سكريبت الطيبـة الزايـدة كاملة حكـايات مني السيد حصري
سكريبت الطيبـة الزايـدة كاملة حكـايات مني السيد حصري
سكريبت الطيبـة الزايـدة كاملة حكـايات مني السيد حصري
حماتي صوتها رن في بير السلم فجأة يا ندى! إنتِ يا بت.. عملتي أكل إيه النهاردة؟.
كنت لسه طافية الفرن، وريحة البشاميل السخنة قالية ريحة البيت كله، صينية واخدة وش دهب، ومغرقة بمشكل الجبن اللي هي نفسها بتعشقه. رديت عليها من البلكونة بضحكة صافية عاملك صينية بشاميل يا ماما تستاهل بقك، بالموتزاريلا والرومي زي ما بتحبيها بالظبط. لقيتها بتقولي بنبرة آمرة وفي نفس الوقت ناعمة طب انزليلي بحتة يا ختي، عشان صبيتك قاعدة معايا هنا، مستنية ابنها يخلص درس وينزل تاخده ومكسلة تروح وتيجي.
صبيتك دي تبقى ندى أخت جوزي، عايشة الدور دايمًا إنها ضيفة شرف في الدنيا، بتيجي ترمي عيالها في الدروس وتقعد تفرش عند أمها بالساعات. قلت في بالي عيب، دي مهما كان أخت جوزي، وأنا أصلي ميرضاش إني آكل لوحدي. قطعت خرطتين محترمين مليانين لحمة وجبنة سايحة، وحمرت جنبهم طبق بطاطس مقرمشة من اللي بحبها، وطلعت كانز بيبسي مثلج، ونزلت بيهم وأنا رافعة الصينية الصغيرة ومبتسمة.
دخلت الشقة، حطيت الأكل قدامهم، حماتي كلت وبصت لبنتها بلقمة في إيدها وقالت صحيح يا مروة، هتروحي تطبخي إيه للراجل وعيالك لما تروحي؟. مروة سابت الشوكة ومطت شفايفها بتمثيل متقن وحطت إيدها على وسطها آه يا ماما.. ضهري هيتكسر، مش قادرة أقف على رجلي خالص، وجوزي هيرجع من الشغل جعان ومش عارفة أعمل إيه بجد، شكلي هقضيها أي حاجة ناشفة وخلاص.
هنا حماتي لفت وشها ليا، ومن غير مقدمات ولا حتى إحم، قالتلي وكأن الموضوع منتهي بقولك إيه يا ندى.. اطلعي هاتي بقية الصينية لمروة تاخدها وهي مروحة، وأنا هديكي فلوس تنزلي تشتري لحمة ومكرونة ولبن وتعملي واحدة تانية ليكم، إنتِ لسه في بيتك وصحتك فيكي وبنت حلال.
الكلمة نزلت عليا زي الماية الساقعة. وقفت مبرقة، لساني اتربط، الدم غلي في عروقي بس خوفي من المشاكل وإحراجي العقيم اللي دايمًا مودييني في داهية شل حركتي. حماتي بتوزع تعبي وأكل ولادي ببساطة كدة؟ ومروة قاعدة عنيها بتلمع وساكتة مستنية! قلت بصوت مهزوز حاضر يا ماما...
طلعت شقتي ورجلي بتجر بعضها على السلم. دخلت المطبخ، بصيت للصينية الكبيرة اللي كنت عاملاها بحب ومكلفة فيها عشان تكفينا غدا وعشا، غلفتها بالسلوفان ودموعي محبوسة في عيني، ونزلت بيها وسلمتهالها بإيدي. قعدت خمس دقايق، مستنية حماتي تمد إيدها في جيبها زي ما قالت، مستنية تقول خدي يا بنتي حق الطلبات، أو حتى مروة تنطق بكلمة شكر حقيقية أو تعزم عليا بلقمة من اللي خدتها.. ولا الهوا! حماتي شالت الصينية حطتها في شنطة كبيرة لمروة، وفتحت كلام في موضوع تاني خالص كأنها مسلمتنيش الهوا.
طلعت شقتي وقفلت الباب ورايا، وانفجرت في العياط. قعدت أضرب كف على كف، أنا إزاي ضعيفة كدة؟ إزاي مقولتش لأ، ده أكل عيالي وجوزي وزمانهم راجعين من المدرسة والشغل جعانين؟ إحراجي الخايب دايماً كاسرني، وبدل ما أكون قوية بقيت بضحي بحق بيتي عشان أرضي ناس مبتشبعش.
بصيت في الساعة لقيت معاد ولادي خلاص قرب، جريت على التلاجة مفيش لحمة ولا فيه حتى حتة بطاطس واحدة أحمرها، كلها نزلت تحت. طلعت شوية طماطم ضربتهم في الخلاط وسبكتهم وسلقت شوية مكرونة عادية بالصلصة.. طبق ناشف مكسور الخاطر. أول ما الباب خبط ودخل ابني الصغير رامي شنطته وبيقول ماما.. أنا شامم ريحة بشاميل من على أول الشارع، هاتي طبق بسرعة جعان أوي، حسيت بسكينة بتدبحني، وذنب ولادي متعلق في رقبتي.
حطيتلهم المكرونة الحمرا ووشي في الأرض، والولاد بياكلوا باستغراب وعينيهم بتدور في المطبخ، وفجأة، رن مفتاح جوزي في الباب.. دخل شادد حيله وريحته عرق من التعب، وقبل ما يقلع جزمته، كان بيتكلم في التليفون وهو بيزعق بطريقة عمري ما سمعتها منه، وصوته بيهز جدران الصالة بقى أنا أرجع ألاقي أمي وأختي بيعملوا الحركة دي؟
! طب والله العظيم ما هعديها، وانزليلي تحت يا ندى حالا ومعاكي...!
وقفت في مكاني متسمرة، معلقة إيدي في الهوا وأنا بمسح الترابيزة، والعيال اتخضوا وسابوا المعالق في أطباق المكرونة بالصلصة وبصوا لأبوهم برعب. طارق جوزي مش من النوع اللي بيعلي صوته في البيت عمال على بطال، راجل هادي وبيحب يشتري دماغه ويعدي، فلما يدخل داخلة زي دي وصوته يرج الشقة كلها، يبقى فيه مصيبة حاصلة برة، مصيبة أنا لسه مش فاهمة أولها من آخرها.
قفل السكة بغل، ورزع التليفون على الكومودينو جنب الباب لدرجة حسيت إن الشاشة هتتكسر مية حتة. عينيه كانت طالع منها شرار، ووشه أحمر دم من كتر العصبية، قميصه مفتوح أول زرارين منه وربطة الكرافتة مفكوكة بمايل كأنه كان في خناقة في الشارع.
بلعت ريقي بصعوبة، وقربت منه خطوة واحدة وأنا بفرك إيديا في المريلة من التوتر في إيه يا طارق؟ خير يا راجل سمي الله، مين اللي مزعلك ومين اللي كان بيكلمك في التليفون؟.
بصلي بنظرة كلها لوم وعتاب، نظرة وجعتني أكتر من أي قلم كان ممكن ينزل على وشي. شاور على السفرة وعلى أطباق العيال اللي مافيهاش غير شوية مكرونة حمرا باهتة حتى من غير حتة مخلل جنبها، وقال بصوت مكتوم بيغلي إيه ده يا ندى؟
إيه الأكل ده؟ مش إنتِ مكلماني العصر وبتقوليلي عاملة بشاميل بمشكل الجبن ومكلفة الصينية
عشان عارفاني راجع هلكان ومستني اللقمة دي بفارغ الصبر؟ فين البشاميل اللي ريحته سابقة البيت كله؟ وفين الصينية اللي أنا قايلك الصبح اطبخيها وأنا باعتلك تمن اللحمة والجبن مخصوص عشان أرجع ألاقي أكل يشبعنا أنا وإنتِ والولاد؟.
حسيت رجلي مش شيلاني، الدموع وقفت في حلقي وخوفت أنطق. قلتله بصوت واطي مهزوز أصل... أصل مامتك تحت يا طارق....
قاطعني برزعة إيده على الترابيزة خلت الأطباق ترن أمي! وعارفة أنا عرفت منين ومن مين؟ عرفت من جوز أختك المحترم! أحمد جوز مروة لسه قافل معايا، بيتصل يغيظني ويقولي ببرود تسلم إيدك يا ندى، المكرونة البشاميل اللي بعتوهالنا تجنن، أصل مروة مكنتش قادرة تطبخ ومامتك كتر خيرها خدت صينيتكم وادتهالنا عشان إحنا أولى بيها! متخيلة؟! متخيلة جوز أختي بيكلمني يشكرني بتريقة وشماتة عشان بياكل أكل بيتي وأكل ولادي اللي لسه مكملوش عشر سنين، وأنا داخل بيتي ألاقي عيالي طافحين مكرونة ناشفة بالصلصة كأننا شحاتين؟!.
الكلام نزل عليا زي الكرباج. حسيت بوجع في صدري ملوش أول من آخر. يعني مروة مروحتش سكتت وكلت في سرها وحمدت ربنا، لأ، دي راحت ورمت الكلام لجوزها عشان يتصل بيه يتمنظر ويحرجه! ومين اللي دفع تمن الطيبة والخيبة دي كلها؟ أنا وعيالي الغلابة.
يا طارق والله العظيم ما كان قصدي.
. الدموع نزلت غصب عني، أمك ندهتلي وقالتلي مروة ضهرها واجعها ومش قادرة تقف على حيلها، ومكسورة الخاطر ومش عارفة تعمل إيه، وقالتلي نزليلها الصينية وهديكي فلوس تنزلي تشتري لحمة ولبن وتعملي واحدة تانية.. وأنا اتكسفت، مقدرتش أقول لأ قدام بنتها، مقدرتش أكسر كلام أمك في وشها...
طارق حط إيديه الاتنين على راسه وفضل يروح وييجي في الصالة وهو بيتنفس بصوت عالي كأنه بيطرد شياطين من جواه. بصلي وقال بقهرة فلوس مين اللي هتديهالك؟! هو إنتِ عبيطة يا ندى؟! إنتِ بقالك معايا كام سنة في البيت ده؟ لسه مفرزتيش أمي وطريقتها؟ لسه متعلمتيش إن الطيبة مع اللي مبيقدروش اسمها غباء وخيبة؟! هتديكي فلوس منين وهي لو لقت في جيبها مليم هتديه لبنتها وعيال بنتها ومستخسرة فينا اللقمة؟! وبعدين فرضي إدتك فلوس.. هتعملي صينية تانية في دقيقة؟ هتاكلي الولاد الهوا لحد ما تسلقي وتعصجي وتخبزي؟ العيال راجعين من مدارسهم ودروسهم جعانين، وأنا طالع عيني من سبعة الصبح في الشغل، عشان في الآخر أكلنا يتاخد على الجاهز يروح لبيت تاني راجلها ممدد على السرير ومروة مأنتخة وبتتفرج على التليفزيون؟!.
الولاد فضلوا باصين وساكتين، ابني الكبير يوسف قام براحة وقرب من أبوه، مسك إيده وقال بصوت طفولي موجوع بابا، متزعقش لماما.. ماما كانت زعلانة والله في المطبخ وبتعيط وهي بتعمل الصلصة، وكانت بتقولنا حقكم عليا مكنش بإيدي.
الكلمة دي هدّت طارق شوية، بص ليوسف وطبطب على راسه، بس غليانه الداخلي مهدّاش، بالعكس، شكله كان ناوي على قفلة حساب قديم متراكم بقاله سنين. بصلي بنظرة صارمة، نظرة عمري ما شفتها فيه قبل كدة، وقال اسمعي يا ندى.
. السكوت بتاعك ده اللي جابنا ورا، وخلاكِ ملطشة في البيت ده. من أول ما اتجوزنا وإنتِ تراضيهم على حساب نفسك وعلى حسابي، أمي تطلب نديها، مروة تحتاج حاجة تاخدي من بيتك وتعطيها، وكل ده وأنا بقول معلش، ندى بنت أصول وبتشتري خاطر العيلة.. بس لحد لقمة عيالي، ولحد كرامتي قدام الغريب، الخط الأحمر اتقطع خلاص.
مسك إيدي بقوة، شدني من المطبخ للباب، وقال بصوت حاسم انزلي معايا دلوقتي حالا.
أنزل فين يا طارق؟ أرجوك استهدى بالله بلاش فضايح في العمارة، بلاش نعمل شوشرة الناس تسمعنا!.
فضايح؟ هو اللي عملوه ده مش فضيحة؟! الفضيحة إن بنتها تاكل لقمتنا وجوزها يشمت فيا ونتعشى إحنا قهرة! انزلي ورايا وما تفتحيش بقك بكلمة، تشوفي بس الراجل لما يقرر يحط النقط على الحروف بيعمل إيه، عشان تتعلمي إزاي توقفي أي حد عند حده لما يتعلق الأمر بحقك وحق ولادك.
نزل طارق على السلم بخطوات ترن في العمارة كلها، وأنا ماشية وراه بقلب مقبوض ورجليا بتخبط في بعضها من الرعب. كنت عارفة حماتي كويس؛ ست قوية، صوتها عالي، مبتعترفش بغلط، ودايمًا شايفة إن ابنها وبيته ملكية خاصة ليها ولعيالها التانيين، وإن أي كلمة من مرات الابن تعتبر قلة أدب وعقوق.
وصلنا قدام باب شقة حماتي في الدور الأرضي. طارق ممدش إيده يرن الجرس بهدوء، خبط على الباب تلات خبطات جامدين ورا بعض ورا بعض ورا بعض.
ثواني والباب اتفتح، وظهرت حماتي لابسة جلابيتها السودة الواسعة، حاطة الطرحة على كتافها، وماسكة في إيدها كوباية شاي بنعناع، وعلى وشها ابتسامة باردة اتحولت فجأة لاستغراب لما شافت وش طارق وهو بيغلي خير يا طارق؟ في إيه يا ابني داخل ترزع على الباب كده ليه كأن البيت بيولع؟ مفيش سلام عليكم؟.
طارق مدخلش وقفل الباب، فضل واقف على العتبة، وقال بصوت جهوري مسموع في كل شقق العمارة وعليكم السلام يا أمي. فين مروة؟.
حماتي حطت كوباية الشاي على التربيزة اللي جنب الباب ورفعت حاجبها مروة خدت الصينية ومشيت من بدري روحت لبيتها ولراجلها، خير في إيه؟ قلبك واكلك على أختك أوي كدة ليه؟
.
قلبي واكلني على أختي؟ طارق ضحك ضحكة استهزاء توجع القلب، لأ يا أمي، قلبي مش واكلني على أختي، قلبي
واكلني على كرامتي اللي اتبعترت على تليفونات جوزها، وقلبي واكلني على عيالي اللي قاعدين فوق بياكلوا مكرونة ناشفة ومحروق دمهم عشان صينيتهم اتوزعت على الجاهز!
.
حماتي وشها اتغير، ولفت بصتلي بنظرة كلها سم وكيد، وقالت آآآه.. قولي بقى كدة! السنيورة طلعت اشتكتلك ونقلتلك الكلام؟ بتجري تسخنك على أمك وأختك عشان حتة مكرونة؟ خسارة اللقمة اللي نزلت في بطنها والله! ده أنا قايلالها هنزلها تمن الطلبات تعمل غيرها، هو إحنا شحاتين يا سي طارق عشان تعمل الليلة دي كلها على صينية مكرونة؟.
طارق قاطعها بصوت حاد خلى حماتي ترجع خطوة لورا أولاً، ندى مشتكتش، ولا نطقت بنص كلمة، ندى كانت قاعدة بتعيط في مطبخها وبتسلق شوية مكرونة للعيال مكسورة الخاطر! اللي اتصل بيا هو أحمد جوز بنتك المصون، بيتصل يتشمت ويقولي كتر خيركم البشاميل كانت حلوة ومروة كلت وشبعت! ده يرضي مين يا أمي؟! يرضي مين إن راجل غريب يكلمني يمن عليا بأكل أنا دافع تمنه من شقايا وتعب عيني؟!.
جرى إيه يا طارق! حماتي صوتها علي وابتدت تفرك في إيديها بغضب، إنت بتعلي صوتك عليا عشان أختك شالت صينية أكل؟ مروة كانت عيانة وضهرها هيموتها، والست لما تعيا في بيت أمها بتتدلع! إيه يعني لما مراتك تخدمها وتديها أكل؟ هي مراتك هانم وإحنا منعرفش؟ ما طول عمرنا في البيت الكبير اللي بيطبخ بيدي للتاني، ولا خلاص مراتك نسيت أصلها؟.
هنا طارق ملمش نفسه، وقرب منها وقال بحدة البيت الكبير ده لما يكون فيه عدل يا أمي!
لما تكون بنتك بتخدم ندى لما تعيا، لما تكون مروة بتنزل تطبخلك وتطبخ لعيالي لما ندى كانت في المستشفى بتولد، مش كانت ندى بتولد ومروة قاعدة حاطة رجل على رجل ومسألتش حتى في كباية ماية؟! لما يكون الأكل بيطلع برضا، مش تيجي تكسري عينها وتطلبي الصينية كلها بحجة هتديلها فلوس، وفي الآخر تقعدي تاكلي وتشربي ولا تعبريناها بمليم ولا حتى بكلمة شكر؟!.
أنا مكنتش هكل عليها حاجة! حماتي زعقت ودموع التماسيح بدأت تلمع في عينها عشان تقلب الترابيزة وتعمل نفسها المظلومة، أنا نسيت، الفلوس في المحفظة جوة، كنت هطلعهالها بكرة، إنت اللي داخل تهجم عليا كأني سرقتكم! خلاص يا سيدي، ادخلي يا ندى هاتي من الدرج ألف جنيه خدي تمن صينيتك الدهب اللي مفيش زيها، عشان تشبعي إنتِ وجوزك، ومتفضحيناش قدام الجيران!.
الكلام كان قاسي وجارح، وحسيت بإهانة عمري، بصيت لطارق وكنت لسه هقوله كفاية يا طارق وخلينا نطلع، بس طارق شاورلي بإيده إني أسكت، ووقف قدام أمه بمنتهى الحزم والجمود.
فلوسك مش عايزينها يا أمي، خليهالك بنتك أولى بيها، قالها طارق ببرود تام، بس اسمعي الكلمتين دول عشان مش هكررهم تاني من اللحظة دي، شقتي فوق منفصلة تماماً عن شقتك هنا. أكلنا فوق، وشربنا فوق، وندى مش هتنزل من فوق غير للواجب والزيارة اللي تليق بأمي وبس. طلبات، وعزايم على الجاهز، وصواني تنزل وصواني تطلع.. الباب ده اتقفل بالضبة والمفتاح.
حماتي شهقت شهقة خلت صدرها يترفع إنت بتقاطع أمك يا طارق؟! عشان خاطرها بتبيعني؟ بقى عشان مكرونة تقولي الباب اتقفل؟!.
أنا مبقاطعكيش، إنتِ أمي وجزمتك على راسي، وأنا اللي هنزل أخدمك بنفسي في أي حاجة تحتاجيها، بس بيتي له حرمته، وكرامة مراتي من كرامتي. واللي يقبل إن عياله يتكسر خاطرهم عشان يرضي حد تاني يبقى مش راجل.
ومروة أختي.. بلغيها إن من هنا ورايح، جوزها المحترم لما يعوز ياكل، ينزل يشقى ويجيبلها أكل دليفري أو يدخل المطبخ يطبخلها، لكن بيتي ملوش دعوة بيهم، وإلا قسماً بالله العظيم لو سمعت كلمة تانية من جوزها، هيكون ليا معاه تصرف مش هيعجب حد في العيلة دي كلها!.
لف طارق ضهره ومسك إيدي، وطلعنا السلم وحماتي واقفة ورا على الباب بتلطم على صدرها وبتقول ماشي يا طارق.. ماشي، طالع لمراتك وبتقف قدام أمك، بكرة تلف الأيام وتعرف مين اللي باقي لك ومين اللي غريب!.
طلعنا الشقة، قفل طارق الباب وراه ورمى المفاتيح على الجزمة. حسيت إن كل طاقتي خلصت، قعدت على أقرب كرسي وأنا برتعش من فوق لتحتي. البيت كان هادي، والولاد كانوا خايفين يتدخلوا.
قرب طارق مني، نزل لمستوايا على ركبه، ومسك إيديا الاتنين اللي كانوا متلجين، وقال بنبرة هادية بس فيها حزن عميق إنتِ زعلانة مني يا ندى؟.
بصيتله وعيني مليانة دموع أنا زعلانة من نفسي يا طارق.
. أنا اللي حطيتك في الموقف ده بضعفي وإحراجي الخايب. كان المفروض أول ما مامتك قالتلي هاتي الصينية، أقولها لأ بالذوق، أقولها ده غدا ولادي ومش هينفع. كان المفروض أكون أجرأ من كدة ومسمحش لحد يدوس على بيتي.
طارق اتنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قاع روحه اللي فات مات يا ندى. المهم إنك تفهمي إن الطيبة لما تزيد عن حدها بتتحول لسذاجة، وإن بيتك وعيالك هما أولويتك الأولى في الدنيا دي، قبل أي حد وقبل أي خاطر. أنا نزلت وجبت حقك وحق الولاد، بس الحكاية مش هتخلص على كدة.. أنا عارف أمي، وعارف مروة، ومش هيسكتوا على اللي حصل النهاردة.
كلام طارق كان صح، وممرش نص ساعة والبيت كان لسه بيحاول يستوعب الصدمة، لحد ما تليفون البيت الأرضي رن، وتليفون طارق رن
في نفس اللحظة.. رنات متواصلة ومزعجة ومبتفصلش.
طارق بص للتليفون، لقى الاسم اللي ظاهر على الشاشة عمي فتحي.. كبير العيلة وأخو أبوه، الراجل اللي مبيتدخلش في حاجة إلا لما تكون الدنيا خربت، واللي كلمته سيف على رقاب الكل.
فتح طارق الاسبيكر بإيد ثابتة بس ملامحه اتشنجت، وصوت عمه جه من الناحية التانية حاد وقاطع كأنه رصاصة إيه اللي هببته تحت في شقة أمك ده يا طارق؟! أمك بتكلمني منهارة وبتقولي طارق طرد بنتي وبهدلني وقطع صلته بينا عشان خاطر مراته! جهز نفسك يا ابن أخويا، أنا وعمامك وجوز أختك في الطريق ليكم حالا، والقعدة دي الليلة مش هتعدي على خير أبداً، ومراتك لازم يكون ليها حساب معانا في اللي حصل ده!
.
صوت عمي فتحي على الإسبيكر قفل المكالمة برزعة خلت الهوا في الصالة يتقل كأنه خرسانة. التليفون فضل يسكت بعد الرنة الطويلة، والهدوء اللي عم فجأة كان أخطر من أي زعيق. بصيت لطارق ولقيت عروق رقبته نافرة، وإيديه مضمومة لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضت. عيالي كانوا باصين من باب أوضتهم، يوسف حاضن أخوه الصغير سيف وعينيهم فيها خوف كأنهم مستنيين غارة جوية.
قربت من طارق، وحسيت إن أي دموع هتنزل مني دلوقتي هتكون رخيصة وضعيفة، كفاية ضعف لحد كدة، الضعف هو اللي وصلنا للباب المقفول ده. حطيت إيدي على كتفه وقلت بصوت حاولت أخليه أثبت من الجبل طارق، استهدى بالله. بلاش تقابل النار بنار. عمك فتحي راجل كبير، ومامتك أكيد حكتله القصة مقلوبة زي ما هي عايزة تبان.. مظلومة وابنها افترى عليها.
طارق لف وشه وبصلي، وكان في نظرته مزيج من التعب والوجع اللي يهد الحيل عارف يا ندى.. عارف إنها هتقلبهالي مظلمة وإنها ست مكسورة الجناح طردتها في عز الضهر، بس اللي واجع قلبي بجد هو رخص الحركة. يعني مروة تاكل، وتخلي جوزها يتريق، ولما أدافع عن كرامة بيتي، يروحوا يجروا يستقووا بعمي الكبير؟! ماشي يا مروة.. القعدة دي مش هتخلص إلا على حق واضح، ولو فاكرين إن عمي فتحي هيخليني أطاطي وأكسر مراتي قدامهم، يبقوا ميعرفوش طارق.
طب والعيال؟ سألته وأنا باصة ناحية الأوضة.
العيال يدخلوا جوة، يوسف ياخد سيف ويقفلوا الباب، وميطلعوش مهما سمعوا صوت. وإنتِ.. تقفي جمبي، راسك مرفوعة، ومترديش غير لما أقولك، بس متنزليش عينك من عين حد فيهم. إحنا مغلطناش، وإحنا أصحاب حق.
دخلت الولاد، بوست راس يوسف وقلتله حبيبي، خليك جوة وذاكر لأخوك ومتقلقش خالص، بابا وماما مفيش حاجة هتحصلهم، بس ده عمو فتحي جاي يسلم ويمشي. يوسف هز راسه بذكاء يفهم أكتر من سنه، وقفل الباب وراه بالراحة.
مرت نص ساعة تقيلة، كل دقيقة فيها بتمر كأنها سنة. عقارب الساعة في الصالة كانت بتكتك بصوت عالي كأنها بتعد تنازلي للمواجهة. وأخيرًا، سمعنا صوت خطوات تقيلة وكثيرة طالعة على السلم، خطوات مفيهاش ذوق ولا استئذان، وفجأة، رن الجرس رنة طويلة ومزعجة، ومعاها خبطتين بكف الإيد على الخشب.
طارق بصلي، أخد نفس طويل، وراح فتح الباب.
دخل عمي فتحي الأول، لابس عبايته الرمادي وطاقيته البيضا، راجل في أواخر الستين، وشه مبيضحكش للرغيف السخن، وماسك عكازه في إيده بيخبط بيه في الأرض مع كل خطوة. وراه كان عمي إبراهيم، راجل طيب شوية ومبيحبش المشاكل بس ماشي ورا فتحي في أي كلمة. ووراهم كان أحمد، جوز مروة، داخل عينه في الأرض وعامل نفسه الراجل المصلح والمحروق على العيلة، وأخيرًا، طلعت حماتي مسنودة على بنتها مروة، حماتي حاطة منديل على عينيها وبتمسح دموع مفيهاش أثر للبلل، ومروة ماشية وراها بصة بغيظ وكبرياء كأنها كسبت الحرب.
اتفضلوا.. البيت بيتكم، قالها طارق بصوت هادي وجامد، مفيش فيه لا ترحيب زايد ولا عداوة، مجرد وقفة راجل متمكن من مكانه.
عمي فتحي دخل وقعد على الكنبة الكبيرة في صدر الصالة، سند عكازه بين رجليه، ومردش السلام على طول. استنى لما الكل يقعد؛ حماتي قعدت جنبه وهي بتشهق، ومروة وقفت وراها زي الحرس، وأحمد قعد على طرف الكرسي جمب عمي إبراهيم. أنا وقفت جمب طارق، لا قعدت ولا دخلت المطبخ أعمل شاي ولا قهوة؛ الموقف ده مكانش فيه مكان للمجاملات العبيطة اللي بتضيع الحقوق.
عمي فتحي بص لطارق من فوق لتحت، وقال بنبرة صوت تقيلة وبطيئة إيه اللي سمعته ده يا طارق؟ من إمتى ولاد الحاج محمود الله يرحمه بيعلوا صوتهم على أمهاتهم؟ من إمتى يا ابن أخويا شقى السنين بيترد لأمك بزعيق وقلة قيمة قدام الجيران في بير السلم؟.
حماتي مسكت في الكلمة وانفجرت في العياط بصوت عالي شوفت يا أخويا فتحي؟
شوفت اللي جرالي على كبرتي؟ طردني وبهدلني وقال لي الباب اتقفل بالضبة والمفتاح، وكل ده عشان خاطر صينية أكل! بقى أخته العيانة اللي ضهرها واجعها تستكتر عليها لقمة نزلت في بطنها؟ وعشان مين؟ عشان خاطر السنيورة اللي واقفه جنبه دي، اللي ملت دماغه عليا وعلى أخته!.
مروة دخلت في الكلام بسرعة بنبرة مظلومة والله يا خالو، أنا ما كنت قادرة أقف على رجلي خالص من التعب، وأمي كتر خيرها شافتني كدة قالتلي خدي الصينية عشي بيها عيالك وراجل الغلبان ده اللي طالع عينه، قمت أنا فرحت بحنية أمي ومشيت، أفاجأ بجوزي بيقولي طارق بيكلمني يزعق ويغلط فيا في التليفون ويقول إحنا شحاتين وعايشين على أكل بيته! بقى إحنا شحاتين يا طارق؟.
أحمد جوزها هز راسه وقال بحزن مصطنع عيب يا طارق، إحنا نسايب ولحمنا واحد، وأنا لما كلمتك العصر كنت بهزر معاك وبشكرك على كرمك، تقوم تقلبها خناقة ومسخرة وتخلي عمك فتحي ينزل من بيته في عز الليل عشان صينية مكرونة؟.
الكلام كان متوزع بمهارة، سيناريو محبوك كأنهم مراجعينه على السلم قبل ما يدخلوا. حسيت بدمي بيفور، وحسيت إني لو سكت دلوقتي هبقى فعلاً الخاطية اللي خربت بين الراجل وأهله. بصيت لطارق، لقيت وشه اتغير من الجمود للغضب الحقيقي، بس قبل ما يفتح بقه، حطيت إيدي على دراعه وتقدمت خطوة واحدة لقدام.
عمي فتحي بصلي بحاجب
مرفوع، مستغرب إني بجرؤ أتكلم في قعدة رجالة خير يا ندى.. عندك حاجة تقوليها؟.
أخدت نفس عميق، وبصيت لعمي فتحي في عينه مباشرة من غير خوف عندي يا عمي فتحي، وحق ربنا لازم يتقال قدامك وقدام عمامي عشان إنت الراجل الكبير اللي بنحتكم ليه في العدل مش في الطبطبة على الغلط.
حماتي زعقت اسكتي إنتِ خالص! ملكيش كلام في القعدة دي، إنتِ السبب في كل اللي إحنا فيه!.
لأ، ليها كلام، طارق صوته قطع الصالة زي الموس، ندى مراتي وست بيتي، والبيت ده بيتها زي ما هو بيتي، ولما تكون هي اللي اتظلمت واتكسر خاطرها، يبقى هي أول واحدة تتكلم، واسمعها يا عمي للأخر، ولو طلعنا غلطانين، راس أمي هبوسها قدامكم كلكم.
عمي فتحي بص لحماتي وقال بحزم اسكتي يا أم طارق لما نسمع. قولي يا بنتي اللي عندك.
وقفت وثبت رجلي، وبدأت أتكلم بهدوء بس كل كلمة طالعة بوزن دهب يا عمي فتحي، أنا بقالي سنين في البيت ده، عمري ما خرجت كلمة سر لبرة، وعمري ما قصرت مع حماتي، تشهد هي بنفسها، لما بتعيا مين بيقعد تحت رجليها؟ لما بيجيلها ضيوف مين بينزل يطبخ ويغسل ويمسح من الصبح لليل؟ مش أنا؟ عمرك يا مروة نزلتي عملتي فنجان قهوة لأمك لما كانت راقدة بركبتها؟ كانت ندى اللي بتشيل وتحط.
مروة بصت للناحية التانية وسكتت، وأنا كملت النهاردة، أنا عملت صينية مكرونة بشاميل، مكلفة فيها بلحمة وجبن ولبن، أكلي وأكل عيالي وجوزي، حماتي ندهتلي، قالتلي مروة هنا وعايزة حتة، طلعت قطعت طبقين كبار مليانين، وحمرت بطاطس، وطلعت كانز بيبسي مثلج، ونزلت بيهم عشان أراضيها وأراضي بنتها، ده كرم مني ولا قلة أصل؟
رد عليا يا عمي فتحي.
عمي فتحي بص لحماتي ورجع بصلي ده كرم وبنت أصول، كملي.
نزلت، لقيت حماتي بتقولي مروة تعبانة واديها بقية الصينية تاخدها لبيتها، وأنا هديكي فلوس تشتري لحمة ولبن ومكرونة وتعملي غيرها. أنا اتكسفت، ومن إحراجي وقلة حيلتي مقدرتش أقول لأ قدام مروة وأكسر كلام حماتي، طلعت غلفت الصينية كلها ونزلتها وسلمتهالها بإيدي. وقفت خمس دقايق، مستنية حماتي تطلع مليم، مستنية مروة تقول كلمة شكر تعوض التعب، ولا ده حصل ولا ده حصل! خدوا الصينية في شنطة ومروة مشيت، وأنا طلعت شقتي أعيط، ولادي رجعوا من المدرسة ملقوش لقمة ياكلوها غير شوية مكرونة مسلوقة عليها معلقة صلصة بايتة، حتى البطاطس كنت حمرتها كلها ونزلتها ليهم تحت!.
عمي فتحي بدأ وشه يتغير، وبص لمروة بنظرة لوم، ومروة اتلبكت في وقفتها.
كملت وصوتي بدأ يلمع فيه القهر أنا سكت يا عمي، وبلعت غصتي وقلت ذنب عيالي في رقبتي ومش هعمل مشاكل مع جوزي، وقعدت أوكل الولاد مكرونة ناشفة بدموعي، لحد ما طارق دخل بيته، راجع هلكان من شقاه، مستني اللقمة اللي كلمني عليها العصر ومستني يشبع، وفجأة، أحمد جوز أخته يتصل بيه، مش عشان يشكره باحترام، لأ.. بيتصل يتريق ويقوله ببرود البشاميل كانت تجنن وأمك ادتهالنا وإحنا أولى بيها!
طارق يدخل بيته يلاقي عياله بياكلوا عيش ناشف ومكرونة باهتة، ونسيبه بيتشمت فيه إنه بياكل عشاه؟ ده يرضي ربنا يا عمي فتحي؟ يرضيك إن راجل يرجع بيته يلاقي أكل عياله اتوزع وتمنه اتنهب كأنه مش مالي عين حد؟!.
الصمت اللي نزل على الصالة كان مريب. عمي إبراهيم هز راسه وقال بصوت واطي لا والله.. ده ميرضيش ربنا أبداً.
أحمد حاول يرقع الموقف وشه احمر يا جماعة أنا كنت بهزر، والله كنت بفضفض مع طارق على سبيل الضحك والقرابة، مقصدتش أهينه أبداً!.
طارق خطى خطوة ناحية أحمد وقال بصوت يهد جبال تهزر بإيه يا أحمد؟ تهزر بأكل عيالي؟ إنت عارف تمن الصينية دي كام النهاردة في الغلا اللي إحنا فيه؟ عارف وقفة مراتي قدام الفرن وتعبها بيسوى إيه عندي؟ تهزر معايا وإنت ممدد في بيتك واخد صينية أكل جاهزة ومكلفة لبيتك ومن غير ما حتى تكلف خاطرك تقول كلمة عدلة؟
! ده إنت لو فيك ريحة الأصول، كنت لما تلاقي مراتك جايبة صينية أكل كاملة من بيت أخوها وعياله قاعدين، كنت تقولها عيب، هاتي نصها ورجعي الباقي للعيال، أو كنت نزلت اشتريت لولاد أخوك أكل دليفري قصاد اللي خدتوه! لكن تاكل وتتصل تتشمت؟!.
أحمد طأطأ راسه ومقدرش ينطق بحرف، كان شكله في منتهى الصغر والكسوف قدام حماه وقدام عمام طارق.
عمي فتحي بص لحماتي اللي كانت منكمشة على الكنبة والدموع نشفت من عينيها، وقالها بصوت عالي هز الكيان الكلام ده حصل يا أم طارق؟ الكلام اللي قالته ندى ده صح؟.
حماتي بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تدور على مخرج يا فتحي... أنا نسيت أديلها الفلوس، كنت ناوية أنزلهالها بكرة الصبح، هو إحنا هناكل عليها مليم يعني؟ دي مكرونة يا فتحي، مكناش نعرف إنها هتعمل الأزمة دي كلها!.
مش مكرونة يا أم طارق! عمي فتحي خبط بعكازه على السيراميك خبطة رنت في الحيطان، دي أصول وكرامة! إنتِ تفرقي بين ابنك وبنتك؟ تكسري خاطر مرات ابنك اللي شايلاكي وخدماكي عشان تدلعي بنتك وعيالها؟ وبنتك قاعدة ومستنية الصينية تتاخد من بوق العيال وتروح بيها بيتها وراجلها قاعد ولا على باله؟
! بقى دي التربية اللي سابهالكم المرحوم؟!.
مروة عيطت وقالت يا خالو
أنا مكنتش أقص....
اسكتي خالص! عمي فتحي زعق فيها ونهرها بحدة، مسمعش صوتك! إنتِ ست متمردة ومبتشبعيش، طول عمرك باصة في إيد أخوكي ومراته، وجوزك ده لو راجل بجد مكنش قبل ياكل لقمة طالعة بحسرة من بيت حد!.
عمي فتحي وقف على حيله، سند على عكازه، وبص لطارق اللي كان واقف بكرامة وثبات، وبصلي بنظرة كلها احترام وقال حقك عليا أنا يا بنتي. إنتِ بنت أصول، والبت اللي تصون جوزها وتكرم أهله لحد ما يجوا على عيالها وتقف بالحق كده، تتشال على الراس. وطارق مغلطش لما زعل، أي راجل حر عنده نخوة كان هيعمل أكتر من كدة لما يحس إن بيته استبيح.
لف عمي فتحي لحماتي ومروة وقال بلهجة قاطعة لا رجعة فيها اسمعي يا أم طارق.. واسمعي يا مروة، القعدة دي خلصت على الآتي، وتسمعوه كويس عشان لو اتخالف، ماليش قعدة معاكم تاني ولا أنا عمكم ولا أعرفكم أولاً أحمد يطلع من جيبه دلوقتي حالا تمن الطلبات اللي ندى كلفتها في الصينية، ويحطها قدام طارق هنا على الترابيزة، مش عشان طارق محتاج، عشان يتعلم إن أكل الناس مش بلاش، واللقمة الحرام والمنظرة الفارغة بتدفع تمنها من جيبك!
ثانياً مروة تعتذر لندى قدامنا كلنا على قلة ذوقها، ورجلك يا مروة متخطيش الشقة دي ولا تمدي إيدك على حاجة تخص بيت طارق، لو هتموتي من الجوع تروحي لبيتك وراجلك يطبخلك، بيت أخوكي له احترامه! ثالثاً أم طارق.. تفضلي في شقتك معززة مكرمة، وابنك يخدمك بعينيه، لكن تتدخلي في أكل وشرب الشقة دي، أو توزعي وتفرقي على حساب ندى وعيالها، ده ممنوع منعا باتا، والحدود دي لو اتكسرت، متلوميش غير نفسك.
أحمد مكدبش خبر، طلع محفظته بإيد مرتعشة، وحط الفلوس على الترابيزة من غير ما ينطق ولا كلمة، وشه كان في الأرض من الخزي. ومروة، بوش مكبوت ومحروق، قربت مني وقالت بصوت واطي ومخنوق حقك عليا يا ندى.. مكنتش أقصد.
بصيت لمروة وقلت بهدوء وثقة حقيقية لأول مرة أحس بيها مسمحاكي يا مروة، بس ياريت تفهمي إن عيالي ولقمتهم خط أحمر، وأنا لما بكرمك بكرمك بأصلي مش عشان أنا ضعيفة أو خايفة منك.
عمي فتحي هز راسه برضا، وطبطب على كتف طارق أنا ماشي يا ابن أخويا، وعايزك تهدي، أمك ملهاش غيرك برضو، بس الحدود دي اتعملت عشان البيوت تفضل عمرانة والمودة تفضل موجودة. يلا يا جماعة.. قدامي على تحت.
نزلوا كلهم، ورا بعض، بخطوات مكسورة وموطيين راسهم، الباب اتقفل وراهم بهدوء، بس المرة دي الهدوء كان معناه راحة، معناه إن كل واحد اتعرف مقامه، وإن الحق رجع لأصحابه من غير ما نكون إحنا اللي ظلمنا أو اتعدينا.
طارق مسك الفلوس اللي أحمد حطها على الترابيزة، مسكها واداهالي في إيدي وقفل صوابعي عليها الفلوس دي تمن تعبك، وبكرة الصبح تنزلي تجيبي اللي نفسك فيه ليكي وللعيال.
بصيت لطارق وابتسمت، حسيت إن جبل كان على صدري وانزاح. الطيبة حلوة، بس لما يكون وراها راجل وسند، ولما تكون الست عارفة إمتى تقول لأ وإمتى توقف أي حد عند حده. فتحت باب الأوضة، لقيت يوسف وسيف باصين ومبتسمين، جريوا عليا وحضنوني، قعدت على الأرض وسطهم وطارق نزل قعد جمبنا وضمنا كلنا في حضنه.
ومن الليلة دي، اتعلمت الدرس اللي عمري ما هنساه الإحراج اللي يضيع حق عيالك مش أدب، ده خيبة.
. واللقمة اللي تطلع بكرامة، بتشبع البيت كله رضا وعزة نفس.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق