في هذا المقال
سكريبت انا عروسه كاملة أماني سيد
سكريبت انا عروسه كاملة أماني سيد
أنا عروسة جديدة، وجوزي اتجوز عليا أرملة أخوه المتوفي عشان يربي بناته، وأهله حطوني قدام الأمر الواقع ورضيت وتقبلت. بس من يوم ما اتجوزها وهجرني تماماً، وبعد شهر سافر معاها هي وعيالها عشان يفسحها، وقال لي بكل قسوة: "مصاريفك هتوصلك مع أمي، وما تنقيش عليا وأنا مسافر، أنا شايل هم تلات بيوت!
"سكت، وسبت أموري لله.. بس حماتي كانت بتديني المصاريف بالقطارة، وجبتين في اليوم وكل وجبة رغيفين بالعافية، ولو طلبت أكتر تبصلي بقرف وتقول لي: "نحنا مأكلينك ومشاربينك، لسه ليكي عين تطلبي؟!"، ده غير إنهم يشربوا الشاي باللبن والبسكويت من ورايا ويدسوه عني.
صبرت ولما كلمت جوزي وشكيت له، زعق فيا وحسسني إن شحاتة!عدى يومين ومطبخي ناشف، مافيهوش غير ظرف شاي وحبة سكر.. بقيت أشرب شاي وأنام، وأنا أصلاً واخدة على الجوع في بيت أهلي، بس العزة كانت واجعاني.
لحد ما اتصلت بيا سارة، صاحبتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا، ولما حسيت بتعبي بعتت لي مصاريف وخزين كامل للبيت. أول ما حماتي شافت شوال السكر والكراتين، دخلت المطبخ وبكل بجاحة خدت منه وعينها في عيني وتقول لي: "مش ده حق ابني؟ أنا كل يوم هاجي أخد اللي يعجبني!
".. كلمت سارة، قالت لي بغيظ: "أنتِ عبيطة؟ الحاقدين دول بياكلوا حقك! قومي حولي كل الخزين ده عند سكينة جارتك، وما تسيبيلهمش في المطبخ غير الهوا!"عملت بكلامها ونقلت الخزين عند سكينة، ولما حماتي دخلت ولقيت المطبخ فاضي، قعدت تصرخ وتصوت وتتهمني بالسـ,ـرقة وقالت لي: "أما يرجع مرتضى هخليه يقص لسانك ده!
"بعد أربع شهور، رجع مرتضى ومراته، وصحاني من النوم بض. رب ورزع على الباب.. خبطت فيه وقلت له: "خير؟"بدل ما يسلم، هجم عليا بالشتـ,ـيمة والتهـ,ـديد: "أمي بتقول إنك هربتي الأكل وخبيتيه وطلعتي لسانك! بقى بتدسي الأكل عن أمي؟ من هنا ورايح مفيش مصاريف هتتدخل لك!
"رديت عليه ببرود: "على أساس إنك كنت بتصرف اصلاً؟"تاني يوم الصباحية، دخل عليا وهو وشوشه محروق، وقال لي بخباثة: "عقاباً ليكي، من النهاردة أنتِ اللي هتطبخي للبيت كله، وتخدمي حنين مراتي وهي وعيالها لأنها حامل ومش قادرة!
"قلت له بذهول: "وأنا مالي ومالها؟ هي مش مرة وعندها إيدين؟"قرب مني وقال لي بنبرة كلها تهديد وجبروت: "أوعي تقاطعيني.. لو ما عملتيش اللي بقول عليه، هتشوفي مني وش مش يعجبك!"حطيت كوباية اللبن على الترابيزة وبصيت في عينه وقُلت بثبات: "وريني هتعمل إيه.
. أنا مش خايفة منك! "ضحك بصوت عالٍ كله استهزاء وقرب من ودني وقال بخـ,ـباثة: "هروح لأهلك.. وأنتِ عارفة أهلك كويس وشكلهم إيه لما يرموكي! أنتِ فاكرة إني اتجوزتك ليه من الأول؟ عشان عارف إنك خدامة ببلاش، ومالكيش ضهر ولا ولي يطلب بيكي!
"الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت الدم جمد في عروقي. . وبدأت أضحك بصوت هيستيري هز الأوضة كلها، ورفعت عيني فيه وقلت له بثقة أذهلته:— "كنت فاكرة كده فعلاً يا مرتضى.. لحد ما المحامي خبط على الباب الصبح بدري، وسلمني عقد البيع والشراء الأصلي للبيت ده والمصنع بتاعكم.
. أخوك المرحوم كاتبهم باسمي أنا من قبل ما يمو. ت بأسابيع، وأنت دلوقتي واقف في ملكي ومطـ,ـرود برة بقوة القانون!" و الذهول والخرس التام تجسدا في ملامح مرتضى؛ فقد تحولت تلك الابتسامة الصفراء الساخرة إلى تجعيدة رعب جامدة على وجهه، وانسحب الدم من وجهه حتى صار أبيض كالثلج.
فتح فمه ليتكلم، لكن الحروف تكسرت في حنجرته وكأن لسانه قد صُبّ برصاص قاسي. في تلك اللحظة، انفتح باب الشقة الخارجي بعنف، ودخلت الأم صائحَة كالمعتاد وهي تلوح بيديها في الهواء، تتبعها حنين التي كانت تمسك يد ابنتها الكبرى:— "يا مرتضى! يا ابني الححقنا!
البجحة دي مخلية جارتها سكينة شاهدة زور عليا، وعاملة لي فيها..."لكنها صمتت فوراً عندما رأت منظر ابنها الشاخص بصره، ووجدتني أقف أمامه شامخة، منتصبة القامة، لا تبدو عليّ أي علامة من علامات الخنوع أو الانكسار التي اعتادت عليها طوال الأشهر الماضية.
اقتربتُ خطوتين بطيئتين نحوهم، ونظرتُ إلى حماتي بنظرة مليئة بالبرود والقوة، ثم التفتُّ إلى حنين التي بدأت علامات القلق تظهر على وجهها، وقلت بصوت هادئ ومسموع ملأ أرجاء الشقة:— "أهلاً وسهلاً.. نورتوا البيت. بس للأسف، الزيارة دي هتكون قصيرة جداً.
"جن جنون الأم، فتقدمت بخطوات متقـ,ـطعة تصرخ بغل:— "بيت مين يا بت التيران؟ بيت ابني ودـ,ـمه وجهده، وعاملة لي فيها صاحبة صكوك؟ طردتينا إيه يا قليلة الأصل؟!"هنا خرج مرتضى من صدمته، وهز رأسه بعنف وهو يحاول استعادة شيء من جبروته المزعوم، فتقدم نحوي محاولاً رفع صوته وتهديدي بسبابته:— "كذب!
كل ده كذب وافترا! وريني الورق ده كده! أخويا مستحيل يعملها، مستحيل يكتب ورثه لواحدة زيك لسه متعرفهاش، ده تزوير! أنا هحبسك وأرميكي في المفارق!"لم أرد عليه كلاماً، بل رفعت يدي ببطء وفتحت حقيبتي الصغيرة التي كانت مستقرة على الطاولة، وأخرجت منها مظروفاً مقاوماً للبلل، وسحبت منه النسخة الأصلية للتوكيل الرسمي الشامل والعقود الموثقة بخاتم الشهر العقاري، والتي تحمل توقيع أخيه المرحوم وبصمته، وتاريخاً يسبق وفاته بشهرين كاملين، ومرفقاً بها تقرير طبي يثبت كامل قواه العقلية والنفسية وقت التوقيع.
مددت يدي بالورق أمامه وقلت بسخرية لاذعة:— "اقرأ يا مرتضى.. اقرأ اسم الموثق، وخاتم الدولة اللي مش ممكن يتزور يا سيادة العارف بكل حاجة. أخوك المرحوم كان عارفكم كويس، كان عارف طمعكم وجبروتكم، وكان حاسس إنكم هترمو مراته وبناته، وكمان كنتي يا حماتي دايماً بتعيريه إنه ما خلفش ولاد وإن البنات ملهمش سند، فحب يضمن حق بناته وحقي، وكتب كل حاجة باسمي لأن ثقته فيا كانت أضعاف ثقته في أخوه اللي مالي قلبه الحقد والظلم.
"انتزع مرتضى الأوراق من يدي بغضب أعمى، وبدأ يقرأ الكلمات بعينين تتحركان بسرعة وسعار، وكلما قرأ سطراً، كلما باءت آماله بالفشل وانطفأ ذلك البريق المتعجرف في عينيه. سقطت الورقة من يديها المرتجفتين على الأرض، وصرخت حنين بذعر:— "يعني إيه يا مرتضى؟ يعني إحنا بقينا في الشارع؟
!"لم يجبها، بل التفت إليّ وقد انحنى كبرياؤه تماماً، وحاول أن يغير نبرته إلى التوسل المذل، فتقدم خطوة ليلمس يدي، فابتعدت عنه باشمئزاز واضح وقاتل:— "يا بنتي.. اعقلِ.. إحنا أهل، ومهما كان عيش وملح. . البيت ده بيتنا كلنا، وأمي مرة كبيرة ومتقدرش على البهدلة، وحنين حامل.
.. عيب اللي بتعمليه ده، سيبي الورق ده وخلينا نعديها بينا وبين بعض، ومن بكره هكتبلك اللي تطلبيّه..."قاطعته بصوت حاد كالسكين، قطع عليه كل محاولات استعطافه المزيفة:— "عِش وملح؟! أنتو عمركم ما سيبتوني أذوق العش والملح إلا ومرارتي بتتقطع معاه!
وجبتين في اليوم ورغيفين بالعافية؟ وشاي باللبن مدسوس؟ وخدمة وذل وشتيمة وتهديد برميني على أهلي؟! فاكر لما قلت لي 'أنتِ خدامة ببلاش ومالكيش ضهر'؟ أهو الضهر ظهر يا مرتضى، وقانون الله وقانون الأرض هما اللي جابوا حقي وحق كل دمعة نزلت من عيني وأنا نايمة شاربة شاي من غير لقمة!
"في تلك اللحظة، سُمع صوت طرقات قوية ومنظمة على باب الشقة. وقبل أن يتحرك أحد، انفتح الباب لأنني كنت قد تركت القفل مفتوحاً، فدخل اثنان من أفراد الشرطة برفقة محامي العائلة الذي ارتدى بذلته الرسمية، وبجانبه وقفت جارتي سكينة ومعها بواب العمارة شهوداً على الموقف.
تقدم المحامي بخطوات ثابتة وابتسامة هادئة، وقال بصوت رسمي:— "صباح الخير يا فندم. هل تم إبلاغهم بالقرار النهائي وتنفيذ أمر الطـ,ـرد وتسليم المفاتيح طبقاً للحكم الصادر والملف القانوني المعتمد؟"التفتُّ إلى المحامي وأومأت برأسي، ثم نظرت إلى مرتضى وأمه وحنين التي كانت تبكي بصوت عالٍ وتلوم زوجها على طمعه الذي أضاعهم، وقُلْت لمرتضى بكلمات أخيرة قاطعة:— "قدامك نص ساعة بالتمام والكمال، تجمعوا فيها هدومكم وأغراضكم الشخصية وتخرجوا من باب الشقة دي.
. وإن تجرأ حد فيكم يقرب من خزين سارة أو يسـ,ـرق حبة سكر زي ما عملت أمك قبل كده، القانون هيكون له كلام تاني معاكم."أشارت الشرطة بصرامة لمرتضى وأسرته بالتحرك الفوري لجمع أشيائهم، بينما وقفتُ أنا عند عتبة الصالة، أنظر إلى المكان الذي شهد أقصى أيام ذلي، وأنا أشعر بأن روحي عادت لي، وأن جبل الهموم انزاح عن عاتقي للأبد، وبدأت صفحة جديدة تماماً أكون فيها أنا سيدة نفسي وبأمر القانون.
لم تكد الأنفاس تهدأ داخل الشقة، حتى تحولت صرخات حماتي ودموع حنين المفتعلة إلى مشهد مسرحي هزلي؛ فرمت العجوز نفسها على الأريكة تلطم خديها وتصيح بصوت أشبه بالنواح:— "يا مصيبتي السودة! ولدي بيتطرد من بيته وبيت أبوه على إيد حتة بت لا طالت أرض ولا سما!
الحقوني يا ناس، العروسة جابت الغريب وضيّعت عرضنا!"أما مرتضى، فقد تبدل وجهه تماماً من الذعر الشديد إلى حالة من الجنون والسعار. اقترب من المحامي ومن أفراد الشرطة بعيون حمراء وشرارات تفوح بالغضب، وصاح بصوت جنوني:— "ده تزوير في أوراق رسمية!
أخويا كان مريض، وكان ناقص عقلياً في أيامه الأخيرة! الست دي نصابة ضحكت عليه وهو على فراش المـ,ـوت! أنا مش هطلع من البيت ده إلا على جـ,ـثتي!"تقدم المحامي بثبات وهدوء، واضعاً يده في جيب بذلته، ونظر إليه باحتقار بارد ثم قال بلهجة واثقة:— "يا سي مرتضى، ابعد عن الشر وغنيله.
العقد موثق في الشهر العقاري وبصمته بصمته، ومعاه تقارير طبية دقيقة من ثلاثة استشاريين نفسيين وعصبيين تثبت تمام قواه العقلية وقدرته الكاملة على اتخاذ قراره بكامل إرادته يوم التوقيع. روح اقعد قدام النيابة وافتح بلاغات براحتك، لكن دلوقتي القانون بينفذ قراره. .
قدامك دقايق معدودة، وإلا هنضطر نسجل مقاومتك للسلطات ونزود محضر تاني على محاضر طمعك."تراجع مرتضى خطوتين للخلف وكأنه تلقى صفعة قوية على وجهه، فقد أدرك تماماً أن اللعبة انتهت وأن جبروته وطمعه قد ارتدّا نحوه كالطوفان.
التفتت حماتي إليه بغضب ووجوههم ممتلئة بالغل، وبدأت تلومه وتصرخ في وجهه:— "كله بسبب طمعك وعمايلك السودة! كنت سايب عيال أخوك ومراته في حالهم ليه لحد ما عملت فينا كده؟! ضيعت البيت وضيعت عيالك!"وسط هذا الصراخ المتواصل، لم أنطق بكلمة واحدة؛
وقفتُ أراقب انهيار إمبراطوريتهم الوهمية التي بنيت على ظـ,ـلمي وقهر لقمة عيشي. لم أرحم دموع حنين التي كانت تمسح بطنها البارزة وتستعطفني:— "علشان اللى في بطني يا ست الكل.. ارحمينا، هنروح فين وإحنا ملناش مكان؟
"نظرت إليها بعينين حادتين وقاتلتين، وقلت بصوت صارم:— "وانتِ رحمَتيني وأنا شربت الشاي من غير لقمة؟ وامتّعْتِ نظرك في أكلي وأنا جعانة؟ كنتِ فين من رحمَتكم وأنتِ وستك بتذلوني وتستغلوني خدامة ليكم؟ اللي بيزرع الشوك يا حنين، ميحصدش غير جراحه.
"خلال أقل من نصف ساعة، كان بواب العمارة وبعض الجيران يقفون على الباب لمتابعة المشهد، بينما كان مرتضى يجر أذيال الخيبة والذل، ويحمل بعض الحقائب والأمتعة بمعاونة أمه المنهارة وحنين الباكية، وخرجوا جميعاً من الشقة يجرون ورائهم أذيال الهزيمة، وأغلق باب الشقة من الخارج لتفرغ لي الصالة تماماً.
جلستُ على نفس الكرسي الذي طالما جلست عليه مقهورة ومكسورة الجناح، ووضعت يدي على وجهي، ولم أستطع منع دموع الفرح والارتياح من الانهمار غزيرة. أخيراً.. تجلت قدرة الله وانتقلت الكفة لصالح المظلوم. لم أضيع وقتاً طويلاً في البكاء؛
فقمتُ ونفضت عن كتفي غبار الأيام المرة، واتصلت بسارة صديقتي الوفية التي ردت بلهفة وقلق:— "ها يا بنتي طمنيني؟ عملوا معاكي إيه الحيتان دول؟ أجي لك حالا بالبوليس؟"ضحكت بصوت ملؤه الحياة والبهجة لأول مرة منذ زواجي، وقلت لها:— "تعالي يا سارة. . تعالي اكتبي اسمك بطلة الحكاية معايا.
البيت كله بقا ملكي، ومرتضى وأهله خرجوا مطـ,ـرودين برة بقوة القانون!"صمتت سارة لثوانٍ معدودة من شدة المفاجأة، ثم انطلقت زغروتة طويلة هزت هاتفها، وقالت بصوت متهدج بالفرح:— "أقسم بالله أنتِ أجدع ست في الدنيا! أنا جالك حالاً وبيدي أحلى خزين لبيت الست العروسة الجديدة صاحبة البيت!
"أغلقت الهاتف وتجولت في أرجاء الشقة، نظرت إلى المطبخ الذي كان ناشفاً لا يملكه إلا القهر، وعرفت أن هذه هي مجرد بداية لصفحة جديدة تماماً في حياتي.. حياة أكون فيها سيدة نفسي وكرامتي مصانة، لا شحاتة فيها ولا ذل لأحد.
لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى كانت سارة قد حضرت ومعها حقائب مليئة بكل ما يحتاجه البيت من خيرات، ودخلت الشقة وهي تطلق الزغاريد وترميني بأحضانها والفرحة تلمع في عينيها. قضينا اليوم نعدّ أشهى الأطباق في مطبخ أصبح ملكاً لي وحدي، بلا رقيب ولا حسيب، نتناول الطعام بكل حرية وعزة نفس، وكأننا نحتفل بولادة جديدة لي ولحياتي التي سُلبت مني ظلماً.
لكن الراحة لم تكن لتدوم طويلاً، ففي اليوم التالي مباشرة، وأثناء انشغالي بترتيب بعض الأوراق القانونية الخاصة بالمصنع والبيت مع المحامي، سمعت طقوساً غريبة وعنفاً غير عادي على باب الشقة الخارجي، تلاه صوت صراخ حماتي يعلو في أرجاء العمارة:— "افتحي يا حرامية يا خطافة الرجالة!
يا اللي سرقتِ حلال عيالي وضيعتي مستقبلهم! مش هنمشي غير لما ناخد حقنا بالذوق أو بالعافية!"فتحت الباب ببطء وهدوء، فوجئت بمرتضى يقف وراء أمه، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد وعيناه محمرتان كمن لم يسقط جفناه نوماً طوال الليل، وإلى جواره تقف حنين تبكي بدموع حقيقية هذه المرة وهي تحمل ابنتها على ذراعها، وقد احتشد عدد كبير من جيران العمارة على السلالم يستطلعون الأمر.
وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، تقدم مرتضى خطوة للأمام وحاول دفع الباب بكتفه، لكنني وقفت بصلابة في المنتصف وكتفاي منتصبتان، فرمقته بنظرة حادة جمدت حرركته، فصاح بصوت منكسر يملؤه اليأس والحقد معاً:— "شايفة وصلتينا فين؟ أمي هتمـ,ـوت من القهر في الشارع، ومراتي الحامل بتولد من كتر البكاء والعياط!
يا أخي حرام عليكِ.. سيبي لنا الشقة دي واقعدي في مكان تاني، المصنع خليه ليكِ بس سيبونا نعيش هنا!"نظرتُ إليه باستخفاف بارد، ثم نقلت بصري إلى أمه التي كانت تمثل الإغماء وتتكىء على جدار السلم، وقُلْت بصوت مهيب ومسموع لكل الجيران:— "جاي تترجاوي دلوقتي يا مرتضى؟
بعد ما بعتني للذل وقلت لي إنك اتجوزتني عشان أنا خدامة ببلاش وماليش ضهر؟ نسيت لما كنت بتشرب الشاي باللبن وتدسه عني أنا اللي على ذمتك؟ نسيت لما كنت بتذلني في رغيف العيش وجبتين بالقطارة؟
"هتف أحد الجيران بصوت عالٍ مستنكراً:— "يا ساتر يارب! هو ده اللي عملته فيها يا مرتضى؟ دي غلبتكم شهور وسكتت!"اشتعل وجه مرتضى غضباً وحمرة، وحاول أن يرفع صوته ليهددني:— "إياكي تفكري إن اللعبة انتهت!
أنا رفعت قضية طوارئ ومستعجلة في المحكمة هبطل بيها العقود دي كلها وهثبت أن أخويا كان فاقد لوعيه، ومش هسيبك تتهني بليلة واحدة هنا! "ضحكت بصوت هادئ ومستفز، ورفعت ورقة رسمية أخرى في وجهه وقلت بثقة تامة:— "خبط براحتك في الحيط يا مرتضى، المحامي بتاعي كان أذكى منك بكتير؛
لأننا سجلنا تنازل نهائي عن أي طعـ,ـون، وكمان قدمنا بلاغ رسمي بكل التعديات والإهانات والتهـ,ـديدات اللي وجهتهالي، ده غير محاضر حرمان النفقة وامتناعك عن الإنفاق طول فترة جوازنا! "سقطت أطراف مرتضى تماماً، وانحنى ظهره وكأنه يحمل جبلاً على كتفيه.
أما حنين، فوقعت على ركبتيها على السلم وهي تجهش بالبكاء وتصرخ في وجهه:— "قلت لك بلاش طمع.. قلت لك الست دي ملهاش ذنب وإحنا اللي ظلمناها، ضيعتنا وضيعت عيالك يا ظالم! "أغلقت الباب في وجوههم بكل قوة وثبات، وسمعت صوت صراخهم يتباعد تدريجياً وهم يجرون أذيال الخيبة والذل، بينما التفتُ إلى سارة التي كانت تقف في الخلف تصفق بيديها إعجاباً وفخراً بما فعلت.
تنفسعت الصعداء بعمق، وابتسمت وأنا أنظر إلى جدران بيتي الجديد، وأنا متأكدة أن هذه هي البداية الحقيقية لحياة لن أسمح لأحد فيها أن يستضعفني أو يسـ,ـرق حقي مرة أخرى.
مرت أسبوعان على ذلك اليوم الفاصل الذي انقلبت فيه موازين القوى، أسبوعان كانا بمثابة ولادة جديدة لروحي التي أكلها القهر طويلًا. كنت أستيقظ كل صباح على أريكتي الفسيحة، أتأمل جدران شقتي ومطبخي الذي صار يفيض بخيرات سارة، بلا خوف من نظرات حماتي المتربصة أو وجبات الشحاذة البخيلة.
لكن الطمأنينة الكاملة لا تأتي دفعة واحدة؛ ففي صباح يوم بارد وممطر، بينما كنت جالسة أتناول قهوتي بسلام، هبّت عاصفة من الطرقات العنيفة والمتتالية على باب الشقة، تلتها أصوات صراخ وشتائم همجية هزت مدخل العمارة كله.
لم تكن هذه المرة أصوات مرتضى وأمه، بل أصوات رجال غرباء أصلاب الملامح، يعلوهم صوت رجل غليظ الجلقة يصرخ بعنف:— "افتحي يا اللي جوه! يا نصابة يا خطافة الحلال! طلعي العقود بالذوق لنسحلكم في الشوارع ونفرم العمارة دي على اللي فيها!
"انتفض قلبي لوهلة، لكن ثباتي الجديد سرعان ما غلب خوفي. نهضت بخطوات ثابتة وفتحت الباب نصف فتحة، ففوجئت بأربعة رجال ضخام الأجسام تقودهم امرأة غريبة تبدو عليها علامات الثراء الفاحش والشر المطلق، وتلتصق بهما خائفة حماتي وحنين التي كانت تذرف الدموع بغزارة.
صرخت المرأة الغريبة في وجهي بتكبر مقزز وهي تدفع الباب بكتفها:— "أنتِ بقى الحثالة اللي ضحكتي على المرحوم وسـ,ـرقتي حلال عياله؟! أنا خالة ولاد المرحوم، وأخت مراته الأولى الله يرحمها! البيت ده والمصنع مش هيقعدوا في إيد واحدة زيك دقيقة واحدة، والمحامين بتوعنا جهزوا قضايا تزوير هترديكِ ورا الشمس!
"قبل أن أنطق بحرف واحد، تقدمت حماتي من الخلف وهي تلوح بيديها بوقاحة وسخرية، وقالت بصوت مسموع للجيران الذين تجمهروا على السلالم:— "شفتوا يا ناس البت دي جابت آخرها! مفكراها ملكت الدنيا عشان ورقة معـ,ـفنة..
خالتي أم العيال جهزت لها مفاجأة مش هتنساه طول عمرها، والشرطة والنيابة هيطلعوا العقود دي باطلة غصب عنها!"نظرتُ إلى المرأة الغريبة التي كانت تتنفس بغضب، ثم نقلت نظري إلى حماتي وحنين، ولم أهتز شعرة واحدة.
رفعت حاجبي ببرود قاتل، وعدّلت شال الصوف على كتفي، ثم قلت بصوت هادئ ومسموع أخرس صراخهم جميعاً:— "خلصتي صراخ وعنتريات يا خالتي؟ ولا لسه عندك طاقة تلطمي بيها شوية كمان؟"اشتعلت المرأة غضباً من برودي، وهجمت نحو الباب تريد جذبي من ملابسي، فصرختُ فيها بصوت رعدي أوقفها في مكانها:— "إياكي تلمسيني!
وأقسم بالله لو خطوة كمان دخلتِ شقتي لأعتبرها اقتحام مسكن وأسلمك لشرطة النجدة في دقيقة!"ثم التفتُّ إلى المحامي الخاص بي الذي كان يقف بهدوء على درج السلم الأيمن ومعه حقيبة أوراق رسمية، فأشارت له بيدي فتقدم بخطوات واثقة ووقف بجواري، وفتح ملفاً ضخماً أخرج منه أوراقاً بختم الجمهورية وابتسامة ساخرة على شفتيه، وقال بصوت رسمي جعله يرتجف:— "أهلاً بحضرتك يا مدام.
. شكراً إنك جيتي برجليكِ عشان نوفر مشوار إعلانك الرسمي. العقود اللي بتتكلمي عنها مش مجرد بيع وشراء عدي، دي مصحوبة بتنازل قانوني تام وموثق من المرحوم قبل وفاته بأشهر، وموثق بصيغة 'عدم التعرض ونفي الشبهات' بمعرفة كبار مستشاري الشهر العقاري، ده غير إن المرحوم كان سدد كامل ثمن العقار والمصنع من أمواله الخاصة المسجلة باسمه، يعني لا أنتِ ولا أختك المرحومة كان ليكم مليم واحد فيهم وقت توزيع التركة!
"التفتت المرأة بخوف نحو حماتي وقالت بحدة:— "إيه الكلام ده يا أم مرتضى؟! مش قلتِ لي إنها ورقة مضروبة على السريع والواد كان مغيب؟!"انهارت حماتي تماماً وركعت على الأرض تبكي بحرقة وتلطم وجهها بعد أن رأت أن كل حيلهم وكذبهم قد تهاوى أمام القانون، وقالت بنبرة منكسرة ومذلولة:— "ضحكوا علينا ياختي.
. الواد مات وضيعنا معاه، والست دي ما رحتمتناش!"نزلتُ ببطء خطوات على عتبة الباب، وانحنيت قليلاً حتى أصبحت في مستوى وجه حماتي، وقُلْت بصوت همس لكنه اخـ,ـترق أذنها كالمخيط:— "رحمة؟ كلمة غريبة أوي على لسانك يا أم مرتضى..
أنتو عمركم ما عرفتوا الرحمة مع عروسة دخلت بيتكم بكل نية صافية فذلتوها في رغيف العيش وكسـ,ـرتوا نفسها. دلوقتي جايين تدوروا على الرحمة من نفس الإنسانة اللي دوستوا عليها؟ ارحلوا.. ارحلوا كلكم من قدام بابي، لأن ملكش ولا مليم ولا حتى شبر واحد في ملكي.
"تراجع الرجال الضخام بخزي وهم يجرون أذيال الهـ,ـزيمة بعد أن أيقنوا أن القانون يحميني بالكامل، وحملت المرأة خالة البنات حماتي وحنين المنهارة، وأخذوا ينسحبون واحداً تلو الآخر وسط نظرات الشماتة والاحتقار من جميع جيران العمارة.
أغلقت باب الشقة خلفهم بهدوء تام، وأقفلت الترباس بيميني وأنا أشعر أن جبل الظلم قد انزاح للأبد، وعادت لي حياتي وعزتي وكرامتي بقوة الله وبقانون الحق الذي لا يغفل أبداً. مرّت أسابيع أخرى بعد ذلك المشهد العصيب، وكأن الشقة قد تنفست الصعداء أخيراً.
هدأ العاصفة تماماً، وتوقفت محاولاتهم البائسة للترهيب والابتزاز، بعد أن أدرك الجميع أن لا مكان للظلم في هذا المكان. أصبحت أمور المصنع تُدار تحت إشراف محامي الكفء، وبدأت الأرباح العادلة تصلني بانتظام، لأول مرة أشعر فيها بمعنى الاستقلال المالي والنفسي الكامل.
في أحد الأيام المشمسة، كنت أقف في مطبخي الفسيح أنظف طاولتي وأعدّ قهوتي المفضلة بهدوء تام، مستمتعة بصوت الموسيقى الهادئة المنساب من الهاتف، دون خوف من أن تقتحم عليّ حماتي الخلوة أو تحصي عليّ لقمتي. فجأة، سمعت طرقات خفيفة ومترددة على باب الشقة الخارجي.
طرقات لم تكن عنيفة ولا همجية كالتي عهدتها من قبل، بل بدت وكأنها طرقات يد خائفة، مرتعشة، تخشى الرد. ترددتُ قليلاً، ثم وضعت فنجان القهوة على الطاولة، وسرتُ بخطوات ثابتة نحو الباب. فتحتُ اللسان ببطء وأطلقت الترباس، وفتحت الباب نصف فتحة لأرى من الطارق.
توقفت عيناي بذهول أمام الواقفة على العتبة.. لم تكن سوى "حنين"، مرأة مرتضى الأولى، لكنها لم تكن تشبه تلك المرأة المتعجرفة أو حتى الباكية ذليلة الهيئة في المرات السابقة. كانت تبدو شاحبة تماماً، عيناها غائرتان من كثرة السهر والبكاء، وملابسها بسيطة ومتهدكة، وتجلس على ركبتيها طفلتها الصغرى بينما تحمل على ذراعها الأخرى رضيعاً لم يكمل أسابيعه الأولى بعد، وقد وُلِد في ظروف القهر والشتات التي صنعها طمع زوجها.
وقفتُ ساكنة في مكاني، أراقبها بنظرة باردة تخلو من الشفقة أو الشماتة، وتركت الصمت يطول بيننا لثوانٍ معدودة، حتى تكلمت حنين بصوت متهدج يكسره البكاء والاختناق:— "أعرف إن ماليش أي حق أجيكِ هنا.. وأعرف إني كنت شريكة في الذل اللي شفتيه، ومكنش المفروض أوافق على كل كلمة قاستها حماتي في حقك.
. بس والله العظيم يا بنت الناس، أنا جيتك وأنا خلاص ماليش غير ربنا ثم أنتِ."لم أتحرك من مكاني، وكتفاي منتصبتان، ونظرت إليها بحدة قائلة بصوت هادئ ومقيت:— "جاية ليه يا حنين؟ ومالي أنا ومالك؟ مش جوزكِ هو اللي قال لي زمان 'أنتِ خدامة ببلاش ومالكيش ضهر'؟
أهو الضهر ظهر، وكل واحد خد جزاء عمله. إيه اللي جابك لبيتي؟"انهارت حنين تماماً على العتبة، وأجهشت ببكاء مرير جعل طفلتها تبكي معها، وقالت بصوت مكسور يتقطع بالشهقات:— "مرتضى طردنا! سابنا في شقة خربة على قد إيجار يومين، ورمى عليا طفله الرضيع وبناته، وهرب وسافر لمحافظة تانية عشان يهرب من الديون والقضايا اللي اتجمعت عليه من كل ناحية بعد ما خسر كل حاجة!
أمي الست الكبيرة تعبانة ونايمة في المستشفى ومفيش حد يطل عليها، وأنا معايا رضيع وبناتي بيمـ,ـوتوا من الجوع.. والله ما جيت أطلب مال ولا شقة، أنا جيت أطلب منك لقمة عينة لعيالي، ولو تحبي تضـ,ـربيني أو تشتـ,ـميني، سامحيني واعملي فيا اللي ترضيه، بس متسبنيش.
"نظرتُ إلى الرضيع الصغير الذي كان يرتجف من البرد، ونظرت إلى البنات الصغيرات اللاتي كن يختبئن خلف ظهر أمّهن بعيون خائفة ووجوه صفراء من الفقر والجوع. شعرت بصراع مرير داخل روحي؛ هل أنتقم؟ هل أرد لهم الصاع صاعين وأغلق الباب في وجهها كما فعلوا معي حين شربت الشاي من غير لقمة وذلوني في رغيف الخبز؟
لكنني تذكرت نفسي، وتذكرت قلبي الذي كان ينبض بالحق دائماً. تذكرت أنني لست مثلهم، وأن الله نصرني ليس لأظلم بل لأعدل. تنفسعت الصعداء بعمق، وفتحت باب الشقة على مصراعيه، وقلت بصوت حاسم لكنه يحمل نبرة إنسانية عميقة:— "قومي يا حنين.
. قومي ادخلي. "رفعت حنين عديها بذهول غير مصدقة ما تسمعه، ودخلت وهي تتلمس خطواتها كمن يدخل جنة بعد عذاب طويل، ودخلت معها البنات والرضيع الصغير. أجلستُهم في صالتي الواسعة، ودخلت المطبخ فوراً، أخرجت من خزين سارة وفير الخيرات ما يكفي لإعداد وجبة ساخنة ومغذية، وصنعت كوباً دافئاً من الشاي باللبن وأعطيته لحنين التي كانت تذرف دموع الندم والامتنان بغزارة، وهي تقول بلسان مرتعش:— "أنا أسفة.
. ألف مرة أسفة.. ربنا يعوضك خير على قلبك الأبيض اللي أنا كنت جزء من قسوته."جلستُ أمبرها، ونظرتُ إليها بثبات وقوة، وقلت لها الكلمات التي وضعت حداً نهائياً لقصة الظلم كله:— "أنا مش زيك يا حنين، ومش هعاملكم بطريقتكم.
الأكل والشرب والستر هنا مفتوح لكي ولعيالك لحد ما تشوفي طريقك، لكن اعلمي كويس.. البيت ده مش هيتحكم فيه حد تاني، وأنتِ هنا مجرد ضيفة عزيزة كريمة طالما احترمتي نفسك وقواعد بيتي، ولما تقومي بالسلامة، المحامي بتاعي هيساعدك تطلبي نفقة رسمية من مرتضى بالقانون غصب عنه.
"غرقت حنين في البكاء مجدداً، لكنه هذه المرة لم يكن بكاء قهر، بل بكاء توبة وانكسار أمام كرم أخلاق لم تكن تتوقعه من امرأة ذاقت على أيديهم أشد أنواع الظلم، بينما شعرت أنا بأن روحي قد طهرت تماماً من كل حقد، وبأنني حقاً أصبحت سيدة بيتي وسيدة مصيري بكل اقتدار.
مرت الأيام والأسابيع، وأصبحت حياة حنين وبناتها داخل الشقة تسير بهدوء ونظام تحت سيادتي وقواعدي الصارمة التي تحفظ كرامة الجميع دون إهانة أو تذلل. كنت قد خصصت لهن غرفة مستقلة، وعاملت الصغار بإنسانية تامة وكأنهم إخوتي الأصغر، بينما كانت حنين قد تحولت كلياً؛
تقضي طوال اليوم في خدمة نفسها وتربية أطفالها، وتساعدني في أعمال المنزل بندم وامتنان دائمين لم يفارق لسانها قط. وفي أحد الأيام الدافئة، وأثناء جلوسنا معاً نتناول وجبة الغداء بهدوء، انفتح باب الشقة الخارجي بشكل مفاجئ وعنيف!
التفتنا جميعاً بفزع نحو الباب، ففوجئنا بـ "مرتضى" يقتحم الصالة. لم يكن ذلك الرجل الممتلئ الغرور والجبروت، بل بدا شبحاً مرعباً لنفسه؛ ملابسه ممزقة وعليها آثار الأوساخ والسفر الطويل، وجهه شاحب وأشعث، وعيناه غائرتان تماماً كالمجانين، وبدا وكأن السنوات العشر الأخيرة مرت عليه في أيام معدودات بعد أن لاحقته الديون والقضايا والأحكام القضائية في كل مكان فر إليه.
صرخت حنين بذعر واختبأت خلف الأريكة وهي تحتضن رضيعها، بينما نهضتُ أنا ببطء من مكاني، ووقفت شامخة منتصبة القامة، وكتفاي ثابتتان لا تهتزان شعرة واحدة، ونظرت إليه بنظرة باردة تخلو من أي خوف أو شفقة.
ترنح مرتضى في مشيته وهو يتقدم نحو الصالة، ورفع يده المرتجفة يشير إليّ بصوت مبحوح ومتقطع، يملؤه التوسل الممزوج بالقهر والجنون:— "أنتِ.. أنتِ السبب في كل اللي وصلتليه! فلوسي راحت، ومصنعي اتحجز عليه، وقضايا النصب والشيكات طاردتني في كل محافظة! البيت ده بتاعي، المصنع بتاعي، رجعيلي حقي يا ظالمة!
"ضحكت بصوت هادئ ومستفز، تردد صداه في أرجاء الشقة، ثم نظرت إليه باحتقار بالغ وقلت بصوت حاسم كالسـ,ـكين:— "ظالمة؟! أين الظلم يا مرتضى وأنتَ من قلت لي يوماً بالحرف الواحد: 'أنتِ خدامة ببلاش ومالكيش ضهر'؟
أين الظلم وأنتَ حرمتني من لقمة العيش وذليتني في رغيف الخبز وجبتين الشحاذة وشاي اللبن المدسوس؟ أنت لم تجنِ إلا ما زرعت يدك الطماعة!"جن جنونه تماماً عند سماع كلماتي، فهجم نحوي يريد الاعتداء عليّ، لكنه لم يكد يخطو خطوتين حتى انفتح باب الشقة مرة أخرى، ودخل اثنان من رجال الشرطة برفقة المحامي وخالتي وبعض الجيران الذين استغلوا فتح الباب للشهادة على المشهد.
أشار المحامي ببرود لرجال الشرطة، فهجمـ,ـوا على مرتضى فوراً، وقيدوه بالأصفاد الحديدية وهو يصرخ بجنون:— "سيبوني! دي مراتي وسارقة بيتي! الحقوني!"تقدم المحامي مني وابتسم باطمئنان، ثم أخرج ورقة رسمية وقرأها بصوت عالٍ أمام الجميع:— "بموجب الأحكام النهائية الصادرة ضده في قضايا إيصالات برتة ونصب وتهرب قانوني، وبناءً على التنازلات والتوثيقات النهائية لملكية المصنع والبيت باسم السيدة الفاضلة، تم صدور أمر ضبط وإحضار وتنفيذ عقوبة السجن الحتمي عليه!
"نظر إليّ مرتضى نظرة أخيره يملؤها الانكسار والدموع الحارقة، وهو يجر إلى خارج الباب بين أيدي الشرطة، بينما وقفت أنا عند عتبة الصالة، أتابع طرده النهائي بقوة القانون، وأنا أشعر أن جبل الظلم قد اندثر تماماً، وأنني أصبحت حقاً سيدة بيتي ومصيري بلا منازع.
مرت الأشهُر كأنها سنوات، وكأن الدائرة قد اكتملت لتحتضن نهايتها العادلة. بعد القبض على مرتضى وإيداعه السجن لينال عقاب سنوات طويلة من الظلم والطمع والديون، هطلت السـ,ـكينة والسلام على أركان الشقة التي طالما شهدت الدموع والقهر. أصبحت الحياة تسير بانتظام عجيب؛
حنين استردت توازنها وأصبحت تعتمد على نفسها في تربية أطفالها ورضيعها، وتعمل معي يداً بيد في إدارة شؤون المنزل بروح ملؤها الندم والامتنان الدائم. أما أنا، فقد استلمت الإدارة الكاملة للمصنع والممتلكات بمساعدة محاميّ الوفيّ، وتحولت من تلك الفتاة التي دخلت البيت مكسورة الجناح ومجرد "خدمة ببلاش" في نظرهم، إلى سيدة أعمال ناجحة، تُدار الأمور بأمرها وتحت إشرافها الكامل، والجميع هنا ينادونني باحترام واجلال: "يا ست الكل".
في أحد الأيام المشمسة، كنت أقف في شرفة الصالة الكبيرة، أحتسي فنجان قهوتي بهدوء، وأتأمل الشارع من أسفل، فرأيت صديقتي الوفية "سارة" تقترب من مدخل العمارة ومعها حقائب السفر، متجهة لزيارتي كعادتها كل أسبوع لنتناول الغداء معاً ونحتفل بنجاحاتنا الجديدة.
فتحت لها الباب قبل أن تضغط جرس الباب، فاستقبلتني بابتسامة واسعة وزغروتة خفيفة، واحتضنتني بقوة وهي تقول بسعادة:— "يا صباح الورد يا ملكة القصر! شايفة الدنيا بتلف إزاي؟ اللي ظلمك اتقلب عليه السحر، وأنتِ بقيتي سيدة الحكاية كلها!
"ابتسمت لها بامتنان عميق، وجلسنا سوياً حول طاولة السفرة الفسيحة، نتبادل أطراف الحديث ونضحك من قلوبنا، بينما كانت حنين تحضر الطعام بابتسامة هادئة ورضا تام بوضعها الجديد. نظرتُ إلى أرجاء البيت، وإلى جدرانه التي حفظت صبري وثباتي، فأدركت أن الله لا يضيع مظلوماً أبداً، وأن العزة والكرامة لا تُشترى بالمال بل بالصبر واليقين بعدالة السماء.
أغلقت باب الماضي بآلامه، وبدأت أكتب بيميني فصلاً جديداً من حياتي.. فصلاً عنوانه القوة، والعدل، والحرية الأبدية.
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق