في هذا المقال
سكريبت اخت جوزي رمت الفطير المشلتت كاملة زهرة الربيع
سكريبت اخت جوزي رمت الفطير المشلتت كاملة زهرة الربيع
اخت جوزي رمت الفطير المشلتت اللي أنا عملاه قدام ضيوف جوزي وقالتلي: «ده كله شعر يا مقرفة!» والضيوف اتقرفوا ومشيوا من غير ما يدوقوا لقمة، وجوزي كان هيطلقني بسبب اللي حصل. لكن بعد شهر جه عريس لأخته، واللي عملته يومها خلاها تندم ندم عمرها، وتتمنى لو إنها ما كانتش اتولدت قبل ما تعمل فيا اللي عملته!
أنا واحدة ست على قد حالي، جيت من الأرياف على بيت عيلة في القاهرة. جوزي حسام هو اللي أصر يتجوزني، مع إن أهله مكنوش طايقين الهوا اللي بتنفسه.
حمايا الله يرحمه كان متوفي، وماقعدش في البيت غير أمه وأخته سماح. حماتي كانت في حالها، بس كان باين في عينيها إنها شايفة نفسها عليا عشان أنا بنت فلاحين. أما سماح بقى، فكانت قصة تانية.. كانت شيطان في هيئة بني آدم، مبتفوتش فرصة إلا وتعمل فيها مشكلة من مفيش، وكانت بتدور على أي خرم إبرة عشان تكرهني في البيت كله.
لحد ما جه اليوم اللي حسام دخل فيه البيت ووشه منور والفرحة مش سايعاه، وقالي إن مديره في الشغل رقاه، والمدير نفسه طلب منه الحلاوة، وقال إنه بيموت في الفطير المشلتت اللي كان حسام بيجيبه المكتب زمان لما كنت بديله منه.
حسام عزم المدير وكذا واحد من زمايله على العشاء، وقالهم هياكلوا أحسن فطير مشلتت من إيدي.
وصاني بجد وبقى يقولي اتوصي جامد، وقالي بالحرف الواحد: «اتوصي بالفطير ومتخليش حد يحط إيده معاكي عشان يتظبط».
كلمة قالها بعفوية من غير ما يقصد أي حاجة، وكان كل قصده إني عشان من الأرياف فبعرفه على أصوله. بس الكلمة دي نزلت على ودن سماح زي القنبلة!
اتعفرتت واتجننت، وقالت بعد ما جوزي مشي: «هو جوزك يقصد إيه بمحدش يشتغل معاكي؟ هو إحنا مبنعرفش نعمل ولا إيه؟ مبسوط قوي إن مراته فلاحه؟»
رغم قلة أدبها بس قلت عديها، وقلتلها: «ده بس قصده إني أنا متعودة عليه».
قمت من الفجر يوم العزومة، وطلعت أحسن ما عندي. عجنت وفردت وسويت أحسن وأطرى فطير، بمنتهى النظافة، والريحة كانت جايبة آخر الشارع.
ووسط ما أنا بشتغل، دخلت عليا سماح، وقالت بكل برود: «اعملي حسابي في فطيرتين ليا أنا وماما، بعيد عن بتوع الضيوف عشان نتغدى بيهم».
أنا استغربت، بس قلت لنفسي يمكن دي بشارة خير عشان أول مرة تطلب مني حاجة بنفسها. ابتسمت وقلت لها: «من عيوني يا سماح، الفطير كله ليكي إنتِ وماما».
وطلعت فعلًا فطيرتين زي اللوز وشيلتهم ليهم على جنب.
الليل جه، والضيوف وصلوا.. ولما جه وقت الأكل، رصيت الصواني والسفرة وكانت منورة والريحة تجنن.
الضيوف دخلوا وقالوا الله ينور، وقاموا يغسلوا إيديهم في الحمام.
وفي اللحظة دي، نزلت سماح جري من فوق، وراحت رمت الفطير على الترابيزة بكل غل وغضب، وصرخت بصوت عالي وقالت:
«الله يقرفك يا شيخة! إنتِ هتدي الفطير ده للناس؟ ده كله شعر! يا مقرفة، سديتي نفسي الله يقرفك!»
أنا اتسمرت مكاني وبصيت لها وأنا مش مصدقة اللي بتعمله ولا بتقوله!
وفي نفس اللحظة دي، كان الضيوف طالعين من غسيل الأيدي وراها على طول.. سماح أول ما شافتهم عملت نفسها متفاجئة وقالت بارتباك مصطنع: «أنا.. أنا مكنتش أعرف إن ضيوفك جم يا أبيه! سوري حقكم عليا!»
حسام اتفاجئ واتكسر قدام زمايله وبقى في نص هدومه.. الضيوف بصوا للأكل بشمئزاز، وكان فعلًا باين على الفطير اللي نزلته شعر أسود كتير.
قالوا بكسوف: «معلش يا حسام نبقى نيجي مرة تانية، ملناش نفس خالص».
ومشيوا من غير ما ياكلوا لقمة واحدة.
حسام من شدة الكسوف والغضب محاولش يوقفهم، وهز راسه وسكت لحد ما خرجوا.
أول ما قفل الباب، بص للفطير اللي نزلته أخته، لقى فعلًا الكارثة قدامه، فانفجر فيا زي العاصفة وصرخ في وشي: «إنتِ كسفتيني كسفة عمري! بهدلتيني قدام زمايلي! إزاي تعملي كده؟!»
فضلت أعيط وأحلف له وأقوله والله العظيم الفطير كان أبيض ونضيف وزي الفل، بس طبعًا من كتر الصدمة والكسفة مصدقنيش ولا سمعني.
العصبية كانت عامياه، وساب البيت وخرج بغضب، وسابني واقفة مكسورة.
وسماح طلعت على أوضتها وهي ميتة على روحها من الضحك، وهي ماسكة في إيدها فطيرة نضيفة من بتوع الضيوف وطلعت بيها!
قضيت الليل كله قاعدة على الأرض بعيط وببص لتعبى ومجهودي، وبدأت أفتش الفطير اللي اترمى واحدة واحدة.. لقيت إن الفطيرتين بتوع سماح وحماتي بس هما اللي كان فيهم شعر، وباقي الفطير اللي نزل قدام الضيوف كان نضيف وزي الفل!
وفهمت كل لعبتها الوسخة، وعرفت إنها طلبت الفطيرتين عشان تعمل بيهم النمرة الوسخة دي!
فات شهر كامل على الليلة دي، شهر أسود حسيت فيه إني غريبة في بيتي. حسام كان بيكلمني للضرورة وبس، ونظرات الكره والكسوف منه كانت دابحة قلبي، وحماتي ولا فتحت بوقها كأن بنتها ما عملتش جناية!
حتى جوزي معاتبش أخته، كان فاكر إنها فعلًا متعرفش إن الناس جم.
لحد ما في يوم.. جه عريس لسماح!
كان قاعد هو وأمه في الصالون ومبسوطين، وبيتناقشوا في كل تفاصيل الجواز والشبكة. وسماح كانت طايرة من الفرحة، لابسة أحسن ما عندها وقاعدة بغرور وفرحة هي وأمها.
وأنا واقفة في المطبخ براقبهم من بعيد.. بصيت عليهم، حسيت بنار في صدري، وجه في بالي فكرة ممكن تخليني أخسر حسام للأبد!
بس وقتها مكنش عندي أي مانع أخسر أي حاجة وأبيع الدنيا.. المهم آخد حقي، وأرد لها القلم قلمين، واللي عملته فيها خلاها تتمنى لو ما كانتش اتولدت قبل ما تعمل عملتها الوقحة!
كنت واقفة في المطبخ، وبسمع صوت سماح وهي بتضحك مع العريس وأمه، وكل شوية ترفع صوتها وهي بتحكي عن نفسها، وعن إنها متعودة على مستوى معين من المعيشة، وإنها بتحب الراجل اللي يقدر الست ويحطها فوق راسه.
ضحكت بيني وبين نفسي ضحكة صغيرة، مش من الفرحة، لكن من كتر ما أنا شايفة التناقض بين كلامها وتصرفاتها.
البنت اللي قاعدة دلوقتي تتكلم عن الذوق والأصول، هي نفسها اللي من شهر واحد بس وقفت قدام ضيوف أخوها ومراته، وفضلت تهين في ست كل ذنبها إنها تعبت وعملت أكل بإيديها.
دخلت حماتي المطبخ وقالتلي بنبرة مستعجلة: «إيه يا بنتي؟ العريس وأمه قاعدين بره، وإنتِ لسه مدخلتيش بحاجة! اعملي شاي وحطي معاه حاجة حلوة».
بصيت لها وقلت بهدوء: «حاضر يا أمي».
بدأت أجهز الصينية، وحطيت فيها أكواب الشاي وطبق البسكويت، وكنت ناوية أخرج بيها عادي، لكن قبل ما أتحرك سمعت سماح بتقول:
«ماما، قولي لها تعملنا حاجة من إيديها، أصل حمزة بيحب الأكل البيتي، وأنا بصراحة مش شاطرة في الحاجات دي».
وقفت مكاني.
حمزة ده كان اسم العريس، ودي أول مرة أسمع إنها بتتكلم عن الأكل بالطريقة دي.
حماتي ردت عليها: «سيبيها تعمل اللي هي تعرفه، ما هي جاية من الريف وشاطرة في الحاجات دي».
ضحكت سماح وقالت: «أيوه، دي أكتر حاجة بتعرف تعملها».
الكلمة وجعتني، لكن المرة دي ما عيطتش.
خرجت بالصينية، وسلمت على العريس ووالدته، وحطيت الشاي قدامهم.
والدة حمزة ابتسمتلي وقالت: «تسلم إيدك يا بنتي، ربنا يخليكي لأهلك».
قلت لها: «ربنا يخلي حضرتك».
بصتلي شوية وقالت: «إنتِ أخت العروسة؟»
قبل ما أرد، سماح تدخلت بسرعة: «لأ، دي مرات أخويا، يعني من أهل البيت».
هزت الست راسها، وبعدها سألتني: «إنتِ منين يا بنتي؟»
قلت: «من كفر الشيخ يا طنط».
ابتسمت وقالت: «يا سلام، أهل كفر الشيخ معروفين بالجدعنة والأكل الحلو، أنا بحب الفطير المشلتت جدًا».
سماح ضحكت وقالت: «بس مش كل الناس بتعرف تعمله صح».
والدة العريس قالت: «هو أنا كنت لسه هقول إن حمزة ابني بيحب الفطير جدًا، وكنت بتمنى أتجوز له واحدة تعرف تعمل الأكل البيتي».
سماح اتعدلت في قعدتها وقالت: «أنا ممكن أتعلم عادي، مفيش حاجة صعبة».
ردت الست: «طبعًا يا حبيبتي، بس أنا بحب البنت اللي تكون متواضعة ومش بتتكسف من إنها تتعلم حاجة جديدة».
سماح ابتسمت ابتسامة مصطنعة، وبصتلي وقالت: «ما هي مرات أخويا ممكن تعلمنا».
حسيت إن اللحظة دي مناسبة إني أقول اللي جوايا، لكن قررت ما أتكلمش من نفسي.
قلت: «تحت أمرك يا سماح، أنا أعلمك بكل حب».
بصتلي بحدة، وكأنها كانت متوقعة إني أرفض، لكنها اضطرت تبتسم قدام الضيوف.
بعد شوية، العريس وأمه استأذنوا، واتفقوا إنهم يرجعوا مرة تانية عشان يتكلموا في التفاصيل.
أول ما الباب اتقفل، سماح دخلت المطبخ ووشها متغير.
قالتلي: «إنتِ كنتِ بتعملي إيه بره؟»
بصيت لها باستغراب: «عملت إيه؟»
قالت بعصبية: «إنتِ ليه بتتكلمي كتير؟ وليه كل شوية تردي على ماما حمزة؟ إنتِ عايزة تلفتي نظرهم ليكي؟»
ضحكت من غير ما أقصد وقلت: «يا سماح، دي ست بتسألني وأنا برد عليها، هو الرد بقى ممنوع؟»
قربت مني وقالت: «اسمعي، أنا مش ناقصة مشاكل، وإنتِ بالذات مش عايزاكي تدخلي في موضوع جوازي».
قلت لها: «وأنا مالي بجوازك؟ ربنا يتمملك على خير».
ردت بحدة: «يبقى خليكي في حالك».
وسابتني وطلعت.
كنت فاهمة إنها خايفة أتكلم عن اللي حصل يوم العزومة، لكن أنا ما كنتش ناوية أفضحها بكلام مرسل، كنت عايزة الحقيقة تظهر بنفسها.
في المساء، رجع حسام من الشغل، ودخل الأوضة وهو ساكت كعادته.
حطيتله الأكل، لكنه ما بصليش حتى.
قلتله: «حسام، ممكن نتكلم شوية؟»
قال وهو بيفك ساعته: «في إيه تاني؟»
قعدت قدامه وقلت: «أنا عايزة أسألك سؤال واحد، إنت لسه مصدق إني عملت اللي حصل يوم العزومة؟»
سكت شوية، وبعدها قال: «أنا مش عايز أفتح الموضوع ده».
قلت: «بس أنا عايزة أفتحه، عشان بقالنا شهر عايشين كأننا غرب عن بعض. إنت شايفني إزاي بعد اللي حصل؟»
اتنهد وقال: «أنا مش عارف أصدق إيه، بس اللي شفته بعيني كان صعب».
قلتله: «وأنا كمان شفت بعيني حاجة إنت ما شوفتهاش».
بصلي باستغراب: «إيه؟»
قلت: «الفطير اللي سماح رمته كان فيه شعر، لكن باقي الفطير كان نضيف. وأنا لقيت إن الشعر كان في الفطيرتين اللي هي طلبتهم مخصوص ليها ولأمها».
حسام عقد حواجبه وقال: «وإنتِ بتقولي الكلام ده ليه دلوقتي؟»
قلت: «عشان كنت مستنية منك تسألني، كنت مستنية تدافع عني مرة واحدة، لكن إنت حكمت عليا من غير ما تسمعني».
حسام سكت، ووشه بدأ يتغير.
كملت: «أنا مش عايزة منك غير إنك تفتكر إنك اتجوزت واحدة كانت بتحبك، وكانت بتعمل كل حاجة عشان تفرحك. أنا يومها كنت مستنياك تدخل تضحك وتقولي تسلم إيدك، مش تسيبني لوحدي أواجه إهانة أختك».
حسام قام من مكانه، وفضل واقف عند الشباك فترة طويلة.
وبعدين قال: «أنا هفكر في كلامك».
ما كانتش دي الإجابة اللي مستنياها، لكنها كانت أول مرة أحس إنه بدأ يسمعني من شهر.
تاني يوم الصبح، سماح دخلت عليا المطبخ وهي ماسكة موبايلها.
قالت: «اسمعي، حمزة وأمه جايين يوم الخميس، وعايزاكي تعمليلنا فطير مشلتت زي اللي بتعمليه».
بصيت لها وقلت: «حاضر».
قالت وهي بتبتسم بسخرية: «بس المرة دي خلي بالك من النظافة، مش عايزين فضايح تاني».
بصيت لها في عينيها وقلت: «متقلقيش، أنا عمري ما عملت فضيحة، واللي عمل الفضيحة عارف نفسه كويس».
اتغير وشها في لحظة، وقالت: «إنتِ بتلمحي لإيه؟»
قلت: «ولا حاجة، أنا بقولك متقلقيش».
خرجت وهي بتتمتم بكلام مش مفهوم.
وجاء يوم الخميس.
من الصبح وأنا بجهز الفطير، لكن المرة دي حسام كان موجود في البيت، وكان متابع كل حاجة.
دخل المطبخ وقال: «محتاجة مساعدة؟»
بصيت له باستغراب، دي أول مرة من شهر يسألني السؤال ده.
ابتسمت وقلت: «لأ، أنا خلاص قربت أخلص».
وقف جنبي وقال: «أنا عايز أقولك حاجة، أنا فكرت في كلامك امبارح، ويمكن أنا ظلمتك لما ما سمعتكيش».
بصيت له وقلبي اتقبض، وقلت: «يمكن؟»
نزل عينه وقال: «أنا آسف».
الكلمة دي كانت كفاية تخليني أعيط.
مش عشان هو اعتذر وبس، لكن عشان كنت مستنية منه الكلمة دي من أول يوم.
قال: «بس أنا عايز أعرف الحقيقة كاملة، ومش عايز حد يفضل شايل من التاني».
قلت: «الحقيقة هتعرفها النهارده».
بعد العصر، حمزة ووالدته وصلوا.
سماح كانت مجهزة نفسها من بدري، ولابسة فستان جديد، وقاعدة جنب أمها ووشها منور.
دخلت عليهم وسلمت، وبعدها حطيت العصير والحلويات.
والدة حمزة قالت: «إيه الريحة الحلوة دي؟»
قلت: «الفطير جهز يا طنط».
قالت بفرحة: «يا سلام! ده أنا مستنياه من يوم ما اتكلمنا».
سماح ضحكت وقالت: «إن شاء الله يعجبك، أنا اللي طلبت منها تعمله».
بصيت لها وابتسمت.
دخلت المطبخ وجبت صينية الفطير، وكانت طالعة دهبي ومورقة، وحطيتها على السفرة.
حمزة داق أول قطعة وقال: «الله! ده فطير ممتاز، مين اللي عمله؟»
قبل ما سماح ترد، أمه قالت: «أكيد مرات أخوكي، تسلم إيدها».
سماح ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت: «أيوه، هي عملته».
الست خدت قطعة تانية وقالت: «بجد شاطرة يا بنتي، ربنا يبارك في إيدك».
وبعدين بصت لسماح وقالت: «إنتِ لازم تتعلمي منها، عشان تبقي سند لجوزك في بيته».
سماح وشها اتغير، لكنها حاولت تضحك.
بعد شوية، والدتها طلبت مني أجيب لها شوية مية، وأنا دخلت المطبخ.
وأنا راجعة، سمعت سماح بتقول لأمها بصوت واطي: «أنا مش فاهمة هي ليه كل شوية بتاخد اهتمام الناس؟ حتى الفطير بقى موضوع كبير!»
والدة حمزة ردت عليها: «يا بنتي دي ست تعبت وعملت حاجة حلوة، اشكريها بدل ما تتضايقي».
سماح سكتت.
حطيت المية قدامهم، وقعدت بعيد شوية.
بعدها حمزة قال: «أنا بصراحة عندي سؤال، هو ممكن أعرف مين اللي كان بيعمل الفطير في بيتكم قبل كده؟»
سماح ردت: «أنا ماما، بس مش بنعمله كتير».
والدته قالت: «طب ومرات أخوكي دي بتعمله كل مرة؟»
حسام كان قاعد ساكت، وفجأة قال: «هي اللي بتعمله من أول ما اتجوزنا، وأنا كنت باخد منه الشغل، والناس كلها كانت بتشكر فيه».
سماح بصت له بسرعة.
حسام كمل: «إلا مرة واحدة بس، يوم ما كان عندي عزومة مهمة، واللي حصل ساعتها كان غريب جدًا».
الكل سكت.
سماح قالت بعصبية: «هو إحنا هنرجع نفتّح الموضوع ده تاني؟»
حسام بص لها وقال: «أيوه، هنفتحه، عشان أنا اكتشفت إني ظلمت مراتي».
سماح اتوترت وقالت: «إنت بتقول إيه يا حسام؟»
قام من مكانه وجاب الموبايل، وفتح صورة كان مصورها بالصدفة للفطير قبل ما الضيوف يوصلوا يوم العزومة الأولى.
وقال: «أنا يومها كنت فرحان بالفطير وصورته قبل ما الناس تيجي، وفضلت الصورة عندي. وكنت فاكر إن المشكلة كلها في الأكل، لكن لما رجعت أبص للصورة لقيت حاجة مهمة».
مد الموبايل ناحية والدته ووالدة حمزة.
الصورة كانت واضحة، والصواني كلها كانت نضيفة، والفطير مفيهوش أي حاجة.
والأهم إن حسام كان كاتب تحت الصورة رسالة لزميله بيقوله فيها إن العشاء جاهز وإن الفطير طالع ممتاز.
قال حسام: «دي الصورة قبل ما سماح تدخل المطبخ».
سماح قامت من مكانها وقالت: «إنت بتتهمني بإيه؟»
حسام رد: «أنا لسه ما اتهمتش حد، أنا بس عايز أفهم إزاي الفطير اتغير في دقايق».
والدة حمزة بصت لسماح وقالت: «إنتِ كنتِ قلتي إن مرات أخوكي هي اللي عملت الفطير الوحش ده، صح؟»
سماح اتلخبطت وقالت: «أنا.. أنا شوفته بعيني وكان فيه شعر».
حسام قال: «أيوه، بس ليه الفطيرتين اللي طلبتيهم مخصوص ليكي ولأمك هما بس اللي كان فيهم شعر؟ وليه باقي الصواني كانت سليمة؟»
سماح ما ردتش.
حماتي حاولت تدخل وقالت: «خلاص يا حسام، مش وقته الكلام ده قدام الناس».
لكن حسام رد عليها: «لأ يا أمي، هو وقته، لأن مراتي اتظلمت قدام الناس، ولازم الحقيقة تظهر قدام الناس برضه».
حسام بص لها بصدمة: «يعني إنتِ عملتي كده عشان كلمة قلتها وأنا فرحان بمراتي؟»
قالت وهي بتعيط: «أنا كنت حاسة إنك بقيت شايفها أحسن مني، وإن كل حاجة في البيت بقت ليها».
رد عليها: «وده يديكي الحق تكسريها وتضيعي تعبي قدام زمايلي؟»
والدة حمزة كانت قاعدة ساكتة، لكنها بدأت تبص لسماح بطريقة مختلفة.
وبعد لحظات قالت: «يا بنتي، أنا مش جاية أحكم عليكي، بس اللي عملتيه مش بسيط. الست دي مرات أخوكي، والمفروض تكوني أختها، مش سبب وجعها».
سماح نزلت عينيها في الأرض.
حمزة قال بهدوء: «أنا كنت فاكر إن البيت اللي هدخل منه هيكون فيه احترام بين أهله، لأن اللي مش بيحترم مرات أخوه، ممكن في يوم ما يحترمش مراته».
سماح بصت له بسرعة وقالت: «يعني إيه الكلام ده؟»
قال: «يعني أنا محتاج أفكر، ومش هقدر أكمل خطوة الجواز قبل ما أفهم أنا داخل على إيه».
والدته قامت وقالت: «إحنا هنستأذن دلوقتي، وربنا يكتب الخير للجميع».
سماح قامت بسرعة، ووشها بقى شاحب.
قالت: «يا طنط، استني، إحنا لسه ما اتكلمناش في الشبكة».
الست بصتلها وقالت: «الشبكة مش أهم من الأخلاق يا بنتي».
وخرجت هي وابنها.
أول ما الباب اتقفل، سماح انفجرت في العياط.
قالت لحسام: «إنت فضحتني! إنت ضيعتلي جوازي!»
حسام رد عليها: «أنا ما ضيعتش حاجة، إنتِ اللي ضيعتي ثقة الناس فيكي».
وبعدين بص لها وقال: «إنتِ فاكرة إن اللي حصل يوم العزومة عدى؟ إنتِ فاكرة إن مرات أخوكي نسيت اللي عملتيه فيها؟»
سماح صرخت: «هي اللي كانت السبب! من يوم ما دخلت البيت وإنت مش شايف غيرها!»
الكلمة دي خلت حماتي تقوم من مكانها وتقول: «سماح! عيب!»
لكن سماح كانت خلاص فقدت السيطرة على نفسها.
قالت: «أيوه، أنا اللي عملت كده، وأنا اللي حطيت الشعر في الفطيرتين، وأنا اللي نزلت الصواني قدام الضيوف! كنت عايزة أخليها تكره اليوم اللي دخلت فيه بيتنا!»
ساد صمت رهيب.
حسام بص لها وكأنه مش مصدق إنها اعترفت أخيرًا.
وأنا كنت واقفة عند باب المطبخ، ودموعي نازلة من غير صوت.
حسام قرب مني وقال: «سمعتي؟ أنا آسف يا حبيبتي، سامحيني».
لكن سماح أول ما شافتني قالت: «إنتِ مبسوطة دلوقتي؟ خربتيلي حياتي!»
بصيت لها وقلت بهدوء: «أنا ما خربتش حياتك يا سماح، أنا ما عملتش غير إني سكتّك تسمعي الناس الحقيقة اللي إنتِ بنفسك اعترفتي بيها. إنتِ اللي ظلمتيني، وإنتِ اللي استكترتي عليا أفرح بجوزي وبيتي».
قربت منها خطوة وكملت: «أنا كنت ممكن أعدي اللي حصل، وممكن حتى أسامحك لو كنتي جيتي واعتذرتي، لكن إنتِ سيبتيني شهر كامل أتحمل نظرات جوزي وكلام الناس، ولا فكرتي حتى تقولي كلمة حق».
سماح فضلت تعيط وتقول: «أنا آسفة.. والله ما كنت متخيلة إن الموضوع هيوصل لكده».
قلت لها: «وإنتِ ما كنتيش متخيلة إن اللي بتعمليه في الناس ممكن يرجعلك؟»
حماتي قربت مني وقالت: «حقك عليا يا بنتي، أنا غلطت لما سكتّ ومسمعتش منك».
بصيت لها وقلت: «أنا مش زعلانة منك قد ما أنا زعلانة إنك كنتي شايفة بنتك بتظلمني وساكتة».
حسام مسك إيدي وقال: «أنا مش هسيب الموضوع يعدي كده، أنا عايز أصلح كل حاجة».
لكن المفاجأة إن سماح ما اكتفتش بالاعتذار، وفضلت طول الليل قاعدة في أوضتها بتعيط، ولما الصبح طلعنا لقيناها مش موجودة.
حماتي قالت إنها خرجت من بدري، وإنها مش عارفة راحت فين.
حسام اتصل بيها كذا مرة، لكنها ما ردتش.
وبعد الظهر رجعت، وكانت عينيها وارمة من العياط، وفي إيدها شنطة صغيرة.
دخلت الصالة، وبصتلي وقالت: «أنا جاية أقولك حاجة، ومش عايزة حد يقاطعني».
حسام قال: «اتكلمي».
سماح بصتلي وقالت: «أنا عارفة إن الاعتذار مش هيرجع اللي فات، وعارفة إني جرحتك، بس أنا طول عمري كنت بحس إني أقل من غيري، وكل ما أشوف حسام بيشكر فيكي كنت بحس إنه نسي إني أخته. ولما قال قدامنا إن محدش يحط إيده معاكي، حسيت إنه بيقلل مني».
رديت عليها: «كان ممكن تتكلمي معاه، كان ممكن تقولي إن الكلمة ضايقتك، لكن إنتِ اخترتي تكسري إنسانة ملهاش ذنب».
هزت راسها وقالت: «عارفة، ومش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. أنا بس عايزة أقولك إن حمزة اتصل بيا الصبح، وقال إنه مش هيكمل الموضوع».
حماتي حطت إيدها على قلبها وقالت: «يا بنتي!»
سماح كملت: «قال إنه مش عايز يتجوز واحدة شايفة إن نجاحها لازم يكون على حساب كرامة غيرها. وأنا حاولت أفهمه إن الموضوع كان لحظة غضب، لكنه قاللي إن اللي بيعمل حاجة في لحظة غضب، لازم يتحمل نتيجتها».
وبصتلي وقالت: «أنا كنت فاكرة إنك لما تتأذي أنا هفرح، لكن لما لقيت نفسي خسرت كل حاجة، فهمت إني كنت غلطانة».
أنا سكت شوية، وبعدها قلت: «يا سماح، أنا مش هفرح في وجعك، ولا أتمنى لك الشر. بس لازم تعرفي إن الاعتذار مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول في ثانية. الثقة بتتبني من جديد، وده محتاج وقت».
قالت: «أنا موافقة».
ومن اليوم ده، بدأ البيت يتغير.
حسام رجع يتعامل معايا زي الأول، وبقى يحاول يعوضني عن الشهر اللي فات. وفي يوم رجع من الشغل ومعاه علبة حلوى كبيرة، وحطها قدامي وقال:
«دي عشان أحلى ست في الدنيا، وعشان أنا وعدتك إني مش هحكم عليكي تاني من غير ما أسمع منك».
ضحكت وقلت: «طب ما تدوق الفطير الأول عشان تتأكد إني لسه بعرف أعمله».
ضحك وقال: «ده أنا مستعد آكل صينية كاملة لوحدي».
أما سماح، فابتدت تتغير واحدة واحدة. في الأول كانت بتتعامل معايا بحذر، وبعدها بقت تسألني عن حاجات في المطبخ، وتطلب مني أساعدها في اختيار لبسها، وتشاركني في تجهيز الأكل.
لكن أنا ما رجعتش أتعامل معاها بنفس الثقة القديمة، وده كان حق طبيعي ليا.
بعد حوالي أسبوعين، كنت في المطبخ بعجن فطير جديد، دخلت سماح ووقفت جنبي.
قالت: «ممكن أتعلم منك؟»
بصيت لها وابتسمت: «طبعًا».
غسلت إيديها ووقفت جنبي، وبدأت أشرح لها إزاي تعجن وإزاي تسيب العجين يرتاح، وإزاي تفرد الطبقات واحدة واحدة.
كانت كل شوية تسألني: «طب كده كويس؟»
وأنا أرد: «لأ، لسه شوية».
وفي وسط الكلام قالتلي: «عارفة يا مرات أخويا، أنا يوم العزومة كنت شايفة إنك واخدة مكان مش مكانك، لكن دلوقتي فهمت إن كل واحد ليه مكانه، ومفيش داعي إننا نقلل من بعض عشان نحس إننا مهمين».
بصيت لها وقلت: «ربنا يهديكي يا سماح، ويكتبلك الخير».
بعدها بشهرين، حسام قرر يعمل عزومة تانية لمديره وزمايله، وقال لي: «إيه رأيك نعمل الفطير اللي بيحبه المدير؟»
بصيت له وضحكت: «المرة دي هنعمله أنا وسماح سوا».
حسام ابتسم وقال: «بس بشرط، أنا اللي هحط الصينية على السفرة».
ويوم العزومة، سماح كانت واقفة جنبي من الصبح، بتساعدني وتجهز معايا، ولما الضيوف وصلوا، خرجنا بالفطير.
المدير أول ما شافه قال: «أهو ده الفطير اللي كنت مستنيه!»
وداق منه قطعة، وبعدها بص لحسام وقال: «مراتك إيدها تتلف في حرير، لازم تشكرها».
حسام بصلي بفخر وقال: «دي مش بس بتعرف تعمل فطير، دي صاحبة فضل عليا في حاجات كتير».
سماح كانت واقفة جنبنا، وابتسمت وقالت: «وأنا كمان اتعلمت منها حاجات كتير».
المدير ضحك وقال: «يبقى المرة الجاية تعملولنا عزومة أكبر».
وفي اللحظة دي حسيت إن ربنا عوضني عن اللي فات، مش بالانتقام، لكن برجوع حقي وكرامتي.
أما سماح، ففضلت فترة طويلة من غير ما يدخل بيتنا عريس تاني، وكانت كل ما حد يسألها عن سبب انتهاء موضوع حمزة، تسكت وما تقدرش تحكي.
وفي يوم، قعدت جنبي وقالت: «تفتكري ربنا ممكن يعوضني؟»
مسكت إيديها وقلت: «طبعًا، بس أهم حاجة تتعلمي من اللي فات، ومتخليش غيرتك من حد تخليكي تظلميه».
بعد فترة، اتقدم لها عريس تاني عن طريق واحدة معرفة حماتي، وكان راجل محترم، وعنده شغل ثابت، وأهم حاجة إنه كان بيدور على بنت أصول.
المرة دي سماح ما اتكلمتش عن نفسها كتير، ولا حاولت تقلل من حد، ولما والدته سألتها عن شغل البيت، قالت بكل صراحة: «أنا لسه بتعلم، بس عندي استعداد أتعلم، ومش عيب إني أستفيد من اللي حواليا».
والغريب إن حماتي بصتلي وهي بتبتسم.
عدت الأيام، وتمت الخطوبة، وبعدها الجواز، وفي يوم فرح سماح، كنت واقفة جنبها بظبط طرحتها.
بصتلي في المراية وقالت: «فاكرة يوم الفطير؟»
ابتسمت وقلت: «صعب أنساه».
قالت ودموعها لمعت: «أنا كل ما أفتكر اللي عملته فيكي بحس إني كنت قاسية أوي. إنتِ كان ممكن ترديلي الأذى بأذى أكبر، لكنك اخترتي تسيبي الحقيقة تظهر».
قلت لها: «أنا كنت عايزة حقي، ومكنتش عايزة أخسر نفسي وأنا باخده».
حضنتني وقالت: «سامحيني على كل مرة ضايقتك فيها».
المرة دي حضنتها بصدق، وقلت: «ربنا يسعدك ويهدي بالك».
وفي آخر الفرح، وأنا راجعة مع حسام، قال لي: «عارفة إيه أكتر حاجة اتعلمتها من اللي حصل؟»
قلت: «إيه؟»
قال: «إن الإنسان ممكن يتكسف من ضيوفه، وممكن يخسر ترقية أو فرصة، لكن أصعب حاجة إنه يظلم أقرب الناس ليه ويسيبهم لوحدهم وقت ما يكونوا محتاجين له».
بصيت له وقلت: «وأنا اتعلمت إن السكوت مش دايمًا ضعف، وإن الحق ممكن يتأخر، لكنه لما يظهر بيكون أقوى من أي كلام».
رجعنا البيت، ولقيت على السفرة طبق فطير مشلتت صغير، وسماح كانت سايباهولي قبل ما تمشي.
كان جنبه ورقة مكتوب فيها:
«لأحلى مرات أخويا، حقك عليا، وشكرًا إنك علمتيني إن الأصول مش في المكان اللي اتولدنا فيه، الأصول في القلب والتربية».
قعدت قدام الطبق، وابتسمت.
وأكلت قطعة فطير وأنا بفتكر اليوم اللي كنت فيه قاعدة على الأرض بعيط من الظلم، واليوم اللي رجعت فيه كرامتي قدام نفس الناس اللي اتجرحت قدامهم.
وعرفت إن أكبر مكسب ليا ما كانش إن سماح خسرت عريسها الأول، ولا إنها اتكسفت من اعترافها، لكن إن جوزي عرف الحقيقة، وإن البيت اللي دخلته غريبة بقيت فيه صاحبة كرامة ومكانة.
ومن يومها، كل ما سماح تيجي تزورنا وتشم ريحة الفطير، تضحك وتقول:
«بالراحة عليا، أنا بقيت بخاف من صواني الفطير!»
فنضحك كلنا، لكن عمرنا ما نسينا الدرس اللي اتعلمناه في الليلة دي…
اللي يستر على غيره مش ضعيف، واللي يظلم الناس عشان يرضي غروره، لازم يعرف إن الحقيقة مهما اتأخرت، ليها يوم وهتظهر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد.
بعد ما سماح اتجوزت، كنت فاكرة إن كل حاجة خلاص انتهت، وإن اللي فات بقى مجرد ذكرى هنفتكرها ونضحك عليها، لكن الأيام كان مخبية لينا موقف تاني، موقف خلاني أفهم إن الاعتذار الحقيقي مش كلمة بتتقال، وإن الإنسان ممكن يتغير فعلًا لما يواجه نتيجة تصرفاته.
عدى حوالي تلات شهور على جواز سماح، وكانت كل ما تيجي تزورنا تجيب معاها حاجة حلوة، وتقعد معايا في المطبخ شوية، وبدأت علاقتنا تتحسن بالتدريج. حتى حماتي بقت تعاملني بطريقة مختلفة، وبقت لما حد من قرايبنا يمدح أكلي تقول بكل فخر: «دي إيد مرات ابني، ربنا يباركلها».
وفي يوم، حسام رجع من الشغل متغير، وشايل هم كبير على وشه. دخل البيت، سلم عليا، وقعد من غير ما يغير هدومه.
سألته: «مالك يا حسام؟ في حاجة حصلت؟»
قال: «مديري في الشغل طلب مني أروح معاه اجتماع مهم بكرة، وفيه فرصة إني أترقى مرة تانية، بس المشكلة إن الاجتماع هيكون في وجود ناس من الإدارة الكبيرة، وأنا مطالب أجهز ضيافة بسيطة ليهم».
ابتسمت وقلت: «وبعدين؟ دي حاجة تفرح، وأنا أجهزلك كل اللي إنت عايزه».
بصلي وقال: «أنا عارف إنك هتعملي كده، بس أنا مش عايز أتعبك».
تاني يوم قمت بدري، وبدأت أجهز الفطير والمخبوزات، وكنت مبسوطة إني هساعده في خطوة مهمة في حياته.
لكن قبل ما أخلص، موبايل حسام رن، وكانت سماح بتتصل بيه.
رد عليها، وبعد شوية لقيته بيقول: «إيه؟! إنتِ بتقولي إيه يا سماح؟ طب اهدي واحكيلي من الأول».
قلبي اتقبض، وبعد ما قفل سألته: «في إيه؟»
قال: «سماح بينها وبين جوزها مشكلة كبيرة، وبتقول إنه زعلان منها وعايزها تسيب البيت».
حطيت اللي في إيدي وقلت: «طب ليه؟ حصل إيه؟»
قال: «مش فاهم، هي بتعيط ومش عايزة تحكي في التليفون».
قلتله: «روح لها يا حسام، دي أختك، ومهما حصل لازم تسمعها».
خرج حسام، وبعد حوالي ساعتين رجع ومعاه سماح، وكانت عينيها وارمة من العياط.
دخلت أوضتها، وبعد شوية دخلت لها، لقيتها قاعدة على السرير وبتبص في الأرض.
قعدت جنبها وقلت: «مالك يا سماح؟ احكيلي، يمكن نعرف نحل الموضوع».
بصتلي وقالت: «جوزي بيقول إني مش مقدراه، وإن كل حاجة بعملها غلط، وإنه مش قادر يعيش معايا».
قلت: «طب حصل إيه؟»
قالت: «من يومين كان عندنا ضيوف من قرايبه، وكنت مجهزة الأكل، لكن حصلت مشكلة في المطبخ، والأكل ما طلعش زي ما كنت عايزة. بدل ما يساعدني، فضل يعلق قدام الناس، ويقولي إني مش بعرف أعمل حاجة».
قلت لها: «والله يا سماح، كلنا بنتعلم، ومفيش حد بيتولد عارف كل حاجة».
ردت وهي بتعيط: «أنا عارفة، بس الكلام وجعني، خصوصًا إنه كان قدام أهله».
سكت شوية، وبعدها قلت: «طب إنتِ اتكلمتي معاه بعد ما الضيوف مشيوا؟»
قالت: «اتخانقنا، وأنا قلتله إني مش خدامة عنده، وإنه لو مش عاجبه يجيب حد يساعدني».
قلت لها: «طيب يا سماح، وإيه اللي حصل بعد كده؟»
قالت: «قالي إنه مش عايز يكمل بالطريقة دي، وإنه عايزني أرجع عند ماما كام يوم لحد ما نهدى».
مسكت إيديها وقلت: «طيب، يبقى إحنا محتاجين نهدى الأول، ومش كل خلاف معناه إن الجواز انتهى».
سماح بصتلي وقالت: «أنا كنت فاكرة إن الجواز هيبقى راحة، لكن اكتشفت إن المسؤولية صعبة أوي».
ابتسمت وقلت: «كل البيوت فيها مشاكل، والفرق إننا بنتعلم نحلها من غير ما نكسر بعض».
وفجأة قالتلي: «أنا عايزة أسألك سؤال، وإنتِ جاوبيني بصراحة».
قلت: «اتفضلي».
قالت: «إنتِ لما كنتِ عايشة معايا، وكنت بعمل فيكي كل اللي عملته، إزاي قدرتي تستحملي؟ إزاي ما كنتيش بتردي عليا؟»
اتنفست بعمق وقلت: «أنا كنت برد جوايا، كنت بزعل وأعيط وأحس إني مش مرغوب فيا، لكن كنت بقول لنفسي إن حسام اختارني، وإن ربنا هيكرمني. بس عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش كلامك ولا الفطير اللي رميتيه، أكتر حاجة وجعتني إنك كنتِ عارفة إنك ظلمتيني، ومع ذلك سيبتيني شهر كامل أتحاسب على حاجة معملتهاش».
سماح نزلت دموعها وقالت: «أنا مش هنسى اليوم ده طول عمري».
قلت لها: «خلاص يا سماح، المهم إننا نتعلم. بس خلي بالك، متخليش حد يوصلك لمرحلة إنك تفقدي احترامك لنفسك، وفي نفس الوقت متخليش زعلك يخليكي تجرحي غيرك».
في اللحظة دي دخل حسام وقال: «سماح، أنا كلمت جوزك، وهو مستعد ييجي يتكلم معانا بكرة».
سماح اتوترت وقالت: «هو وافق ييجي؟»
قال: «أيوه، بس أنا قلتله إننا مش هنحكم على حد قبل ما نسمع الطرفين».
تاني يوم، جه جوز سماح، وقعد مع حسام وحماتي، وأنا فضلت في المطبخ بجهز الشاي.
سمعت صوت سماح وهي بتقول: «أنا مش عايزة أرجع بيتك عشان الناس تقول رجعت، أنا عايزة أرجع عشان نكون فاهمين بعض».
جوزها رد: «وأنا مش عايزك ترجعي وإنتِ شايفة إن كل حاجة واجب عليا، أنا كمان ليا طاقة وليا ظروف».
وبعد كلام طويل، اعترف كل واحد فيهم إنه غلط في حق التاني.
وفي الآخر اتفقوا إنهم يرجعوا بيتهم، لكن بشرط إن أي مشكلة تحصل بينهم يتحاوروا فيها بعيد عن تدخلات الأهل.
بعد ما مشي، سماح دخلت المطبخ وحضنتني وقالت: «أنا كنت محتاجة أسمع منك الكلام ده».
ضحكت وقلت: «المهم تكوني مرتاحة يا حبيبتي».
وبعدها بأيام، جه يوم اجتماع حسام في الشغل. جهزتله كل حاجة، وحطيت الفطير في علب مرتبة، وخرج من البيت وهو بيدعيلي.
رجع بالليل ووشه منور، وأول ما شافني قال: «مبروك يا ست الكل!»
قلت بفرحة: «إيه؟ حصل إيه؟»
قال: «المدير أعلن ترقيتي، وقال قدام الإدارة إن الضيافة اللي جهزناها كانت ممتازة، وإنه عايز يتعامل معانا في مناسبات تانية».
ضحكت وقلت: «الحمد لله، ربنا يوسع رزقك».
قرب مني وقال: «بس فيه حاجة أهم من الترقية».
قلت: «إيه هي؟»
قال: «أنا النهارده حكيت لمديري عنك، وعن إنك كنتِ سبب في نجاح حاجات كتير في حياتي، وإنك عمرك ما اتأخرتي عني».
حسيت بدموعي بتنزل، وقلت: «ربنا يخليك ليا يا حسام».
وبعد فترة، قررت أعمل مشروع صغير من البيت، أبيع فيه الفطير والمخبوزات. حسام شجعني جدًا، وسماح كانت أول واحدة عرضت تساعدني في التغليف وترتيب الطلبات.
وفي أول يوم فتحت فيه المشروع، جالي طلب كبير من واحدة معرفة لمدير حسام، وبعدها الطلبات بدأت تزيد واحدة واحدة.
كنت واقفة في المطبخ بجهز أول طلبية كبيرة، وسماح جنبي بتكتب الأسماء على العلب.
بصتلي وقالت: «عارفة يا مرات أخويا؟ لو كنتِ عملتي المشروع ده من زمان، كان زمانك بقيتي مشهورة».
ضحكت وقلت: «كل حاجة بتيجي في وقتها».
وبعد شوية دخلت حماتي، وكانت شايلة طبق صغير.
قالت: «أنا عملتلكم شاي، وقلت أساعدكم بدل ما إنتوا واقفين من الصبح».
بصيت لها وأنا مبتسمة، وحسيت إن البيت اللي كنت زمان بحس فيه بالغربة بقى فيه دفء مختلف.
لكن أجمل موقف حصل بعد كده بأيام، لما جه واحد من زمايل حسام القدامى يزورنا، وكان من ضمن الناس اللي حضروا عزومة الفطير الأولى.
أول ما دخل وشافني، ابتسم وقال: «إزيك يا مدام؟ عاملة إيه؟»
رحبت بيه، وبعد ما قعد شوية قال لحسام: «بالمناسبة، أنا لسه فاكر الفطير بتاعك، ومن يومها نفسي أدوقه تاني».
حسام ضحك وقال: «المرة دي هتاكل لحد ما تشبع، ومش هتقوم غير لما تاخد معاك كمان».
دخلت المطبخ وجبت صينية فطير سخنة، وحطيتها قدامه.
أول ما داق، ابتسم وقال: «الله ينور! هو ده اللي كنت فاكره، تسلم إيدك يا مدام».
وبعدين بص لحسام وقال: «بس أنا لحد النهارده مش فاهم إيه اللي حصل يوم العزومة القديمة، إنت كنت متضايق جدًا وقتها».
حسام بصلي، وبعدها قال: «حصل سوء تفاهم كبير، واتظلمت فيه مراتي، والحمد لله الحقيقة ظهرت».
زميله هز راسه وقال: «ربنا يديم المحبة بينكم».
بعد ما مشي، حسام قرب مني وقال: «شايفة؟ الناس اللي مشيوا يومها رجعوا النهارده، والفطير رجع يتقدم قدامهم من غير كسوف ولا زعل».
ضحكت وقلت: «المهم المرة دي محدش يرميه على الترابيزة».
وفي اللحظة دي سماح خرجت من المطبخ وهي بتضحك وقالت: «أنا آخر واحدة ممكن تعمل كده، أنا بقيت أول واحدة تحافظ على الفطير ده!»
ضحكنا كلنا.
وبالليل، وأنا قاعدة مع حسام، بصيت له وقلت: «تعرف إيه؟ أنا عمري ما كنت عايزة أخسر سماح، ولا كنت عايزة أعيش في خصومة معاها، أنا كل اللي كنت عايزاه إنها تحس بيا وتحترمني».
حسام مسك إيدي وقال: «وأنا غلطت لما ما سمعتكيش من البداية، بس أوعدك إن مفيش حاجة هتتكرر تاني».
قلتله: «خليك دايمًا عادل، حتى لو الغلط من أقرب الناس ليك، لأن اللي بيتظلم من الغريب ممكن ينسى، لكن اللي بيتظلم من أهله بيكون وجعه أصعب».
عدت سنين، وكبر المشروع، وبقى ليا زباين كتير، وسماح بقت تزورني كل أسبوع وتساعدني وقت المواسم. وفي كل مرة كانت بتدخل المطبخ، كانت بتبص على صواني الفطير وتقول ضاحكة:
«يا بنتي أنا حاسة إن الفطير ده هو اللي رباني!»
وأنا أرد عليها: «أهو طلع منه خير كتير».
وفي يوم من الأيام، كنا قاعدين كلنا على السفرة، وحماتي قالت فجأة: «أنا عايزة أقول حاجة، يمكن اتأخرت في قولها، بس أنا من أول يوم دخلتي فيه البيت كنت شايفة إنك غريبة عننا، وكنت بسمح لسماح تتكلم معاكي بطريقة مش كويسة، وده كان غلط مني. إنتِ أثبتي إن الأصل مش في البلد اللي الإنسان جاي منها، الأصل في أخلاقه وتربيته».
بصيت لها ودموعي لمعت، وقلت: «ربنا يسامحنا كلنا يا أمي، واللي فات خلاص».
حسام رفع كوباية الشاي وقال: «لأحلى ستين في البيت، مراتي وأختي وأمي».
ضحكنا كلنا، وكانت دي أول مرة أحس فيها إننا فعلًا عيلة واحدة.
أما أنا، فكل ما أفتكر الفطيرتين اللي سماح حطت فيهم الشعر، أفتكر قد إيه الغيرة ممكن تعمي الإنسان، وتخليه يظلم حد ملوش ذنب.
وأفتكر كمان إني كنت ممكن أخسر بيتي لو رديت الإساءة بإساءة أكبر، لكن ربنا أظهر الحقيقة في الوقت المناسب، ورجعلي كرامتي، وفتحلي باب رزق ما كنتش أتخيله.
ومن يومها بقيت أقول لكل واحدة بتتعرض للظلم:
مش لازم تكسري اللي ظلمك عشان تثبتي إنك قوية، لكن لازم ما تسمحيش لحد يكسر كرامتك، ولازم تعرفي إن التسامح مش معناه إنك تنسي حقك، وإن الاعتذار الحقيقي لازم يكون وراه تغيير في التصرفات.
أما سماح، فكانت كل ما تعمل فطير وتقدمه للناس تقول: «ده من إيد مرات أخويا اللي علمتني إن الأصول مش كلام، الأصول أفعال».
والحمد لله، رجع الفطير يتعمل في بيتنا وسط الضحك واللمة الحلوة، بعد ما كان سبب في أكبر خصومة حصلت بينا.
النهاية.
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق