في هذا المقال
سكريبت حمل سليم الهواري خادمته فاقدة الوعي إلى غرفة ضيوف كاملة حكايات شروق خالد
سكريبت حمل سليم الهواري خادمته فاقدة الوعي إلى غرفة ضيوف كاملة
حمل سليم الهواري خادمته فاقدة الوعي إلى غرفة ضيوف فاخرة في قصره، مُتوقعاً تركها هناك ونسيان الأمر برمته. لكن لحظة وضعها على السرير، التفتت أصابعها المرتجفة بإحكام حول معصمه. تجمّد زعيم العصابة القاسې وبدلًا من أن يُبعد يدها، سحب كرسياً وجلس بجانبها، مُمسكاً بيدها حتى الصباح.
قبل ساعات قليلة فقط، كانت نور البالغة من العمر 24 عاماً، تُنظّف آثار الډماء والزجاج المكسور عن أرضيات الرخام الفاخر في قصر عائلة الهواري بمنطقة المقطم.
كان الوقت قد تجاوز الثالثة فجراً.
كانت ركبتاها تؤلمانها بشدة، وقد تشققت يداها من مواد التنظيف القاسېة. وكانت مناوبتها، التي كان المفترض أن تنتهي مع منتصف الليل، قد امتدت إلى ليلة مرهقة أخرى بلا نهاية.
عملت نور في القصر لمدة عامين، وهي تكافح لتسديد ديون والدها الطبية ومصاريف علاج أختها الصغرى.
لم تكن تستطيع تحمل خسارة هذه الوظيفة أبداً.
ولا حتى عندما كانت تعني تنظيف آثار جلسات رجال أخطر عصابة في القاهرة.
كان مُخدّمها، سليم الهواري، زعيم عصابة يبلغ من العمر 32 عاماً، يُدير عملياته بحزم وقسۏة لا تُرحم.
كانت العاملات في القصر يتحدثن همساً عن وسامته، وصرامته، وعينيه اللتين لا ترحمان.
أما نور فلم تكن مُنبهرة به على الإطلاق.
بالنسبة لها، لم يكن سوى رجل غني ومتكبر يترك فوضاه لغيره كي يزيلها.
في تلك الليلة، وبعد اجتماع دموي وعڼيف، انتهت نور أخيراً من تنظيف قاعة الاستقبال الكبرى.
جمعت أدوات التنظيف واتجهت نحو ممر الخدم.
لكن الإرهاق كان قد أكل آخر قطرة طاقة في جسدها.
بدأت تشعر بتشويش في رؤيتها.
كانت ساقاها ترتجفان بضعف.
كل ما كانت تحتاجه هو عشر دقائق فقط لتنتهي وتغادر.
وأثناء مرورها اختصاراً عبر مكتبة القصر المُظلمة، اصطدمت بالخطأ بطاولة عليها إكسسوار كريستال.
تعثرت.
وتناثرت أدوات التنظيف على السجاد العجمي الباهظ.
سقطت نور بقوة على الأرض الرخامية الباردة.
سرت آلام حادة في كتفها.
حاولت النهوض، لكن جسدها خذلها تماماً.
همست بصوت بالكاد يُسمع ثانية واحدة بس أريح...
وأغمضت عينيها.
وغاب كل شيء في سواد تام.
وفي نفس التوقيت، كان سليم الهواري لا يزال مستيقظاً.
فقد تركه اجتماع كارثي مع تجار سلاح في حالة ڠضب عارم وصداع نصفي مزعج.
وإذ تعذر عليه النوم، دخل المكتبة ليحضر ملفاً مالياً مهماً.
حينها لاحظ شيئاً غير مألوف على الأرض.
اقترب بخطوات حذرة.
إنها الخادمة الشابة.
كان شعرها الأسود قد أفلت من ربطته. وكان وجهها الشاحب يحمل كل علامات التعب، ويدها الصغيرتان تظهر عليها آثار الشغل الشاق.
أمرها بجفاف قومي.. هنا مينفعش تنامي.
لا رد.
نزل على إحدى ركبتيه وهز كتفها بحدة يا بنتي، مينفعش تنامي في الأرض.
ولا أي استجابة.
حدق سليم فيها طويلاً.
لقد رأى في حياته رجالاً أشداء يسقطون، وخونة يرتجفون.
لكن شيئاً ما في إرهاق هذه الفتاة أثار حيرته.
لم تكن تُمثّل أبداً؛ لقد عملت حتى انطفأت تماماً.
وقف ورفع الملف من على المكتب.
كان بإمكانه رنين الجرس واستدعاء خالة فاطمة مدبرة القصر لتحل المشكلة.
تحرك باتجاه الباب.
ثم توقف مفاجئاً.
المكتبة كانت باردة.
ولأسباب مبهمة لم يجد لها تفسيراً، استدار عائداً إليها.
بحذر شديد، وضع ذراعاً تحت ركبتيها والأخرى خلف ظهرها.
وحين حملها، استندت رأسها برفق وتلقائية على صدره.
تصلب سليم مكانه.
لقد كانت خفيفة الوزن بشكل مأساوي.
حملها إلى الطابق العلوي ووضعها بعناية على سرير جناح الضيوف الواسع.
وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان.
التفتت أصابع نور المفاجئة بقوة حول معصمه.
توقف سليم عن التحرك.
ظلت عيناها مغمضتين تماماً.
كانت مستغربة في النوم.
ومع ذلك تمسكت به بستماتة وغريزة، كأنها تخشى السقوط في بئر مظلم.
كان بإمكانه إفلات يده في ثوانٍ.
لكن الرجل الأخشى جانباً في عالم الچريمة، سحب كرسياً خشبياً فخماً وجلس بجانب السرير.
حكايات_شروق_خالد
حصري
وظل جالسًا يراقبها حتى شق نور الصباح جدران القصر.
وبعد ساعات، فتحت نور عينيها ببطء شديد.
السقف المزين بالزخارف لم يكن سقف غرفتها البسيطة.
والوسائد كانت ناعمة وذات ملمس ملكي.
وهناك ظل لرجل يجلس بجانبها.
نظرت إلى يدها.
كانت مُلتفة بإحكام حول أصابع رجل خشنة ومندبة.
رفعت بصرها تدريجياً لترى الوجه...
إنه سليم الهواري!
صاحب القصر، والرجل الذي يرعب الماڤيا، نائم بجانب سريرها.
وهي التي تمسك بيده بكل هذه القوة!
شعر بالړعب يتسرب إلى عروقها.
بدأت تحرر أصابعه برفق شديد وخوف.
إصبعاً تلو الآخر.
أصبحت شبه حرة.
وفجأة، شدّ يده واجذبها نحوه.
فتحت عيناه الحادتان ونظر إليها مباشرة.
تجمّدت نور في مكانها لا تكاد تستطيع التنفس.
همست مړعوپة والله... والله أقدر أشرح لحضرتك!
نظر إليها سليم بهدوء مخيف أنا عارف... أنا اللي لقيتك.
حضرتك... أنت اللي جبتني هنا؟
كنتِ مرمية على سجادة تمنها يعدي ميزانية بيت.
نظرت نور لنفسها بسرعة بس... بس أنا مكنتش بڼزف!
لم يتحرك وجهه كنتي شبه الچثة... المنظر كان مستفز.
ابتلعت ريقها بړعب يا باشا... لو سمحت سيبني أرجع لشغلي... إلا لو كنت طردتني!
انحنى للأمام قليلاً بنظرة نافذة تفتكري أنا شايلك لحد هنا عشان أطردك؟
أمثالك يا بيه ما بيعملوش حاجة لوجه الله.
نزل بصره نحو أيديهما التي تشابكت مجدداً.
ثم قال جملة واحدة جعلت دقات قلبها تتسارع پجنون
أنتِ اللي مسكتي فيا وأنتِ نايمة.
ڠصب عني... والله ما كنت أعرف.
كنتي متمسكة بيا كأنك واقعة من فوق الجبل.
أنا آسفة جداً.
وتابع ببرود حاولت أقوم وأسيبك... بس رفضتي تسيبيني.
سحبت نور يدها بسرعة هذه المرة.
لم يمنعها، بل تركها تفعل.
همست وهي تقف على حافة السرير كمن تهرب من حريق أهو... سبتك!
وتحركت بسرعة للهروب من أغرب وأرعب موقف في حياتها كلها.
لكن سليم ظل جالسًا يتابعها بنظرات غامضة.
ولم تكن نور تمتلك أدنى فكرة عما سيقرر فعله بها في اللحظة القادمة.
بعد ما نور خرجت من جناح الضيوف وهي مش مصدقة اللي حصل، فضلت ماشية في الممر بسرعة، وكل شوية تبص وراها تتأكد إن سليم مش وراها. كانت حاسة إن قلبها هيخرج من مكانه، ومش عارفة إزاي نامت في أوضة من أفخم أوض القصر، وإزاي صاحب القصر بنفسه فضل جنبها طول الليل، والأغرب من كل ده إنه كان ماسك إيدها ومسابهاش.
وصلت لممر الخدم، ودخلت أوضتها الصغيرة، وقفلت الباب وراها، وسندت ضهرها عليه وهي بتاخد نفسها بالعافية.
حطت إيديها على وشها وهمست يا نهار أبيض يا نور... إنتِ عملتي إيه في نفسك؟ ده لو حد شافك خارجة من عنده هيقول إيه؟
غسلت وشها بمية ساقعة، وغيرت هدومها بسرعة، وربطت شعرها، وقررت تنزل تكمل شغلها كأن مفيش أي حاجة حصلت.
لكن أول ما دخلت المطبخ، لقت خالة فاطمة واقفة بتحضر الفطار، وأول ما شافتها حطت إيديها على وسطها وقالت يا مصېبتي! إنتِ كنتِ فين يا بنتي؟ أنا قلبت عليكي القصر امبارح!
نور اتوترت وقالت معلش يا خالة فاطمة، أنا تعبت شوية ووقعت في المكتبة.
شهقت فاطمة وقعتي؟! وإنتِ كويسة؟ طب ما قولتيليش ليه؟!
أنا كويسة الحمد لله، بس شكلي نمت ومخدتش بالي من نفسي.
قربت منها فاطمة وبصت في وشها استني هنا... إنتِ عارفة مين اللي شالك وحطك في جناح الضيوف؟
نور بصتلها پخوف هو... هو سليم بيه؟
فاطمة فتحت عينيها يا ساتر يا رب!
أيوه! ده أنا من ساعة ما عرفت وأنا مش مصدقة. سليم بيه بنفسه شالك؟ ده عمره ما عملها مع حد!
نور اتنهدت وقالت بسرعة
يا خالة فاطمة، أرجوكي متفتحيش الموضوع ده مع حد. أنا مش عايزة مشاكل.
فاطمة ابتسمت ابتسامة صغيرة مشاكل إيه بس يا بنتي؟ ده شكله ربنا بعتلك حد يحس بيكي شوية.
نور هزت راسها لا يا خالة، متقوليش كده. أنا هنا عشان الشغل وبس.
وقبل ما فاطمة ترد، سمعوا صوت خطوات تقيلة جاية من الممر.
اتبدلت ملامح فاطمة فوراً، ووقفت باحترام.
دخل سليم المطبخ، لابس قميص أسود وبنطلون رسمي، وشعره مترتب، وملامحه جامدة زي عادته.
نور أول ما شافته نزلت عينيها للأرض.
سليم بص لفاطمة وقال الفطار جاهز؟
أيوه يا بيه.
وبعدين بص لنور وإنتِ؟
نور اتلخبطت أنا... أنا إيه يا فندم؟
أكلتي؟
لسه.
ليه؟
كنت هبدأ شغلي.
سليم بص لفاطمة من النهارده نور مش هتشتغل قبل ما تفطر.
نور رفعت عينيها بسرعة لا يا بيه، أنا مش محتاجة معاملة خاصة.
رد عليها ببرود وأنا مقولتش إنك محتاجة. أنا بقول نظام جديد في القصر.
فاطمة حاولت تخبي ابتسامتها، أما نور فكانت نفسها تختفي من قدامه.
سليم قعد على الكرسي وقال اقعدي.
نور فضلت واقفة.
رفع عينه ليها أنا مش بحب أكرر كلامي.
قالت بتوتر بس أنا من الخدم يا بيه، مينفعش أقعد مع حضرتك.
رد من غير ما يرفع صوته وأنا مش شايف قدامي خدامة. أنا شايف واحدة وقعت من التعب عشان مفيش حد افتكر يسألها أكلتي ولا لأ.
الكلام نزل على قلب نور بطريقة غريبة. حاولت ترد، لكن لسانها خاڼها.
فاطمة سحبت لها كرسي وقالت اقعدي يا بنتي، اسمعي الكلام بدل ما الراجل يفضل واقف على دماغنا.
قعدت نور على طرف الكرسي، وسليم بدأ يفطر في هدوء.
بعد شوية دخل واحد من رجاله اسمه أدهم، وقرب منه وقال يا سليم بيه، في موضوع لازم حضرتك تشوفه.
سليم حط الكوباية على الطبق مش شايف إني بفطر؟
أدهم بص لنور، وبعدين قرب وهمس الموضوع يخص اللي حصل امبارح في الاجتماع.
اتغيرت ملامح سليم، وقام من مكانه.
وقبل ما يخرج، وقف وبص لنور بعد الفطار تروحي للدكتورة اللي جاية تكشف عليكي.
نور قامت بسرعة أنا مش مريضة يا بيه!
أنا مقلتش إنك مريضة.
طب ليه دكتورة؟
عشان أطمن إنك مش هتقعي تاني في نص القصر.
خرج من المطبخ، وساب نور بتبص لفاطمة باستغراب.
قالت فاطمة يا بنتي ده حتى لما بېخاف على حد بېخاف بطريقة تخض!
نور ردت وهي بتاخد نفس طويل أنا مش عايزة حد ېخاف عليا... أنا عايزة أخلص ديوني وأعيش في حالي.
في المكتب، كان سليم واقف قدام الشباك الكبير، وأدهم بيعرض عليه مجموعة من الأوراق.
قال أدهم في حد من العاملين سرب تفاصيل الاجتماع اللي حصل امبارح.
سليم لف ناحيته متأكد؟
عندنا تسجيلات الكاميرات، وفي حركة غريبة حصلت في المكتبة بعد ما كل الناس مشيت.
سليم عقد حاجبيه إيه علاقة المكتبة بالموضوع؟
أدهم فتح جهازه وعرض عليه التسجيل.
ظهر في الفيديو شخص داخل المكتبة قبل نور بدقايق، وبيحط ظرف صغير تحت إحدى الطاولات، وبعده خرج بسرعة.
سليم قرب من الشاشة، ولما شاف الشخص اتغيرت ملامحه.
ده مين؟
أدهم رد للأسف يا فندم... ده واحد من الناس اللي شغالة في القصر من سنين.
سليم فضل ساكت شوية، وبعدها قال محدش يتكلم في الموضوع ده. عايز أعرف الظرف ده كان فيه إيه، ومين كان المفروض يستلمه.
أمرك يا باشا.
وقبل ما أدهم يخرج، سليم سأله فجأة نور كانت في المكتبة قبل ما الشخص ده يدخل؟
أدهم راجع التسجيل لأ يا فندم، هي دخلت بعده بحوالي عشر دقايق.
سليم ضيق عينيه يعني ممكن تكون شافت حاجة من غير ما تقصد.
أدهم سأله تحب أستدعيها؟
سليم فكر لحظة لأ. محدش يقرب منها ولا يسألها أي سؤال دلوقتي.
في الناحية التانية، كانت نور قاعدة في أوضتها الصغيرة، وبتبص على صورة أختها الصغيرة مريم اللي كانت حطاها جنب سريرها.
مريم كانت السبب الوحيد اللي بيخليها تستحمل كل التعب ده.
من يوم ما أبوها اتعب ودخل المستشفى، ونور شالت مسؤولية البيت كلها. كانت بتشتغل الصبح في القصر، وبالليل تراجع مع أختها دروسها وتطمن على علاجها.
رن تليفونها.
ردت بسرعة أيوه يا مريم، عاملة إيه يا حبيبتي؟
جالها صوت أختها إنتِ فين يا نور؟ أنا اتصلت بيكي كتير.
معلش يا قلبي، كنت مشغولة شوية.
بابا بيسأل عليكي، وبيقولك متتعبيش نفسك أوي.
نور حاولت تضحك قولي له أنا زي الفل، وإنتِ بس خلي بالك من نفسك وخدي الدوا في معاده.
مريم سكتت لحظة وبعدين قالت نور... أنا مش عايزاكي تفضلي تشتغلي وتتعبّي نفسك عشاني.
نور غمضت عينيها إنتِ بتقولي إيه بس؟ أنا بتعب عشان أشوفك أحسن، وده مش تعب يا مريم.
طب إمتى هترتاحي إنتِ؟
نور بصت لإيديها المتشققة وقالت لما أشوفك بتتخرجي وتبقي أحسن واحدة في الدنيا.
بعد ما قفلت، فضلت ماسكة التليفون شوية، ودمعة نزلت من عينها.
وفجأة سمعت خبط على الباب.
ادخلي.
دخلت خالة فاطمة وقالت نور، سليم بيه عايزك في المكتب.
قلبها وقع.
أنا؟ عملت إيه؟
معرفش يا بنتي، بس قال أجيبهالك بنفسي.
قامت نور وعدلت هدومها، ومشت ورا فاطمة لحد ما وصلوا للمكتب.
خبطت مرتين.
جالها صوته ادخلي.
دخلت ووقفت بعيد عن المكتب.
سليم كان قاعد وبيقرأ ملف، ولما رفع عينه ليها قال اقعدي.
شكراً يا بيه، أنا واقفة أحسن.
قفل الملف هو أنا كل ما أقولك اقعدي هتعملي فيها كرسي؟
نور اتفاجئت من طريقته، وحاولت تمنع ابتسامتها.
حاضر.
قعدت على الكرسي المقابل له.
سألها إنتِ بتشتغلي كام ساعة في اليوم؟
حسب الشغل يا فندم.
يعني إيه حسب الشغل؟
ساعات بخلص بدري، وساعات بيكون في مناسبات أو ضيوف، فبضطر أستنى.
وبتنامي كام ساعة؟
نور اترددت على حسب برضه.
سليم حط القلم من إيده نور، أنا مش بعمل معاكي تحقيق. أنا عايز أعرف إنتِ وصلتي للمرحلة اللي تخليكي تقعي من التعب إزاي.
ردت بهدوء أنا عندي ظروف يا بيه، ومضطرة أشتغل.
ظروف إيه؟
ديون علاج والدي، ومصاريف أختي.
ووالدتك؟
نور نزلت عينيها مټوفية من خمس سنين.
سليم سكت لحظة، وبعدها قال ووالدك مريض بإيه؟
عنده مشكلة في القلب، وبياخد علاج بانتظام، بس محتاج متابعة وعملية إحنا مأجلينها لحد ما نقدر نوفر تمنها.
سليم بص لها بتركيز وإنتِ شايلة كل ده لوحدك؟
ابتسمت ابتسامة باهتة هو أنا عندي مين غير نفسي؟
الجملة فضلت معلقة في الجو.
سليم رجع بضهره للكرسي، وفضل باصص لها من غير كلام.
وبعدين فتح درج مكتبه وطلع ظرف.
نور أول ما شافته اتوترت إيه ده يا فندم؟
فلوس.
قامت من مكانها فوراً لا يا بيه، أنا مش عايزة صدقة.
سليم رفع عينه اقعدي الأول.
حضرتك لو عايز تساعدني، يبقى خليني أشتغل وآخد مرتبي، لكن فلوس من غير مقابل مقدرش أخدها.
فضل باصص لها لحظات، وبعدها قفل الظرف وحطه على المكتب.
إنتِ عنيدة.
ردت بسرعة مضطرة أبقى عنيدة يا بيه، عشان لو ضعفت محدش هيشيلني.
لأول مرة، ظهرت ابتسامة صغيرة جداً على وش سليم.
خلاص. اعتبريها سلفة من القصر، وتتخصم من مرتبك براحتك.
نور بصت له باستغراب بس المبلغ كبير.
وأنا قلتلك براحتك.
هسددهم كلهم.
براحتك برضه.
خدت الظرف وهي مش مرتاحة، لكنها كانت عارفة إن المبلغ ده ممكن يساعد والدها في العلاج.
وقبل ما تخرج، سليم ناداها نور.
لفت له.
متدخليش المكتبة لوحدك بالليل تاني.
استغربت ليه يا فندم؟
عشان فيها حاجات مهمة، ومش عايز حاجة تضيع.
هزت راسها حاضر.
خرجت، وسليم فضل باصص ناحية الباب.
بعد دقائق دخل أدهم وقال وصلت لحاجة يا باشا.
قول.
الظرف اللي اتحط في المكتبة اختفى، وفي حد بيحاول يعرف مين شافه.
سليم قام من مكانه يعني اللي كان في المكتبة مش بس بيسرب معلومات، ده كمان بيدور على الظرف؟
أيوه.
عايز أعرف كل حاجة عن اللي دخل القصر امبارح. وبالذات الشخص اللي كان موجود وقت ما نور وقعت.
عدى يومين، ونور بدأت ترجع لنظامها الطبيعي، لكن كان فيه حاجة اتغيرت.
سليم بقى بيظهر في المطبخ وقت الفطار، ويسألها إذا كانت أكلت ولا لأ، وأحياناً يلاقيها بتشيل حاجات تقيلة فينادي واحد من العمال يساعدها.
في الأول كانت فاكرة إنه مجرد قرار مؤقت، لكن الموضوع استمر.
وفي مساء يوم الخميس، كانت نور واقفة في الحديقة بتجمع شوية زهور وقعت من الأصص، لما سمعت صوت سليم وراها
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
اتخضت ولفت بسرعة بجمع الزرع اللي وقع يا فندم.
سيبيه.
بس البستاني مش موجود.
ولما مش موجود، يبقى إنتِ تعملي شغله؟
ابتسمت بخفة ما هو الزرع ملوش ذنب.
سليم بص لها باستغراب، وبعدها قال إنتِ بتتكلمي مع الزرع كمان؟
ضحكت نور أهو أحسن من إني أتكلم مع الناس اللي بتزعق طول الوقت.
سليم رفع حاجبه قصدك مين؟
نور أدركت إنها اتسرعت، وقالت بسرعة أقصد الناس عموماً يا فندم.
لكن سليم ابتسم.
كانت أول مرة تشوفه بيبتسم بالشكل ده.
وفي اللحظة دي، خرج أدهم من باب القصر، وقرب منهم بسرعة.
سليم بيه، لازم حضرتك تيجي حالاً.
رجعت ملامح سليم للجدية في إيه؟
أدهم بص لنور وبعدين قال لقينا الشخص اللي كان بيدخل المكتبة ليلة الاجتماع.
سليم سأله مين؟
أدهم قال الاسم بصوت منخفض.
سليم اتجمد مكانه.
كان الاسم هو اسم شخص عمره ما توقع إنه ممكن يخونه.
في نفس الليلة، كانت نور بتجهز شنطتها عشان تنزل تزور والدها في المستشفى، وفجأة سمعت خبط سريع على الباب.
فتحت، لقت أدهم واقف.
نور، سليم بيه عايزك تنزلي المكتب.
دلوقتي؟
أيوه، الموضوع مهم.
نزلت ورا أدهم، ولما دخلت المكتب لقت سليم واقف ووشه متغير.
على المكتب كان فيه ظرف قديم، وصورة ورقية، ومفتاح صغير.
سليم أشار للكرسي اقعدي يا نور.
قعدت وهي مش فاهمة.
سألها فاكرة ليلة ما وقعتي في المكتبة؟
أيوه.
قبل ما تقعي، شفتي حد؟
نور فكرت شوية مش فاكرة كويس... كنت تعبانة جداً.
سليم حط الصورة قدامها بصي كويس.
نور مسكت الصورة، وأول ما شافت الشخص اللي فيها، اتغير لون وشها.
قالت بصوت مهزوز ده... ده عادل!
سليم قرب منها تعرفيه؟
أيوه، ده كان دايماً بيسألني عن مواعيد التنضيف، وبيطلب مني أفتحله المكتبة بحجة إنه بيدور على ملفات.
سليم سألها قالك حاجة عن ظرف أو ورق؟
نور هزت راسها لأ، بس في مرة طلب مني أسيب مفتاح المكتبة على الترابيزة، وأنا رفضت.
سليم تبادل نظرة مع أدهم.
وبعدين قال كان بيحاول يستخدمك من غير ما تعرفي.
نور حطت الصورة على المكتب يعني أنا عملت مشكلة؟
سليم رد بحزم إنتِ معملتيش أي مشكلة. إنتِ كنتِ بتأدي شغلك، وفي حد استغل وجودك في المكان.
سكت شوية، وبعدين قال من النهارده محدش يطلب منك أي حاجة تخص المكتب أو الملفات غيري أو أدهم.
نور هزت راسها.
لكن قبل ما تقوم، سليم لاحظ إن إيديها بتترعش.
مالك؟
مفيش يا فندم.
نور.
بصت له.
أنا مش عايزك تخافي من أي حاجة حصلت في القصر.
ابتسمت بحزن أنا مش خاېفة من حد يا بيه، أنا بس خاېفة أخسر شغلي. أنا معنديش رفاهية إني أبدأ من الأول.
سليم رد بهدوء مش هتخسري شغلك.
بعد أسبوع، حصلت حاجة غيرت كل شيء.
نور كانت في المستشفى مع والدها، وبتحاول تقنع الدكتور إنهم يأجلوا موعد العملية لحد ما تجمع باقي المبلغ.
قال الدكتور يا بنتي، حالة والدك محتاجة متابعة جدية، والتأجيل مش في مصلحته.
نور دموعها اتجمعت أنا هتصرف يا دكتور، بس اديني فرصة كام يوم.
خرجت من غرفة الكشف، وقعدت على كرسي في الممر، وفتحت تليفونها عشان تشوف حسابها.
اتفاجئت برسالة من خالة فاطمة
يا نور، سليم بيه بيسأل عليكي، وبيقولك متقلقيش من مصاريف علاج والدك.
نور اتصلت بيها فوراً.
يا خالة فاطمة، هو سليم بيه عرف إني في المستشفى؟
أيوه يا بنتي، أدهم قاله إنك خرجتي بدري.
طب هو ليه بيدفع فلوس العلاج؟
فاطمة ردت بحنان يمكن عايز يعمل حاجة كويسة في حياته يا نور.
نور سكتت.
وبعد دقائق، ظهر سليم في آخر الممر.
كان داخل المستشفى بخطوات سريعة، ولما شافها واقفة، قرب منها.
الدكتور قال إيه؟
نور قامت حضرتك إيه اللي جابك هنا؟
جاوبيني الأول.
بابا محتاج العملية، بس لسه في شوية إجراءات.
سليم هز راسه الإجراءات هتخلص، والدكتور هيحدد الموعد المناسب.
نور بصت له بحدة حضرتك مش من حقك تتدخل في حياتي بالشكل ده.
سليم وقف قدامها، لكنه ما رفعش صوته.
أنا عارف إنك مش بتحبي تاخدي حاجة من حد، وعارف إنك هتقولي إنك هتسددي كل جنيه. وأنا مش هجادلك في ده.
أمال حضرتك بتعمل كده ليه؟
سكت لحظة، وبعدين قال عشان في يوم وقعتِ قدامي على أرض القصر، واكتشفت إني عايش وسط ناس كتير، ومحدش فيهم كان شايف تعبك غير بعد ما جسمك مقدرش يستحمل.
نور دموعها نزلت.
أنا مش عايزة حد يشفق عليا.
سليم رد وأنا مش بشفق عليكي. أنا بحترمك.
كانت أول مرة تسمع منه الكلمة دي.
احترام.
مش شفقة، ولا إحسان، ولا إحساس بالتفوق.
حاولت تتكلم، لكن صوتها خرج ضعيف طب أرجوك، متخلينيش أحس إني مديونة لحضرتك في حاجة غير الفلوس.
سليم قال اتفقنا.
الفلوس هتبقى مكتوبة في حساب واضح، ومفيش أي حاجة تانية مطلوبة منك.
بعد شهر، والد نور عمل العملية وبدأت حالته تتحسن.
نور رجعت القصر وهي أخيراً قادرة تتنفس من غير خوف كل ما يرن تليفونها.
لكنها فوجئت بقرار جديد.
سليم طلب يقابل كل العاملين في القصر.
وقف قدامهم وقال من النهارده مفيش حد هيشتغل أكتر من عدد الساعات المتفق عليه. واللي عنده ظروف صحية أو أسرية يبلغ خالة فاطمة، ومفيش حد هيتحاسب على إنه إنسان عنده حياة بره القصر.
الكل بص لبعض باستغراب.
نور كانت واقفة في آخر الصف، ومش عارفة ليه حاسة إن الكلام ده بدأ من اللي حصل معاها.
بعد الاجتماع، حاولت تمشي، لكنه ناداها
نور، استني.
وقفت.
عايز أتكلم معاكي.
خالة فاطمة ابتسمت وخرجت، وسابتهم لوحدهم في الصالون.
سليم أشار للكنبة اقعدي.
قعدت المرة دي من غير اعتراض.
قال لها أنا كلمت محاسب القصر، وراجعت حساب السلفة بتاعتك.
نور ابتسمت أنا بدأت أسددها فعلاً.
عارف. بس فيه حاجة تانية.
فتح ملف وطلّع ورقة.
محتاجين حد يشرف على حسابات المشتريات والمخازن، وحد أمين وبيعرف يركز في التفاصيل. أدهم قال إنك درستِ تجارة قبل ما ظروف والدك تخليكي توقفي.
نور رفعت عينيها حضرتك عرفت منين؟
ملف التوظيف بتاعك.
أيوه، أنا كنت في تالتة تجارة، بس مقدرتش أكمل.
سليم دفع الورقة ناحيتها عندنا وظيفة إدارية، بمرتب أحسن وساعات أقل. لو حابة ترجعي تكملي دراستك، القصر هيساعدك في تنظيم مواعيدك.
نور فضلت باصة للورقة، ومش مصدقة.
حضرتك بتعرض عليا شغل في المكتب؟
أيوه.
بس أنا معرفش حاجة عن الحسابات العملية.
هتتعلمي.
ولو فشلت؟
سليم
رد بثبات يبقى هتتعلمي من الغلط، مش هتترمي بره الباب.
نور دموعها لمعت.
أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه.
قولي موافقة أو مش موافقة.
ابتسمت وهي بتمسح دموعها موافقة.
سليم مد إيده يصافحها.
نور بصت لإيده للحظة، وبعدها صافحته باحترام.
ولأول مرة، حس إن إيدها اللي كانت بتتشبث بمعصمه وهي فاقدة الوعي، بقت دلوقتي ممدودة له بإرادتها.
لكن الهدوء اللي بدأ يدخل القصر ما استمرش كتير.
في صباح يوم، نور كانت بتراجع ملفات المخزن، ولاحظت إن فيه فواتير متكررة بأسماء شركات مختلفة، لكن بنفس رقم الحساب.
بدأت تقارن الأرقام، وكل ما تراجع ورقة تكتشف إن فيه مبلغ كبير بيتسجل على إنه مشتريات، مع إن البضاعة عمرها ما دخلت المخزن.
استدعت الموظف المسؤول عن المخازن وسألته
هو الصنف ده دخل إمتى؟
رد بتوتر معرفش، أنا لسه مستلم الشغل.
طب مين كان مسؤول قبلك؟
الأستاذ عادل.
نور رفعت عينيها بسرعة.
عادل!
نفس الشخص اللي ظهر في تسجيل المكتبة.
جمعت الأوراق وحطتها في ملف، وقررت تعرضها على سليم.
دخلت مكتبه بعد ما استأذنت.
يا فندم، محتاجة حضرتك تشوف حاجة.
سليم كان بيتكلم في التليفون، ولما شافها أشار لها تستنى.
بعد ما قفل، سألها خير؟
حطت الملف قدامه فيه مشكلة في الحسابات، وأنا مش عايزة أتهم حد من غير دليل، بس الأرقام دي مش طبيعية.
بدأ يقلب الأوراق.
كل صفحة كان بيقراها، ملامحه بتتغير أكتر.
إنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟
كنت براجع الفواتير، ولقيت التكرار. راجعت المخزن، وسألت المسؤول الجديد.
سليم قفل الملف بهدوء.
عملتي كويس إنك جيتيلي.
وبعدين ضغط على زر الاتصال الداخلي أدهم، تعالى المكتب فوراً.
دخل أدهم بعد دقايق.
سليم اداله الملف راجع الأسماء دي كلها، ومحدش يعرف إن نور اكتشفت الموضوع.
أدهم بص لنور واضح إنك شاطرة في شغلك.
نور ابتسمت بتوتر أنا لسه بتعلم.
سليم قال والتعلم مش معناه إنك مش شاطرة.
في نفس اليوم، اتجمع سليم وأدهم مع المحاسب القانوني، وبدأوا يراجعوا المستندات واحدة واحدة.
اتضح إن عادل كان بيستغل ثقة الإدارة فيه، وبيسجل مشتريات وهمية على مدار شهور.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن فيه شخص من داخل العيلة كان عارف بالموضوع وبيغطي عليه.
ولما سليم عرف الاسم، ساب الأوراق من إيده وقام واقف.
عمي!
أدهم قال للأسف يا باشا، التحويلات كلها بتوصل لشركة باسم واحد من رجاله.
سليم فضل ساكت.
كان عمه فؤاد من أقرب الناس ليه بعد ۏفاة والده، وكان دايماً بيظهر قدام العيلة إنه الشخص اللي بيحافظ على مصالحهم.
في المساء، طلب سليم حضور عمه للقصر.
دخل فؤاد وهو مبتسم خير يا سليم؟ سمعت إنك عايزني.
سليم أشار للكرسي اقعد يا عمي.
فؤاد قعد، وبص للملفات إيه الورق ده؟
سليم فتح أول ملف حسابات المخازن.
فؤاد ابتسم مالها؟
فيها مبالغ اتصرفت من غير ما بضاعة تدخل.
أكيد غلط من المحاسب.
سليم حط قدامه ورقة ودي التحويلات اللي راحت للشركة اللي باسمك.
اختفت الابتسامة من وش فؤاد.
إنت بتتهمني؟
أنا بسألك.
فؤاد قام من مكانه إنت ناسي إني عمك؟ أنا اللي وقفت جنب أبوك، وأنا اللي ساعدتك لما استلمت الشغل!
سليم رد بهدوء وعشان كده كنت آخر واحد أتوقع منه يعمل كده.
الحسابات دي مش دليل!
سليم أشار لأدهم المحاسب القانوني موجود، وكل المستندات اتراجعت.
فؤاد بص ناحية الباب، وبعدها رجع بص لسليم وإنت مصدق بنت خدامة على حساب عيلتك؟
الكلمة وصلت لنور، اللي كانت داخلة المكتب في اللحظة دي عشان تسلم ورق إضافي.
وقفت مكانها.
سليم لف له فوراً نور موظفة في القصر، وعندها شغل بتعمله بأمانة. ومحدش هيقلل منها قدامي.
فؤاد ضحك بسخرية واضح إنها بقت ليها مكانة كبيرة عندك.
سليم رد بصرامة مكانتها بتحددها أخلاقها وشغلها، مش رأيك فيها.
نور حطت الورق على المكتب وقالت بهدوء أنا آسفة يا فندم، مكنتش أعرف إن حضرتك في اجتماع.
سليم قال مفيش داعي تعتذري. حطي الورق هنا.
فؤاد بص لها پغضب إنتِ اللي اكتشفتي الحسابات دي؟
نور ما ردتش.
سليم قال أيوه، وهي اللي لاحظت التلاعب، وكل اللي عملته إنها أدت شغلها بأمانة.
فؤاد مسك عصايته واتجه للباب الكلام ده مش هيخلص هنا.
سليم رد أنا كمان مش ناوي أسيبه يخلص من غير ما كل واحد يتحاسب على اللي عمله.
خرج فؤاد، وسليم فضل واقف مكانه.
نور قالت بهدوء أنا مكنتش أقصد أسبب مشكلة بينك وبين عمك.
سليم بص لها إنتِ معملتيش مشكلة. المشكلة كانت موجودة قبل ما تعرفيها.
عدت أسابيع، والقصر بدأ يرجع لطبيعته.
عادل اتوقف عن العمل، والملفات اتسلمت للجهات المختصة، وسليم قرر يبعد نفسه عن كل التعاملات غير القانونية اللي ورثها من سنين، ويحول جزء كبير من نشاطه لشركات ومشروعات معلنة.
القرار ما كانش سهل، لكنه كان عارف إن الطريق القديم مش هيجيب غير خسارة جديدة.
أما نور، فبدأت تحس إن حياتها أخيراً بتتحرك لقدام.
رجعت تدرس، وبقت مسؤولة عن جزء من الحسابات، وأختها مريم نجحت في امتحاناتها، ووالدها بدأ يستعيد صحته.
وفي يوم عيد ميلاد مريم، قررت نور تعمل لها مفاجأة صغيرة في القصر بمساعدة خالة فاطمة.
جهزوا تورتة، وبلالين، وشوية هدايا بسيطة.
ولما سليم دخل الصالون وشاف الزينة، سأل فيه إيه هنا؟
نور ردت بابتسامة عيد ميلاد أختي، وقلت أعملها مفاجأة.
سليم بص للبلالين واحتفال من غير ما تعزموني؟
نور ضحكت حضرتك مشغول يا فندم.
أنا أقرر إذا كنت مشغول ولا لأ.
بعد شوية وصلت مريم مع والدها، وأول ما شافت نور جريت عليها وحضنتها.
وحشتيني أوي!
نور حضنتها بقوة وإنتِ وحشتيني أكتر يا قلب أختك.
سليم كان واقف بعيد بيتفرج، ولما والد نور قرب منه عشان يشكره على مساعدته، مد إيده وسلم عليه.
قال الرجل ربنا يجازيك خير يا ابني. بنتي دي شالت فوق طاقتها، وأنا كنت نفسي أشوفها مرتاحة.
سليم رد باحترام نور بنت أصول، وهي اللي تعبت واجتهدت عشان توصل للي وصلت له.
الأب ابتسم ربنا يكرمها ويكرمك.
وفي اللحظة دي، نور كانت بتضحك مع أختها، والضحكة دي خلت سليم يحس إن القصر لأول مرة بقى فيه صوت حياة حقيقي.
بعد الاحتفال، خرجت نور للحديقة تستنشق الهوا.
بعد دقائق، سمعت خطوات سليم.
الهروب من الزحمة عادة عندك؟
ابتسمت أنا بحب الهدوء.
وقف جنبها، وساب مسافة مريحة بينهم.
نور، ممكن أسألك سؤال؟
اتفضل.
إنتِ شايفاني إزاي؟
بصت له باستغراب حضرتك صاحب القصر، ومديري، والراجل اللي ساعدني في أصعب فترة في حياتي.
سليم هز راسه بس؟
نور سكتت.
كمل أنا عارف إن صورتي مش أحسن حاجة، وعارف إن اللي حواليّا كانوا بيخافوا مني. ويمكن عندهم أسبابهم.
نور قالت بصراحة أنا في الأول كنت بخاف منك جداً.
ودلوقتي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة لسه ساعات.
ضحك بخفة صريحة أوي.
رجعت تبص للحديقة بس بقيت أعرف إن مش كل الناس اللي صوتها عالي قلبها قاسې، ومش كل الناس اللي بتتكلم بهدوء نيتها كويسة.
سليم فضل ساكت، وبعدها قال أنا مش هطلب منك تثقي فيا لمجرد إني ساعدتك. الثقة بتتبني، وأنا عارف إن قدامي وقت طويل عشان أثبتلك إني أستحقها.
نور بصت له، وحست إن كلامه مختلف عن كل مرة.
قالت وأنا مش عايزة حياتي تتغير بسرعة. أنا لسه عندي حاجات كتير عايزة أحققها.
رد فوراً وده حقك.
عايزة أكمل دراستي، وأقف على رجلي، وأساعد مريم، وأبقى مستقلة.
وأنا مش هقف في طريق أي حاجة من دول.
ابتسمت نور شكراً يا
سليم بيه.
بصلها وقال سليم بس، لما نكون بنتكلم بعيد عن الشغل.
نور اتكسفت حاضر... يا سليم.
ولأول مرة نطقت اسمه من غير خوف.
لكن في صباح اليوم التالي، وصلت رسالة لسليم على تليفونه من رقم مجهول.
كانت عبارة عن صورة قديمة لوالده، ومعاها جملة واحدة
إنت فاكر إنك عرفت كل حاجة عن الماضي؟ اسأل عن ليلة ۏفاة أبوك.
سليم فضل باصص للرسالة وقت طويل.
دخل أدهم المكتب، ولاحظ إنه مش على طبيعته.
في حاجة يا باشا؟
سليم مد له التليفون.
أدهم قرأ الرسالة، واتغير وشه.
مين اللي بعت ده؟
لسه هنعرف.
تحب أبدأ أراجع الملفات القديمة؟
سليم هز راسه أيوه، بس المرة دي مش عايز أسرار ولا تصرفات من ورايا.
في نفس الوقت، نور كانت داخلة المكتب بملفات الحسابات.
لاحظت إن سليم ساكت، وملامحه متغيرة.
حضرتك كويس؟
سليم قفل التليفون أيوه، مجرد شغل.
نور حطت الملفات على المكتب، وقبل ما تخرج، لمحت صورة والده على الشاشة.
وقفت لحظة وقالت ده والد حضرتك؟
سليم بص لها أيوه.
نور ابتسمت شكله كان طيب.
سليم فضل باصص للصورة كان أطيب مني بكتير.
نور ردت يبقى أكيد كان نفسه يشوفك أحسن واحد، مش أقوى واحد بس.
الجملة لمست حاجة جواه.
رفع عينه لها، لكنها كانت خرجت بالفعل.
في الأيام اللي بعدها، بدأ سليم يراجع كل الملفات القديمة الخاصة بوالده، واكتشف إن فيه أوراق ناقصة من أرشيف العيلة.
كان فيه شخص بيحاول يخفي حقيقة قديمة، وكل ما سليم يقرب منها، تظهر له تفاصيل جديدة.
وفي يوم، وصلت للقصر سيدة كبيرة في السن، طلبت تقابل سليم بنفسها.
خالة فاطمة استقبلتها، ولما عرفت اسمها، دخلت المكتب بسرعة.
يا سليم بيه، فيه ست اسمها أمينة بره، بتقول إنها كانت شغالة عند والد حضرتك من زمان، ومش هتمشي غير لما تقابلك.
سليم رفع عينه أمينة؟
أيوه يا بيه.
طلب تدخل.
دخلت السيدة بخطوات بطيئة، وكانت ماسكة شنطة قديمة.
أول ما شافت سليم قالت كبرت يا سليم... بقيت شبه أبوك أوي.
سليم وقف إنتِ تعرفي أبويا؟
أنا كنت شغالة عنده سنين طويلة، وكنت موجودة في البيت قبل ما يتوفى بفترة.
سليم أشار لها تقعد اتفضلي. عايز أعرف إنتِ جاية ليه.
فتحت الشنطة وطلعت ظرف قديم.
أبوك سابلك جواب، ووصاني أوصلهولك لما تكبر وتبقى قادر تعرف الحقيقة.
سليم أخد الظرف بإيد متوترة.
كان مكتوب عليه بخط والده
إلى ابني سليم.
فتح الجواب وبدأ يقرأ.
ابني الحبيب، لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا مش موجود جنبك. عايزك تعرف إن أكبر غلطة ممكن تعملها في حياتك إنك تفتكر إن القوة معناها إنك تخلي كل الناس تخاف منك.
أنا بنيت كتير من اللي عندنا بإيدي، لكني كنت عارف إن فيه حاجات غلط لازم تتصلح. سامحني إني ما عرفتش أغير كل حاجة وأنا عايش. وخلي بالك من أخوك، لأنه مش بالضرورة يكون الشخص اللي الناس بتقدمهولك.
سليم وقف عند آخر جملة.
رفع عينه للسيدة أخويا؟!
أمينة أغمضت عينيها بحزن أبوك كان عنده ابن من زواج قديم قبل ما يتجوز والدتك، والموضوع اتخبى عنك بعد ۏفاته.
سليم حس إن الأرض بتتحرك من تحته.
اسمه إيه؟
أمينة طلعت صورة من الشنطة، وادتهاله.
سليم مسك الصورة، وأول ما شاف الوجه، اتجمد.
كان يعرف الشخص ده.
كان عادل!
الشخص اللي اكتشف سرقته للحسابات، واللي كان بيدخل المكتبة ليلة الاجتماع!
سليم رفع عينه بذهول عادل أخويا؟
أمينة هزت راسها والدموع في عينيها أيوه يا ابني. بس هو ما كانش عارف كل الحقيقة، وكان طول عمره فاكر إن أبوك اتخلى عنه.
سليم رجع قعد ببطء، وحط الصورة على المكتب.
كل الأحداث بدأت تتجمع قدامه.
السړقة، والظرف، والملفات، وكراهية عادل للعيلة.
وفي اللحظة دي دخلت نور المكتب، وشافت وشه المتغير.
سليم... إنت كويس؟
بصلها وقال بصوت مبحوح طلع عندي أخ.
نور قربت خطوة أخوك؟
مد لها الصورة.
بصت للصورة، وبعدها رجعت بصت له.
عادل؟
سليم هز راسه.
نور قالت بهدوء يبقى قبل ما تحكم عليه، لازم تسمع حكايته.
سليم بص لها طويلاً.
كان متعود ياخد قراراته بسرعة، لكن المرة دي حس إنه محتاج يسمع قبل ما يحكم.
بعد يومين، وصل لعادل طلب مقابلة من سليم.
دخل عادل القصر وهو متوتر، لكنه حاول يخفي ده بابتسامة ساخرة.
خير يا سليم؟ لسه في حاجة تانية هتتهمني بيها؟
سليم كان واقف قدام الشباك.
لف له وقال أنا عرفت الحقيقة.
عادل اتجمد.
حقيقة إيه؟
سليم حط صورة والده قدامه إنت ابن أبويا.
عادل بص للصورة، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة موجوعة.
أخيراً عرفت؟
سليم قرب منه إنت كنت عارف؟
عرفت من سنين. بس محدش قالك، صح؟
سليم سكت.
عادل كمل أبوك كان بيجيلي وأنا صغير، ويوعدني إنه مش هيسيبني. وبعدها اختفى. ولما كبرت عرفت إنه كان عايش هنا، وعنده ابن تاني، وبيت كبير، واسم كبير، وأنا كنت بالنسبة له سر لازم يستخبى.
سليم قال أبويا كان غلطان إنه خبا عنك الحقيقة، وأنا مكنتش أعرف بوجودك أصلاً.
عادل رد بمرارة وأنا كنت مستنيك تعرف وتيجي تدور عليا؟
سليم قرب الكرسي وقعد قدامه أنا مش هقدر أغير اللي حصل زمان، لكن أقدر أسمعك دلوقتي.
عادل بص له باستغراب.
وتسمعني ليه؟ بعد كل اللي عملته؟
لأنك أخويا، ولأن اللي عملته غلط ومش هقدر أبرره، لكن مش معنى كده إننا نفضل نكرر أخطاء أبويا.
عادل نزل عينه للأرض.
لأول مرة، مكنش عنده رد ساخر.
قال بصوت منخفض أنا مكنتش عايز أسرق منك بس... أنا كنت عايز أحس إن ليا مكان هنا.
سليم رد مكانك مش هيتبني على فلوس اتاخدت من غير حق، ولا على أذية الناس اللي ملهاش ذنب.
عادل رفع عينه يعني إنت مستعد تسامحني؟
السماح حاجة، والحساب حاجة تانية.
لازم ترجع الحقوق لأصحابها، وتتحمل مسؤولية اللي عملته. وبعدها نقدر نشوف إذا كان فيه فرصة نبدأ من جديد.
عادل فضل ساكت، وبعد لحظة قال أنا موافق.
مرت شهور، واتغيرت حاجات كتير في حياة سليم.
ابتدى يقفل الملفات القديمة، ويسلم كل ما يخص التعاملات غير القانونية للجهات المختصة، ويبعد عن الطريق اللي كان فاكر إنه بيحميه، لكنه في الحقيقة كان بيبعده عن نفسه.
وعادل بدأ يصلح اللي يقدر عليه، ويرجع الأموال اللي استولى عليها، ويتحمل نتيجة تصرفاته.
أما نور، فكانت نجحت في دراستها، ورجعت تكمل اللي بدأته من سنين.
وفي يوم تخرجها، كانت واقفة قدام المراية بتظبط طرحتها، ومريم بتلف حواليها من الفرحة.
يا بنتي إنتِ قمر! أنا مش مصدقة إنك هتتخرجي أخيراً!
نور ضحكت ادعيلي بس.
مريم قربت منها وهمست على فكرة، سليم بيه بعتلك هدية.
نور بصتلها إيه هي؟
مريم أشارت لعلبة صغيرة على السرير.
نور فتحتها، لقت قلم أنيق ومعاه كارت مكتوب عليه
لأنك أثبتّي إن التعب مش نهاية الطريق، وإن الإنسان يقدر يبدأ من جديد مهما كانت ظروفه. فخور بيكي.
نور فضلت تقرأ الكلام أكتر من مرة، وابتسمت.
وفي المساء، بعد حفل التخرج، خرجت للحديقة، ولقت سليم واقف مستنيها.
كان لابس بدلة رمادي، وفي إيده باقة ورد بسيطة.
قال وهو بيقرب مبروك يا أستاذة نور.
ضحكت الله يبارك في حضرتك.
لسه حضرتك؟
اتعودت.
مد لها الورد تستاهلي كل خير.
خدته وهي مبتسمة شكراً على كل حاجة عملتها معايا.
سليم هز راسه أنا عايز أقولك حاجة، ومش عايزك تردي غير لما تفكري كويس.
نور بصت له باهتمام.
قال من أول يوم لقيتك فيه في المكتبة، وأنا كنت فاكر إن
الموضوع مجرد موقف وعدى. لكن مع الوقت اكتشفت إن وجودك غير حاجات كتير جوايا. بقيت أراجع نفسي، وأفكر قبل ما أتصرف، وأتعلم إن القوة مش إن كل اللي حواليك يخافوا منك.
نور سكتت، وقلبها بيدق بسرعة.
كمل أنا مش هطلب منك تنسي إني كنت صاحب شغلك، ولا هطلب منك تحسي إنك مطالبة ترديلي أي جميل. عشان كده، أنا أنهيت علاقتي بيكي كمدير من يوم ما بدأت أتكلم معاكي في الموضوع ده. ومش هتكوني موظفة عندي تاني.
نور رفعت عينيها له.
ليه بتقول الكلام ده؟
سليم خد نفس طويل عشان أنا عايز أتقدم لك، وأطلب إيدك من والدك، لو إنتِ عندك قبول للفكرة. مش عايز إجابة دلوقتي، ومش عايز تحسي بأي ضغط.
نور نزلت عينيها للورد، وفضلت ساكتة.
سليم قال بهدوء لو مش موافقة، هنفضل نحترم بعض، وكل واحد يكمل حياته، ومش هتخسري أي حق من حقوقك.
نور رفعت عينيها، وابتسمت ابتسامة خجولة.
أنا مش هكدب عليك... أنا اتغيرت نظرتي ليك مع الوقت. بس كنت مستنية أعرف إذا كنت شايفني أنا، ولا شايف البنت اللي ساعدتها وهي تعبانة.
سليم رد من غير تردد أنا شايف نور اللي رفضت الفلوس من غير حق، واللي واجهتني لما كنت غلطان، واللي وقفت قدام عمي من غير ما تظلم حد، واللي فضلت تحارب عشان أهلها ونفسها. أنا عايز نور دي.
دموعها لمعت.
يبقى اتكلم مع بابا.
ابتسم سليم، وكأنه لأول مرة في حياته مش عارف يخفي فرحته.
بعد أسبوع، راح سليم مع خالة فاطمة وأدهم لبيت نور.
استقبلهم والدها بترحاب، ومريم كانت مش قادرة تخبي فرحتها.
سليم قعد قدام والد نور وقال باحترام أنا جاي أطلب إيد بنت حضرتك، ومش جاي أتكلم عن فلوس ولا قصر ولا أي حاجة من دي. أنا جاي أقولك إني عايز أبني معاها بيت على الاحترام، وأديها فرصة تكمل حياتها بالطريقة اللي تتمناها.
والد نور بص له طويلاً، وبعدين قال أنا مش هسألك عن اللي تقدر تقدمه لبنتي، أنا هسألك عن حاجة واحدة... هتعرف تحافظ على كرامتها؟
سليم رد ده أول شرط عندي.
الأب بص لنور وإنتِ يا بنتي؟
نور ابتسمت والدموع في عينيها أنا موافقة يا بابا.
والدها حط إيده على إيدها وقال ربنا يسعدك يا بنتي، ويعوض تعب السنين اللي فاتت.
سليم نزل راسه باحترام وقبل إيد والدها.
بعد شهور، اتعمل الفرح في حديقة القصر، لكن المرة دي مكنش فيه أي مظهر من مظاهر الاستعراض.
نور اختارت فستان بسيط وراقي، ومريم كانت جنبها طول الوقت، وخالة فاطمة مش قادرة توقف دموعها.
وقبل دخول العريس، نور وقفت قدام باب الحديقة، وبصت للكرسي الخشبي اللي كان موجود جنب مدخل القصر.
افتكرت الليلة اللي وقعت فيها في المكتبة، وافتكرت إيدها اللي اتعلقت بمعصم سليم وهي مش واعية.
ابتسمت لنفسها.
وفجأة سمعت صوته وراها بتفكري في إيه؟
لفت له وقالت فاكر أول ليلة شيلتني فيها وحطيتني في أوضة الضيوف؟
سليم ابتسم فاكر طبعاً.
أنا وقتها كنت فاكرة إني مسكت في إيدك من الخۏف.
سألها ودلوقتي؟
مدت إيدها ناحيته وقالت دلوقتي أنا بمسكها وأنا واعية، وبإرادتي.
سليم مسك إيدها برفق، وبص لها بحنان المرة دي مش هسيبك تقعي أبداً.
نور ضحكت وأنا مش هسيبك ترجع تبقى الراجل اللي كان كل القصر بېخاف منه.
اتفقنا.
دخلوا الحديقة وسط تصفيق وفرحة كل الموجودين.
وبعد انتهاء الفرح، وقبل ما يمشوا، سليم وقف في نص الصالون وبص للكرسي اللي كان قاعد عليه جنب سريرها أول ليلة.
نور لاحظت نظراته، فسألته مالك؟
قال بابتسامة عارفة؟ الليلة دي كانت أول مرة أقعد جنب حد من غير ما أكون مستني منه طلب، أو مستعد أدي له أمر.
نور قربت منه ويمكن كانت أول مرة تعرف إن مش كل الناس محتاجة منك قوة... ساعات كل اللي محتاجاه إنك تفضل جنبهم لحد ما يفتحوا عينيهم.
سليم مسك إيدها وقال وإنتِ كنتِ أول واحدة خلتني أفهم ده.
وبعد فترة، نور رجعت تشتغل في مجال المحاسبة في شركة مستقلة بعيد عن القصر، وكملت دراستها، ومريم دخلت الجامعة، ووالدها بقى أحسن.
أما سليم، فاستمر في بناء حياة جديدة بعيد عن الماضي، وأصلح علاقته بعادل بعد ما كل واحد اتحمل مسؤولية أخطائه.
وفي ذكرى الليلة اللي اتقابلوا فيها، دخل سليم غرفة الضيوف القديمة، ولقى نور واقفة عند السرير وبتضحك.
قال لها إيه اللي جابك هنا؟
ردت بفتكر أول ليلة نمت فيها هنا من غير ما أعرف أنا فين.
قرب منها وقال وأنا بفتكر أول ليلة عرفت فيها إن في حاجات في الدنيا أغلى من كل اللي كنت بجمعه.
نور بصت له زي إيه؟
ابتسم وهو بيبص في عينيها زي إن الواحد يلاقي حد يختاره وهو عارفه كويس، مش عشان محتاج منه حاجة، ولا عشان خاېف منه... لكن عشان بيحبه.
نور سندت راسها على كتفه وقالت الحمد لله إن الليلة دي عدت على خير.
ضحك سليم الحمد لله إنك وقعتي في المكتبة.
بعدت عنه وبصت له بعتاب مصطنع يعني بتتريق على تعبي؟
مسك إيدها بسرعة لا والله، أنا بشكر ربنا إنه خلاني أدخل المكتبة في الوقت ده.
ضحكت نور، وهو ضحك معاها.
وفي اللحظة دي، خبطت خالة فاطمة على الباب ودخلت وهي بتقول يا سليم بيه، يا نور، العشا جاهز، والناس كلها مستنياكم!
نور بصت لسليم وقالت يلا يا أستاذ سليم، الناس مستنياك.
مد إيده ليها بعدك يا أستاذة نور.
وخرجوا سوا، وإيديهم متشابكة.
فالليلة اللي بدأت بسقوط بنت تعبانة على أرض مكتبة باردة، انتهت بحياة جديدة اتبنت على الاحترام والاختيار والرحمة.
وسليم الهواري، اللي كان فاكر إن محدش يقدر يوقفه أو يغيره، اكتشف إن أوقات أبسط موقف ممكن يغير عمر كامل.
..
وإن الإيد اللي تمسكت بيه وهي فاقدة الوعي، بقت بعد سنين الإيد اللي اختارت تمسك إيده وهي في كامل وعيها.
تابع جديد محمد
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق