، وقعد ساعات طويلة يفكر. كان عارف إنه مش هيقدر يدفع الإيجار عنها كل شهر، وعارف إن البنت مش هتقدر تشتغل لوحدها طول الوقت والولد محتاج رعاية.
وبعد أيام عرف من أمينة إن مريم بتدور على شغل، وإنها محتاجة لبس للولد وحاجات أساسية للبيت. ومن هنا بدأت الحكاية اللي وصلت بيه للمحكمة. أمينة كملت كلامها وهي ماسكة طرف الجواب: "يا سيادة القاضي، أنا اكتشفت الموضوع بالصدفة.
لقيت عبد الرحمن راجع من المحل ومعاه شنطة كبيرة، ولما سألته فيها إيه، قالي إنه اشترى شوية حاجات لمريم. لكن أنا كنت عارفة إن معاشه نزل من أيام، وإنه صرف معظم الفلوس على العلاج." القاضي سألها: "يعني إنتي كنتي عارفة إنه بياخد البضاعة من غير ما يدفع؟
" أمينة نزلت عينيها. "في الأول لأ. عرفت بعد ما الموضوع اتكرر، ولما واجهته قالي إنه هيتصرف، وطلب مني أوعده ما أقولش لمريم." القاضي استغرب. "وليه طلب منك كده؟" أمينة بصت لعبد الرحمن. "علشان البنت دي عندها كرامة يا سيادة القاضي.
كانت بترفض أي مساعدة، ولو عرفت إنه بيعمل كده علشانها كانت هترفض كل حاجة، ويمكن كانت هتبعد عنه خالص." مريم انفجرت في العياط. "أنا ما كنتش أعرف... والله ما كنت أعرف إنه بيعمل كده." عبد الرحمن بص لها وقال: "ما تعيطيش يا بنتي. أنا اللي غلطت، وإنتي مالكيش دعوة.
" مريم قربت منه خطوة. "إنت غلطت علشاني؟ إنت كنت بتاخد الحاجات دي وتحط نفسك في المشكلة دي كلها علشاني؟" رد بهدوء: "كنت بشوف ابنك محتاج لبس، والجو برد، وكنت بشوفك بتقسمي الأكل علشان يكفيكي إنتي والولد. كنت برجع بيتي ومش بعرف أنام.
" وبعدين بص للطفل اللي بدأ يتحرك على كتف أمه. "أنا عشت 101 سنة يا بنتي. شوفت أيام حلوة وأيام صعبة، وخسرت ناس كتير. بس عمري ما كنت أتخيل إني في آخر عمري أقف عاجز قدام طفل محتاج لبن ووجبة دافية." القاضي سكت شوية، وبعدها رجع للجواب.
"بس فيه نقطة مش مفهومة. إنتي قلتي إن فيه سر الراجل ده مخبيه، وإن الجواب ده ممكن يغير كل حاجة. إيه السر؟" أمينة مسحت دموعها وقالت: "الجواب ده فيه الحقيقة الكاملة عن اللي حصل من أول يوم.
" القاضي بدأ يقرأ الجزء التاني من الجواب بصوت مسموع: "أنا عبد الرحمن حسن، أقر إني ساعدت مريم وابنها خلال الفترة الماضية، وإن بعض المبالغ اللي كنت بدفعها لهم كانت من مدخراتي الشخصية. لكن فيه حاجة ما قلتهاش لأي حد..." وقف القاضي لحظة.
"أنا كنت بعت آخر حاجة غالية عندي، ساعة زوجتي الله يرحمها، علشان أقدر أوفر لهم احتياجاتهم." عبد الرحمن غمض عينيه. القاضي كمل: "والسبب الحقيقي اللي خلاني أتمسك بمساعدتهم إن مريم في يوم من الأيام أنقذت حياتي." القاعة كلها اتشدت للكلام. مريم رفعت وشها بسرعة.
"أنا؟" عبد الرحمن هز راسه. "أيوه يا بنتي." قبل الواقعة بحوالي سنة، كان عبد الرحمن راجع من زيارة للدكتور، وكان ماشي في الشارع في يوم شتاء شديد. كان تعبان، ونفسه قصير، ورجله مش شايلينه. حاول يوصل للبيت، لكن وقع على الرصيف، والعكاز وقع بعيد عنه.
ما كانش معاه تليفون يقدر يتصل بيه بابنه، ولا حد من قرايبه يعرف مكانه. مريم فضلت جنبه، جابت له مية، وساعدته يتواصل مع المستشفى، ولما عرفوا عنوانه راحت جابت له حاجته من البيت. ولما فاق كويس، لقاها قاعدة على الكرسي جنبه، وراسها ميلة من التعب.
قال لها وقتها: "إنتي لسه هنا يا بنتي؟" ابتسمت وقالت: "أسيبك لمين يا عمو؟" الكلمة دي فضلت في قلبه. هو كان عنده ابن، لكنه بعيد عنه، ومراته ماتت، وبيته بقى ساكت بشكل يخوف. أما مريم، رغم كل اللي كانت بتمر بيه، ما سابتوش لوحده في أصعب لحظة.
ومن يومها حس إنها مش مجرد جارة محتاجة مساعدة، دي إنسانة وقفت جنبه وقت ما كان محتاج حد. القاضي حط الجواب على المكتب، وخلع النظارة، وبص لعبد الرحمن. "يا حاج عبد الرحمن، أنا مقدر ظروفك، ومقدر إنك كنت بتحاول تساعد ناس محتاجة، لكن لازم نفهم إن المحل نفسه اتضرر، وإن فيه بضاعة خرجت من غير دفع.
" عبد الرحمن رد فورًا: "أنا مش بطلب من حد يسامحني يا سيادة القاضي. أنا عارف إن صاحب المحل تعبان من اللي حصل، ومستعد أتحمل نتيجة غلطتي." في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح، ودخل راجل في منتصف الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، وكان واضح عليه إنه جاي على عجلة.
قرب من الموظف وهمس له بحاجة، وبعدها الموظف راح للقاضي وسلمه ورقة. القاضي قرأ الورقة، وبص للراجل الجديد. "حضرتك صاحب المحل؟" الراجل هز راسه. "أيوه يا فندم. اسمي محمود، وأنا صاحب السوبر ماركت اللي حصلت فيه الوقائع." القاضي أشار له يتكلم.
محمود بص لعبد الرحمن فترة طويلة، وبعدها قال: "أنا شفت تسجيلات الكاميرات بنفسي، وكنت متضايق جدًا من اللي بيحصل. في الأول قلت يمكن الراجل ناسي إنه ما دفعش، لكن لما الموضوع اتكرر، اضطريت أبلغ." عبد الرحمن نزل عينه. "حقك عليا يا ابني.
" محمود كمل: "بس بعد ما عرفت اللي حصل، وبعد ما اتكلمت مع الموظفين وعرفت إن الراجل كان بياخد أكل ولبس أطفال وكشاكيل، بدأت أفكر إن فيه حاجة مش طبيعية." القاضي سأله: "هل حضرتك عرفت عن ظروفه قبل الجلسة؟" "أيوه يا فندم.
أمينة اتصلت بيا من يومين، وطلبت تقابلني. حكتلي عن مريم، وعن ظروفها، وعن اللي عبد الرحمن بيعمله." وبعدين طلع من جيبه ظرف صغير. "أنا جاي النهارده أقول للمحكمة إني مش عايز الراجل ده يتعاقب بالطريقة اللي ممكن تدمر آخر أيامه." عبد الرحمن رفع عينه باستغراب.
محمود قرب من المنصة وقال: "أنا مش هقول إن اللي عمله صح، لأن السـ,ـرقة غلط، حتى لو كان الهدف مساعدة حد. لكن أنا كمان عندي مسؤولية تجاه الناس اللي بتيجي المحل، ومش هقدر أعتبر إن مفيش حاجة حصلت.
علشان كده أنا مستعد أتنازل عن المطالبة بالتعويض، وأطلب من المحكمة مراعاة سنه وظروفه." عبد الرحمن بدأ يبكي. "ربنا يكرمك يا ابني." محمود بص له وقال: "أنا عندي أب في نفس سنك تقريبًا، ولو كنت مكانه واحتاج مساعدة، كنت أتمنى ألاقي حد يقف جنبه.
علشان كده أنا مستعد أتنازل عن المطالبة بالتعويض، وأطلب من المحكمة مراعاة سنه وظروفه." عبد الرحمن بدأ يبكي. "ربنا يكرمك يا ابني." محمود بص له وقال: "أنا عندي أب في نفس سنك تقريبًا، ولو كنت مكانه واحتاج مساعدة، كنت أتمنى ألاقي حد يقف جنبه.
بس كان نفسي تيجي تتكلم معايا بدل ما تحط نفسك في الموقف ده." وبعدين لف ناحية مريم. "وإنتي يا مدام مريم، أنا عرفت إنك بتدوري على شغل." مريم مسحت دموعها. "أيوه." "عندي موظفة في المحل هتسيب شغلها قريب، ولو تحبي تقدمي، أنا مستعد أديكي فرصة.
مرتب ثابت، ومواعيد مناسبة على قد ما نقدر، وتقدري تجيبي ابنك معاكي لو مفيش حد يقعد معاه في البداية." مريم ما عرفتش ترد. كانت بتبص له وكأنها مش مصدقة إن يومها اللي بدأ بخوف على مستقبل عبد الرحمن ممكن ينتهي بباب جديد بيتفتح قدامها. لكن المفاجأة ما كانتش هنا.
القاضي طلب من الموظف يجيب له ملف القضية كامل، وبدأ يراجع المبالغ والأدلة، وبعدها رفع عينه وقال: "قبل ما أصدر قراري، فيه شخص تاني لازم نسمع كلامه." وبص لعبد الرحمن. "إنت قلت إن ابنك مسافر بره من سنين.
هل فيه أي حد من عيلتك ممكن يتواصل معاه؟" عبد الرحمن اتوتر. "مش عايز أزعج حد يا بيه." أمينة تدخلت: "يا حاج، كفاية كتمان. لازم تقول الحقيقة." عبد الرحمن بص لها بعتاب. "أنا مش عايز حد يعرف.
" لكن أمينة قالت بصوت مليان وجع: "ابنك اتصل بيا من أسبوعين، وكان بيسأل عليك. وأنا ما عرفتش أقوله إيه." عبد الرحمن اتجمد مكانه. "ابني؟" "أيوه. قال إنه راجع مصر، وإنه حاول يكلمك كتير ومكنتش بترد." العجوز مسك العكاز بإيده الاتنين.
"هو رجع؟" أمينة هزت راسها. "أيوه يا عبد الرحمن." مريم بصت له بفرحة ممزوجة بالحزن، لكن عبد الرحمن ما ابتسمش. على العكس، وشه اتغير، وكأنه افتكر حاجة كان بيحاول ينساها. القاضي سأله: "إيه اللي مخوفك من رجوع ابنك؟
" عبد الرحمن فضل ساكت، وبعد لحظات قال: "أنا مش زعلان إنه سافر يا سيادة القاضي. أنا زعلان إنه لما سافر، سابني أواجه الدنيا لوحدي. وكل مرة كنت بتعب فيها كنت بستنى تليفونه، وكل مرة كنت بقول يمكن بكرة يفتكرني." صوته بدأ يتهز.
"أنا مش محتاج فلوسه. أنا كنت محتاج أسمع صوته بس. كنت محتاج أعرف إن لسه عندي ابن." القاعة كلها كانت ساكتة. وفجأة الباب اتفتح مرة تانية. دخل راجل طويل، وشعره فيه خصلات بيضا، وعينيه مليانة دموع.
وقف مكانه أول ما شاف عبد الرحمن. "بابا..." عبد الرحمن رفع راسه ببطء. فضل يبص له كأنه مش مصدق اللي شايفه. "حسام؟" الراجل قرب منه بخطوات مترددة. "أيوه يا بابا... أنا حسام." عبد الرحمن حاول يتحرك ناحيته، لكن رجله خانته، فمريم وأمينة سندوه. حسام جري عليه، وركع قدامه، ومسك إيده.
"بابا..." عبد الرحمن رفع راسه ببطء. فضل يبص له كأنه مش مصدق اللي شايفه. "حسام؟" الراجل قرب منه بخطوات مترددة. "أيوه يا بابا... أنا حسام." عبد الرحمن حاول يتحرك ناحيته، لكن رجله خانته، فمريم وأمينة سندوه.
حسام جري عليه، وركع قدامه، ومسك إيده. "سامحني يا بابا." عبد الرحمن ما ردش. حسام كمل وهو بيعيط: "أنا عارف إني اتأخرت. وعارف إني قصرت معاك. بس أنا ما كنتش أعرف إنك وصلت للمرحلة دي." العجوز بص له بعينين مليانين دموع. "إنت عرفت منين؟" حسام بص ناحية أمينة.
"هي اللي كلمتني وقالتلي إنك في المحكمة. أول ما عرفت، سبت كل حاجة وجيت." عبد الرحمن سحب إيده بهدوء. "كان المفروض تيجي من غير ما حد يقولك." الكلمة نزلت على حسام تقيلة. حسام وطى راسه. "معاك حق.
" وبعدها بدأ يحكي إنه سافر من سنين طويلة علشان يشتغل، وكان فاكر إنه لما ينجح ويجمع فلوس هيقدر يرجع ويعوض أبوه عن كل حاجة. لكن الأيام جرت، والشغل زاد، والمسؤوليات كترت، وكل مرة كان يأجل الزيارة لشهر تاني.
كان بيبعت فلوس من وقت للتاني، وكان فاكر إن ده كفاية. لكن ما كانش فاهم إن أبوه مش محتاج تحويلات مالية قد ما كان محتاج وجوده. قال حسام: "أنا كنت فاكر إني بعمل ده كله علشانك يا بابا، لكن الحقيقة إني كنت بأجل اللحظة اللي أواجه فيها نفسي بتقصيري.
" عبد الرحمن بص له طويلًا. "أنا كبرت يا حسام. مفيش وقت كتير أضيعه في الزعل. بس عايز أسألك سؤال واحد." حسام رفع عينه. "اتفضل يا بابا." "لو مكنتش عرفت إني في المحكمة، كنت هتيجي تشوفني إمتى؟" حسام ما قدرش يرد. نزل راسه، وفضل يبكي في صمت.
بعد فترة من المداولة، رجع القاضي لمكانه وطلب من الجميع الهدوء. قال إن المحكمة تقدر الظروف الإنسانية اللي ظهرت خلال الجلسة، لكنها في نفس الوقت لازم تؤكد إن مساعدة المحتاجين لازم تكون بطرق قانونية، وإن ظروف الإنسان مهما كانت صعبة لا تجعل الاستيلاء على ممتلكات الغير أمرًا مقبولًا.
وبعد مراجعة موقف صاحب المحل وتنازله عن المطالبة المالية، وظروف المتهم وسنه وحالته الصحية، أصدر القاضي قراره بما يراعي هذه الظروف وفقًا للقانون، من غير إيداع عبد الرحمن السجن. عبد الرحمن ما سمعش بقية الكلام من كتر ما كان متأثر.
كان واقف مش مصدق إنه هيخرج من المحكمة ويرجع بيته. أمينة حضنته وهي بتعيط. "الحمد لله يا عبد الرحمن." مريم قربت منه، وحطت إيدها على كتفه. "ربنا نجاك يا عمو." لكنه بص لها وقال: "أنا اللي كنت عايز أنقذك يا بنتي، وفي الآخر إنتي اللي وقفتي جنبي.
" محمود صاحب المحل قرب منهم وقال: "يا حاج، أنا عايزك توعدني بحاجة." عبد الرحمن ابتسم ابتسامة حزينة. "قول يا ابني." "لو احتجت حاجة، تيجي تطلبها. متدخلش المحل وتاخدها من غير ما تدفع تاني." عبد الرحمن ضحك لأول مرة من بداية الجلسة.
"وعد يا محمود." محمود ابتسم وقال: "وأنا هبعتلك كل شهر كيس احتياجات أساسية على حساب المحل، مش علشان قضية ولا شفقة، لكن علشان تبقى عارف إن لسه فيه ناس بتقدر الخير." عبد الرحمن رفض في الأول، لكن محمود أصر، واتفقوا إن المساعدة تكون بشكل واضح ومنظم، ومن غير ما عبد الرحمن يحس إنه مديون لحد.
خرجوا من المحكمة، وحسام كان ماشي جنب أبوه، ماسك دراعه وبيحاول يساعده. في الطريق للعربية، عبد الرحمن وقف فجأة. "استنى يا حسام." "نعم يا بابا؟" "إحنا رايحين فين؟" "هنروح البيت يا بابا." عبد الرحمن بص له وقال: "بيتي؟" حسام استغرب السؤال.
"أيوه طبعًا." العجوز ابتسم ابتسامة صغيرة. "كنت فاكر إن البيت بقى مجرد أوضة مقفولة وشباك بيدخل منه الهوا." حسام اتأثر، وقال: "مش هتفضل لوحدك تاني." لكن عبد الرحمن رد: "ما توعدنيش بحاجة أكبر من قدرتك يا ابني.
أنا مش عايزك تسيب حياتك وشغلك، أنا بس عايزك تفتكر إن ليك أب مستنيك." حسام مسك إيده. "المرة دي مش هقولك وعد وخلاص. أنا هثبتلك." لما وصلوا البيت، عبد الرحمن دخل أوضته القديمة، وبص لصورة مراته المعلقة على الحيطة. كانت صورة من أيام شبابهم، وهي واقفة جنبه وبتضحك.
قرب من الصورة، ومسح التراب اللي عليها. وقال بصوت واطي: "شفتي يا أم حسام؟ ابننا رجع." حسام كان واقف وراه، وسمع الكلام، فدموعه نزلت من غير ما يحس. قرب من أبوه وقال: "ماما كانت هتزعل مني لو شافتني سايبك كده.
" عبد الرحمن رد: "أمك كانت هتقولك اللي حصل حصل، المهم اللي جاي." وبعدين قعد على كرسيه القديم، وحسام قعد قدامه. ولأول مرة من سنين طويلة، البيت ما كانش ساكت. حسام طلب أكل، وفضل يسأل أبوه عن صحته وعن مواعيد الدكتور، وعن الحاجات اللي محتاجها في البيت.
عبد الرحمن كان بيرد عليه، لكن عينيه كل شوية تروح ناحية ابنه، كأنه خايف يغمض ويفتح عينه يلاقيه اختفى تاني. بعد أيام، مريم بدأت شغلها في المحل. كانت بتاخد ابنها معاها في البداية، ومحمود خصص لها مكان صغير تقدر تقعده فيه بعيد عن حركة الزباين.
وبدأت تستعيد ثقتها بنفسها واحدة واحدة. أما عبد الرحمن، فبقى يزور المحل كل أسبوع، لكن المرة دي كان بيدخل من الباب، ويسلم على الموظفين، ويشتري اللي محتاجه ويدفع تمنه. وكان محمود كل ما يشوفه يقول له: "أهلا بأغلى زبون عندنا.
" فيضحك عبد الرحمن ويقول: "بس المرة دي الحساب على حسابي." وبمرور الوقت، حسام بدأ ينظم حياته علشان يقضي وقت أطول مع أبوه. لكن أهم تغيير حصل إن عبد الرحمن ما بقاش بيحاول يخبي احتياجاته أو يتظاهر إنه قادر على كل حاجة.
بقى يطلب المساعدة لما يحتاجها، ويقبلها من غير ما يحس إن كرامته اتجرحت. وفي يوم، مريم راحت تزوره ومعاها ابنها. الولد جري عليه وهو بينادي: "جدو عبد الرحمن!" عبد الرحمن فتح دراعاته وضمه لحضنه. "تعالى يا حبيبي." الولد طلع من شنطته رسمة صغيرة، وقدمها له.
كانت رسمة لبيت، وقدامه راجل عجوز وولد صغير وست. وتحت الرسمة كان مكتوب بخط طفولي: "جدو عبد الرحمن." عبد الرحمن فضل يبص للرسمة، وبعدين حطها جنب صورة مراته. مريم قالت له: "هو اللي رسمها مخصوص علشانك.
" العجوز مسح عينه وقال: "أنا كنت فاكر إن آخر عمري هيكون كله لوحدي، لكن ربنا بعتلي عيلة من مكان ما كنتش أتوقعه." حسام كان واقف عند باب الأوضة، وسمع الجملة. قرب وقعد جنب أبوه. "إحنا عيلتك يا بابا." عبد الرحمن بص له وقال: "عارف يا حسام.
بس العيلة مش اسم واحد ولا صلة دم وبس. العيلة هي اللي تفتكرك وإنت ساكت، وتحس بتعبك وإنت بتحاول تخبيه، وتقف جنبك وقت ما الدنيا كلها تبعد." وبص لمريم وأمينة ومحمود اللي كانوا موجودين في الزيارة.
"أنا اتعلمت في آخر عمري إن الواحد ممكن يعيش 101 سنة، ويكون فاكر إنه عرف كل حاجة عن الدنيا، وفي لحظة واحدة يكتشف إن أجمل حاجة فيها لسه ما عرفهاش." مرت شهور، وعبد الرحمن بقى حاله أحسن، وحسام بقى يزوره باستمرار.
وفي عيد ميلاده، قررت مريم وأمينة ومحمود يعملوا له مفاجأة بسيطة في البيت. جابوا تورتة صغيرة، وحطوا عليها رقم 102، وجابوا له هدية متواضعة. لما شافهم داخلين، اتفاجئ جدًا. "إيه ده كله؟ هو أنا لسه ليا في العمر ده أعياد ميلاد؟" محمود ضحك: "ده إنت لسه قدامك كتير يا حاج.
" حسام قرب منه وحط إيده على كتفه. "كل سنة وإنت طيب يا بابا." عبد الرحمن بص حواليه، وشاف الناس اللي واقفة جنبه، وشاف مريم وابنها، وشاف ابنه اللي رجع بعد غياب طويل. وبدأ يعيط. مريم قربت منه وقالت: "مالك يا عمو؟" رد وهو بيحاول يبتسم: "مش عارف أقول إيه.
أنا طول عمري كنت فاكر إن الإنسان لما يكبر بيبقى محتاج فلوس وعلاج وبيت دافي. لكن النهارده فهمت إن أكتر حاجة محتاجها إنه ما يحسش إنه نسيه الناس." وبعدين بص لحسام وقال: "خلي بالك من نفسك يا ابني، وخلي بالك من بيتك، وما تستناش لحد ما حد يتعب علشان تفتكره.
" حسام انحنى وباس إيده. "مش هنسى الكلام ده أبدًا." وفي اللحظة دي، الولد الصغير جري عليه وحط إيده على خده وقال: "يلا يا جدو اطفي الشمع!" عبد الرحمن ضحك، وقرب من التورتة، لكن قبل ما يطفي الشمع، رفع عينه للسما وقال: "الحمد لله إنك اديتني فرصة أشوف الخير اللي كنت فاكره بعيد.
" وطفي الشمع وسط تصفيق وضحك الموجودين. لكن قبل ما اليوم يخلص، عبد الرحمن طلب من حسام يجيب له الجواب القديم اللي كان اتقدم في المحكمة. حسام جابه، وسأله: "عايز تعمل بيه إيه يا بابا؟" عبد الرحمن أخده وفضل يتأمل خطه القديم، وبعدها قال: "عايز أحتفظ بيه.
" "ليه؟" "علشان كل ما أشوفه أفتكر إن الإنسان ممكن يغلط وهو فاكر إنه بيعمل الصح، وإن الرحمة لازم يكون معاها حكمة، وإن اللي محتاج مساعدة لازم نساعده من غير ما نكسر نفسنا ولا نضر غيرنا." وبعدين حط الجواب في درج صغير جنب صورة مراته.
وقبل ما يقفل الدرج، قال لحسام: "وعايزك تفتكر حاجة كمان." "إيه يا بابا؟" "لو شفت راجل كبير واقف لوحده في الشارع، أو ست شايلة طفل وبتعيط، أو طفل محتاج حاجة ومش لاقيها، ما تعديش من جنبه وتقول مش شغلي. يمكن تكون إنت آخر باب ربنا فتحه ليهم.
" حسام هز راسه والدموع في عينيه. وفي آخر الليلة، لما الكل مشي، عبد الرحمن قعد في البلكونة جنب ابنه، والجو كان هادي. بص للشارع وقال: "عارف يا حسام؟ أنا كنت فاكر إن أصعب حاجة في السن ده هي إن الجسم يضعف.
" حسام سأله: "وأصعب من كده إيه يا بابا؟" رد عبد الرحمن: "إن الإنسان يبقى محتاج حد، ويخاف يطلب منه. يخاف يكون تقيل عليه، أو يحسسه إنه عبء. علشان كده ما تسيبش حد كبير في السن يخجل يقولك إنه محتاجك." حسام مسك إيده.
"مش هسيبك يا بابا." عبد الرحمن ابتسم، وسند راسه على ظهر الكرسي. ولأول مرة من سنين، ما كانش خايف من بكرة. لأنه أخيرًا فهم إن الغنى مش إنك تملك كل حاجة، ولا إنك تعيش من غير ما تحتاج لحد.
الغنى الحقيقي إنك تلاقي في آخر الطريق قلب يفتكرك، ويد تسندك، وبيت ما تحسش فيه إنك غريب. أما الجواب اللي كان سبب في تغيير مصير راجل عنده 101 سنة، ففضل محفوظ جنب صورة زوجته، شاهد على حكاية بدأت بسـ,ـرقة، وانتهت بعيلة اتجمعت من جديد، وقلوب افتكرت إن الرحمة لسه موجودة في الدنيا.
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق