حمـايا كـل يـوم بعد صـلاة العـشاء يقـطع عني الكـهرباء كامله
حمـايا كـل يـوم بعد صـلاة العـشاء يقـطع عني الكـهرباء كامله حكـايات مني السيد حصري
حكايات مني السيد حصري
حمايا كل يوم بعد صلاة العشاء يقطع عني الكهرباء... وأنا وولادي بنقضي الليل في الضلمة!
أنا نادين، متجوزة بقالي أربع سنين وعايشة في بيت عيلة في الدور التالت. جوزي مسافر شقيان في الغربة عشان يلم قرشين نأمن بيهم مستقبلنا، ومن يوم ما سافر وسابني مع أهله في نفس العمارة، وأنا حاسة بضغط كبير، بس مكنتش أتخيل أبدًا إن الأذى يوصل للدرجة دي.
معايا طفلين؛ يونس عنده تلات سنين، وكرمة يدوب كملت سنة. أي حد عنده أطفال في السن ده عارف يعني إيه نومهم يتقلب، بنام ساعتين تلاتة بالنهار وبنصحى طول الليل. ده غير إننا في الدور التالت، والمايه مبتطلعش غير بالماتور، وعشان أغير حفاضة، أو أحضر رضعة، أو حتى أشطف عيل في عز الصيف، لازم الماتور يشتغل.
الحكاية بدأت من أسبوعين. كل يوم، مع أذان العشا، وفجأة، الشقة تغرق في ضلمة كحل. التكييف يقف، المراوح تسكت، والحر يخنق الحيطان. الماتور يفصل، وطبعًا نقطة مايه مفيش. أسبوعين كاملين وأنا فاكرة إن ده تخفيف أحمال أو عطل في كابل العمارة. يونس يصرخ من الفزع والضلمة، وكرمة تعرق وتعيط لحد ما نفسها يتقطع وأنا أهوي عليهم بكرتونة لحد ما الفجر يطلع، وريقي ناشف.
سألت سلفتي شيرين، اللي ساكنة في الدور التاني تحتي على طول هو النور بيقطع عندكم أنتم كمان بعد العشا؟ ردت ببرود وهي بتبصلي بطرف عينها لا يا نادين، الكهربا مبتقطعش عندنا خالص، شوفي الشقة عندك يمكن الحمل زيادة ولا مفتاح الشقة بيهبط.
شكيت في نفسي، وشكيت في العداد، لحد ما جه اليوم المشؤوم. الساعة كانت تسعة ونص بالليل، والحر لا يطاق، وكرمة مبتبطّلش صريخ من المغص. النور قاطع كالعادة من بعد العشا، ومفيش نقطة مايه في الشقة عشان أعملها الرضعة.
قررت أنزل بالعيال للصيدلية أجيب علاج للمغص وشمع.
فتحت باب شقتي ببطء، وبمجرد ما حطيت رجلي على أول درجة في السلم، اتصدمت. نور السلم شغال، واللمبة اللي قدام باب شقة سلفتي شيرين منورة ومولعة عمى! حتى صوت التلفزيون والتكييف من ورا بابها كان عالي وواضح. نزلت درجة كمان وسمعت صوت ضحكتها مع حمايا، الحاج فضل، طالع من جوة شقتها.
وقفت متخشبة مكاني.. يعني إيه؟ النور مش قاطع في العمارة؟ ليه شقتي أنا بس اللي مفصولة؟!
نزلت جري على تحت ونبضي بيضرب في نافوخي. رحت على لوحة المفاتيح والعدادات اللي تحت بير السلم في مدخل البيت. بصيت على اللوحة، ولقيت المفتاح العمومي الخاص بشقتي وبالماتور بتاعي.. نازل لتحت، مفصول بإيد بني آدم!
في اللحظة دي بالظبط، باب شقة شيرين اتفتح، وخرج حمايا وهو لابس جلابيته وماسك سبحته، وشيرين وراه بتبتسم بخبث. بصيت له بصدمة، ورفعت المفتاح بإيدي وقولت
ليه يا حج؟ ليه بتعمل فيا كده؟ حضرتك اللي بتنزل المفتاح بإيدك؟ سايبني أنا وعيال ابنك في الضلمة والحر ومفيش نقطة مايه بقالنا أسبوعين؟!
حمايا حتى مرفة لوشه رمش، ولا حاول ينكر. بصلي بجمود وقال بصوت حاد
أيوة أنا اللي بنزله كل يوم بعد ما أرجع من الجامع! عشان تناموا زي الناس وماتقلقوش العمارة! الست شيرين مش عارفة تنام من جري عيالك وصريخهم طول الليل، والماتور بتاعك بيزعجنا كل شوية وصوته بيهز البيت. ما دام مش عارفة تلمي عيالك، يبقى الضلمة تلمك إنتي وهم!
سلفتي هي اللي سخنته عشان تنكد عليا، وهو مفكرش في عيال ابنه المسافر! بصيت له وقولت بحدة
ده عيال ابنك يا حج! طارق لو عرف باللي بتعمله فينا وإنه مسافر وسايب وراه ناس بتعذبنا كده، أقسم بالله ما هيسكت وهييجي ياخدنا في شقة برة فورًا!
حمايا ضحك باستهزاء وقرب مني خطوة، وفي عينه نظرة غريبة وباردة خلت الدم يتجمد في عروقي، وقال بهمس
طارق؟ وريني هتقولي له إيه لما يسمع التسجيل اللي معايا، ويعرف الباب اللي بيتفتح عليكي في الضلمة دي بيخرج منه مين!
الجملة نزلت على دماغي زي جردل مية متلجة، لأ.. مية نار كوت صدري وحرقت روحي في ثانية.
وقفت متيبسة في مكاني على بسطة السلم بين الدور التاني والأول، كشاف الموبايل كان بيرتعش في إيدي والضوء بتاعه عمال يروح وييجي على وش حمايا، اللي كان باصصلي بعيون باردة مفيهاش ذرة رحمة، كأنه بيتفرج على نملة داس عليها ومش فارق معاه.
وشيرين وراه، واقفة ومسندة كتفها على حلق باب شقتها، حاطة إيد في وسطها وعلى وشها ابتسامة شامتة تفرس، ابتسامة حد كان بيجهز لمصيبة وشايفها بتفرقع قدام عينه بنجاح.
تسجيل إيه؟! وباب مين اللي بيتفتح عليا؟! إنت بتقول إيه يا راجل إنت؟! الصوت خرج من زوري مبحوح، متلخبط بين الغضب والذهول والخوف. أصل الخوف لما يدخل في شرف الست بيبقى عامل زي السكاكين، مش عشان هي عاملة حاجة، لأ، عشان عارفة إن السمعة في بيوت العيلة دي زي ورقة السلوفان، كلمة واحدة من راجل كبير كفيلة تحرقها ومحدش هيسأل عن الدليل.
حمايا مط شفايفه ببرود، وحرك خرزات سبحته كأنه بيذكر ربنا في نفس اللحظة اللي بينهش فيها في لحمي، وقال بصوت واطي بس حاد زي الشفرة حسك عينك صوتك يعلى في البيت ده طول ما جوزك مش هنا.
إنتي فاكرة إني مش واخد بالي؟ فاكرة إن البيت ده مفيهوش كبير؟ كل يوم النور يتقطع من هنا، والاقي خيال طالع على السلم عندك من هنا. وأهو كل حاجة متسجلة، ووريني بقى طارق لما يسمع ويشوف هيصدق أبوه ولا هيصدق واحدة قالعة حياها، سارحة بالعيال طول الليل ونايمة بالنهار!
شيرين اتدخلت بمياعة وخبث، صوتها كان ناعم ومسموم يا نادين يا حبيبتي، إحنا خايفين عليكي والله.. بس يعني إنتي شايفة، لا راجل معاكي ولا حد حاميكي، وبتقولي النور بيقطع، طب العيال يعيطوا، نقول ماشي عيال، لكن تفتحي بابك وتدخلي وتخرجي في الضلمة دي؟ مين يضمن بقى الناس تقول إيه على بيت الحاج فضل؟
أنا الدنيا لفت بيا، الحيطان بدأت تميل. كنت حاسة إني في كابوس، كابوس ملوش أول من آخر. خيال مين يا شيرين؟! وناس مين يا حاج؟! أنا مبفتحش باب شقتي أصلاً من الرعب! أنا بقفل الباب بالترباس والمفتاح من أول ما النور بيقطع، وبقعد احضن عيالي وأهوي عليهم بكرتونة لحد ما الفجر يشقشق! إنتوا إيه.. إنتوا معندكمش رحمة؟ معندكمش نخوة تتقوا الله في لحم ابنكم اللي متغرب عشانكم وعشان مصاريفكم؟!
حمايا خبط عكازه في الأرض خبطة رنت في مدخل العمارة كله اخرسي خالص واطلعي شقتك! المفتاح هينزل كل يوم بعد العشا، ونفس مش عايز اسمعه. ولو حسك رن في ودن طارق بكلمة، التسجيل ده هيكون عنده قبل ما تكملي جملتك، واخليه يطلقك ويرميكي في الشارع بشنطة هدومك، والعيال دول ييجوا يتربوا هنا تحت رجلي، بعيد عن أمهم اللي مش عارفة تصون غيبته!
الكلام كان كتير عليا.. كتير أوي على واحدة أعصابها هرياها قلة النوم، وجسمها مهدود من خدمة طفلين صغيرين لوحدها، ودماغها مشوشة من الحر والعطش.
مكنتش قادرة أقف على رجلي. بصيت ليهم، لقيتهم شبه الذئاب اللي اتفقت
على فريسة. حسيت إن الكلام معاهم دلوقتي هيضيعني، لو صوتي علي زيادة حمايا ممكن يمد إيده، وساعتها مفيش حد هينجدني، العمارة كلها بتاعتهم، ومحدش غريب ساكن معانا.
لفيت ضهري، ورجعت أطلع السلم ودموعي نازلة زي الشلال بدون صوت. كل خطوة كانت كأنها جبل فوق ضهري. طلعت الدور التالت، دخلت الشقة، وقفلت الباب بالترباس، وسندت ضهري على الخشب واتزحلقت على الأرض وقعدت أعيط بحرقة.
الشقة كانت كتمة، ريحة العرق مع كتمة الجدران مع ضلمة عمياء مفيهاش غير نور شاشة الموبايل اللي كان قرب يفصل شحن.. بطاريته كانت ١٨٪. صوت عياط كرمة بنتي فوقني. البنت كانت بتشهق من كتر البكاء، وشها كان دافي وجسمها ملزق من الحر، ويونس نايم على الأرض في الصالة هربان من سخونة السرير، بيتقلب ويفرك في وشه وهو نايم.
قومت زي المجنونة، دورت على إزازة المية المعدنية اللي كنت مخبياها في التلاجة، لقيتها سخنت وبقت دافية. بليت طرف فوطة ومسحت وش كرمة وجسمها، رضعتها وأنا بهزها ورجلي بتترعش. عقلي مكنش مبطل تفكير.. إيه موضوع التسجيل ده؟ وتسجيل لإيه بالظبط؟
أنا طول عمري في حالي، من يوم ما طارق سافر السعودية قبل سنة ونص وأنا علاقتي بالدنيا اتقطعت. يدوب بنزل يوم الجمعة الصبح بدري اشتري خضار الأسبوع وأرجع، ومبكلمش حد في الشارع غير البقال اللي على ناصية الحارة لما بطلب منه طلبات في التليفون. وحتى السطوح مبطلعوش! مين اللي بيطلع عندي؟ وإيه حكاية الخيال اللي حمايا بيتكلم عنه؟!
فجأة، افتكرت حاجة قلبي اتقبض منها. من أسبوعين، يعني بالظبط من أول ما بدأ حوار قطع النور ده.. كنت كذا مرة وأنا قاعدة في الضلمة، سامعة صوت تزييق درجات السلم الخشب اللي طالع للسطوح فوقيا.
العمارة أربع ادوار، التالت بتاعي، والرابع شقة مقفولة لسه على الطوب الأحمر بتاعت أخو جوزي الصغير اللي في الجيش، وبعدها السطوح. كنت بقول لنفسي دي قطط، أو يمكن الهوا بيهز باب السطوح. بس هل يعقل إن حد كان بيطلع فوق؟ وليه شيرين تبتسم الابتسامة دي بالذات؟
مسكت الموبايل، فتحت الواتساب، ودخلت على شات طارق. آخر ظهور ليه كان من ساعتين. طارق شغال مهندس في موقع في الرياض، شغله شفتات ليلية أحيانًا، وبيبقى مضغوط ومبيحبش النكد، وعنده نقطة ضعف عمياء ناحية أبوه؛ الحاج فضل ده بالنسبة له خط أحمر، رباه لوحده بعد ما أمه ماتت وهو صغير، وطارق شايف إن أبوه ملاك مبيغلطش، وإن طاعته من طاعة ربنا، حتى لو داس على أي حد تاني.
كتبت رسالة طارق.. الحقني، أبوك وشيرين عاملين عليا مؤامرة وعايزين يخربوا بيتنا.. النور مقطوع عني بقاله أسبوعين بأمر من أبوك عشان شيرين بتشتكي من العيال، ودلوقتي بيهددني بحاجة مفيهاش ذرة شرف! صوابعي وقفت فوق زرار الإرسال. اترعبت.. لو بعت الرسالة دي وطارق اتصل بأبوه، حمايا هيقلب الترابيزة في ثانية، وهيقول له شفت مراتك بتتبلى عليا إزاي؟ وهيبعت له التسجيل أياً كان إيه هو، وطارق هناك على بعد آلاف الكيلومترات، الشك هيقتله والوسواس هيعمي عينه، وأنا هنا لوحدي، معنديش سند ولا أهل في القاهرة، أهلي كلهم في طنطا، وأمي ست مريضة سكر وقلب، لو سمعت كلمة زي دي ممكن تروح فيها.
مسحت الرسالة.. مسحتها ودموعي بتنزل على الشاشة.
قضيت الليلة دي أطول ليلة في عمري. كنت قاعدة على كرسي جنب الباب، ماسكة سكينة المطبخ الصغيرة في إيدي اليمين، والموبايل في إيدي الشمال. كل ما حركة الهوا تحرك ستارة، أو أسمع طقة في خشب الباب، قلبي يقع في رجلي. الحر كان بيخنق، بس الرعب كان مخليني متلجة، أسناني بتخبط في بعض.
مع أذان الفجر، سمعت صوت تك من تحت.. الكهربا رجعت فجأة! المروحة لفت، والتلاجة اشتغلت بصوتها المألوف، والماتور اشتغل وسمعت صوت المية وهي بتجري في المواسير. حمايا رجع الكهربا مع خروجه لصلاة الفجر في الجامع، عشان لما الناس تصحى في العمارة ميبانش إن في حاجة غير طبيعية.
جريت على المطبخ مليت الجرادل والحلل وكل إزازة فاضية، وشطفت كرمة وغيرت ليونس، ودخلت نمت جنبهم من التعب والانهيار العصبي، صحيت الساعة اتناشر الضهر على رنة التليفون.
كان طارق. أول ما شوفت اسمه، قلبي دق بعنف. بلعت ريقي وحاولت أظبط صوتي عشان ميبانش إني كنت بعيط ألو.. صباح الخير يا طارق. جه صوته من الناحية التانية، بس مكنش دافي زي العادة، كان تقيل وناشف صباح النور يا نادين.. إنتي كويسة؟ الحمد لله يا حبيبي، إنت عامل إيه؟ شغلك تمام؟ سكت ثواني.. ثواني مرت عليا زي سنين، وبعدين قال أنا كلمت الحج الصبح بعد الفجر عشان أطمن عليه.. لقيته صوته تعبان ومضايق. ريقي نشف، وقولت بحذر ماله؟ خير فيه حاجة؟ طارق اتنهد تنهيدة طويلة وقال بيقولي إنه مبقاش قادر على وجع الدماغ، وإن العيال تحت بيزنوا ويصرخوا طول الليل ومطيرين النوم من عينه، وإنك مش عارفة تسيطري عليهم.. حتى شيرين بتقوله إنها بتصحى مفزوعة من خبط الماتور ورزع البيبان فوق.
الدم غلى في عروقي، بس تماسكت وقولت يا طارق، العيال صغيرين وإنت عارف كرمة بتسنن، وبعدين الماتور صوته عادي، شيرين هي اللي بتتحجج عشان هي بتكرهني من يوم ما اتجوزنا، وإنت عارف كده كويس!
رد عليا بصوت علي فجأة وبان فيه العصبية نادين! متدخليش شيرين في جملة مفيدة، أنا بتكلم عن أبويا! الراجل راجل كبير وصحته متستحملش السهر والدوشة! إنتي ليه مبتعرفيش تلمي العيال وتنامي بيهم بدري زي بقية خلق الله؟ بتفضلي صاحية طول الليل ليه أصلاً؟ إنتي قاعدة لوحدك في الدور التالت، المفروض من المغرب تكوني قافلة بابك ونايمة عشان متحطيش نفسك في شبهات وتوجعي دماغ أبويا!
الكلمة وجعتني في مقتل.. متحطيش نفسك في شبهات؟! شبهات إيه يا طارق؟! هو أبوك قالك حاجة تانية؟! سألته وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب مني. طارق تردد، وقال بنبرة مريبة مقالش حاجة واضحة.. بس قالي كلمه فهمت منها إن تصرفاتك مبقتش مريحة، وإن البيت له حرمته وسيرته اللي مبيرضاش حد يمسها. قالي خليها تفضل في شقتها ومتقعدش تتحرك كتير في العمارة، ولما سألته قصده إيه، قالي اسألها هي.. ها يا نادين؟ قصد أبويا إيه بالكلام ده؟ فيه حاجة إنتي مخبياها عليا؟
مسكت أعصابي بالعافية، الدموع كانت هتنزل بس كتمتها أبوك مبيقولش حاجة واضحة يا طارق عشان هو ملوش حق في أي حاجة بيعملها! وعشان تعرف ابن مين البار، أبوك بيقطع عني وعن ولادك الكهربا كل يوم من بعد العشا لحد الفجر! أيوة، بينزل المفتاح من اللوحة العمومية عشان يعاقبني ويحبسني في الضلمة أنا وولادك في عز الحر والمية مقطوعة! هو قالك دي في المكالمة ولا نسي يقولها؟!
الخط سكت تماماً. طارق فضل ساكت بتاع نص دقيقة، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس، وقال إنتي اتجننتي يا نادين؟ أبويا؟ الحاج فضل اللي بيصلي الفرض بفرضه وعمره ما داس على طرف حد هيقطع عنك الكهربا بالنهار والليل؟
! انتي بتألفي كلام عشان تطلعي نفسك مظلومة؟ هو قالي إن
العداد عندك بيهبط عشان بتشغلي التكييف مع الماتور مع الغسالة، وهو نبهك كذا مرة وانتي بتعاندي!
أنا؟! والله العظيم كداب! شيرين هي اللي.. قاطعني بزعيق خرم ودني نادين! لحد هنا والزمي حدودك! كلمة زيادة عن أبويا والله ما هتشوفي خير! أنا جاي إجازة بعد أسبوعين عشان في أمور كده لازم تتظبط وتتحط في نصابها.. والحد الأسبوعين دول ما يعدوا، حسك عينك أسمع إنك عملتي مشكلة مع أبويا أو مع شيرين ومرتضى أخويا لما ينزل من الشغل، سامعة؟! اقعدي في شقتك ساكتة، وحسابنا لما أنزل. وقفل السكة في وشي.
قفلت الموبايل وإيديا بترتعش. طارق مش مصدقني، ومش هيصدقني. هو مسلم ودنه وعقله لأبوه تماماً. وحمايا بدأ يمهد للأمر.. حمايا مش بس عايز يعاقبني عشان الماتور أو عياط العيال، الموضوع أكبر من كده بكتير. حمايا وشيرين بيرتبوا لحاجة تطردني من البيت ده، أو تخليني مكسورة العين قدام طارق لما ينزل، بحيث لو حتى اشتكيت أو طلبت شقة برة، أكون أنا الطرف المدان اللي متقدرش تفتح بؤها.
بس ليه؟ إيه مصلحة شيرين؟ شيرين جوزها مرتضى، أخو طارق التاني، شغال في شركة مقاولات وبيسافر محافظات وييجي في الويك إند، ومعاهم بنتين، وشيرين طول عمرها عينها من شقة الدور التالت بتاعتي.. شقتي أكبر، وفيها بلكونة واسعة على الشارع الرئيسي، وشقتها هي على منور وشارع ضيق. كانت دايماً تقول في التجمعات والله حرام الشقة الكبيرة دي تبقى لنادين وعيالها وطارق مسافر أصلاً ومحدش بيستنفع بيها!
هل ممكن الغيرة والحقد يوصلوها للدرجة دي؟ إنها تتبلاني في شرفي بالاتفاق مع حمايا؟! وحكاية التسجيل دي إيه؟!
قعدت أفكر بعقل بارد، مسحت دموعي، وقولت لنفسي البكاء واللطم مش هينفعوكي يا نادين.. إنتي هنا لوحدك وفي معركة، لو استسلمتي هتدبحي إنتي وعيالك وسمعتك هتضيع.
لازم أعرف إيه اللي بيحصل بالظبط. قومت، لبست إسدالي، ونزلت على السلم بهدوء من غير ما أعمل أي صوت. كنت حريصة إن رجلي متخبطش في الدرجات. نزلت للدور الأرضي، عند لوحة العدادات اللي تحت بير السلم. فتحت علبة الصاج بتاعت العدادات براحة. بصيت على المفاتيح.. مفتاح شقتي كان مرفوع، مكتوب عليه بالقلم الفلوماستر شقة ٣. وجنبه مفتاح تاني مكتوب عليه ماتور ٣.
فجأة لاحظت حاجة غريبة جداً.. جنب لوحة الكهربا، في ركن بير السلم ورا شوية كراكيب وخشب قديم، كان فيه سلك أبيض رفيع طالع من فيشة صغيرة في الحيطة، وماشي ملاصق للوزرة بتاعة السلم، وطالع لفوق! نزلت على ركبي، وبدأت أتبع السلك بعيني وبصوابعي. السلك ماشي بدقة، متثبت بكلبسات بلاستيك صغيرة لونها نفس لون دهان الحيطة عشان ميبانش، طالع من مدخل البيت، معدي جنب شقة الحاج فضل في الأرضي، وطالع للدور التاني.. معدي من فوق باب شقة شيرين، ومكمل لفوق.. عندي في التالت!
قلبي دق بسرعة جنونية. طلعت السلم خطوة خطوة وأنا ماشية ورا السلك. السلك معدي من جنب باب شقتي، ومكمل على السلم الخشب اللي طالع للسطوح! طلعت درجات السلم الخشب اللي بتزيق براحة، وبصيت فوق.. في زاوية السقف بين شقتي والدور الرابع الفاضي، كان السلك بينتهي عند علبة صغيرة سودا، متثبتة بمسامير في الحيطة وموجهة بالظبط على.. باب شقتي وعتبة السلم اللي قدامه!
كاميرا! كاميرا صغيرة جداً، عدستها ميكروسكوبية، منورة لمبة زرقا خافتة مبتظهرش غير لو ركزت فيها أوي في الضلمة! رجعت خطوة لورا وخبطت في الحيطة، إيدي غطت بؤي عشان مطلعش صرخة. الكاميرا دي متوصلة بالنت أو بتسجل على كارت ميموري، ومحطوطة في مكان يكشف مين طالع ومين نازل من عندي، وبالذات.. باب شقتي!
طب لو الكاميرا بتصور باب شقتي، حمايا ليه قال التسجيل اللي معايا، ويعرف الباب اللي بيتفتح عليكي في الضلمة دي بيخرج منه مين؟! أنا مبفتحش الباب أصلاً! إلا إذا.. إلا إذا كان فيه حد بيطلع فعلاً، أو حد بيتعمد يظهر في الكاميرا قدام بابي؟!
عقلي كان هيتشل. نزلت شقتي بسرعة، قفلت الباب عليا وأنا برتعش. الموضوع مكنش مجرد مكيدة حما وسلفة غيرانين، ده فخ معمول بهندسة، فخ مدروس عشان يتدمر بيتي وتضيع سمعتي وتطرد في الشارع ويسيبوا طارق يطلقني غيابي وميقدرش حتى يدافع عني.
الساعة كانت بقت تلاتة العصر. مرتضى، حمايا، كان زمانه نايم نومة القيلولة، وشيرين بتكون مع عيالها تحت. أنا كان قدامي حلين يا إما استنى لحد العشا لما النور يقطع ويحصل اللي بيحصل وأنا محبوسة جوة مش فاهمة، يا إما أواجه الفخ ده بحاجة تكسره قبل ما يتقفل عليا.
بس عشان أكسره، لازم أفهم مين الخيال اللي بيطلع على السلم ده؟ شيرين عندها أخ اسمه وائل، شاب صايع وعاطل وبتاع مخدرات، بييجي العمارة كتير يقعد مع أخته ومع حمايا بحجة إنه بيساعدهم في مشاوير أو يجيب طلبات. وائل ده بالذات كنت دايماً بحسه بيبصلي بنظرات مش مظبوطة لما بنتقابل صدفة على السلم، وكنت دايماً بتجنبه وبدخل شقتي بسرعة. هل وائل له يد في الموضوع؟ هل هما بيستغلوه عشان يطلع يوقف قدام بابي في الضلمة والكاميرا تصوره، فيبان إن فيه راجل طالع عندي بعد ما النور بيقطع؟!
الفكرة لما خطرت في بالي خلت الدم ينسحب من وشي. لو هو ده السيناريو.
. يبقى الكاميرا بتسجل وائل وهو بيطلع، وحمايا بيفصل النور عشان يحبك التمثيلية ويقول إننا بنستغل الضلمة، والتسجيل ده لو راح لطارق، حتى لو أنا مظهرتش فيه، مجرد وجود راجل غريب واقف قدام بابي في وقت متأخر والنور مقطوع كفيل إنه يدمرني ويدبحني من غير ما يسمع مني كلمة دفاع واحدة!
بصيت على عيالي يونس وكرمة اللي كانوا بيلعبوا بمكعبات على سجادة الصالة في براءة تامة، مش فاهمين المصيبة اللي بتتدبر لأمهم. قولت لنفسي بصوت مسموع على جثتي.. والله على جثتي إنكم تلمسوا شعرة من سمعتي أو تاخدوا عيالي مني!
خطرت في بالي فكرة، مجنونة ومحفوفة بالمخاطر، بس كانت طريقي الوحيد للنجاة. العمارة فيها راوتر نت واحد بتاع حمايا، وهو اللي موزع منه لشيرين وليا فوق بوصلة واخدينها منه. الكاميرا دي أكيد متوصلة على الراوتر ده أو بتسجل محلي. لكن الأهم من الكاميرا هو الإثبات الحقيقي للي بيحصل على السلم وقت قطع النور.
الموبايل بتاعي شحنته لحد ١٠٠٪. وعندي موبايل قديم بتاع طارق كان سايبه هنا، كاميرته كويسة وبطاريته متغيرة جديدة. شحنته هو كمان للآخر. ودخلت المطبخ، جبت شريط لحام أسود عريض. روحت على باب الشقة، من جوة، وبصيت من العين السحرية.. العين السحرية كانت وسخة ومغبشة. فكيتها براحة، مسحتها ونضفتها وركبتها تاني بحيث تكون الرؤية واضحة كالشمس. ثبتت الموبايل القديم على حامل صغير، وحطيته على كرسي قصاد الباب بالظبط، وظبطت الكاميرا بتاعته بحيث تكون عدستها ملتصقة بالعين السحرية من جوة، ومغطية بالمشمع واللزق الأسود عشان ميبانش من برة أي وميض أو شاشة منورة. الموبايل ده هيسجل فيديو صوت وصورة لكل ملّي بيحصل قدام الباب برة على بسطة السلم، من غير ما حد يحس بيه.
بس ده مش كفاية.. الموبايل ده هيسجل في الضلمة إزاي
لو حمايا نزل المفتاح؟! العين السحرية في الضلمة الكحل مش هتشوف حاجة! قعدت ألف في الشقة زي الفرخة المذبوحة، أعمل إيه؟ أعمل إيه عشان أكسر الضلمة دي من غير ما يحسوا؟!
وفجأة بصيت على كشاف الطوارئ الصغير اللي كنت شرياه ليونس بيلعب بيه، كشاف فيه سينسور حركة بيشتغل ببطاريات قلم! كنت معلقاه في الطرقة بين الأوض عشان لو حد قام بالليل الحمام ينور لوحده. الكشاف ده بيشتغل على البطاريات، ملوش دعوة بكهربا حمايا ولا مفاتيحه! لو علقته برة، فوق عتبة الباب مباشرة، أي حركة هتحصل قدام الباب الكشاف هينور تلقائي وينور البسطة كلها، والكاميرا اللي ورا العين السحرية هتسجل كل تفصيلة بأعلى جودة! بس لو علقته برة، شيرين أو حمايا هيشوفوه وهيشيلوه قبل ما الخطة تنجح.
لازم أتصرف بذكاء.. طلعت برة الشقة وبصيت فوق الباب. كان فيه ماسورة غاز طبيعي معدية بالعرض فوق حلوق الأبواب في العمارة كلها، وكان عليها طبقة تراب قديمة جداً ووراها مساحة ضيقة مدارية عن العين.
جبت سلم صغير، وبأقصى درجات الهدوء، ثبتت الكشاف الصغير باللزق ورا ماسورة الغاز، بحيث يكون مستخبي تماماً، والعدسة بتاعته وزاوية السنسور باصة لتحت على عتبة الباب، ومتغطية بحتة كرتونة صغيرة مش مبينة غير فتحة قد عقلة الصباع. لو حد قرب من الباب على مسافة متر، الكشاف هيضرب لتحت زي السبوت، ويفضح المكان!
نزلت وقفلت الباب، وبدأت أستعد. الساعة دخلت على سبعة المغرب. الأذان أذن، ودخلت صليت ودعيت بدموع قهر يارب إنت عالم بنيتي، وعالم إني محفظتش غير غيبة جوزي وشرفه، انصرني عليهم واكشف كيدهم في نحورهم.
الساعة تمانية ونص. سمعت صوت رجلين حمايا طالع من الجامع.. صوته وهو بيكح في المدخل تحت، وبعدين صوت رزع باب شقته في الدور الأرضي. عشر دقايق بالظبط مرت.. وفجأة، تك! الشقة اتطفت بالكامل. المروحة هديت سرعتها لحد ما وقفت، التلاجة سكتت، والضلمة طبقت على صدري من تاني.
لكن المرة دي، مكنتش خايفة ولا منهارة.. المرة دي كنت زي النمرة اللي مستنية فريستها تقع في الشرك. دخلت الأوضة، حطيت قطن في ودان يونس وكرمة واديتهم شوية مهدئ بسيط للمغص عشان يناموا وميطلعوش صوت يقلق الخطة.
وقفت ورا باب الشقة في الصالة.. كنت كابمة نفسي، وعيني باصة على الشاشة بتاعة الموبايل القديم اللي متثبت قصاد العين السحرية.
مرت نص ساعة.. مفيش غير صوت دقات قلبي اللي حاسة إنها مسموعة في العمارة كلها. الساعة تسعة وربع. صوت طقطقة خفيفة على السلم الخشب اللي فوقيا.. السطوح! الصوت كان بيقرب.. مش خطوات قطط، دي خطوات بني آدم لابس شبشب بلاستيك ونازل على طراطيف صوابعه عشان الخشب ميزيقش!
حبست نفسي تماماً، وإيديا مسكت مقبض الباب من جوة، السكينة كانت في جيبي التاني. الخطوات نزلت ووقفت على بسطة الدور التالت.
. قدام بابي بالظبط! وفجأة.. الكشاف السري اللي فوق ماسورة الغاز لقط الحركة ونور!
الضوء الأبيض ضرب على البسطة، وشاشة الموبايل عندي نورت بصورة واضحة لدرجة الرعب! اللي كان واقف قدام الباب مش وائل أخو شيرين.. اللي كان واقف، ولابس جلابية خفيفة وماسك في إيده مفتاح غريب وبيحاول يحطه في كالون شقتي.. كان حمايا نفسه، الحاج فضل! وبوشه التاني اللي عمري ما شوفته، وراه مباشرة كانت واقفة شيرين وماسكة تليفونها بتصور ظهره وهو بيفتح الباب، عشان التسجيل يكمل ويبان إن فيه راجل بيدخل الشقة!
بس الحاج فضل لما الكشاف نور فجأة في وشه اتفزع ورجع لورا، وبص لفوق عند ماسورة الغاز بصدمة كأن القيامة قامت.. وفي اللحظة دي بالظبط، وأنا شايفة وشه المرعوب في شاشة الموبايل، صوت رسالة صوتية جه على تليفوني الأساسي من رقم غريب، فتحت الشات بإيد بترتعش، ولقيت رسالة مكتوبة من سطر واحد افتحي الباب يا نادين.
. طارق واقف تحت في مدخل العمارة ومعاه البوليس!
حمـايا كـل يـوم بعد صـلاة العـشاء يقـطع عني الكـهرباء ج 2 حكـايات مني السيد حصري
السطر اللي ظهر على شاشة الموبايل كان عامل زي صاعقة كهربا نزلت في نافوخي.. طارق تحت؟ ومعاه البوليس؟!
إيديا اتجمدت على الشاشة لثواني، عقلي مكنش قادر يستوعب هو ده حلم ولا حقيقة ولا كمين جديد من كمائنهم. بس الصوت اللي طلع من السلم برة كسر جمودي في لحظة؛ حمايا لما الكشاف نور في وشه اتفزع زي الحرامي اللي اتقفش متلبس، إيده فلتت المفتاح الغريب اللي كان بيحاول يدخله في الكالون، ورن المفتاح على البلاط رنة حديد كشفت المستور، وشيرين شهقت بصوت مكتوم وهي بتشد حمايا من دراع جلابيته يا مصيبتي يا عمي! النور جه منين؟! الكشاف ده محطوط هنا من إمتى؟!
حمايا كان وشه أصفر زي الليمونة، عينه مبرقة وهو باصص لعدسة الكشاف الصغير اللي مداري ورا ماسورة الغاز، وبيتلفت يمين وشمال كأنه بيدور على عفريت. همس بصوت بيترعش من الغل والرعب انزلي.. انزلي شقتك بسرعة ومتقوليش ولا حرف! البت الفاجرة دي حاطة حاجة فوق الباب!
لكن قبل ما رجل حمايا تلحق تلمس أول درجة سلم نازلة، اتهزت العمارة كلها بصوت رزعة باب المدخل الحديد تحت، صوت رزعة عنيفة رنت في بير السلم كله، وبعدها على طول صوت خطوات تقيلة وسريعة بتجري على السلم من تحت لفوق، خطوات أكتر من شخص، وجزم ميري بتخبط في البلاط الرخام بعنف.
وصوت طارق.. صوته اللي حفظاه من سنين، طالع من تحت زاعق ومبحوح ومليان غضب وقهر اقف مكانك يا حج! والله العظيم خطوة تانية لتحت ما هتحصلك طيب!
شيرين صرخت صرخة رعب رنت في أرجاء العمارة كلها، وحمايا اتسمر مكانه على السلم بين الدور التاني والتالت، العكاز وقع من إيده ودحرج على الدرج، وشه كان مفزوع لدرجة إن شفايفه كانت بترتعش ومش طالع منها أي صوت.
أنا من ورا الباب، كنت شايفة كل ده لايف على شاشة الموبايل القديم اللي متثبت قصاد العين السحرية، الفيديو كان بيسجل كل همسة وكل نفس وكل حركة. صوابعي اللي كانت بتترعش اتحركت على ترباس الباب، شيلته براحة، وفتحت القفل، وشديت الباب على وسعه.
المشهد برة كان يفوق أي تخيل حمايا واقف على السلم، مائل بضهره على الحيطة وعينه زايفة، وشيرين لازقة في حلق باب شقتها في الدور التاني، ضامة جلابيتها عليها ومرعوبة، وعلى السلم الطالع كان طارق.. طارق بجسمه الشقيان، وشه شاحب ومرهق من عناء السفر والمطارات، لابس نفس هدوم السفر الشتوية الخفيفة ومعاه شنطة ضهره مرمية على كتف واحد، وجنبه أمين شرطة ببدلته الميري، وظابط مباحث شاب وراه اتنين عساكر شايلين أسلحتهم.
أول ما عيني جت في عين طارق، كل الوجع وكل الرعب وكل ليالي الضلمة اللي عشتها مع عيالي انفجروا في صرخة واحدة أهو يا طارق! أهو الراجل اللي بيقطع عني النور عشان ييجي يفتح بابي في أنصاص الليالي! أهي الشريفة العفيفة اللي كانت بتصور حماها في الضلمة عشان تلبسني مصيبة في شرفي!
طارق طلع السلم خطوتين بخطوتين، عنيه كانت حمرا دم كأنه منامش بقاله أسبوع. بص لأبوه، بص للمفتاح اللي مرمي على الأرض قدام عتبة شقتي، وبص للتليفون اللي في إيد شيرين، وشه كان بيتحول من الذهول للغضب الأعمى، إيده كانت بتترعش وهو بيشاور على المفتاح اللي على الأرض ده مفتاح إيه يا حج؟ ده مفتاح شقتي أنا ونادين؟ المفتاح اللي كنت سايب نسخته معاك أمانة عشان لو حصل طوارئ في غيابي؟! إنت بتعمل بيه إيه هنا في الضلمة دي وقدام باب مراتي بعد نص الليل؟!
حمايا اتلعثم، لسانه ثقل، وحاول يستجمع جبروته المصطنع، رفع راسه وقال بصوت مهزوز مش قادر يداري الفضيحة طارق.. يا ابني إنت اتجننت؟ إنت جايب الحكومة على أبوك في نصاص الليالي عشان كلام فارغ؟ دي.. دي كانت حركة عشان أربيها! عشان أضبطها متلبسة مع اللي بيطلعلها هنا كل ليلة!
مين اللي بيطلعلها يا كداب؟! الكلمة طلعت من زوري زي الرصاصة. مكنتش خايفة خلاص، الخوف مات في اللحظة اللي شوفت فيها طارق واقف بضهره ليا وشه ليهم. روحت شديت الموبايل القديم من ورا الباب، وشديت كشاف السنسور من ورا ماسورة الغاز، ونزلت درجتين ووقفت جنب طارق شوف يا حضرة الظابط.. شوف يا طارق الكاميرا دي مسجلة إيه من أسبوعين لحد اللحظة دي! شوف مين اللي كان بيطلع، ومين اللي كان بيفصل الكهربا من تحت، ومين اللي ركب كاميرا مراقبة فوق بابي عشان يلفقلي فيديوهات!
ظابط المباحث قرب بهدوء محترف، شاور لأمين الشرطة حرز المفتاح ده يا بني من على الأرض، وهات التليفون اللي في إيد الست دي. شيرين رجعت لورا خطوة وصرخت بهستيريا تليفون مين؟! محدش يلمس تليفوني! ده بيت عيلة وده حمايا ودي مشاكل عائلية ملكوش دعوة بيها! الظابط رد ببرود حاسم ونبرة مفيهاش هزار مشاكل عائلية لما تضربوا بعض بالقلم، إنما لما يتفتح بلاغ رسمي عن شروع في اقتحام وشبهة ابتزاز وتلفيق تهمة وتركيب كاميرات مراقبة غير مرخصة تكشف حرمة منزل بدون إذن نيابة، ده شغلنا إحنا.
هاتي التليفون بهدوء عشان منعملش مشهد ميعجبكيش في الحارة كلها.
شيرين رمت التليفون على السلم وهي بتعيط وتندب والله ما أنا! والله العظيم عمي هو اللي قالي! هو اللي كان عايز يطفشها عشان الشقة تفضى لمرتضى أخوك ولعيالي! هو اللي جه وقالي البت دي لازم تخرج بفضيحة عشان طارق يرمي عليها اليمين ومياخدش عياله ولا يدفع مليم مؤخر ونفقة! هو اللي خطط لكل ده وأنا يدوب كنت بنفذ كلامه!
الكلام نزل على طارق زي الصاعقة اللي شلت أركانه. طارق ساب الحيطة وقرب من شيرين بخطوة مرعبة، صوته كان كأنه طالع من بير عميق عشان الشقة؟! عشان شقة طوب وأسمنت، تبيعي شرف أخو جوزك، وتخوضي في عرض واحدة شايلاك في عينها ومستحملاكي؟! وتعملوا فيها كده وتسيبوا عيالي.. كرمة اللي لحمها لسه طري ويونس الصغير.. في الضلمة والحر والعطش أسبوعين كاملين؟!
حمايا بص في الأرض، للمرة الأولى في حياتي أشوف الراجل اللي كان صوته بيهز العمارة كلها، الراجل اللي كان بيتباهى بالسبحة والصلاة في أول صف، مكسور ومنكس راسه في الأرض زي الحرامي الرخيص. حاول يمسك في هدوم طارق يا طارق يا بني.. استهدى بالله، إنت هتصدق الغريبة وتكدب أبوك؟ أبوك اللي شقي عليك ورباك؟! أنا كنت خايف عليك.. خايف من الوحدة والفتنة في غيابك!
طارق نفض إيد أبوه من على هدومه بقوة خلت حمايا يترنح ويسند على درابزين السلم. كانت دي أوجع لحظة.. اللحظة اللي الابن بيكتشف فيها إن الملاك اللي كان بيعبده على الأرض طلع هو الشيطان اللي بيطعنه في ضهره.
فتنة إيه يا حج؟! فتنة منين
وإنت اللي بتفصل العداد بإيدك كل يوم بعد ما ترجع من الجامع؟! إنت متكسفتش من ربنا وإنت خارج من بيت ربنا ورايح تقطع المية والنور عن أطفال رضع؟
متكسفتش وإنت مطلع وائل أخو شيرين يستخبى في الدور الرابع ويطلع خياله على السلم عشان الكاميرا تلقطه؟!
أنا اتسمرت مكاني لما سمعت طارق بيقول كده.. إنت.. إنت عرفت منين حوار وائل ده يا طارق؟! سألته وأنا مذهولة.
طارق التفت ليا، وعينه كانت بتلمع بالدموع المكتومة، دموع راجل اتهد كيانه كله في ليلة واحدة أنا عرفت كل حاجة يا نادين.. التغريدة اللي نزلتيها أول يوم، شافها واحد صاحبي مهندس معايا في الشركة هناك، وراني البوست وسألني هي دي نادين مراتك؟ أنكرت في الأول من كسفتي، بس لما كلمتك الصبح ولقيتك منهارة، ولما قفلتي معايا السكة، قلبي وكلني.. معرفتش أقعد ثانية واحدة. حسيت إن فيه مصيبة سودا بتحصل في البيت ده.
طارق مسح وشه بكفه وكمل، وهو باصص لشيرين وأبوه بقرف نزلت حجزت على أول طيارة طلعت من الرياض لمطار القاهرة.. وصلت الساعة تمانية بالليل. مروحتش على البيت، روحت على القهوة اللي في أول الحارة عند صاحب عمري إبراهيم. وإبراهيم قالي يا طارق، بقالي أسبوع شايف وائل أخو شيرين بييجي العمارة عندكم في أوقات غريبة، بعد العشا بالذات، ويطلع على السطوح وينزل متسحب. كلمت معارف ليا في المباحث وجيت على هنا فوراً، ولما دخلت مدخل العمارة وشوفت لوحة الكهربا مفصولة بالمنظر ده، عرفت إن كل كلمة نادين قالتها كانت حق، وإنكم كنتوا بتدبروا لجريمة!
الظابط مسك التليفون بتاع شيرين، وشغل الكاميرا وشاف الفيديوهات المتسجلة، ولقى في الرسايل محادثات واضحة وصريحة بين شيرين وأخوها وائل، متفقين فيها على الساعة اللي هيطلع فيها يقف قدام شقتي عشان حمايا يلقطه بالكاميرا ويحبك التمثيلية.
بص الظابط لحمايا وقال بلهجة حازمة الحاج فضل.. والمدام شيرين.. اتفضلوا معانا على القسم بهدوء، عشان البلاغ اللي اتقدم رسمي، والمفتاح اللي كان في إيدك ده هيتعمل بيه محضر معاينة شروع في انتهاك حرمة منزل وتلفيق.
حمايا في اللحظة دي ركبه خانته، وقع على ركبه على درجات السلم، وبدأ يصرخ بعياط ذليل أبوس إيدك يا طارق! أبوس رجلك يا ابني استر عليا! ده أنا أبوك! شيبتي وفضيحتي في الحارة وسط الناس! متخليهمش ياخدوني بالكلابشات في آخر عمري!
طارق فضل باصص له لثواني طويلة.. صمت تقيل كان أطول من كل الليالي اللي عشتها في الضلمة. الصمت ده كان طارق بيدفن فيه كل ذرة احترام وتقدير كان شايلها لأبوه طول عمره. قرب طارق من أبوه، ونزل لمستواه، وهمس بصوت كان بيتقطع من القهر شيبتك إنت اللي دوست عليها برجلك لما فكرت تنهش في لحم عيالي وعرضي. إنت اللي مسبتش للستر مطرح يا حج. أنا مش هحبسك.. عشان اسمي واسم عيالي اللي شايلين اسمك، وعشان ربنا هيحاسبني لو رمتك في الحبس.. بس من اللحظة دي، إنت ملكش ابن اسمه طارق.
التفت طارق للظابط وقال بنبرة ميتة يا باشا، أنا هتنازل عن المحضر ضد أبويا بس عشان سنه، لكن شيرين وأخوها وائل يتاخدوا ويتحاسبوا على كل مليم وكل تدبير عملوه، وأنا هقدم التسجيلات دي رسمياً عشان حق مراتي وعيالي.
الظابط فهم الموقف، أومأ براسه بإشارة احترام لكسرة طارق ونخوته، وشاور للعساكر هاتي الست دي، وابعتوا دورية تجيب المدعو وائل من بيته حالاً. شيرين كانت بتصرخ وهي نازلة على السلم متسحبة، بتستغيث بحمايا اللي كان قاعد على الأرض يلطم في صمت، والناس في الشارع بدأت تتجمع وتتفرج على الفضيحة اللي كانوا عايزين يلبسوها ليا، فلبستهم هما الاتنين قدام الدنيا كلها.
العمارة فضيت فجأة.
. مفيش غير صوت أنفاسنا التقيلة على بسطة السلم. حمايا فضل قاعد في ركن السلم زي الكوم المهجور، مكسور، عينه مش قادرة تترفع في عيني ولا في عين ابنه. طارق مبصلوش ولا بصلة تانية، التفت ليا، وشاف الدموع اللي في عيني، وشاف آثار الإرهاق والسهر اللي حافرين وشي.
دخل ورايا الشقة، وقفل الباب وراه بالترباس والمفتاح. أول ما دخل، سمع صوت كرمة بتصحى في الأوضة وبتعيط، ويونس بيتقلب في السرير. طارق دخل الأوضة، وطى على سرير العيال، وحضن كرمة ويونس ودفن وشه في صدورهم وانفجر في العياط.. عياط راجل اتهد حيله وحس إنه كان هيضيع أغلى ما يملك في لحظة عمى.
قعدت جنبه على السرير، وحطيت إيدي على كتفه. رفع راسه وبصلي، عنيه كانت غرقانة دموع، ومسك إيدي وباسها حقك عليا يا نادين.. حقك على راسي وجزمتك فوق دماغي. أنا اللي قصرت، أنا اللي سيبتك وسط وحوش وظلمتك وصدقت إنهم أهلي اللي هيصونوكي. سامحيني يا أم عيالي.. سامحيني والله ما هسيبك تتظلمي دقيقة واحدة تانية.
هزيت راسي ودموعي بتنزل براحة، دموع الانتصار بعد القهر المهم إنك عرفت الحق يا طارق.. المهم إنك شوفت بعينك وماتسيبناش للضلمة دي تاني.
طارق مسح دموعه فجأة، وقام وقف، وشه اتحول لحزم وجدية عمري ما شوفتها فيه قبل كده. فتح دولاب الهدوم، وطلع الشنط الكبيرة، ورماها في نص الصوضة جهزي الهدوم يا نادين.. لمي كل حاجة تخصك وتخص العيال. بصيت له باستغراب دلوقتي يا طارق؟ في نص الليل؟ رد بحسم وهو بيقفل أول شنطة دلوقتي.. الدقيقة اللي هتقعدوها في البيت ده حرام، التراب اللي في البيت ده ميتلمسش بعد الليلة دي. أنا مأجر شقة مفروشة في التجمع من المطار قبل ما أجي، هنقعد فيها لحد ما تأشيرتكم تطلع، ومش هسافر خطوة واحدة برة مصر إلا وإنتي والعيال في إيدي، على طيارتي، وقدام عيني.
في خلال ساعة، كانت الشنط جاهزة ومقفولة. نزلت شايلة كرمة، وطارق ماسك إيد يونس وشايل الشنط على ضهره وفي إيديه. ونحنا نازلين على السلم، حمايا كان لسه قاعد في شقته تحت، الباب كان موارب، وشوفته من فتحة الباب قاعد على كرسيه في الضلمة، مشغلش النور عنده، والسبحة وقعت من إيده على السجادة، راجل عجوز وحيد، كسب الشقة الفاضية اللي كان بيتخانق عليها، بس خسر ابنه وعياله وسمعته وشرفه للأبد.
خرجنا من باب العمارة للشارع، هوا الفجر النظيف ضرب في وشي، حسيت لأول مرة من سنين إني قادرة أتنفس بجد. العربية كانت مستنية على أول الحارة، حطينا الشنط وركبنا، وطارق مد إيده ومسك إيدي وضغط عليها بقوة، كأنه بيطمني إن خلاص.. كابوس الضلمة انتهى، والشمس اللي طالعة مع أذان الفجر دي، طالعة عشان تنور حياتنا من أول وجديد.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق